رواية ندبة الجزء الثاني 2 بقلم رحمة محسن ندبةرواية ندبة الحلقة الثانية حين تدخّل القدر مرّت الأيام متشابهة في حياة يارا؛ تستيقظ مع خيوط الفجر الأولى، تُعدّ الشاي لأمها، ترتب المنزل في هدوء، ثم تمضي ساعات النهار وكأنها تؤدي دورًا تحفظه عن ظهر قلب، كل شيء يبدو عاديًا لمن يراها، لكن داخلها كان عالم كامل من الأسئلة والقلق
كانت تبتسم حين تتحدث إليها أمها، وتجيب باقتضاب حين تسألها الجارات عن أحوالها، لكنها كلما اختلت بنفسها شعرت بثقلٍ غامض يستقر فوق صدرها، كان هناك إحساس دائم بأن شيئًا ما يقترب، شيء لا تعرف إن كان يحمل لها الخلاص أم وجعًا جديدًا وفي كل ليلة، كانت تعود إلى دفترها الصغير، تكتب فيه ما لا تستطيع البوح به لأحد. في إحدى الصفحات كتبت: “أخشى أن أقضي عمري كله أؤدي ما يُطلب مني، دون أن أعيش الحياة التي تمنيتها يومًا.”
أغلقت الدفتر سريعًا كأنها تخشى أن يقرأ أحد اعترافها الصامت في ذلك الصباح، كانت أمها تقف في المطبخ تُعدّ الإفطار على غير عادتها في صمتٍ طويل. كانت تتحرك بتوتر واضح؛ تضع الأكواب ثم تعيد ترتيبها، تمسح يديها في طرف ثوبها أكثر من مرة، وتتجنب النظر مباشرة في عيني ابنتها شعرت يارا أن هناك أمرًا ما جلست إلى الطاولة وسألت بهدوء: —مالك يا أمي؟ شكلك متوترة ترددت الأم للحظات، ثم جلست أمامها وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
—يا يارا … في عريس متقدم لكِ توقفت يد يارا في الهواء، وتجمدت الكلمات على شفتيها، شعرت وكأن الزمن توقف فجأة، وكأن الجملة البسيطة التي نطقتها أمها حملت معها ألف سؤال دفعة واحدة نظرت إليها في صمت طويل قبل أن تسأل بصوت مرتجف: —تعرفينه جيدًا؟ أومأت الأم بسرعة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال —رجل محترم، مقتدر، وسمعته طيبة. سيؤمّن لكِ مستقبلًا لا أستطيع أنا أن أضمنه
أخفضت يارا رأسها، وأخذت تعبث بطرف ملابسها في توتر، لم تكن تحلم بحياة مثالية، ولا بقصرٍ ولا بثروة، لكنها كانت تتمنى فقط أن تُمنح حق الاختيار، أن يأتيها من يرى قلبها قبل أن يطلب يدها قالت بصوت خافت: —لكنني لا أعرفه. تنهدت الأم، وفي عينيها خليط من الرجاء والخوف —الحب يا ابنتي ليس كل شيء. الأمان أهم
رفعت يارا عينيها إليها، ورأت في ملامحها تعب السنوات كلها، لم تكن أمها قاسية، بل كانت امرأة تخاف عليها من الحياة، وتحاول أن تحميها بالطريقة الوحيدة التي تؤمن بها لذلك لم تقل شيئًا لكن الصمت هذه المرة كان أثقل من أي اعتراض حلّ المساء ببطء، وكانت يارا تجلس على سريرها ممسكة بهاتفها، تقلب بين التطبيقات بلا اهتمام. لم تكن تقرأ ما يظهر أمامها، فقد كانت كلمات أمها ما تزال تتردد في رأسها “في عريس متقدم لكِ.”
