تحميل رواية «نوح الباشا» PDF
بقلم ندا الشرقاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في اسكندرية كانت تقف موج في خلفها البحر وأمامها طاولة تعم بالاسماك وهي تهتف قائلة "اوزن يا مدام ،دا بتاع انهارده طازة تحبي تشوفي "قامت بفتح السمك بحترافيه من اخر راسها وهيا تشير إلى التي تقوم بالشراء وتهز راسها بمعنى اتري لكن قاطعها هجوم رجل يدعى على نفسه "مُعلم السوق " هتف وهو يشير لها بعصاه ويرفع احد حاجبه الغليظة _يالا يابت من هنا مفيش بيع سمك هنا هبطت موج عن الحجر الكبير الذي تقف عليه هاتفه بهدوء ما قبل العاصفة _ليه بس يا معلم احنا زعلناك في حاجة هتف الرجل الجشع وهو يضع يده اليمنى على مقدمه...
رواية نوح الباشا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندا الشرقاوي
في أحد الفنادق المشهورة في "سويسرا"،الذي يتميز بالفخامة والعلو ،وجهته من الزجاج الذي يعكس الرؤية ،تصميمه الجبار،كاد يلامس نطحات السحاب ،يتكون من عدة أدوار لا تعرف عددها ،لا يُقيم به إلا ذو سلطات كبيرة .
وقفت في منتصف الجناح تنظر إليه بعيون متلألئة،لأول مره ترى هذه الاشياء،كانت تراها في التلفاز فقط.
اليوم أصبحت من هذه الطبقة بفضل "نوح"الذي ظهر في حيّاتها فجأة،لكن تتمنى أن تتذكر حتى تتذكر أول مرة التقت بـ"نوح".
ولج العامل يضع الحقائب في أرضية الغُرفة ،ثم قف نوح الباب بقدمه ،خلع عنهُ سُترته ،وجدها تقترب من النافذة تستنشق الهواء ،ثم تُزفِره رويدًا رويدًا .
اقتربَ ليقف إلى جانبَها ، وضع راحةَ يده على أحدِ كتِفَيها ، فابتسمتْ ابتسامةً عريضةً، وقد رأى نضارةَ وجهِها تتلألأ في ضوءِ المساءِ.
سكنتْ لحظة ،ثم قالت بصوتٍ خافت
-حاسه إني بَحلم ،معرفش ليه ،نُوح أنت مُمكن تكون حلم؟
أنزل يده بجانبه ووقف أمامها يقف ،فتُقَلّ المسافة بينهما، مدّ سبّابته برفق، ثم رفع ذقنها بخفّة ، كأنّما يدعو ملامحها إلى أن تُزهر في عينيه ، تلاقت عينها بعينه ،وهمس
-ولو طلع حلم يا موج هتعملي ايه!؟
كانت علامات الأستفهام ،تتسابق في عقلها،وهمست لة
-معرفش بس هفضل أدور عليك ،ولو لقيتك وأنت متعرفنيش ،هحاول أخليك تحبني،بس يا ترى ساعتها ،نوح هيرضى يتجوز موج بتاعت السمك !؟
ردّ وهو يربتُ على يدها برفقٍ كما لو كان يُختم وعده
-لو كانت موج البحر هي اللي مفرحاني ومكّفياني،أنا مستعد أعيش على شطّ حُبها طول العمر.
سكتتْ لحظةً، ثم همست قريبةً من أذنه
-لو حَلم ،اتمنى أفضل بحلم ،ولا إني أصحى وأقابل حد تاني
أجابها وهو يقرّبُ وجهَه من وجهِها حتى اكتسى الكلامُ بصوتٍ شبهٍ مُختنقٍ بالانفعال
-بموتي يا موج،بموتي إنك تكوني لحد تاني ،أنا وبس .
ثُم مدَّ يدَه بحنانٍ فمسحَ خصلَةً من شعرِها خلف أذنِها، ثم استطرد ……
-فاهمة !
همست برفق
-فاهمة
أغلقتْ عيناها لثانيةٍ، وابتسمتْ ابتسامةً ترتجفُ فيها شجونةٌ من الفرح، ثم ميّلتْ رأسَها نحوَه، فوضعَ شفتاه برفقٍ على جبينِها كما لو كان يُباركُ بدايةَ عهدٍ بينَ قلبين.
قَاطَعَهُما صَوْتُ دَقاتِ البَابِ،فتَحَت عينَها سريعًا وهربت من أمامه ،ضَرَبَ كَفًّا عَلى كَفًّ ،وتَحرك بإتجاه الباب ،وقام بالفتح ،وجد العامل يَمُد يده بظَرف مُغلق وهتف
-سيدي ،هذا الظرف جاء مُنذ دقائق
أومأ له برأسه ،وشكره، ثم أغلق الباب ،أستمع إلى خرير الماء،فاستدلّ على أنّها تنعم بحمام دافئ يزيح عنها عناء السفر و الآلم .
جَلّس على أقرب مَقعد ،قام بَفتح الظرف المُغلق ،وجد بداخلها دعوةً عن إفتِتاح "أتيليهٍ فَخم للأزياء في سويسرا "
أحد أحدث دور التصميم في العالم، حيث تُعرض آخر صيحات الموضة وتُقدَّم لمحاتٌ فنية راقية.
أخذ يقرأ الدعوة بتمعّن، فتخيل الألوان والأقمشة والفساتين الفخمة التي ستتزيّن بها العارضات، وفكّر في كيف سيكون الحدث مناسبةً تجمع بين الفن والجمال والأناقة الرفيعة على ضفاف جبال الألب الساحرة.
……………………
-الورق معايا ،في أقرب وقتٍ هيكون نوح على الحديدة ،حتى الحديدة مش هيلاقيها.
كان هذا حديثٌ مجهولٌ لم يُكشَف عن هويته إلى الأن .
جاء الردُّ بنبرة واضحةٍ حادّةٍ
-نوح لازم قبل ما يُموت ،يعيش أسوأ أيام حياته قبل ما يموت ،الموت راحه.
-أكيد بس الصبر ،وكُلُّ حاجة مع نوح الباشا هتكون ملك لينا
هتف الطرفُ الأخر بعد ما أشعل أحد سيجاره
-ومراته !
هزَّ رأسه بالرفض
-لا ،ملناش دخل بالحريم ،أحنا عاوزين ننهي على نُوح وبس.
شَرَد الأخر في الحديث وهو ينوي على كُلَّ الشر .
…………….
في مصر….
تحديدًا في الأسكندرية…
في منزل" عبدالعظيم الباشا"كانت سما تتسطح على الفراش بعدما تمت ولادتها على خَير ،وعادت بطفلتها الصغيرة.
ولج سامح وهو يمسك بيده "شهادة الميلاد "لدى الطفلة ،كانت علامات الحُزن تُزين وجه سما ،بسبب أختيار الأسم.
وضع الورقة بجانبها وهمس بهدوء
-مش هتفتحيها!؟
كانت تداعب طفلتها بهدوء،وردت
-ويفيد ب اي ،مش عمله اللي في دماغك وسمتها على اسم طنط الله يرحمها ،سميحة .
-بس أنا مسمتهاش سميحة يا سما
التفتت له واختطفت الورقة وجدت الأسم "صفا سامح"،ابتسمت ابتسامة واسعة وردت بسعادة
-صفا!!
سمتها صفا ،زي ما أنا عاوزة،بجد يا سامح ،بجد؟
جلس بجانبها وأحتضنها بذراعه وهمس بصوت خافت
-مقدرش ازعلك يا سما ،أنا معنديش غيرك ،وعادي ياستي أنا مش زعلان علشان أسم يعني .
دق الباب ودلفت "وفاء" وهى تمسك أحد الأواني وتقول
-عملتلك بقى الفرخة وشوية شربة علشان تتغذي كده
……………….
في سويسرا …..
كانت تقف "موج " أمام "نوح"،ترتدي فستانًا من اللون الأسود الداكن يبدو عميقًا في الظل ولامعًا حيث يلتقطه الضوء، بحمالات رفيعة ،مُجسم عند الخصر ،التنورة تنساب بإعتدال إلى اسفل رُكبتها ،ملمسه ناعم وكأنّه يحتضن الجسد،توازن الأنوثة دون مُبالغة ، مع شق جانبيٍّ طفيف يسمح بحركة أنيقة عند المشي.
كان يقف ينظر إليها نظرات ثاقبة ،نظرة مُصمم الأزياء العالمي "نوح الباشا"
-أستني
دلف إلى الغرفة وجاء بعُلبة سوداء أخرج منها صندل بكعبٍ متوسط رفيع ،انحنى أمامها ورفع أحد قدميها على ركبته ، ثم ألبسها الصندل بعنايةٍ وأناقة
وقف وهو ينظر إليها ثم ولج مره أخرى ،جاء بوشاح أبيض قام بوضعة على كتفيها وهتف
-كده الأنوثة كُلها أكتملت أكتر ،قطعة مارشميلو اتحطت في الشوكولاتة السايحة
-نوح
هتفت بهذه الكلمة وهى في قمة الأحراج من تصرفاته .
نظر إليها وهتف بحنو
-مالك يا موج ،زعلانة !؟
-لا مُحرجة .
-من اي ،اتعودي على كده ،هلبس وأجي علشان ننزل .
………….
بعد مرور أقل من ساعة ،كان باب الفُندق يُفتح ،ويدلف "نوح" يحتضن كفّها بكفه ،سلطت الأضواء عليهم ،فهو "نوح الباشا" ،ولأول مره يحضر شيئًا ومع أمرآه .
جلس على مقعده بعد ما تأكد من راحتها ،كانت تنظر حولها تكتشف العالم الجديد ،النساء التي تملئ المكان ، سارت الفتياتُ بثباتٍ واتزانٍ، وجوهُهنَّ هادئةٌ تُكملها ابتسامةٌ خفيفة ،تنوعت الأقمشة ،كالحرير المنساب كالماء،الألوان تتقاسم بين الداكن والفاتح، توقّفتُ إحداهنّ عند الطرفِ لتلتقط الأنظار، فامتزجت أنفاسُ الحضورِ مع نورٍ خافتٍ وموسيقىٍ ناعمةٍ، ثم تصاعدت الهتافاتُ والتصفيقاتُ مع ختام العرض
اقترب نوح منها وهتف بصوت عالٍ نسبيًا
-رأيك في الفساتين ايه
ابتسمت بسعادة وردت
-حلوين أوي يا نوح شكلهم يجننوا
جاء من الخلف "سُليمان "جلس بجانب نوح دون استأذان،نظر إليه نوح بنفس غير راضية وهمس
-خير ؟
وضع قدم على قدم وهتف بتعالٍ وتفاخر
-جيت أرحب بيك أنت سايب سويسرا من زمان بقالك خمس شهور ولا اي يا مدام
قبض على ياقة قميصه ،جذ على أسنانه وهتف
-ماتختبرش صبري يا سليمان وقوم أخفى من وشي
تمسكت نوح بذراع نوح وهتفت
-نوح الناس بتبص علينا
خفف قبضته على "سليمان "وهو يرى الأشخاص ينظرون إليه
أمسك" سليمان "يد "نوح" وأنزلها بجانبه وهمس
-هدي أعصابك يا نوح ليطق ليك عرق ،مش دا مثل مصري عندكم برده
ثم استطر ووجه حديثه لموج
-هيا المدام متعرفش إنك بتضحك عليها وإن مفيش قصة حب وأن أول مقابله بينكم كانت في المستشفى وإن دا كله بتضحك عليها يعني بتستغلها بس يا نوح الباشا
الفصل السابع عشر من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندا الشرقاوي
…أول مقابلة بينكم كانت في المستشفى وإن دا كله بتضحك عليها يعني بتستغلها بس يا نوح الباشا……
نظر إليه نوح نظرة مليئة بالكُره ،وجاء يقبض على قميصه حتى يلكمه ،لكن رن في أذنه صوت ارتطم بالأرض ،كان ذلك صوتَ الكأس الزُجاجي الذي كانت ترتشف منه،استدار لها وجد وجهها مشحوب،يداها التي ظهرت بها عروقها بشكل واضح،نظر في الأسفل وجد الدماء على قدميها نتيجة لأثر الزُجاج على قدميها .
