بعد شوية دخلت بنوتة عمرها تقريبا 7 سنين، قعدت على جنبه وهو طبطب على راسها بإيده الشمال، فاكرين لما قلت إنه فيه شيء مختلف وتّرني؟ كانت إنه.. ماعندوش غير إيده الشمال! إيده اليمين.. مبتورة!!!!
حاولت ماركّزش في دا علشان ماجرحش مشاعره، وأكاد أجزم إنه ملاحظ نظراتي بس تجاهلني، بص لبنته بهدوء وبعدين بص لي وقال:
ـ “بسملة” للأسف مابتسمعش، صمّاء، ولما قلتِ في الإيميل إنك بتعرفي لغة الإشارة دا الشيء الوحيد اللي جذب انتباهي وعطاني أمل.. إني ممكن أتواصل مع بنتي زي الأول.
بلعت ريقي وانتبهت له، قلت باستغراب:
ـ زي.. الأول؟
رفع عينيه ليّ وقال ونظرة بؤس مالية عينيه رغم إن نبرته طبيعية:
ـ كانت مولودة طبيعية بتتجاوب معايا وبتكلمني عادي، بس..
حسيت بغصة في حلقه بيقاومها بإنه يبان هادي، بس مين أكتر مني يعرف عن المشاعر المخفية؟ قال:
ـ من سنتين حصلت حادثة، كانت السبب في إن “بسملة” تفقد سمعها، ومن ساعتها رفضت تقول أي كلمة مهما ودّتها لدكاترة، وقالوا إنها رافضة تتكلم، بس هي تقدر، وللأسف أنا معرفش لغة الإشارة، وهي مش راضية تتعلمها.
كمل كلامه وهو بيبص لي بقوة:
ـ الشيء الوحيد اللي خليتك تيجي هنا علشانه، مش إنك تعلميها إنجليزي، بل تعلميها لغة الإشارة.
بصيت لـ”بسملة”.. قاعدة بسكون زي طفلة مطيعة وناضجة.. بس دي مش عادة الأطفال! واضح جدا إن الحادثة صدمتها وأثرت عليها نفسيا، ودي الحاجة اللي لازم أحلّها الأول.
أنا ماكنتش جاية علشان كدا، بس.. نفس السنة اللي خرجت منها من الدار هي نفس السنة اللي حصلت لها فيها الحادثة، حظي وحظها ماكانوش حلوين.. بس يمكن.. يمكن حظها يتغير لو أنا حاولت.. لو بس حاولت!!
ـ إن شاء الله هكون عند حسن ظنّ حضرتك.
قلتها وأنا باصة له بهدوء ممزوج بالأمل، قد ايه الواحد مبسوط من مجرد التخيل.. إنه يكون جسر ما بين اتنين.. فرقتهم الدنيا.
هو اضطر أنه يروح شغله، واتفقنا إني هكون كل يوم هنا في نفس الميعاد، هو هيكون في الشغل، وأنا هكون مع أم عاطف والبنت الصغيرة.
قعدت مع البنت في أوضتها، كانت أوضة صغيرة وبناتي، وفي هدايا كتير محطوطة على جنب ماتفتحتش، شغلت راسي عن الموضوع وقعدت على المكتب وهي قدامي.
كانت معلومة مهمة إني أعرف إنها بتعرف تقرأ وتكتب، وبتقرأ كتب كتير المفروض إنها مخصصة للكبار، ومصطلحاتها معقدة.
ماعرفتش أبدأ معاها ازاي، بس كتبت في نوت بوك صغيرة أول كلامي ليها:
ـ ازيّك يا “بسملة”، عاوزة تعرفي أنا مين؟
لما ورّتها الورقة بصت لها وماهتمتش، سابتني وفتحت كتابها تكمل قراءة فيه، اتضايقت.. مش منها.. بل مني، هبدأ معاها ازاي؟
آه صح! الاستفزاز هو اللي بيخلي أي حد يتكلم!!
كتبت لها ورقة تانية وأنا ببتسم بخبث:
ـ شكلك عارفاني بس متجاهلة، أراهن إنك ماتعفريش اسمي.
اتعمّدت إني أغلط في الكلمة، ولما شافت الورقة بلا اهتمام بصت لي بضيق، أخدت قلم وعدّلت لي الكلمة.. واوووو!!
يعني عندها وسواس تصحيح الكلام ومش مهتمة بمعنى الكلام أصلا!!
يعدت أكتب تاني واتعمدت أغلط في كذا جزء:
ـ أنا “ناردين”، تفعري معني اسمى؟
شافت الورقة وبصت لي بضيق أكبر والمرة دي بدل ما تصحح بدأت تكتب بغضب، عطتني الورقة، قرأت اللي فيها:
ـ اسمها “تعرفي”، وبعدين ايه النقطتين اللي تحت ياء “معنى” دي؟ تخيلي نقرأ الكلمة بمدّ؟ وكمان حطي النقطتين دول في كلمة “اسمي” هنا بننطق المدّ بجد!
لو مش بتعرفي تكتبي ماتكتبيش!
مثلت البراءة على وشي وكتبت لها تاني:
ـ بس أنا مش بحب اللغة العربية، وعادي أغلط كتير، ماحدش بيدقق.
المرة دي اتعمّدت أضايقها علشان تنتبه للكلام المكتوب، بصت لي بصدمة لما قرأت الكلام وكتبت بعصبية:
ـ مش بتحبي اللغة العربية؟ طب جربتِ تقرئي كتب وروايات قبل كدا؟ وبعدين أنا أهو بدقّق، جبتِ منين إن ماحدش مهتم؟
كتبت لها ورديت عليها:
ـ وهي الروايات مهمة للدرجة دي؟ دي مجرد تضييع وقت.
