كان يقف باكراً مع العمال الذين يقومون بجمع ثمار المانجو. ليأتي عامل يخبره: "فيصل بيه حافظ بيه بيقولك هيستناك على العشا عنده في السرايا الليلة." ليبتسم بتهكم: "وماله هاجي بس قوله إني مش بتعشى، بحب أنام خفيف، هفوت عليه الساعة عشرة ونص." لينصرف العامل باحترام. ليقف فيصل يزفر أنفاسه ويقول لنفسه: "يا ترى إيه اللي عايزه يا حافظ يا غُمري." كانت نائمة تحلم. بطفلة صغيرة تحمل دميتها، لتسمع صوت شجار عالٍ.
لتدخل وتُصعق وهي تجد والداها يضرب بالرصاص أمام عينيها ويهوي أرضاً. لتقع دميتها ويتحطم قلبها. استيقظت بفزع، لتمسح العرق من على وجهها. لتفاجئ بدخول والدتها عليها. تقول لها: "كنتي بتصرخي ليه يا ناني؟ أنا جيت على صريخك." لتقول ناني: "أبدًا، دا كابوس." لتقول بحنان: "افتكرتي الحادثة القديمة؟ لترد ناني: "ومن إمتى كنت نسيتها، بس يظهر جه الوقت لتحقيق العدالة ودفعهم تمن ذلي وعذابي." "ومن نفس الكأس هيشربوا." لتقول والدتها:
"الانتقام كأس مر وأنا خايفة عليكي، ممكن تشربي من نفس الكأس، إنسي يا بنتي وفكري في ابنك وعلميه الأمانة والمحبة." لتقول ناني بتكرار: "أمانة ومحبة؟ أنا معرفهمش." "أنا اللي أعرفه هو الخيانة والكره اللي هما كذبوا بها زمان وهربوا من الجزاء." نزل يصفر ليذهب إلى غرفة السفرة، ليجد والده وزوجته يجلسان يتناولان الطعام. ليميل يقبل زوجة أبيه، قائلاً: "صباح جميل يا أقبال هانم حبيبة قلبي." لتبتسم وتقول:
"صباح النور يا عصام. اقعد أفطر ولا وراك حاجة؟ ليبتسم عصام ويقول: "ولو ورايا تتأجل، مفيش أهم من إني أتناول فطاري بصحبة أقبال هانم زوجة حكيم بيه غُمري وخالتي الحلوة." لتضربه بيدها بخفة على يده وتقول: "ماتفضلش بيئة وقولي يا طنط." ليضحك عصام قائلاً: "أنا بنغشك يا جميل، إنتي ماما اللي ربتني، بس أنا بحس إني بكبرك لما أقولك يا ماما أو طنط، إنتي لما بتمشي جنبي بيقولوا أختي الكبيرة." ليضحك أبيه على مزحه ويقول:
"بكااش عايز تفهمني إن أقبال تبان في السن أصغر من ليلى واختك الكبيرة؟ لتشعر أقبال بضيق وتقول: "وإيه جاب سيرة ليلى دلوقتي؟ ليقول حكيم: "عمي حافظ طلب ليلى في التليفون وقالها إنه هيستناها على العشا هي وعصام." لتقول أقبال: "يعني أحنا هنتعشى عنده الليلة؟ بس أنا معزومة على ندوة في النادي، أنا ضيفة شرفها." ليقول حكيم: "لأ متخافيش، هو عازم عصام وليلى بس." لتستعجب وتقول:
"وأحسن أنا مش بحب أشوف وشه الاتم ولا هو بيحبني، ونظراته ليا اللي كلها كُره." ليبتسم عصام ويقول: "ليه دا أنتي عسل نحل." ليضحك حكيم. لتبتسم أقبال وتقول: "طبعاً حبيبي عيونه جميلة، بس ابقي قوليلي هو عازمك أنت وليلى ليه؟ أكيد في حاجة، هو حافظ غُمري بيعمل حاجة إلا وكان وراها هدف في دماغه السم." منتصف النهار. كان فيصل يسير مع كبير عماله يدعى العم محمود بمزرعة العنب المملوكة له. ليقول العم محمود:
"محصول العنب السنة دي هيبقى كبير." ليبتسم فيصل ويقول: "ربنا يبارك ويزيد، بس خلي بالك من العصافير وخلي دايماً العمال يصفروا عشان العصافير متأكلش حب العنب وتفسد العناقيد." ليقول العامل: "أنا بعمل كده، وأهي هانت العنب بدأت الميه تجري في حباته ويحلو." ليقطف فيصل أحد العناقيد ويأكل منه. ليقول العم محمود: "هو مابقاش حصروم وبدأ يحلو." ليبتسم وهو يتذكر أحداهن كانت تحب تناول حبات العنب وهو حصروم. لينفض عنه سريعاً.