قفز عن المقعد واقترب يلتقط كفّيها بين كفه،لكن وجد يدها مثل الثلج ،البرودة تتمكن منها ،ارتجفت وابتعدت خطوة ولم تُبالي لجروح قدميها .
تقدم خطوة أخرى حتى يضمها لكن كانت ترتجف وتهز رأسها بالنفي ،كان يستمع صوت ضحكات سُليمان وهو ينظر إليه بالسعادة ،كَسْر نوح الباشا ليست سهلة،الأن تمكن من كسرة وقهرة .
-عاوزة أرجع مصر
كانت هذه الجُملة التي تفوهت بها فقط ،اقترب وهو يشعر بالحزن ،يعلم انها سوف تتركهه همس لها
-طب اسمعيني
عضّت على أسنانها وهتفت بعصبية
-رجعني مصر بدل وأقسم بالله أفرّج عليك اللي في الفندق كُله يا نوح ،أفضحك هنا.
كان حديثها جاد للغاية من هيئتها ،لكن لم يُبالي لأي أحد ما يُهمه هي فقط.
جاء ليحملها لكن صرخت في وجهه ووقعت مغشيًّا عليها ،ارتطم جسدها بالأرض ،وبدأ الناس ينظرون إليهم ،انحنى بجزعه ليحملها بين ذراعيه .
قلبه ينفطر عليها ،الحديث وهيئتها وقع على نوح كأنه دلو مملوء بالثلج وسقط عليه.
حملها بين ذراعيه ،وهو يشعر أن أحدهم فتح صدره وأخذ قلبه يلتحمه وهو حي .
خرج نوح من الفندق سريعًا وهو يحملها بين ذراعيه، والناس تنظر إليه بدهشة، بعضهم يلتقط صورًا وبعضهم يهمس بخوف.
وصل إلى السيارة، وضعها برفق على المقعد الخلفي، وجلس خلف عجلة القيادة، ممسكًا بها بقوة وهو يستعد للانطلاق.
انطلقت السيارة بسرعة فائقة بين المركبات، نوح يراقبها بكل دقيقة، والخوف يدق في قلبه مع كل حركة لها،كل ثانية كانت تمر وكأنها ساعة، لكنه لم يلتفت لأي شيء حوله سوى الحفاظ عليها.
وصل أخيرًا إلى الفندق، ترجل من السيارة سريعًا،حملها مرة أخرى، واندفع نحو المدخل،كل خطوة كان قلبه ينزف معها، والناس يلتفتون بدهشة لرؤيته وهو يسابق الوقت ليصل بها إلى الأمان.
وصل إلى الجناح دلف سريعًا وضعها على الفراش ،واقترب من الحقائب ،يُخرج ما فيها على عجلة حتى أخرج زُجاجة العطر .
اقترب منها جلس على ركبته أمام الفراش وقام برش العطر حتى تفيق لكن كان دون فائدة .
حاول مره في الثانيه في الثالثة لكن كان دون فائدة ،أخرج هاتفه وقام بالاتصال على الطبيب ،تحدث سريعًا عندما رد الطبيب
-سيد ماركوس ،زوجتي وقعت مغشي عليها ،يجب عليك أن تحضر الأن على الفور .
جاءه الرد سريعًا من الطبيب
-أمرك سيد نوح ،لكن دعني أسالك ،هل وضعت رائحة قوية ولم تفيق
رد نوح سريعًا
-نعم ،لكن دون استجابة
-حسنًا أنا في المستشفى،يجب عليك جلبها إلى المستشفى الأن
أغلق الهاتف وحمل موج مره أخرى وهبط إلى الأسفل متوجه إلى المستشفى .
بعد مرور الوقت كان نوح يقف أمام الغرفة ،يرى جسدها النائم على الفراش ،لا حول ولا قوة .
بعد دقائق ،خرج الطبيب يدعى "ماركوس " وهتف بجدية
-سيدي،المريضة الآن في حالة إغماء نفسيّ ناجم عن صدمة حادة ، والفحوصات العضوية والصور الشعاعية لم تُظهر إصابات تهدد الحياة؛ من المتوقع أن تستعيد وعيها تدريجيًا مع مرور الوقت وتحت المراقبة والدعم الطبي والنفسي، لذا نُوصي بالهدوء والمحافظة على استمرار المراقبة والرعاية.
تنهد نوح بقوة عندما شعر إنها سوف تفيق ،ثم هتف
-سيد ماركوس ،أنت تعلم حالة زوجتي ،هل بعد استعادها للوعي ،سوف تسترجع ذاكرتها .
رفع الطبيب يده يخلع قفازاته الطبية ،ورد
-هذا بنسبة كبيرة سيد نوح ،الصدمة النفسية قوية ،وهذا سبب يجعلها ترجع لها الذاكرة،لكن هي تحت الملاحظة سوف نرى كل شيء ،عند الإفاقة.
غادر الطبيب ووقف نوح أمام الغرفة يُراقب موج من خلف الزُجاج السميك الذي يُفرق بينه وبينها.
مرت دقائق ثقيلة، كل ثانية تبدو كساعة، نوح لا يفارق عينيها.
ثم سأل الطبيب هل يمكن الجلوس بجانبها أم لا ؟لكن كان الرد بالقبول .
جلس على المقعد بجانبها ،أمسك كفيها يُحاول يُشبع نفسه بالنظر إليها ،يعلم عند إفاقتها،سوف تتركه ،وهو لن يتمسك بها لأنه حقها .
كانت تصارع أفكارها ،تتزاحم الأفكار ،مشاهد مختلطة تدور في عقلها ،ترى نوح في محل الذهب ،ثم تراه يشتري الاسماك منها .
تاره أخرى ترى عقد الزواج ،حُب،حنو ،نوح يقرب منها يقبلها على جبينها،تاره أخرى المال الباقي من مال الأسماك .
تاره أخرى ،الفساتين الفاخرة ذات الذوق والتصاميم الأنيقة،ملابسها التي تفوح منها رائحة السمك .
تُريد الصراخ بكُل شئ ،يوجد شيء يقيّدها، من الداخل ،سلاسل من الحديد تُغلق عليها ،تتألم وهى تُنازع تُحاول فك الحديد وتصرخ .
مرت دقائق ،كانوا أثقل شيء على قلب نوح ،لكن ماذا يفعل ؟؟
بدأت أصابعها ترتجف، وجفنها يتحرك بخفة، وكأن شيئًا يحاول أن يخرجها من الظلام. فجأة، فُتحت عيناها على مصراعيهما، وصرخت صرخة حادة، ارتجف معها المكان باكمله.
نوح انحنى بسرعة نحوها، قلبه يخفق بشدة، بينما ارتجفت هي بين ذراعيه، تتنفس بعمق وبصعوبة، وعينها تنظر إلى المكان بحيرة ورعب. كل شيء حولها بدا يزداد وضوحًا فجأة: الضوء، وجهه، الأصوات… حتى صوت قلبه ،بدأت تسترجع ما حدث معها منذ الحادث حتى الأن .
ضمها إلى صدره بقوة ،يُحاول تهدئتها،حتى جاء الطبيب يُحاول الحديث معها لكن لا تفهم لغته .
صرخ بها نوح وهو يضغط على أعصابه
-أهدي بقا ،خلاص بصي أسمعي كلام الدكتور وأنا والله هرجع مصر واسيبك في حالك بس أهدى
كانت تُحاول الأبتعاد عنه وتضربه بما فيها من قوة لكن استمعت لحديثه
تركها وجلس بجانبها يستمع لحديث الطبيب ويُترجم لها
-بيقولك أنت….يعني الذاكرة رجعت
نظرت إليه وأغرورقت عينها بالدموع ،و همست
-اه …افتكرت كُل حاجة يا نوح باشا.
وقعت كلامتها على قلبه ،كأنها خنجر تلم يشُق صده إلى نصفين .
نظراته لها كانت جميعها ،اسف وحزن ،لكن دون فائدة .
أنهوا معًا الإجراءات الطبية، وتأكد الطبيب من حالتها،بعد أن أصبحت بخير، خرجوا من المستشفى، وكل منهما يشعر بالقلق مما هو أتي ، وابتدأوا التوجه مرة أخرى إلى الفندق.
ولج إلى الجناح والصمت سيد المكان ،توجهت إلى الغرفة أخذت الحقيبة تضع فيها ملابسها لكن توقفت لحظه ،وأخذت جواز السفر الخاص بها وهتفت ببرود
-أنا جاهزة
حاول الأقتراب منها وهمس
-موج اسمعيني طيب
لكن رفعت يدها أمامه قائلة
لكن رفعت يدها أمامه قائلة
-مش عاوزه أسمع ،عاوزة أرجع مصر ،بيتي وحياتي اللي خلعتني منها زي الي بيخلع زرعة من جدرها ،يبقى ترجع لحياتك وأنا لحياتي يا نوح بيه
أمسكها من يدها وهتف
-بس لازم تسمعيني أنا بحبك ،كان غصب عني مكنش في فرصة غير كده .
-ابعد عني يا نوح ،الجواز دا باطل سامع باطل
رد عليها بعصبية
-يعني اي باطل ؟يعني اي ؟؟ أنا جوزك وأنتِ مراتي
أرتفع صوتها وهتفت بصوت عالٍ
-لا باطل دا ألف باء يا نوح بيه ،إن الزوج أو الزوجة يكون في كامل قواه العقلية،وأنا كُنت فاقدة الذاكرة يعني موافقتي باطل ،وأي حاجة حصلت كانت حرام
رد عليها بكُل ندم
-حتى لو باطل بس أنا مقربتش منك ،أنا كُنت واخد عهد إني مقربش منك إلا لما ترجع الذاكرة
-لا قربت لما أقعد أكتر من ٣ شهور في بيتك وجوازنا باطل،لما تنام جمبي على سرير واحد دا حرام ولا مش حرام ،قرب ولا مش قرب ،شيلك ليا قرب ولا لا ،فوق يا نوح بيه ،الجوازه دي باطل يا نوح باااطل
الفصل الثامن عشر من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندا الشرقاوي
الجوازه دي باطل يا نوح باااطل….
اقترب منها وقبض على يدها بقوة وهتف بجنون
-مش باطل أنتِ مراتي يا موج ،مراتي
أزاحت يده بقوة و ردت
-نوح،أنا لحد دلوقتي ماسكة أعصابي،أنا ممكن أنزل مصر وأبلغ عنك كمان ،إنك خطفني ،كمان اتجوزتني والعقد باطل
نظر إليها بصدمة ،مندهش من حديثها ،وهمس
-تحبسيني ،علشان ايه؟علشان حبيتك؟
-نزلني مصر يا نوح ،وسبني في حالي ،أرجع لحياتك وأنا لحياتي .
ثم استطردت…..نزلني مصر يا نوح
رد عليها بجُملة وأحده
-حاضر ،أجهزي ،هحجز التذاكر
غادر نوح وتركها بمفردها في الجناح ،جلست أرضًا وضمت نفسها وهى تُحاول منع عبرتها من النزول .
تشعُر بمشاعر تُريد البقاء مع نوح ،ومشاعر أخرى تُريد المغادرة ،الكذب كفيل إنهاء علاقة للأبد .
"عودة للماضي"
في أحد مِرْبَط الخيل ،كانت تقف في المنتصف ،ترى الخيول العربية الأصيلة ،كُل منهما في مِرْبط ،منهم لونه أبيض ،وأخر لونه أسود ،كانت المزرعة مليئة بالخيول ،واسعة،يوجد بعض الأشجار الفاكهة .
ويوجد أيضًا في أخر المزرعة ، وفي آخر المزرعة كانت هناك جلسة صغيرة لطيفة ،كأنها ركن لطيف بسيطة يجلس فيها الزائرون للراحة والتأمل، تطلّ على الخيل وهي تجري، وتحيط بها نسمات الهواء العليل وظلال الأشجار.
وجدته جاء وهو يقود أحد الخيول ،لونه أبيض ،ويوجد بعض الخصلات السوداء به ،أحد عيونه باللون البُني ،والأخرى باللون السماوي الداكن.
أقترب منها ووقف أمامها ،وهمس وهو يمد لها يده
-تعالي!..