كانت باصة لي ومش مصدقة اللي كتبته، وأنا بمثل اللامبالاة دلوقتي، وهي قعدت تكتب وأخدت وقت فاتعدلت وبصيت للورقة ولملامحها اللي باصة لي بغضب وبتشاور على المكتوب:
ـ لو الروايات والقصص مش مهمة فليه ربنا نزل القرآن بسرد قصصي وهو بيحكي لنا كل اللي حصل زمان؟ لو مش مهمة زي ما بتقولي كان ربنا نزل القرآن أوامر ونواهي وبس، واحنا كنا قلنا سمعنا وأطعنا وخلاص!
بس العقل البشري مش بيفتكر الأوامر والنواهي قد ما بيفتكر القصص اللي اتحكت له والعِبرة منها! تعرفي حتى إن الأوامر والنواهي في القرآن بتعادل 2٪ فقط من المصحف؟
أنا كنت مدهوشة، ازاي بنت 7 سنين بس عندها القدرة إنها تكتب كلام زي دا؟ دي فعلا أكبر من سنّها بكتير!!
كتبت لها وأنا عارفة نهاية الحوار دا ايه:
ـ اقتنعت شوية، ممكن أفكر فعلا في القراءة.
بصت للورقة وردت عليّ:
ـ أرشح لك رواية؟
بصيت لعينيها اللي بيشعّوا حماس، وهنا عرفت نقطة ضعفها اللي برضه بتشكّل نقطة قوتها.. القراءة!!
ـ مش عارفة، ممكن أقرأ وتعلميني اللي تعرفيه واحدة واحدة، بس بشرط!
بصت لي باستفهام لما قرأت اللي كتبته، ارتحت على الكرسي وأنا بمثل التفكير، وبعدين حركت إيدي بإشارة معينة، كانت مستغربة ومش فاهمة وكأنها بتسألني “يعني ايه؟”.
كتبت لها على الورقة معنى الإشارات:
ـ أنتِ هتعلميني الروايات، وأنا هعلمك لغة الإشارة.
كتبت لها تاني:
ـ ايه رأيك؟ تقدري ترشحي لي رواية؟
بصت لي الأول بترقب وهي بتراقب ملامحي، وأنا مبتسمة ومنتظرة ردّها على أحرّ من الجمر، لإنك لو كسبت ودّ طفل.. هيبقوا زي الصلصال.. تقدر تشكّله زي ما أنت عاوز.
كتبت لي ورقة وأنا أخدتها وقرأتها بهدوء علشان ماتفكرنيش متحمسة، بس أنا هطير من الحماس والانتظار!
ـ رواية “إيكادولّي”.
ضحكت لها بلا وعي ولاحظت ابتسامتها، كانت دي عبارة عن موافقتها إني أعلمها، وأديني اكتسبت هواية جديدة منها.. القراءة! وخاصة الروايات!
بدأت أعلمها بعض الإشارات، زي المشاعر.. بحبك.. بكرهك.. وهي بتتعلم بسرعة! كانت ذكية جدا وأنا كنت أكتر من مرتاحة معاها! دا أنا اتمنيت تكون بنتي!
في آخر اليوم كتبت لها بهزار:
ـ ايه الشطارة دي؟ ايه رأيك أخطفك ونهرب من هنا وأخليكِ بنتي؟
ضحكت لي، أخدنا على بعض وبقيت بعاملها زي أختي الصغيرة، بقيت بحسّها شبهي، هي مش مختلفة.. أو غريبة.. هي بس.. بتظهر على حقيقتها مع الناس اللي شبهها.
كان دا خلاص ميعاد مشياني، الباب اتفتح وكان هو وصل خلاص، وشكله جه بدري علشان يتطمن على “بسملة”، سألني عنها بهدوء فقلت:
ـ اللهم بارك، بنتك ذكية واتعلمت بسرعة.
لفيت لها وقلت لها بالإشارة:
ـ قولي له اللي علمته لك.
بصت له بحماس هو استغربه وبعتت
له إشارة كان معناها “بحبك”.
قال باستغراب وهو بيبص لي:
ـ معناها ايه؟
ـ ابقى اسألها هيّ، أنا ماشية بقى.
حركت إيدي بالإشارة ليها إني ماشية، وهي فهمت الحركة.. فعلا بتتعلم بسرعة! بس بصت لي بفزع وهي بتخليني أستنى.. استنيتها.. دخلت أوضتها وجابت لي حاجة.. كانت الرواية! أول جزء من السلسلة اللي حكيت لي عنها.
أخدته منها بهدوء واستأذنت ومشيت، بس قبل ما أمشي كان مركز مع كل حاجة.. ومستغرب ازاي العلاقة اتبنت ما بيننا بالشكل دا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل ما أروَّح البيت جذب انتباهي شكل النيل بالليل، بالعبّارات اللي ماشية فيه وإضاءتها الدهبية اللي خلعت عيني تلمع، اتمشيت شوية قبل ما أركب مواصلات الرجوع، كان منظر بشكر ربنا إني هعدّي عليه كل يوم بسبب البنت دي.
روحت البيت، الشقة ماكانش فيها حدّ.. ودا غريب! فتحت موبايلي، “آلاء” رنّت عليّ 10 مرات؟؟ رنيت عليها بقلق وأنا بقفل الشقة ونازلة وهي ردت:
ـ أخيرا يا “ناردين”! أنتِ فين؟
اعتذرت منها، كان لازم أقفل موبايلي علشان الدرس، قلت بقلق:
ـ أنتم اللي فين؟ مفيش حد في الشقة ليه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!