ليقول العم محمود: "أنا جالي أكتر من تاجر عشان شراء العنب، وقولت لهم الاتفاق هيكون مع سيادتك مباشر، وهما طالبين ميعاد من سيادتك." ليقول فيصل: "قولهم هقابلهم بعد بكرة عندي بالفيلا الساعة سبعة المغرب." ليتنحنح العم محمود قائلاً: "الناس في البلد بتسأل، هو سيادتك صحيح ناوي ترشح نفسك في مجلس الشعب؟ ليبتسم فيصل قائلاً بمراوغة: "إيه رأيك يا عم محمود، أنفع؟ ليرد العم محمود:
"طبعاً تنفع، إنت كل الناس بتحبك وبتقدرك، وانت فاكر لما انتخبوك الفلاحين في المركز كله من غير ما تقدم ترشيح لنفسك في الجمعية الزراعية." ليبتسم فيصل ويقول: "بس رئاسة الجمعية الزراعية مش زي عضوية مجلس الشعب، وعمتاً أنا لسه مقررتش ولسه وقت على فتح باب الترشح، وزي ما بيقولوا لكل مقامٍ مقال." كانتا تجلسان بظلال أحد الأشجار يبتسمان على لعب أطفالهما معًا. لتقول ناني وهي تضحك:
"بنتك الظاهر مش هتطلع لك هبلة، شوفي البت لما مجدي وقتها سهته وخربشته." لتبتسم لميس وتقول: "وارثة شر أبوها." لتقول ناني: "أهو أول إثبات إنها بنته، شر أبوها الناعم." "بس أنا مش عارفة كان فين عقلك وإنتي بتتجوزيه في فرنسا جواز مدني؟
"أهو قضى معاكي كام يوم وغفلك، وقبل ما يزهق منك استفاد من قانون البلد وفسخ عقد الجواز للضرر، وبفسخ العقد أصبحتي إنتي في نظر الكل مش متجوزة لأن ما فيش إثبات على جوازكم، ومصيبتك الكبيرة هي جوانا ونسبها له، اللي أنا متأكدة إنه هينكره، ما هو مش هيسيب العز ده كله عشان سواد عيونك إنتي وبنتك." لترد لميس: "ما أنا عارفة، بس لو اتهدد بالمحكمة ممكن يوافق." لتقول ناني: "محكمة إيه اللي تثبت لك بنتك؟
إنتي معكيش حتى ورقة جواز عرفي، وكمان ممكن يقدر يزور تحليل البصمة الوراثية بسهولة، إنتي اللي قدامك شخص مش سهل، إنتي لولا جدك حافظ مكنتيش عرفتي تنزلي مصر ببنتك بسبب عدم وجود أب لها، إنتي ناسيه إنها في كل الثبوتات في فرنسا مكتوبة باسمك." لترد لميس: "أهو قولتي جدي هو اللي دخل بنتي مصر، أنا لو قولتلُه من أبوها متأكدة إنه هيخليه يعترف بها غصب عن عينه." لتقول ناني: "والله جدك لو عرف مين أبو بنتك ليطب ساكت بأزمة قلبية."
لتقول لميس سريعاً: "بعيد الشر عليه، إن شاء الله أبو بنتي." لتقول ناني: "وامتى هتقابلي أبو بنتك؟ لترد لميس: "لسه مقررتش، بس أكيد هرتب مواعيدي وأقابله." لتنظر ناني لها وتقول: "يا عيني على برودك ده، إنتي عندك برود يجمد قارة بحالها، إنتي كان لازم تقابليه من زمان وتواجهيه إن له بنت لازم تنكتب باسمه." "إنتي مش محتاجة منه غير الاسم بس." لترد لميس بهدوء: "كل شيء بأوانه." لتنظر ناني إليها بغيظ وتقف وتقول:
"أنا مش عارفة إيه البرود اللي عندك ده، داهية فيكي وفي برودك، أنا هروح ألعب مع ميجو وجوانا." لتضحك لميس عليها وتقول: "أنا مش عارفة إنتي المفروض مصممة دعاية وتسويق إزاي بعصبيتك دي، المفروض تبقي أهدى من كده، إنتي المفروض بتبيعي الوهم للناس." لترد ناني: "ما إنتي كمان زيي، بس زيادة مصممة غباء وبرود، أنا ماشية قبل ما يجيلي الضغط والسكر من برودك." لتبتسم لميس وتقول: "بعيد الشر عليك يا حبيبي." لتنظر إليها ناني بشرر وتتركها.