هزت رأسها بالرفض ،تخاف من التَجرُبة ،ردت
-لا لا مش عاوزة ،خلينا نروح نقعد هناك عند المكان دا .
أومآ لها وهبط عن ظهر الخيل ،مسك بلجام الخيل بيد،واليد الأخرى التقط كفها .سار بها إلى المجلس الصغير،جلست وهو تركك الخيل يسير بمفرده .
شمر ساعديه ،فك أول أزرار القميص ،جلس وهى بجانبه ،همس عندما لاحظ شرّدها
-مالك،سرحتي في ايه!؟..
رفعت يدها تضعها خلف رأسها ،أخذت نفس عميق ،وردت
-بفكر في اللي جاي ،الحياة مخبية ايه
-طب لية،ما تسيبي المركب ماشية وخلاص ،فكري في انهاردة ،بلاش اللي جاي ،سيبي اللي جاي على ربنا وعليا،مش عاوز منك حاجة غير إنك تكوني في حياتي وبس .
ابتسمت له ابتسامة واسعة وتمتمت
-طب أحكيلي بقا باقي القصة بتاعتك .
قهقة عليها ،من جلسته معاها هذه الفترة ،علم انها تُحب تغير الحديث ،كأنها تخرج من مأزق.
أعتدل في جلسته ،وضع رأسه على قدميها ،مثل كُل مرة.
-حكي يا ستي ،كنا وقفنا لما اشتغلت أول يوم في المزرعة
"عودة للماضي"
كان يجلس علي فراشه الصغير،مر أسبوع على عمله في المزرعة ،جميع عظام جسده يشعر بعدم الراحة ،كدمات على ظهره باللون الأزرق والأحمر ،نتيجة لحمل الأوعية الخيشية .
فتح أحد الكياس التي جاء بها من الخارج ،أخرج عُلبة بها قطعة من الدجاج والقليل من الأرز ،وخبز،ابتسم ساخرًا ،لمدة أسبوع حتى يأتي بهذا.
يالله…..إين طعام أمي ،رائحتة اللتي كانت تفوح إلى أخر المنزل ،والأن أكل بمفردي دون ونس.
دق الباب ،نظر بغرابه وهو يُحدث نفسه …"محدش خبط عليا من ساعة ما جيت "
وقف واتجه بإتجاه الباب،وفتح وجد شاب تقريبًا نفس عُمره ،نظر إليه بغرابة ،علامات الأستفهام ؟؟؟.
دلف مُعتصم وهو يُغلق الباب بقدمه ،وهتف
-أنا معتصم ياعم ،شريكك في الأوضة
تنهد نوح براحة وأومأ له برأسه،وقال
-أهلا بيك ،معلش بقا هشاركك في الأوضة
-لا ياعم ولا يهمك ،تعال ،الحجة باعته معايا شوية فطير مشلتت عجب،وشوية عسل أبيض هيعجبك .
ابتسم نوع على حديثه ،وأنه مرح ،واجتماعي.
-خلي للعشا تعال أنا جايب غدا
جلسا سويًا وبدأ نوح في تقسيم الطعام بينهم ،هتف مُعتصم بحرج
-هو أنا جاي اقسم معاك غداك يا عم
رد نوح وهو يضع الدجاج امامه
-أمي ربنا يدها الصحة كانت على طول تقولي ،اللقمة تنادي صاحبها يا نوح .
"عودة إليهم "
هتف وهو ينظر إلى عينها
-ودا كان أول موقف بيني وبين مُعتصم،من ساعة ما قسمنا اللقمة سوا ،واحنا قسمنا كُل حاجة .
نظرت إليه بإعجاب ،عن حديثه على صديقة ورفيق دربه ،وهتفت
-حلو أول علاقتكم سوا ،ربنا يديم المحبة بينكم .
رفع يده ومد انامله بإتجاه خُصلاتها ،همس
-ويديمك في حياتي يا "موج النوح"
"عودة للحاضر "
كانت تجلس نفس الجلسة لم تتحرك ،لكن سمحت لعبراتها الهبوط،حتى تُهون على نفسها ،كانت تفرك يدها ببعض من التوتر والقلق مما هو أتي ،ماذا تفعل عند العودة،لا تقدر على المسامحة ولا تقدر على الرجوع إلى الحياة القديمة ،ماذا تفعل .
جاء نوح من الخارج ونظر إليها وإلى جلستها،عبراتها التي تملئ وجهها ،تحطم قلبه كالحجار .
وقف أمامها يلوم نفسه على ما فعله بها ،جاء بها من الأرض إلى السماء ،ثم من سابع سماء إلى سابع أرض ،دون اي تحزير .
حمحم بخجل من نفسه ،وهمس بخزلان
-الطيارة كمان ساعة .
هبت واقفة عن الأرض وهو تزيل عبراتها بظهر كفيها ،ودلفت إلى الغرفة وأغلقت الباب .
تقدّم نحو الشرفة، أسند كفيه على حديدها البارد، وترك عينيه تتجولان في الأفق الملبّد بالغيوم، كأن السماء نفسها تشاركه ذلك الثِقَل الجاثم على صدره.
ظلّ واقفًا هناك يراجع لحظاتهم، سقوطها من علوّ إلى هاوية، صمته الذي زاد الجرح اتساعًا، وعجزه الآن عن ترميم أي شيء.
في الداخل، خلف الباب المغلق، جلست هي تُرتّب حقيبتها بعشوائية، يختلط أنين روحها مع صوت السحّاب وهي تغلقه،لم يعد هناك متسع للكلمات، حتى العتاب صار بلا جدوى.
ومع دقات الساعة، انقضت الساعة الأخيرة….
بعد قليل، هبطا إلى بهو الفندق، خطواتهما صامتة، ثقيلة كأنهما يسيران وسط ضباب لا يزول ،لا وداع للمكان ولا للذكريات، فقط هروب سريع.
غادرا الفندق، وغادرت معهما بقايا أحلام كثيرة، ثم تبعها رحيل آخر… رحيل عن سويسرا بأكملها.
وفي المطار، جلسا في مقعديهما داخل الطائرة،صمت مطبق، نظرات شاردة، كل منهما غارق في متاهته الخاصة.
هي تحدّق في النافذة، تتابع الغيوم تمرّ ببطء، بينما قلبها يرفض المسامحة ويعجز عن النسيان،وهو يغرق في بحر الندم، يفتّش بين نفسه عن كلمة واحدة كفيلة بترميمها، فلا يجد.
انطلقت الطائرة، لكن الحزن ظلّ أثقل من أن يتركهما.
………….
في أحد الشركات التابعة لشركة "نوح الباشا"
الأقمشة تملئ المكان ،صوت المَقص هو السائد ،من يقف أمام الموديل يضع عليها الأقمشة ،واحدة تلو الأخر ،حتى يستقروا على لون يليق عليها .
وفي زاوية أخرى ،الأحذية التي جاءت من أفخم الأماكن ،"نوح الباشا"يهتم بأدق التفاصيل حتى يُخرج تصميم رائع من ناحية الموديل إلى الحذاء إلى الأكسسوارات التي يصنع منها قطعة مُعينة .
وقف مُعتصم في أخر المكان وهتف بصوت عالٍ
-الشُغل جميل جدًا يا شباب،طبعًا لأول مره نطلع شغل زي كدة في دولة عربية ،ومش أي دولة ،لا "مصر"علشان كدة لازم اللمسة العربية ،تكون مع كُل موديل ،"الغرب "أحنا أبدعنا فيه ،لكن مصر غير ،لازم نكون رقم واحد ،"نوح الباشا"ميقبلش بالتاني أبدا ،أين كان في اي،الأول يا مفيش ،علشان كده لأزم نطلع كُل اللي عندنا .
عاد الجميع إلى العمل مره أخرى بشغف وحب ،كُل شخص في العمل أختاره نوح بدقة عالية حتى يُخرج عمل مميز ،ليس قطعة من القماش ،لا بل قطعة مليئة بالحُب والرائحة المنعشة
…………
كانت تستند برأسها على النافذة الصغيرة ،ترى ناطحات السحاب ،تذكرت عندما كانت تمسك في بنطال أباها وتحدثه ،أنها تريد قطعة من السماء ،كانت تتخيلها "الغزل البنات ".
أغرورقت عينها عندما تزكرت أباها وسيرة ،وحنو قلبه الذي كان يحتويها دون إنتظار مُقابل .
رفعت نظرها تنظر إليه وجدته يسند رأسه على كفه ،أختفت ابتسامته وظهر الحزن والألم والقهر،لكن حدثت نفسها قائلة…."من عمل الفعل لا يهاب رد الفعل"
…………..
بعد مرور عدت ساعات
استقرت الطائرة على أرض الوطن "مصر الحبيبة "فتح الباب وخرج "نوح "بجانبه "موج"التي استنشقت الهواء كان الروح عادت إليها ،كانها كانت غريبة ورجعت إلى هيئتها.
كانت تهبط على درج الطائرة وكُل خطوه كان قلبها ينبض بقوة مما هو قادم .
بعد ما انتهوا من الأجراءات،وجلسا في السيارة ،همست بهدوء
-رجعني على بيتي ،أكيد عارف مكانه
قبض على يده بقوة من حديثها الذي يُغضبه ،ورد
-ياريت تسمعي الكلام وتيجي معايا على الڤيلا لكن ما أجبلك شقة .
هزت رأسها وهى ترفض رفض قاطع وردت بصعبية
-لا أنا عاوزة أرجع الحارة يا نوح
استدار لها وهتف بعصبية
-أنا قولت كلمك وتنفزيها يا موج علشان متشوفيش مني وش تاني مش هيعجبك
-وأنا عاوزه ارجع مكاني يانوح ،أنا مش منتظرة شفقة من حد
امسكها من ذراعها بقوة واردف
-شفقه !!!من مين ؟؟ مني أنا يا موج ،أنتِ تقريبًا كده ،الصدمة قصرت على مخك أكتر وأكتر.
جاءت لتتحدث لكن قاطعها قائلًا
-ولا كلمة هتباتي انهارده في الڤيلا ،ومتخافيش كده ،أنا مش هبات في الڤيلا خدي راحتك …….
الفصل التاسع عشر من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندا الشرقاوي
-ولا كلمة هتباتي انهارده في الڤيلا ،ومتخافيش كده ،أنا مش هبات في الڤيلا خدي راحتك …….
كانت نبرة صوته مليئة بكتمان العصبية ،الغضب يتمكن منه ،لا يُريد أن يؤذيها .
عقدة يداها أمام صدرها وعقدة حاجبيها ،وهمست
-عاوزة أروح بيتي يا نوح
اقترب وقام بالتقاط رأسها بين يده ،حتى يتمكن من التحكم بها ،واردف
-ما تهدي بقا ،قولتلك هعملك اللي أنتِ عاوزاه ،بس الأول نطلع على مأذون نكتب الكتاب تاني .
-بس أنا مش موافقة أتجوزك أصل .
صرخ بها وهو يقول
-نعم نعم !!سمعيني تاني كده ،مش موافقة ايه ؟؟؟
تمتمت بنفس الكلمات بوجه خالي من اي تعابير ،وجهها لا يدل على حزن أم فرح
_مش موافقة ،هو الجواز بالعافية ولا ايه .
رفع يده ،يمسح بها على وجهه،قد وصل إلى أخر درجة في صبره منها ،يريد أن يهشم رأسها العنيدة ،لا يُريد تركها بفردها خوفًا عليها ،أن أحد يقوم بالتعرض لها.
ثواني …وهو يُحاول التفكير في الخروج من هذا الموقف ،همس مرة أخرى
-طب اسمعي الكلام ،انهارده بس ،نامي هنا وأنا همشي ،أبات في حتى تانية ،وبكرة الصُبح أول ما النهار يطلع ،هبعت حد يوصلك لمكانك ،حتى مش هتشوفي وشي.
جاءت لتتحدث ،لكن قاطعها قائلًا
-لو سمحت يا موج ،اسمعي كلامي،أنا مش هضرك،أنا نــوح.
كانت نظراته مليئة بالحنو،تُريد مساحته ،لكن كثر ثقتها به ،تسأل نفسها ،ماذا كانت تفعل لو نوح لم يظهر!؟؟لو فاقت ولم تجد أحد ،ماذا كانت تفعل؟؟؟
أومأت له برأسها ،دلالة على الموافقة ….
