الفصل 1 | من 7 فصل

رواية ندبة الفصل الأول 1 - بقلم رحمة محسن

المشاهدات
19
كلمة
737
وقت القراءة
4 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

الندبة الأولى
ليست كل الندوب تُرى بالعين؛ فبعضها يختبئ خلف ابتسامةٍ هادئة، وبعضها يسكن القلب حتى يصبح جزءًا منه. نظن مع الوقت أننا شُفينا، بينما نحن فقط تعلمنا كيف نُخفي الألم جيدًا.
هذه الحكاية ليست عن جرحٍ أحدثه القدر فحسب، بل عن أرواحٍ حاولت النجاة وهي تحمل ندوبها بصمت، وعن قلوبٍ التقت صدفةً لتكتشف أن أكثر الأماكن وجعًا قد تكون أيضًا بدايةً للشفاء
فلكل إنسان ندبة لا يراها أحد… وهذه ندبتهم.
في بعض البيوت، لا يسكن الصمت وحده، بل تسكن معه حكاياتٌ لم تُروَ، ودموعٌ جفّت قبل أن تجد من يمسحها، وقلوبٌ اعتادت أن تُخفي وجعها خلف ملامحٍ تبدو عادية للجميع.
كان بيت يارا واحدًا من تلك البيوت التي تبدو هادئة من الخارج، بينما تضجّ في الداخل بأصواتٍ لا يسمعها أحد، جدرانه قديمة، وأثاثه بسيط، لكنه كان يحمل بين زواياه من الحزن ما يكفي ليُثقل قلب فتاةٍ في مقتبل العمر
في تلك الليلة، كانت يارا تقف أمام النافذة في ساعةٍ متأخرة، حين يغفو الجميع وتبقى الأرواح وحدها في مواجهة ما تخفيه، أسندت جبينها إلى الزجاج البارد، وأخذت تُحدّق في السماء وكأنها تبحث بين النجوم عن شيءٍ فقدته منذ زمن، أو ربما عن إجابةٍ لسؤالٍ لم تجد له يومًا جوابًا
كان القمر مكتملًا، يسكب ضوءه الفضي على الشوارع الخالية، فيما كانت نسمات الليل تتسلل بهدوء إلى غرفتها، فتحرك أطراف الستائر البيضاء كما لو أنها تهمس لها بشيءٍ لا تفهمه
تنهدت ببطء، وضمت ذراعيها إلى صدرها كأنها تحاول احتضان نفسها. لم تكن تعرف متى تغيّرت
لم تستطع أن تحدد اللحظة التي أصبحت فيها تشعر أن الحياة تمضي مسرعة من حولها، بينما هي عالقة في مكانها، كأن الزمن توقف عند ذكرى قديمة رفضت أن ترحل
كانت في الثامنة عشرة من عمرها، لكن عينيها تحملان حزن امرأةٍ عاشت أعمارًا من الخذلان،في ملامحها هدوءٌ يوهم من يراها بأنها بخير، وفي قلبها ضجيجٌ لا يهدأ.
تعلمت منذ صغرها أن تخفي دموعها، وأن تبتسم حين يُطلب منها ذلك، وأن تقول “أنا بخير” حتى في أكثر اللحظات التي كانت تتمنى فيها أن تنهار بين ذراعي أحدهم دون أن تُسأل عن السبب.
كبرت وهي ترى أمها تقاوم الحياة وحدها. امرأةٌ أنهكها الزمن، حفرت الأيام تجاعيدها مبكرًا على وجهها، لكنها ظلت متماسكة من أجل ابنتها. كانت تخشى المستقبل كما يخشى الغريق الموج، وترى أن الزواج هو طوق النجاة الوحيد ليارا …
لم تكن الأم قاسية، لكنها كانت تؤمن بأن العالم لا يرحم امرأةً بلا سند، وأن اسم رجلٍ بجوار اسم ابنتها كفيلٌ بأن يحميها من قسوة الأيام، حتى لو لم يمنحها السعادة
أما يارا ، فلم تكن تعرف إن كانت تؤمن بذلك حقًا، أم أنها فقط اعتادت أن تستسلم لما يُقرره الآخرون عنها.
أبعدت نظرها عن السماء، والتفتت إلى غرفتها الصغيرة. على المكتب الخشبي القديم كانت بعض الكتب المكدسة، ودفترٌ اعتادت أن تكتب فيه كل ما تعجز عن قوله. اقتربت منه، فتحته على صفحةٍ بيضاء، ثم أمسكت بالقلم وكتبت بخطٍ مرتجف:
“هل يمكن للإنسان أن ينجو من الأشياء التي لم يخترها؟”
ظلت تحدّق في السؤال طويلًا، وكأنها تنتظر من الورقة أن تجيبها.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان “يامن” يجلس وحده في شرفة غرفته، يتأمل أضواء الشوارع الممتدة أسفل البناية. بدا ناجحًا في نظر الجميع؛ شابًا هادئًا، متزنًا، استطاع أن يحقق ما يتمناه كثيرون. لكن أحدًا لم يكن يرى ذلك الفراغ الذي يسكن داخله
كان يحمل في قلبه جرحًا قديمًا، علّمه أن بعض الخيبات لا تزول، وأن الإنسان قد يبتسم كثيرًا بينما يخفي وراء ابتسامته عالمًا كاملًا من الحزن
أطفأ سيجارته في شرود، وأسند رأسه إلى المقعد، ثم أغمض عينيه محاولًا أن يقنع نفسه بأن الغد سيكون أخف وطأةً من الأمس
لم يكن يعلم أن القدر، في تلك اللحظة نفسها، كان ينسج خيوط لقاءٍ سيبدّل الكثير مما ظن أنه لن يتغير.
عاد الصمت يخيّم على غرفة يارا أغلقت دفترها برفق، ثم عادت إلى النافذة مرةً أخرى. كان هناك شعورٌ غريب يتسلل إلى قلبها؛ خوفٌ مبهم، يمتزج برجاءٍ خافت، كأن شيئًا ما يقترب منها دون أن تعرف ماهيته.
أغمضت عينيها وهمست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
“اللهم امنحني قلبًا لا ينكسر مرةً أخرى.”
انسابت دمعةٌ وحيدة على خدها، لكنها لم تمسحها هذه المرة
تركتها تهبط ببطء، وكأنها تُفرغ معها شيئًا ثقيلًا ظل عالقًا في روحها لسنوات
وفي مكانٍ ما من هذه المدينة المزدحمة، كان القدر يستجيب لدعائها على طريقته الخاصة
ولم تكن تعلم أن دعاءها قد بدأ يجد طريقه إليها بالفعل.
تُرى… ماذا يخبئ القدر لروحَين أنهكهما الألم

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...