جملة قصيرة، لكنها بدت لها وكأنها باب يُفتح على مستقبل لا تعرف ملامحه وبينما هي غارقة في أفكارها، ظهر إشعار برسالة جديدة من رقم غير مسجل ترددت قبل أن تفتحها كان محتواها بسيطًا: “أحيانًا أشعر أن بعض الأرواح تتشابه حتى قبل أن تتعارف.” حدّقت في الكلمات طويلًا من هذا الشخص؟ وكيف سمح لنفسه أن يكتب جملة شعرت وكأنها خرجت من أعماقها؟ كادت تغلق الرسالة دون رد، لكنها أعادت قراءتها مرة أخرى
للمرة الأولى منذ أيام، شعرت أن هناك من يتحدث اللغة نفسها التي يضج بها قلبها وبعد تردد طويل كتبت: “وربما تتعرف الأرواح لأنها تحمل الوجع نفسه.” لم تتوقع أن يرد سريعًا “إذن ربما لسنا غرباء كما نظن.” ابتسمت يارا ابتسامة خفيفة لم تشعر بها منذ وقت طويل كان اسم ذلك الغريب “يامن” ومنذ تلك الليلة، بدأت الرسائل تتكرر
في البداية كانت مقتضبة وحذرة؛ أسئلة بسيطة عن اليوم والكتب والأفكار، ثم شيئًا فشيئًا، تحولت الكلمات إلى أحاديث طويلة تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل حدثته عن خوفها من المستقبل دون أن تذكر تفاصيل كثيرة وحدثها عن شعورٍ دائم بالنقص رغم كل ما يملكه قال لها ذات مرة: “أصعب ما في الحياة أن تبدو قويًا بينما كل شيء داخلك يتهاوى.” قرأت رسالته أكثر من مرة، وشعرت وكأنه يصفها هي
وكان هو يجد في كلماتها صدقًا نادرًا، وهدوءًا يشبه البيت بعد يومٍ طويل من التعب أما هي، فكانت تشعر لأول مرة أن هناك من يصغي إلى صمتها، ويفهم ما تعجز عن قوله شيئًا فشيئًا، أصبح اسم يامن هو أول ما تبحث عنه حين تمسك هاتفها، وآخر ما تفكر فيه قبل أن تغفو لكن الحياة لا تمنح الطمأنينة بسهولة … فبينما كان قلبها يقترب منه يومًا بعد يوم، كانت أمها تستعد للقاء العريس، وتتحدث بحماس عن المستقبل وكأن كل شيء قد حُسم بالفعل
كانت يارا تشعر بأنها تسير في طريقين متعاكسين في الوقت نفسه طريق يقودها إلى شخص لم تره بعد، لكنه اختير لها وطريق آخر يقودها إلى روح لم تلتق بها وجهًا لوجه، لكنها شعرت معها بشيء يشبه الأمان وفي كل مرة يرسل لها يامن رسالة، كان قلبها يخفق فرحًا وخوفًا معًا ماذا لو جاء في الوقت الخطأ؟ وماذا لو كان هو الشيء الجميل الذي لا يسمح لنا القدر بالاحتفاظ به؟ في تلك الليلة، أغلقت هاتفها بعد حديث طويل معه، وأسندت رأسها إلى الوسادة
كانت الدموع تنساب بصمت على وجنتيها، بينما يتردد سؤال واحد في قلبها: “لماذا يأتي الأشخاص الذين نشعر معهم بالأمان في الوقت الخطأ دائمًا؟ على الجانب الآخر من المدينة، كان يامن ينظر إلى آخر رسالة منها، ويبتسم دون أن يدرك أن هذه الفتاة الهادئة بدأت تحتل مكانًا لم يستطع أحد الوصول إليه منذ سنوات. أما يارا، فقد أغمضت عينيها وهي تشعر بأن قلبها يقف على حافة قدرٍ لا تعرف إن كان يحمل لها النجاة أم ندبة جديدة
ولم تكن تعلم أن الأيام المقبلة ستحمل لها من الحب والألم ما سيترك في روحها أثرًا لا يُمحى أبدًا. لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية ندبة) CaMoمنذ 22 ساعة 0 4 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!