تنهدّ براحة،شعر بالتعب في اقناعها ،أخرج مفاتيح المنزل من جيبه ،وتمتم
-المفاتيح اهي ،أنتِ عارفة إنها نسخة واحده،ومعاكِ اهي،المساعدة مش موجودة ،خدي راحتك .
أومأت له برأسها دون حديث ،وهمت بالرحيل ،قام بالصياح عليها
-موج.
استدارت له ونظرت إليه،اقترب منها وتمتم
-فكري تاني،أنت ماشي،لو احتاجتي حاجة رني عليا .
صعدت السلالم بخطوات متعجلة، وقلبها ما زال يخفق باضطراب مما حدث .
دلفت إلى جناحها وأغلقت الباب خلفها في هدوء، كأنها تحاول أن تعزل نفسها عن العالم بأسره.
نزعت ثيابها وأخذت حمام دافئ حتى يرتخي جسدها،ثم ارتدت ملابس مريحة، ثم جلست على طرف السرير شاردة النظر إلى السقف.
كانت كلمات اللقاء الأخير تتردد في ذهنها كأنها صدى لا ينقطع، وخصوصاً تلك العبارة التي قالها بصوت خافت،“فكّري تاني"
غمرها شعور متناقض بين الغضب والحيرة، وكأن قلبها يرفض ما يمليه عقلها،شدّت الغطاء حول جسدها، واستسلمت لأفكارها التي كانت تتزاحم بلا هوادة، حتى أثقل النعاس جفونها، فاستسلمت للنوم وهي لا تعرف الغد سيكون مواجهة جديدة… أم على ندم لا يُحتمل
……………….
توالت الأيام
يومًا بعقب الأخر ،ثم الأخر …..
غادرت موج منزل نوح ،والأن مر أسبوعًا ،لم ترى فيه نوح ،حاولت أن تشغل نفسها في الحياة القديمة ،كأنها كانت تغفو في حُلم ،واستيقظت ،سقطت عبراتها غصبًا ،لكنّ أزالتها سريعًا وارتدت عباءتها مرةً أخرى،وهى تضحك ساخرة على تبديل الحال .
وضعت وشاح خفيف على رأسها وخرجت ….
وصلت إلى السوق وهى ترى الكثير من النساء تقف أمام بائع ،من كثرة النساء والبنات المراهقات ،عينها لم ترى البائع ،نظرت بغرابة لكن لم تهتم .
وضعت الطاولة في مكانها وقامت بفتح العُلبة اللتي تحتوي على الأسماك ،قامت برصها ووضع قطع الثلج أسفله ،وقامت برش الماء عليه ،وصاحت بصوتٍ عالٍ
-السمك الطازه ،قرب،قرب ،الكيلو ب٦٥
ظلت تصبح وتُنادي لكن دون أستفاده ،زفرت بضيق ،فضولها يأكلها ،تريد أن تعرف من هذا !!؟؟
جاءت فتاة تسير أمامها ،أوقفتها قائلة
-يا آنسة هو في اي هناك
ردت الفتاة بهيام وسرحان
-فيها حتة شوكولاته،عسل كده .
عقدت حاجبيها بغرابة وردت
-نعم ياختي هيا ريحة الظفارة دلوقتي شوكولاته
-لا يا ابله ،الراجل اللي بيبيع ،يخليكي تشيل الفرشة كلها تشتريها،وبعدين بيبيع حاجات حلوة اوي واسماء ايه عليوي خالص،اشي جمبري واستاكوزا وكمان جندوفلي وكابوريا دا بيبيع الكيلو بسعر البلطي ،ولا الراجل ولا رجالة السيما ،عضلات ايه وشعر ايه وعيون عليه جوز عيون يدوبوكي دوب
تحدثت الفتاة وغادرت ووقفت موج تُفكر في الحديث الغريب ونظرت مرة أخرى وجدت الشخص ظهر لكن بظهره ،تعجبت وشبهت على هيئته .
استدار وهو يرفع الزُجاجة يرتشف الماء ،نظرت له بصدمة كاد بؤبؤ عينها يخرج من مكانة ،"نــــوح".
يرتدي بنطال أسود وعاري الصدر ،يرتدي مِئزر المطبخ ،رفع عينه ينظر إليها وقام بالغمز لها واستدار يُكمل عمله .
نظرت له بصدمة وكانت تُحدث نفسها
-نوح؟؟؟؟بيعمل ايه هنا ،النسوان دي كلها علشانه
تحركت باتجاهه وقفت أمام النساء وقامت بالتفريق بينهم حتى تصل له وهتفت
-بتعمل ايه هنا يا نوح
تحدث وهو يقوم بفتح الأكياس لوضع الأسماك
-بعمل ايه ،باكل عيش يا آنسة
ووجهه كلامه لامرأه قائلًا
-أوزن كام كيلو يا مدام
ردت السيدة وهى تُحاول إغراءه
-آنسة يا عنيا ،أوزن يا حبيبي اللي أنت عاوزه ،اي حاجة من ايدك الحلوين دي حلوه ،اله صحيح قولي ،أنت بتدهنها فزلين ولا خلطات طبيعية
ضحك نوح بصوتِ عالٍ وقال
-لا دا أنا كده أقولك الوصفة بقا
كادت موج أن تنفجر من حديثه والنساء تنظر إليه وهيئته ،تحدثت وهى تضغط على أسنانها من الغضب
-فض المولد دا يا نوح وكفاية كده ،أنتَ ايه اللي جابك هنا أصلًا
-علشانك .
حاولت موج التماسك أمامه وغادرت دون حديث ،وقفت أمام مكانها تُحاول البيع .
نوح ترك الأسماك وكُل شيء واتجهه إليها ،وقف أمامها وهتف
-طازه دا يا عسل
نفخت بثقل وقالت
-اللهم طولك يا روح ،يا نوح أرجع لحياتك بقا ،كفاية لحد هنا ،أنت جاي هنا تعمل ايه ،أنت ليك حياتك وأنا حياتي ،مفيش سمكة تطلع من بحرها ،لو طلعت تموت
اقترب منها وامسك يدها رفعها ليُقبل باطن يدها قائلًا
-خليكِ في بحرك وأنا هطلع واجيلك ،على الأقل الموت عندك هيبقى حلو ،ادي حياتنا فُرصة يا موج
كادت أن تتحدث لكن جاء معلم السوق ومعه بعض الرجال ،وقال
-أنتِ رجعتي تاني يابت أنتِ ،مش كنا ارتحنا منك وخلاص
لأول مره تهاب منه ،وقفت خلف نوح ،الذي نظر إليها بغرابه ،لكن أراد أن تطمئن،رتب على يدها التي مسك ذراعه بقوة ،وقال
-خير ؟؟؟أنت مين ؟
تقدم المعلم وهو يقول بصوت عالٍ
-ودا ايه إن شاء الله ،فاكر نفسك في حواري لبنان ولا ايه ،أنت مين يا جدع أنت وايه اللي دخلك السوق من غير إذني .
سخر نوح منه وهتف
-حد قالك إني داخل السلك الدوبلوماسي ولا ايه ،دا سوق سمك
اقترب المعلم منه ورفع عصاه يخبط بها على صدر نوح
-بس بتاعي يا روح أمك
لم ينتظر نوح أن يفرغ من كلماته، بل اندفع برأسه في عظمة أنف المعلّم ضربةً قاسية، جعلت صرخة مدوّية تخرج من حنجرته، والدماء تنفجر من أنفه وهو يضع يده عليه في ذهول.
لكن نوح لم يترك له فرصة لالتقاط أنفاسه، فقد قبض على ذراعه بقوة، ولفه خلف ظهره حتى سمع طقطقة عظامه وسط أنينه وصراخه.
تقدّم رجال المعلّم محاصرين نوح من كل جانب،اندفع أحدهم مسرعاً، غير أن نوح فاجأه، فالتقط الإناء الحديدي المخصّص لوزن السمك، وضربه به على وجهه ضربة هائلة أطاحت به إلى الخلف وهو يتخبط في الأرض.
اشتعل الموقف أكثر، واندفع رجلان معاً هذه المرّة، أحدهما يحمل سكيناً والآخر عصا خشبية، لكن نظرات نوح اتقدت ببرق الغضب، ووقف ثابتاً كأنه جبل لا تهزّه العواصف
اندفع الرجل الأول بالسكين نحو نوح محاولاً غرسها في جنبه، لكن نوح أمسك بمعصمه في اللحظة الأخيرة بعدما ترك المعلم يقع أوضًا يتلوى من الوحع ، ولوى يده بعنف حتى سقطت السكين أرضاً.
لم يتردد لحظة، رفع ركبته بقوة إلى بطنه فانهار على الأرض يتلوّى من الألم.
أما الآخر، فقد هجم بعصاه الخشبية محاولاً أن يهوي بها على رأس نوح، غير أنّ نوح انحنى بخفة وتفادى الضربة، ثم اندفع بجسده للأمام ليصدمه بكتفه في صدره، فسقط الرجل للخلف وارتطم بالجدار، يلهث غير قادر على النهوض.
دقائق وكان الجميع يتلوّى على الأرض ،التفت نوح إلى موج التي تقف تُشاهده بصدمة ،والناس تُشاهد كانه فيلم سنيمائي،اقترب منها وامسك يدها بقوة كانه يبعت فيها الأطمئنان.
لكن جاء شخصًا أخر يجري ،غير واعيٍ له نوح ،لكن صرخت موج بقوةٍ
-حاسب يا نوح
لكن كان قبل فوات الآوان،صرخ نوح بقوة،عندما خبطه أحدهم على أحد كتفيه بأداه حادة،أمسك كتفه بقوة وهو يغمض عينه ،واستدار حتى يمسكه لكن فر هاربًا
…………………
في منزل عبدالعظيم الباشا
كانت سما تجلس تُداعب صفا الصغيرة ،والجميع يجلس جوارها ،جاءت وفاء بإناء مليء بالمُسليات ،وقالت
-هو نوح مش هيجي بقا
رد عليها سامح وهو يمسك منها الأشياء
-هو قال هيسافر شغل يا حماتي ،بس أكيد قرب يجي بقاله حوالي أسبوع وشوية
أومأت له وجلس بجانب زوجها وبدأت تُشاهد معهم الفيلم .
بعد قليل تحدث سامح قائلًا
-أنا بقول كفاية قاعدة هنا كده ولا ايه يا سما ،أنتِ بقيتي قادرة ترجعي البيت
تحدثت وفاء سريعًا
-ليه يا بني ما تخليكم شوية كمان على الأقل أخد بالي من العيال
لكن أسرعت سما وردت قبل زوجها
-لا يا ماما كفاية كده ،أنا بقيت كويسة وكمان هقدر متخافيش عليا ،وعلشان حضانة نوح كمان
-ماشي يا بنتي براحتك
أومأت لها سما ،واستاذنت حتى تجمع أغراضهم ،بعد قليل دلف سامح خلفها ،أغلق الباب وقال
-شكرًا
استدارت له وابتسمت له ابتسامة واسعه وقالت
-على ايه ؟؟
اقترب وعانقها من الخلف وهمس
-علشان سمعتي كلمتي وهتيجي نروح
ردت سريعًا
-من امته مبسمعش كلمتك يا سامح ،بس أنت هجادل ليه ،دا الصح
-عارف ،وعارف أنتِ بتحبي والدك ووالدتك قد اي .
سرحت قليلًا وقالت
-سنة الحياة يا سامح ،هنعمل ايه
………………
في منزل موج ،كان نوح يجلس على فراشها الصغير ينظر إلى غرفتها التي تُشبه غرفته القديمة في المزرعة ،حزن بداخله على حياتها،كيف تعيش في هذه الغُرفة ،الطيور لا تريد الجلوس هنا.
فتحت الباب ودلفت موج ،معها كيس أسود صغير أخرجت منه كريم ،قامت بشراءه من الصيدلية.
-اسفه على التاخير
أومأ لها ونظر إليها وإلى هيئتها التي تبدلت مائة وتمانين درجة ،جلست بجانبه حتى تضع له الكريم لكن ابتعد قليلًا وهتف متسائلًا
-الراجل دا اتعرضلك قبل كده؟؟
قامت بفتح غطاء العُلبة ،ولم تُجيب،مدّت يدها بالمرهم، صامتة، وكأنها بتحاول تتفادى عينيه.