بعد قليل وجدت لميس بالحديقة خرطوم يروي به زروع الحديقة، لتقوم بفتح المياه وتصويبها على ناني. والتي شعرت بخضة من المياه، لتنظر إليها بغيظ وتقول: "ابعدي الميه عني، رش الميه عداوة." لتضحك لميس وتقول: "ومن إمتى كنا أصدقاء؟ من المدرسة الداخلية اللي كنا فيها سوا، قال مدرسة راهبات دي متفرقش كتير عن الملجأ، فاكرة لما كنتي تصحيني من النوم على صريخك من كوابيسك؟ أنا كان نفسي وقتها أحرقك بجاز." لتبتسم ناني وتقول:
"اسم الله عليكي، إنتي كنتي بتقضي نص اليوم نوم من معاملة البنات التانية ليكي." "وزهق المشرفين منك ومن رخامتك، إنتي معرفتك كانت سودة." ليضحكا معاً ويلعبا بالمياه سوياً وينضم إليهم أطفالهم يمرحون معاً. ليبتسم ذلك الجد وهو يراهم من شرفة غرفته على تألفهم مع بعضهم ويتذكر رفيقة دربه التي رحلت منذ أشهر ويقول: "إنتوا الاتنين تستاهلوا كل السعادة تكون من نصيبكم." ليعود إلى الداخل.
ينظر إلى تلك الصورة الموجودة بجوار فراشه، ليمسكها ويجلس على الفراش قائلاً: "عارف إن أمنيتك الأخيرة يا تحية إنك كنتي تجمعى أحفادك جنبك عشان يشوفوا قلبك الحزين على فراق بناتنا الصعب، وأنا مشتاق لك، يا سلام قلبي كان وجودك بيسلي قلبي الحزن، بس يمكن لربنا حكمة إن أنا اللي أجمع أحفادي من بعدك، بتمنى ربنا يطول في عمري لحد ما أشوفهم متجمعين ونايلين السعادة اللي يستحقوها."
دخلت على زوجها مكتبه بالشركة، ليقف مبتسمًا ومرحبًا يستقبلها. ليقول: "مالك يا حبيبتي، جاية منين زعلانة كده؟ لترد: "كنت عند الدكتور اللي بيعالجني وقالي إن التقدم ضعيف." ليبتسم وهو يضع يديه حول خصرها يقول: "أنا مش عارف ليه شاغلة نفسك بحكاية الخلفه دي، سبق وقولت لك إني سعيد معاكي من غير أطفال يا ليلى." لترد عليه:
"أنا نفسي أكون أم يا شاهر ويكون عندنا طفل، دا حتى الدكتور قال إن صعب الحمل المجهري بسبب نسبة التبويض الضئيلة عندي." ليرد وهو يبتسم: "حبيبتي كل شيء بقدر وأنا قابل معاكي قدري." لتبتسم ليلى بامتنان وتقول: "جدو عازمنا على العشا عنده الليلة وكمان عصام أخويا." ليرد: "وماله يا قلبي نروح، بصراحة أنا بحب جدو حافظ." لترد: "بس أنا مش عارفة ليه مش مطمنة، حاسة إن في حاجة من وراء العشا ده."
"جدو من بعد موت تيتا تحية وهو انزوى لوحده." "أكيد ناوي على حاجة." ليرد: "يمكن حب يجمع أحفاده جنبه." دخل عصام وهو يبدو عليه الضيق إلى مكتب والده، ليجد أقبال تجلس معه. ليقول حكيم: "مالك مضايق كده ليه؟ ليرد: "هو في غيره فيصل العفيفي عامل لنا مشكلة؟ لتقول أقبال: "وجدك حافظ يعرف بكده؟ يمكن دا سبب العشا بتاع النهارده." ليرد عصام: "ياريت يقدر يوقفه عند حده بقى، أحنا بنخسر كتير بسببه."
كان فيصل يجلس بغرفة مكتبه بمنزله يعمل على بعض الملفات. لتدخل الخادمة عليه تقول باحترام: "أمرك يا فيصل بيه." ليرد دون النظر إليها: "اعملي لي قهوة يا نسيمة." لتقول: "واعملي ليا عصير مانجة فريش معاه، أكيد عندكم مانجة، ما هو مش معقول أبقى في بيت صاحب أشهر مزارع المانجة في الإسماعيلية وميكونش في بيته مانجة." ليرفع رأسه من على الملفات وينظر إليها بتعجب ويقف مرحباً بها قائلاً: "فجر الفهدي، أهلاً بيكي في بيتي."
ليشير للخادمة بالذهاب ويمد يده لسلام على فجر مرحباً بها بحفاوه. أما هي فأنزعجت حين سلمت عليه بسبب خشونة يده القاسية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!