لكن هو سحب إيده فجأة وهتف بعصبية
-أنتِ سامعة أنا بقول إيه ولا لأ؟! الراجل دا اتعرضلك قبل كده؟!
ارتجفت أصابعها، وكادت العلبة تقع من يدها
-أنا… أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع دا دلوقتي.
اشتعل غضبه أكتر، صوته علا وهو بيزيح العلبة بعيد
-لأ هتتكلمي! مش هتفضلي ساكتة كده! أنا لازم أفهم إيه اللي حصل!……انطقي
الفصل العشرون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندا الشرقاوي
اشتعل غضبه أكتر، صوته عالٍ وهو يزيح العلبة بعيد
-لأ هتتكلمي! مش هتفضلي ساكتة كده! أنا لازم أفهم إيه اللي حصل!......انطقي ...
حاولت تخليص يدها من قبضته القوية،وتمتمت بغضب
-سيب ايدي يا نوح،في اي يا أخي ،هو اي شكل وخلاص ولا ايه ؟؟
صاح بصوتٍ عالٍ ،وأحمر وجهه من الغضب
-هو ايه اللي اي شكل ،أنا كُل ما أسال سوال تردي بعشرة ولا ايه ؟؟
أنا سألت سؤال طبيعي ،الراجل دا اتعرض ليكِ قبل كده ،وايه اللي حصل بالظبط؟ ،أنتِ بقا اللي بتخلقي مشكلة من مفيش ،زي بالظبط حكاياتك ،لحد دلوقتي معرفتش سبب خوفك من عمتك ايه
ارتَجفت أصابِعها وهي تكَتُم فمهِا، عينيها اتسعت والدموع محبوسةٌ بداخلها كالسجين داخل الزنزانة ، قلبها يَدُق بسرعة فائقة ،كأن أحدهم يطرق على صدرها من الداخل
التوتر هو المُسيطر الوحيد عليها، أنفاسها متسارعة ومتقطعة، وعندما يقترب نوح منها خطوة، تشعر أن الأرض تضيق بيها أكثر .
صَحَبَها إليه بقوةٍ فجَّأةً، كأنَّه يسيطر على مسافةٍ امتدت بينهما للحظةٍ فقط ثم انقضت،شدُّه لم يكن عنفًا بحتًا، بل كان إصرارًا يختلِطه غضبٌ وقلق؛ قبضةُ يده على معصمها تُحكِمُها وكأنها تُنقِلُ إليها رسالةً واحدة "الحديث"
صاح بها قائلًا
-اتكلمي
تنفَّستْ بصعوبةٍ، صدرها يرتعِش وأنفاسها قصيرة كأنَّ الهواء قد صار عدوها،تشنجت عضلاتُ رقبتها، وعيناها تبرقان بدمعٍ مُكبّحٍ لا يجرؤ على السقوط،كلُّ شيءٍ حولهما تبخَّر، وترك العالم لنبضاتِ قلبٍ عاليةٍ تهزُّ صدرَها
ارتفع صوتها فجأةً، وكأنَّ صوتًا داخلها انفجرَ بعد طول كتمٍ
-كفايـــــــــة!! كفاية يا نوح!!
توقف عن شدها،ويده تجمدت لم تتحرك،نظر إليها ولي هيئتها المُرعبة .
ثم تابعت الكلمات واستطردت الحديث
-أنا تعبت! إنت مش فاهم أنا ليه بخاف... مش فاهم إزاي حياتي اتبهدلت من وراها...!!
انزلقت الدموعُ أخيرًا على خدّيها، واهتزَت شفتاها وهي تُكمِل بصوتٍ يختلط فيه الألمُ بالقهر وتحدثت
-عمتــي... هي السبب، هي اللي خلتني أكره نفسي، هي اللي دمرتني... كل ليلة كنت بصحى مفزوعة من كوابيسها... كل كلمة كانت بتقولها، كل نظرة... كانت بتموتني بالبطئ!
ارتفع صوتها أكثر ، كأنها أخيرًا تفك القيد اللي يقيدها
-إنت عايز تعرف؟! أهي الحقيقة... أنا بخاف منها لأن حياتي كلها وهي مسيطرة، بتوجعني بكلامها وبأفعالها... وأنا مش قادرة أنسى!
مش قادرة أنسى لما بابا سافر علشان يأمن مستقبلي ،لأن مكنش عندنا حاجة خالص نتسند عليها،وسافر بطريقة غير شرعية...
استوقف الحديث فجأة،تحركت بإتجاة الفراش الصغير جلست فوقه ،وضمت قدميها أمام صدرها ،وهو يقف يُتابع كُل حركة تفعلها.
الحديث كان شاق ،وهو يقف مُستمع بدقة عالية ،كم عانى كُل من هما في حياته ،نظر إليها عندما استكملت حديثها
-وكان عاوز يسبني في مكان أمن عليا ،ميعرفش إنه بيسبني في وسط النار ....
توقفت بضع ثوانٍ ،أخدت نفس عميق ثم واصلت حديثها
-سابني عندها وهيا كانت كويسة بس قدامه بس،وتقدر تقول قالت تعمل عليا مصلحة ،هو هيسافر وهيبعت فلوس من هناك ،وهتفضل تطلب منه ،وهو عنده مين بقى حته بنت وحيدة وخلاص ،زي ما بيقولوا هتعرف إزاي تمص دمه ،وفضلت معاها وبابا سافر ،كان عندي ساعتها خمستاشر سنة ،الكلام دا من ٨ سنين ،بعدها ب كام يوم من سفر بابا ،وصلنا خبر وفاته ،مات غرقان في البحر
وقعت الكلمة على نوح بصدمة ،توفى !!!توفى وهو يُجاهد لتأمين حياة طفلته ،وهى ظلت كُل هذا تحت رحمة هذه المرأه الثُعبانية ،كم عانت في هذه الحياة بمفردها ،رفع نظره إليها عندما استرسلت في الحديث
-هو ليه سابني لوحدي يا نوح!!؟
كان صامت أمامها لا يعرف بماذا يُجيب !!؟؟طفلة تسكن مع بشر ،لكن في الواقع تعيش بمُفردها ،تركها والدها ليعود يُجلب لها كُل شئ لكنه عاد في تابوت خشبي ،دُفن ودُفن معه كُل شئ كان يُريد تحقيقة معها.
اقترب منها بحذر،انحنى أمَامِها ،مد يده ليخطف كفيها ،شعر ببروده يدها بيده ،رجعتها عندما لمسها ،صوت شهقتها العالٍ،همس لها بصوت خافت
-خدي نفس ،براحه
صوت شهقتها كان يمنعها من التقاط انفاسها ،رفع يده الأخرى يضعها على ظهراها يُحاول تهدئتها ،كانت تهمس بصوتٍ متقطع
-بابا......سابني...... عاوزة بابا....هو ليه سبني ....اشمعنا أنا معنديش أهل .....ليه أنا ....ولما سابني سابني مع ناس مفيش في قلوبهم رحمة
في هذه اللحظة ضمها إليه بقوه ،كانه يُحاول اكتساب وجعها له ،يُشاركها الفراق والحزن قبل الفرح والسعادة
تشبثت بقميصه رافضه أن تتركه ،هو الرجل الوحيد الذي اطمئنت له ،لكنه كذب ،غير صادق ،لكن تُحبه .
نزلت عبراته ،ليست شفقة لكن حزنًا على ما مرت به ،لم يكن يعلم أن يوجد أحد مر بهذه الحكايات .
كان يُرتب على ظهرها بحنو ،لم يتحدث ولا يُقفها عن البُكاء،بل أراد أن تُخرج ما بداخلها .
يبدو أن أول مره تبوح ما بداخلها ،ثوانٍ ودقائق مرت وهم على نفس الحال ،حتى هدأت ،وانتظمت انفاسها ،وارتخت يدها علم أنها قد غفت في النوم .
ابتعد قليلًا وسطها على الفراش ،وقف يبحث عن شيء يقوم بتغطيتها ،لكن وجد غطاء خفيف قماشه مُتاكل ،خشن ،رديء.
وقف في منتصف الغرفة ،يضع يده على مقدمة شعره يشعر بالتوتر والقلق.
……………..
في صباح اليوم التالي …..
قامت بفتح جفنها على أثر أشعة الشمس التي أخترقت الغُرفة ،وضعت يدها على الغطاء وجدته ناعم كالحرير ،عقدت حاجبيها بغرابة من الملمس ، رفعت كفّيها إلى عينيها، تمسحهما برفقٍ وقد أثقلهما أثر النوم.
ثم رفعت الغطاء تنظر إليه ،وجدته غطاءها في منزل "نوح الباشا"
"عودة للماضي"
-عارف يا نوح ،أنا بحب البطانية دي أوي ،ناعمة كدة وجميلة ،بحس إن من حلاوتها بتخليني أنام بسرعة
ابتسم نوح ابتسامة واسعه على حديثها ،كانّها طفلة قام والدها بشراء شيء جديد لها ،وهمس
-ياااه كل دا علشان بطانية ،دا أنا أملى البيت كُله بطاطين بقا لو هتكوني فرحانة كده .
"عودة للحاضر "
وقفت عن الفراش لم تراه في الغرفة ،اعتقدت أنه غادر المكان.
فتحت باب الغرفة وجدته يقف في منتصف أرضية السطح ،ينظر إلى السماء .
كان ساكن الحركة ،ينظر فقط .
-شكلك مانمتش ،مامنمتش ليه الأوضة مش قد المقام .
استدار لها وهو يأخد نفس عميقًا ،وهتف
-نفسي تبطلي تشوفيني إني ضدك ،ليه متقوليش إني كُنت بحميكي يا موج ،وبالمناسبة إني مانمتش جوه ،إني عرفت إن جوازنا باطل مردتش أزود الذنوب أكتر ،وهسأل في دار الأفتاء ،أعمل ايه علشان ذنب إني كُنت في بيت واحد أنا وأنت بدون زواج .
كأن حديثه فراغ ،أول لم تستمع ،تمتمت
-هتفضل هنا ليه يا نوح ،ممكن ترجع لحياتك بقا
ضغط على أسنانه بعصبية ،وهتف
-أنا لازم أكسر راسك العنيدة دي ،أنتِ مالك يا موج ،كأنك بتكلمي خصمك مش حبيبك .
-نوح قعدتك هنا ملهاش لازمه ،أنا قاعده في حارة شعبية ،يعني لما يلاقوا راجل داخل طالع عندي ،هيخلي سيرتي على كُل لسان
-قعد لسان اي حد يجيب سيرة موج الباشا ،موج أنتِ ليه غاوية تصعبي عليا الأمور ،أنا سايب شغلي وحياتي وكُل حاجة وجيت وراكِ اي مستهلش فرصة جديدة
ظلت صامتة وهى ترى في عينه الكثير من التعب والإرهاق،لكن في نفس الوقت هى تشعل بالحزن .
همست بصوت خافت
-مش عارفة أسامح يا نوح ،مش عارفة ،قلبي عاوز يسامحك وعقلي مش عاوز يا نوح .
-اسمعي كلام قلبك يا موج ،الحب عاوز القلب مش العقل .
ردت عليه بإسف
-للاسف ساعات الحب بيحتاج العقل،لان القلب بيمشي ورا مشاعر ،اوهام مش أفعال
صاح بها قائلًا
-أفعال ،وأنا معملتش أفعال ،لا عملت وعملت كتير كمان ومش مضطر أقول ،علشان متقوليش بيعايرني وأنتِ عارفة إني عمري ما هعمل كده لكن تقريبًا كده أنا اللي جبته لنفسي وقللت من نفسي علشان جيتلك مع إني كنت فاكر إنك بتحبيني ،اسف إني جيت ،سلام
في ثواني كان نوح أختفى من امامها ،شعرت بالحزن الشديد،من نفسها ليس من نوح ، من ثِقلٍ عالقٍ في قلبها لم تستطع أن تَغفِر له،انسحبت إلى الغُرفة مره أخرى جلست على الفراش ،قم سحبت الغطاء الناعم فوق جسدها كأنها تحتمي من عالم يؤلمها
وبينما عيناها تائهتان في الفراغ، استوقفها بريقٌ خافت على الطاولة الصغيرة بجانبها،مدّت يدها بتردّد، فإذا هو سلسالٌ مألوف… ارتجف قلبها،لقد كان سلسالها الذي باعته بيديها منذ أكثر من سبعة أشهر.
تسارعت أنفاسها، والذاكرة تُعيدها إلى ذلك اليوم حين وقفت أمام صائغ الذهب، وهي تودّع قطعةً من روحها،ثم ومضةٌ خاطفة،وجه نوح، يمرّ أمامها في المحل نفسه، عينيه تتابعان خطواتها،ارتجف جسدها من وقع الصورة، كأن خيوط الماضي قد تشابكت الآن لتكشف لها سراً غاب عنها طويلاً
"فــــلاش بــــاك"
في منزل صغير مُكون من حجرتين ومطبخ صغير ومرحاض ،الحائط متآكل ،الدهان مُشقق،الوان باهته ،عفش رديء وليس كثير .
كانت تقف أمام والدها الذي يرتدي سُترته ،الدموع تملئ وجهها ،وتضم يدها معًا من الخوف .
عدل سترته واستدار لها وهتف
-تاني يا موج ،هتفضلي تعيطي لحد أمته بقى،كفاية يا حبيبتي عيونك ورمت من كتر العياط كفاية يا حبيبتي،كفاية
رفعت يدها تُحاول إزالة عبراتها لكن صوتها كان حزين
-متسبنيش يا بابا،خليك معايا ليه تسبني ،أنت عاوز تسبني زي ماما الله يرحمها ،خليك معايا
كان قلبه يولمه من هيئتها يعلم أنه ليس من السهل تركها بمفردها لكن ما باليد حيلة .
تحدث سالم وهو يُحاول تهدئتها
-يا موج يا حبيبتي مش أنتِ عاوزه نعيش أحسن من كده وأجبلك كُل اللي نفسك فية وكمان مش أنتِ نفسك تاخدي كورس بيانو وتبقي أحسن وحده في مصر بتعرف تعزف على بيانو ،صح يا حبيبتي
هزت رأسها بالرفض
-لا مش عاوزه أنا مش عاوزة حاجة غير إنك تفضل معايا ،أنت لية عاوز تسبني ،أنا مليش غيرك لما تمشي أنا مش هلاقي حد أتسند عليه ،خليك ونعيش سوا هنا ،ربنا هنا رب هناك ،أحنا عايشين
قاطعها سالم بالرفض
-لا يا موج أحنا مش عايشين ،مش عايشين وأنا شايف إن أقل طلب ليكِ أنا مش عارف أوفره ،كفاية بقا لازم تعيشي كويس
-بس أنا عاوزك أنت
-وأنا كمان يا حبيبتي بس خلينا نحاول ،علشان اعيشك كويس عاوزك تكوني أحسن وحده ،بصي يا موج دي سلسلة أمك الله يرحمها خليها معاكِ ،أوعي تفرطي فيها ،السلسة دي غالية عليها خليها قريبة من قلبك،أعرفي إني بحبك يا موج
"عودة للحاضر"
ضمت السلسال على عنقها وكأنها تمسك بخيط يربطها بعالمٍ آخر،تضغط عليه بقوة بين كفيها، تحس بثقله وصدى الأيام ،صدى صوت والدها وهو يناديها، يضحك لها، يهمس(أوعي تفرطي فيها)العبرات تنهمر بلا توقف.
تنساب الذكريات يديه القوية وهيئته وهو يعيد ترتيب شعرها أو يربت على كتفها بعد سقوط صغير، رائحة عطره التي لا تزال عالقة في انفاسها .
يبقى الصوت داخل رأسها يردد الكلمات التي قالتها له في لحظة الفراق وعود طفيفة لا تزال تطلب المعنى،
كيف تعيش بدونه؟ لكن وسط هذا الانهيار، تشعر لشيء في صدرها يثبتها السلسال،تلمسها وتلمس قيمة وعدٍ لم يمت مع صاحبه
………….
كان نوح يسير في أحد الشوارع شارد الذهن،لا يعلم ماذا يفعل ،فهو فعل كُل الحيل حتى تسامحه لكن دون جدوى.
توصل أخيرًا لفكرة ،لمعت في عينه ،وأراد تحقيقها،
ولج إلى أول مكان أمامه يبيع الورد .
-السلام عليكم
رد البائع
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا فندم ،أتفضل؟؟
رد نوح والحماس يملؤ
-أنا عاوز بوكية ورد كبير ،لكن مش كله ورد عاوز يكون فيه كندي وشوكولاتات بس أنواع معينه ،وعاوزه في أقرب وقت لو ينفع استناه
-تمام يا فندم بس ،أنا معنديش هنا الشوكولاته
-خلاص أنا ممكن أزود الفلوس وخلي اي حد من المحل يروح يجبها وأنا هدفع اللي تحتاجه يعني لو البوكيه بالشوكولاته ٣٠٠٠ هدفع ٤٠٠٠ بس محتاجة ضروري
رد البائع بكُل سعادةً وسرور
-تمام يا فندم أتفضل لحد ما الحاجات تجهز
جلس نوح على أقرب مقعد ،بعد ما قام بكتابة أنواع الشوكولاته والحلويات وأختار لون الورد ،لكن جاء البائع وهتف
-معلش يا فندم أحنا بناخد ديبوزيت قبل ما نبدا الشغل
رحب نوح جدًا وهتف
-مفيش اي مشكله أنا هدفع كريديت
-تمام يا فندم اتفضل
أخرج نوح بطاقة ائتمان ،وقام بوضعها على الجهاز لكن تم رفض البطاقة .
هتف البائع
-مرفوضة يا فندم
عقد نوح حاجبيه بغرابة ،لأول مره يتعرض لهذا الموقف ،أخرج بطاقة أخرى
،قام بالمحاولة مره أخرى لكن جاء الرفض
أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول كتم انفعاله، ثم أخرج باقي بطاقاته، واحدة تلو الأخرى، وفي كل مرة كان يترقب الأمل في ظهور كلمة (تمت العملية)لكن الشاشة لم ترحمه أبدًا،نفس الجملة الباردة تتكرر(تم الرفض )
شعر نوح بأن الأرض بدأت تضيق من حوله،التفت للموظف وهو يتمتم
– أكيد في مشكلة …..هطلع وأرن على البنك ،وارجع
خرج بخطوات متسارعة، اتصل بخدمة العملاء، وبعد دقائق من الانتظار جاءه الرد:
– أستاذ نوح، الحسابات بالفعل تم تحويلها،كل الأرصدة تم نقلها إلى حساب آخر باسم الأستاذ معتصم.
ارتبك نوح، تسارعت أنفاسه،وهتف
– معتصم! إزاي؟!
جاءه صوت الموظف هادئًا لكنه حاسم
– حضرتك بنفسك سجلت قبل كده توكيل رسمي لمعتصم بيه، وصرحت إنه حر التصرف،وبناءً عليه، البنك ما يقدرش يعترض على أي حركة قام بيها.
ارتجف جسد نوح للحظة، الكلمات تتساقط على مسامعه كالصاعقة،لم يخطر بباله أبدًا أن يتحول ذلك التوكيل إلى باب مفتوح لسرقة أمواله .
أغلق الهاتف مع الرجل ،قام بالإتصال على مُعتصم على الفور .
أجاب معتصم
-ياااه نوح ،أخيرًا ،أنا قولت من ورا جريك ورا بياعة السمك هتنسى حياتك
ضغط نوح على أسنانه بقوة ،وتمتم
-أنت حولت كُل حاجة في حسباتي على حسابك يا معتصم
رد بكُل برود
-اه
-ليه يا معتصم ليه تعمل كده
جاءه الرد بكُل برود
-نوح ،أنت فاكر البنك بس ،أنا خدت كُل حاجة البيت ،الڤيلا،العربيات ،كُل حاجة حتى في سويسرا ،اه وقبل ما تطعن في الورق ،أنت اللي مضي على ورق بيع كُل ما تملك ليا أنا،بيع وشراء،طبعًا اللي سهل عليا دا السنيورة مراتك ،لأن من بعد ما عرفتها وأنت تركيزك قل مبقتش تقرا كُل الورق بدقة زي الأول فا أنت مضيت بكل راحه،يعني ورقة وحدة دمرتك،وكمان يا نوح مش هفضل أنا ورا الستارة وأنت اللي ظاهر لازم أظهر أنا كمان ،يعني زي ما طلعتك فوق،نزلتلك تحت فاهم
الفصل الحادي والعشرون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندا الشرقاوي
طبعًا اللي سهل عليا دا السنيورة مراتك ،لأن من بعد ما عرفتها وأنت تركيزك قل مبقتش تقرا كُل الورق بدقة زي الأول فا أنت مضيت بكل راحه،يعني ورقة وحدة دمرتك،وكمان يا نوح مش هفضل أنا ورا الستارة وأنت اللي ظاهر لازم أظهر أنا كمان ،يعني زي ما طلعتك فوق،نزلتلك تحت فاهم ……….
كان الحديث يقع على نوح كالصاعقة،يبدو أنه حُلم ،لا لا بل كابوس ،كابوس مُميت ،صديقة الوحيد قام بخيانته ،انهيار كامل ،كأن عمارة فاخرة انهارت فجأه أصبحت أتربة.
-ايه يا نوح ،القطة كلت لسانك ولا ايه
حاول نوح التماسك جيدًا ،فالآن أصبح مُعتصم مثل الغُرباء لا يجب أن يرى ضعفه ،فهتف
-لو فاكر إنك لما تاخد ثروتي كُلها إنك كده علمت عليا،غلطان يا معتصم ،بس خدها ،أنا نوح الباشا زي ما عملتها هعمل غيرها كمان،بس اللي مزعلني حاجة وحدة إنك خونت العيش والملح اللي كلناه سوا ،دا أول لقمه بينا أنا قسمتها بينا بالنص ،تقوم تطعني في ضهري ،حلال عليك الثروة كُلها وعارف إنك حطيت إيدك في ايد سُليمان ،بس هتلوث فلوسي بالدم يا معتصم .
لم ينتظر نوح الرد وأغلق الهاتف في وجهه ،وقف أمام المحل ،لا يعرف ماذا يفعل ،أصبح لا يحتكم على مال نهائي .
وثق في شخص واحد منذ بداية عمله ،كان صديق له وأخ ،والأن يقوم بسرقتي .
مُجرد أمضى على ورقة ،جعلته لا يحتكم على شيء .
اقترب من أقرب حائط ،أسند ظهره عليه ،كانه وقف على سلمه من الدرج ،لا يقدر على التقدم أو الرجوع .
لم يُظهر أي رد فعل،إلى الأن لا يُصدق ،تم استغلاله بطريقة قذرة .
اعتدل في وقفته ودلف إلى المحل مرة ثانية ،وجه حديثه إلى البائع
-أنا اسف جدًا بسبب الموقف السخيف دا،بس في خطأ من البنك ،وللأسف معييش كاش ،فاستأذن حضرتك إني الغي الأوردر
هتف البائع بكُل إحترام
-ولا يهم حضرتك يا فندم،ولو عاوزني اعمله من غير اي حاجة عادي احنا في الخدمة.
ابتسم له نوح ورد بكل سرور
-شكرًا جزيلًا ليك ،هاجي مره تانية ،السلام عليكم
غادر نوح من المكان وهو تائه ،وقف في منتصف الطريق لا يعلم إلى أين يسير ،الهواء يضرب في وجهه كأنه يُحركه يمين ويسار،قدميه ثقيله ،لا يقدر على الحركة
نظر حوله ،كل الناس تسير في طريقها ،قهقة الأطفال،خطوات الدراجات ،منبه السيارات،الحياة تسير دون توقف ،هو فقط من تغير حياته ،رأسًا على عقب .
رفع يده أمام وجهه ،شعر بإحساس غريب،يده التي كانت تمضي العقود وتتحكم في المال كانها حبوب من الأرز،تصميماته ،الأن اليد فارغة ،ضعيفة،لا تمتلك ورقة واحدة .
ابتسم ابتسامة مكسورة، وقال بصوت خافت
-معقولة يا نوح؟! معقولة بعد السنين دي كلها تبقى واقف في الشارع تايه كده؟!
جلس على الرصيف ،وضع رأسه بين يده،يسترجع الذكريات،أول مقابلة بينه وبيم مُعتصم،أول سفر،أول مال استجمعوه سويًا.
الضحك،الحُزن ،السعادة،لحظة عندما قسم أول طعام بينهم،كأن الشريط أمامه يُعيد كُل شيء ،منذ ساعات كان شريط سعيد لصداقة وافية،الأن شريط حزين لخيانة صديقه .
سقطت عبراته غصبًا ،لكنّ أزالها سريعًا ،وهو يلتفت حوله ينظر إذا رأه أحد.
وقف عن الرصيف وهتف مُحدثًا نفسه
-خلص… أنا وقعت، بس مش هافضل واقع. هقوم… هقوم مهما حصل.
ثم نظر إلى السماء وهو يستنجد برب العالمين الذي لا يتركه في محنة أو ضيق وقال
-يارب
………………
في غُرفة موج كانت تقف في مُنتصف الغُرفة تَضُم الغطاء الناعم إليها ،لأول مره منذ رُأيت نوح تَشعور بالبرد .
القلق ينهش قلبها من الداخل ،خوفًا عليه ،لكن الأن تُريده وبشده .
الأن تشعر بالوحدة والخوف والقلق ،تعلم أنها عنيدة حد اللعنة ،وهو لم يفعل لها اي شيء يُحزنها .
أمسكت هاتفها الذي أصر عليها أن يظل معها ،بعد أن قامت بإرجاع كُل شيء جلبه لها .
قامت بفتح المحاثة بينه وبينها وقامت بكتابة جُملة واحدة
-نوح…أنت روحت ؟
مرت ثواني ،دقائق ،ساعة كاملة،ولم يُجيب نوح ،وكانت هذه أول مره لم يُجيب نوح .
خرجت من الغرفة بخطوات مترددة، قلبها خائف،وكأن جدران المنزل كُلها تضغط عليها ،خرجت للسُّطح، وقفت عند الحافة تنظر إلى الأسفل
الأشخاص تسير بكُل راحة ،أصواتهم متداخلة ،طفل يركض خلف الكُرة،رجل يُنادي على بضاعته،نساء يتشاجروا سويًا ،الحياة تسير مثل كُل ليلة
أما هي فكانت تقف تُراقبهم بعينين غارقتين في التفكير ،ثم همست لنفسها
-إزاي يا نوح؟! إزاي دي أول مرة ما تردش عليّ؟
هواء بارد يصد بها ،ضمت نفسها بذراعيها ،ثم أخرجت هاتفها من جيب المنامة ،قامت بفتحه ،نظرت إلى اسمه الذي يُزين الشاشة ،ترددت قليلًا لكن بالنهاية ضغطت على رز الاتصال
وضعت الهاتف على أذنها ،تسمع صوت الرنّات ،كُل رنّة كانت تدق في قلبها ،فتح الخط سريعًا ،قالت بصوت مهزوز
-يا نوح… لو سمحت تعال،أنا مش مطمئنة،أنا خايفة
-أنا جاي
كانت هذه الكلمة الوحيدة التي نطق بها نوح، لكنها حملت معها وعدًا صادقًا،أغلق الخط دون تردّد، قلبه يسبق جسده.
ركب سيارته وأدار المحرك بعصبية، ضغط على دواسة البنزين بكل ما أوتي من قوة، والطرقات أمامه صارت ضبابية من شدّة القلق.
لم يفكر في شيء سوى أن يصل إليها، أن يكون بجانبها، أن يُطفئ خوفها قبل أن يُطفئ خوفه هو.
دقائق كان أمام المنزل ،صعد إليها سريعًا وجدها تقف تنتظره ،هتف بكل خوف
-مالك ؟حصل حاجة؟
-مفيش بس قلقت عليك
عقد حاجبيه بغرابة من نبرة صوتها وقال
-لا أنا كويس ماتقلقيش ،أنا لازم أمشي
-ليه
رد ساخرًا
-مش جوزك دا أولًا،ثانيًا إزاي الناس تقول علينا ايه ،وبعدين عندي مشاكل لازم امشي
هتفت سريعًا
-مشاكل ايه؟
رد بكل برود
-ولا حاجة،بقيت على الحديدة
-يعني اي ؟؟
-يعني بقيت على الحديدة،معتصم بورقة توكيل مني بالتصرف في كُل حاجة امتلكها ،باع لنفسه كُل حاجة،مبقتش أحتكم على حاجة نهائي،حتى العربية بكره الصبح هتكون معاه،يعني معييش غير الهدوم اللي عليا وبس، عارفة قالي ايه كمان،قالي السنيورة اللي أنت حبتها،كلت عقلك ،لدرجة إن الورق اللي مضيت عليه مقرأتهوش،شوفتي بقا قد اي أنا كُنت مُغفل.
كانت موج في صدمة من حديثه ،طريقته كانت باردة في الحديث ،كانه تحت تأثير الصدمة ،همست
-إزاي؟؟أكيد في حاجة غلط ؟؟معتصم يعمل كده وفي مين ،فيك أنت ؟
-اه عمل ،وفيا أنا،الأخوات بيخونوا بعض معتصم مش هيخوني،مجتش عليه،المهم انه ميشغلش الفلوس في حاجة حرام ،أنا مسامح .
صاحت بصوتٍ عالٍ
-مسامح؟؟؟مسامح في اي؟؟في شقى عمرك،في مالك اللي فضلت بعيد عن أهلك علشانه !؟ دا تزوير دا حرام؟؟ كلم اي حد يا نوح ،كلم الناس في سويسرا ، أكيد في حاجة غلط
-ايوه قوليلي ،أروح اموته صح ؟ دا حل ؟بس برده مش هاخد حاجة ،بس لازم اشوف الورق ،افهمي يا موج الورق لو صح يبقى أنا فعلًا مليش حاجة عند معتصم .
ثم استطرد
-أنا لازم امشي يا موج ،خلي بالك من نفسك
جاء ليُغادر لكن امسكت معصمه بقوة
-رايح فين ؟
نظر إليها نظرة طويلة ،مليئة بالحزن
-ماشي
هتفت بكلمة واحدة
-ماتمشيش ،خليك أنت شكلك تعبان أوي
-ماينفعش أفضل هنا يا موج ،دا أفضل ليكِ وليا .
شعرت بكسرة قلبه ،تعلم انه لا يريد أن يرى أحد حُزنه ،همست
-طب هتروح فين
صاح بها بصوتٍ عالٍ
-هتصرف يا موج أنا مش عيل في اي
صمتت لبضع ثوانٍ ، نظرت له واغرورقت عينها، قلبها ينبض بقوة من الخوف
همست بخجل
– طب… طب ما تسيبنيش لوحدي يا نوح، أنا… أنا عاوزاك تفضل معايا، تكون جوزي بجد.
تجمد نوح في مكانه،صوته العالٍ لم يظهر،نظر إليها بصدمة لا يعرف ،يفرح لقربها له وهى من تطلب،أول لحزنه أنه لا يقدر على عيشها في نفس المستوى السابق،لكن اقترب وهمس بصوت هادئ
– موج… أنتِ فاهمة أنتِ قُلتي إيه؟
هزّت راسها بخجل وهبطت عبراتها،وقالت
– آه فاهمة… مش عايزة تمشي… عايزاك تكون معايا على طول.
هو أخد نفس عميق، وصوته أصبح مليئ بالحنو
– كنتِ لازم تقوليلي ده من زمان يا موج،قولتي متأخر يا موج متأخر،دلوقتي في الحال دا ،مقدرش أشيل ذنبك …..
الفصل الثاني والعشرون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندا الشرقاوي
هو أخد نفس عميق، وصوته أصبح مليئ بالحنو
كنتِ لازم تقوليلي ده من زمان يا موج،قولتي متأخر يا موج متأخر،دلوقتي في الحال دا ،مقدرش أشيل ذنبك .....
تركت يده سريعًا، كأنَّ صاعقًا كهربائيًّا قد سَرى في جسدها من أناملها حتّى قدميها. ثم تقدَّم خطوةً أخرى نحوها، والتقط كفَّيها بين يديه الغليظتين
هَمس بحنو
-صدقيني أنا مش عارف هعمل ايه،ومش عاوز أمرمطك معايا،أنا نفسي مش عارف هعمل ايه .
ردت عليه ساخرة
-أنت شايف هتسبني فين ؟؟ يعني هو دا المكان اللي هاتطمن وأنا فيه ،نوح أنا محستش بالأمان غير وأنا معاك،مش هقولك وأنا في بيتك،لأن ميفرقش معايا البيوت،لكن أنا حسيت بالأمان والاحتواء معاك أنت ،خليني معاك،الزعل والهم والحزن لما يتقسم على اتنين أحسن ما يشيلهُ واحد .
نظر إليها بعُمقٍ والسعادة تَغمُره من الداخل،لم تقول له "بحبك"لكن حديثها يوحي بكل ذلك .
رتب على كفّيها بحنو ،كان صامت لا يُجيب ينظر إليها فقط .
-يلا بينا على المأذون
كانت هذه الجُملةُ الوَحيدةَ التي نَطَقَ بها، فَلَمَعَت عَيناها كأنَّ أمامَها قِطعةً من الألماس، لا رَجُلًا.
اغرورقت عيناها بالدُّموع، ولم يَكُن في الحُسبان أن تَكون هذه هي الخُطَّة. كانت تَظنُّ أنَّ مَعرِفتَها بنوحٍ سَتنتهي عند مُغادرتِه منزلَه.
مَرّ ثلاثين دَقيقة عَليّه وهو يَنتظرُها بالخارج ،ثَوانٍ مَعدودة وكان يُفتح باب الغُرفة ،طَلت عليه برِدائها الأبيض البَسيط.
رِداءٌ عِبارةٌ عن بِنطالٍ أبيضَ واسعٍ نوعًا ما، وكِنزةٍ بيضاءَ بنصفِ كُمٍّ، تعلوها قَميصٌ نسائيٌّ أبيضُ من خامةِ الشيفون، وزَيَّنَت كُلَّ ذلك بالسِّلسالِ الذي تَركه لها نوحٌ قبل مُغادرتِه.
أبتسم ابتسامه واسعة حتى أن أنيابهُ ظَهرت بوضوح من اتساع الإبتسامة،تقدم عدة خطوات بسيطةً وهو يُطالعها بعيون تتلألأ.
وصل إليها وتمتم
-جميلة أوي
ابتسمت بخجل وقالت
-وأنت كمان
قهقه عليها قائلًا
-وأنا ايه،أنا بهدومي دي من امبارح تقريبًا ،ونزلت بيها ورجعت و هروح أكتب كتاب كمان ،وكمان فلست خالص ،جايلك على ايه دا كله تاخدي عريس من غير حاجه خالص
ردت بجُملة كفيلة لكُل الحديث
-كفاية إن العريس أنت يا نـــــوح
-ياااااه مش عاوز حاجة تاني من الدنيا كده
-نوح أنت إذا كده ،فلوسك وحياتك وشقاك كُله تقريبًا راح وأنت حساك يعني .....
أكمل حديثها
-بارد صح
رد سريعًا
-مش قصدي والله العظيم
اوما لها برأسه دلاله على أنه لم يُسي الفهم ،وهمس
-كبري دماغك ،خلينا في المُهم ،يلا على المأذون
ردت بحيرة
-يلا بس في حاجة عاوزة اقولها .
عقد حابيه بغرابه وهتف
-قولي غيرتي رأيك ولا ايه !!؟
-لا والله ،بس ايه رأيك لو تجيب المأذون ونروح عند أهلك ،أكيد كان نفسهم يشُوفك عريس ولا ايه ؟
رفع أنامله يضعهم في خُصلاته وقال بقلق
-مش عارف الصراحة يا موج،مش عارف ليه بقيت عادي مش مرتبط إني اروح كُل يوم ولا اكلمهم كُل يوم ،بس ممكن علشان الغُربة فا اتعودت أكوت لوحدي
همست بحنو
-دا طبيعي يا نوح علشان كُنت عايش لوحدك ،بس الفترة الجاية لازم تكون قُريب من أهلك دول نعمة كبيرة في حياتك ،علشان ماتندمش بعد كده .
-حاضر يلا بينا
..............
في الجهة الأخر
في منزل سُليمان كان واقفًا عند البار المنزلي، يُحضّر كأسين بصمتٍ مُريب، وكأنَّ وراء كل حركةٍ معنى لا يُقال.
أمسك الكأس وضع بداخله الثلج ،ثم قام بفتح زُجاجة نَبيذ أحمر ،وضع داخل الكأسين ، وأمسكه بيده بإحكام، ثم خطا خطواتٍ هادئة نحو مُعتصم،اعطاه كأسهُ وهتف
-كُنت متأكد إنك مش هتفضل كَلب سيدك يا مُعتصم
رد عليه مُعتصم بعصبية وهو يلتقط الكأس
-ما تنقي الفاظك يا سليمان في اي أحنا هنخيب ولا ايه
-لا ياعم روق أعصابك وخُد كأسك كده وقولي هنقسم أمته
وضع مُعتصم الكأس على الطاولة، ثم غمس إصبعه في قطع الثلج يُحرّكها بهدوء، وكأنّه يُفتّش في برودتها عن شيءٍ غامض،وهتف ضاحكًا
-نقسم ايه يا حبيبي
-ثروة نـــــوح الباشا
تعالت ضحكات مُعتصم عند سماعه حديث سُليمان ،وقف عن المقعد قائلًا
-لا يا حبيبي الثروة دي كُلها بتاعتي أنا وبس بالشرِكات كمان ،أحنا اللي بينا الشُغل وبس ،غير كده لا
أُعجب سُليمان بحديث مُعتصم وهتف
-أول مره أعرف إنك ذكي ،ظل نوح الباشا كان مغطي عليك تقريبًا كده
-بطل تَبُخ سم يا سليمان علشان مبيجيش معايا الدور دا ماشي يا سُلم يلا تيكير يا بيبي عندي شُغل .
غادر مُعتصم وترك سُليمان يُفكر ماذا يفعل حتى يتخلص من كل من نوح ومُعتصم في ضربةً واحدة .
................
في جهة أخرى ........
في منزل عبدالعظيم الباشا، دوّى طَرقٌ على الباب،خرجت وفاء من المطبخ وهي تَمسح يديها بطرف عباءتها البيتية، وتقول بصوتٍ مرتفع
-حاضر يالي على الباب مالك متصربع كده ليه ،هنطر ولا ايه !!؟؟
قامت بفتح الباب وجدت سما تقف وهل تحمل صفا الصغيرة ونوح الصغير بجانبها والسعادة تَغمُرها ،وهتفت
-مفأجأه يا ماما مفأجأه...
ردت الأم بحنو
-مالك ياقلب أمك في اي ،مفاجأة ايه ؟
-نوح يا ماما ،كلمني وقالي إن موج افتكرت وكمان هو اقنعها بالجواز وهيا موافقة وقال هيجيب المأذون ويجي يكتب الكتاب في بيت الباشا هنا .
نظرت إليها الأم بصدمة وفرحة في آنٍ واحد ،قلبها يَرفرف من السعادة تقدّمت تمسك ذراع ابنتها قائلة
-بالله عليكِ يا سما وحياة عيالك ،نوح قالك أنه هيجي هنا بالله عليكِ .
ابتسمت سما ابتسامه واسعه وهى ترا فرحة والدتها
-والله جاي يا ماما ،يلا بقا نظبط البيت ونفتح الباب ونبل الشربات كمان
وما إن أنهت جملتها حتى انطلقتا إلى الداخل مسرعتَين، تحملان الحماسة نفسها.
وضعت سَما الصغيرة صَفا على السرير برفق، بينما جلس نوح الصغير على طرفه يراقب بعينيه اللامعتين،في تلك اللحظة، ارتفع صوت وفاء بزغرودةٍ عاليةٍ هزّت جدران البيت، كأنها تُعلن للحيّ أجمع قدوم الفرح.
ثم شرعنَ جميعًا في ترتيب البيت بحيوية، وبدأوا في إعداد الشَّرَبات استعدادًا للحظة المنتظرة.
..................
كان يصف السيارة عند أقرب مول فاخر ،وهى تنتظره بداخلها ،عدا القليل من وقت وجدته جاء من بعيد ،صعد إلى السيارة وهتف
-اتاخرت عليكِ ؟
هزت رأسها نافيه ثم سألت بفضول
-نزلت تعمل ايه يا نوح
-ولا حاجة كُنت ببص على حاجة بس
شغّل السيارة ووضع يده على ناقل الحركة، فلفتَ انتباهَها أنّه لا يرتدي ساعته المعتادة.
هتفت في حيرة
-ساعتك فين يا نوح ؟
ظل تركيزه على الطريق دون الحديث ،لكن أعادت سوالها مرة أخرى
-ساعتك فين يا نوح!!!!!؟؟؟
رد وهو ينظر أمامه
-بعتها يا موج ،بعتها
-بعتها ليه ؟؟
قام بصف السيارة في مكان بعيد بعيد عن الطريق ،والتفت إليها قائلًا
-بعتها يا موج علشان نعرف نعيش ،ساعة زي دي تمنها أكتر من رُبع مليون جنية ساعة رولكس ،وأنا مش هروح الڤيلا اقوله هات هدومي وحاجتي
ثم استطرد ساخرًا
-دا اللي ناقص أروح امدله ايدي علشان أخد حاجة اللي هيا أصلا حقي ،المأذون أكيد عاوز فلوس ،مش همد إيدي لأهلي أكيد،أحنا نفسنا علشان نعرف ندبر ونعيش نأجر شقة على قدنا نشوف حاجة نحط فيها الفلوس تجبلنا فلوس أخر الشهر أنا مش هقعد حاطت إيدي على خدي يا موج
،أنا بحمد ربنا إني كنت لابس الساعة وإلا بجد مكُنتش هعرف أنا هعمل ايه .
لا تعرف بماذا تُجيب أمس كان يمسك مال لا يُحصى ولا يُعد والأن يُدبر للمعيشة .
تمتمت قائلة
-هتفرج يا نوح ،وهترجع أحسن من قبل كده
...............
بعد مرور ساعة .....
كان قد وصل نوح إلى منزل عبدالعظيم الباشا ،ترجل من السيارة وموج أيضًا ،استمع إلى صوت الزغاريد والتصفيق من الجيران وأهالي الحي .
ضحك نوح قائلًا
-كُنت مُتوقع إن أمي تشهر الجوازة قبل ما أنا أجي .
وجد نوح باب المنزل مفتوح من أوله إلى اخره ،موضوع عدة مقاعد للضيوف، إنارة موضوعه على المنزل من أوله إلى أخره .
ابتسم نوح وضرب كفّ على كفّ ،وجد سامح ووالده يخرجا من المنزل .
هتف عبدالعظيم
-كده يا نوح متقولش غير من ساعة يا بني ملحقناش مخلص ولا نعمل حاجة تليق بقيمتك أنت والعروسة
ابتسم نوح بحب من حديث والده وتقدم إليه ،ثم انحى يُقبل يده بحب قائلًا
-كتر خيرك يا حج على اللي عملته ،تعبتكم معايا والله.
ابتسم والد نوح بحب وهو يرتب على كتفيه بفخر ،تقدم سامح من نوح وهتف
-يلا يا بو نسب دخل المدام جوه سما مستنياها علشان تجهز والمأذون على وصول
في الداخل
دلفت موج إلى الغُرفة وجدت سما ووفاء في انتظارها والسعادة على وجههم .
قامت وفاء بالزغاريد عند دخول موج ،واقتربت تُعانقها بحرارة قائلة
-مبروك ،الف الف مبروك يا حبيبتي
ابتسمت موج وردت عليها قائلة
-الله يبارك في حضرتك
اقترب سما وهى تقول بفرحة
-تعالي بقا أنا جبتلك فستان تُحفة بس يارب زوقي يعجبك وكمان أنا اللي هعملك الميكب أنا كُنت خدت كورس ميكب قبل كده هبهرك هبهرك .
في تلك اللحظة غمر قلب موج شعور بالسكينة،كأن الله جبر كسرها ومنحها عائلة جديدة تحتضنها وتملأ فراغها.
وبعد ساعة كاملة...
أشارت عقارب الساعة إلى الحادية عشرة ليلًا، يقترب منتصف الليل، ومع ذلك ظل الشارع نابضًا بالحياة؛ ضحكات، أصوات، وخطوات متزاحمة، كأنه لا يزال عند الخامسة عصرًا.
وقف نوح مع الأهالي وكان هذا أول مره يندمج نوح معهم منذ مجيئه ،فرح كثيرًا بالحديث معهم .
دقائق و ولج سامح من الباب ومعه المأذون ،في تلك انفتح باب الغرفة ببطء، وخرجت منه موج بخطوات هادئة، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا يفيض رقيًا، ينساب حولها برقة كنسمة صيف ليلية.
كان مكياجها هادئًا، يبرز ملامحها الطبيعية بلا تكلف؛ لمعة خفيفة على عينيها، وابتسامة صغيرة على شفتيها، وكأنها تشرق نورًا أكثر مما تضع زينة.
ابتسم نوح عند رؤيتها ،هيئتها الجبارة التي تخطف الأنظار ،تعالت الأصوات والتصفيق الحار .
جلس المأذون في منتصف الأريكة ،وهتف
-فين وكيل العروسة
نظرت موج إلى نوح بإحراج أنها بمُفردها ولا يوجد معها أحد ،لكن أمسك يدها المرتحفة ،واستمع لصوت عبدالعظيم يقول
-أنا يا شيخنا ،أنا وكيل العروسة ،ودي بطاقتي
تقدم سامح وهو يقول
-وأنا شاهد يا شيخنا
جاء شاب أخر ،يقف في أخر المكان ،يقول
-وأنا شاهد يا سيدنا الشيخ .
رفع نوح نظره إلى مصدر الصوت وجد شاب ملامحه مألوفه عليه لكن لم يتعرف أكثر ،وقف عن مقعده يحاول التعرف ،سبقه سامح بالحديث قائلا
-ايه يا باشا بتشبه ولا ايه ،مش فاكر علي ؟؟علي اللي كُنتوا بتزوغوا سوا علشان تحضروا حصة رسم في فصل تاني بدل حصة العلوم بتاعت ابله مُنيرة
قهقه الجميع على الحديث،وفرح نوح كثيرًا ووقف يُعانق صديقه بحب وفرحة أنه رأه بعد كُل هذه السنوات
هتف علي
-لا الباشا هيفتح ايه ولا ايه بقا ،خلاص نسينا بقا نوح باشا
ابتسم نوح وهتف
-عيب يابو علي محدش ينسى اهله وناسه فينك يا علي ؟
-كُنت مسافر بقالي سنتين ولسه جاي يادوب حطيت الشنطة،وأمي قالتلي إنك رجعت وكمان بتتجوز قولت مين يشهد على العقد غير علي حبيب أخوه
تمتمت وفاء
-يلا يا ولاد اكتبوا الكتاب وبعدين قضوها سلامات بقا ،يلا يا شيخنا ابدا
قام الشيخ بفتح الدفتر وتدوين كُل شيء ،جاء عند خانة المؤخر
-هتكتب مؤخر كام يا عريس
تحدثت موج سريعًا
-مش عاوزة مؤخر يا شيخ
التفت نوح إليها قائلًا بتعجب
-ليه!!!؟
-مش عاوزة يا نوح
رد عبدالعظيم
-دا حقك يا بنتي المهر والشبكة والمؤخر كل دا حقك
هتفت موج
-يا عمو أنا مش محتاجة حاجة
-خلاص ياجماعة ،أكتب يا عم الشيخ ،المؤخر ٢ مليون جنية
ردت سريعًا
-نوح
-في اي ناوية تطلقي ولا ايه ،اهدي خلينا نخلص الجوازة يا جدعان عاوز أخش دُنيا
بدأ المأذون يتلو كلمات العقد، وصوتُه يملأ المنزل بهيبة الموقف، نوح، مدّ يده ليضعها في يد عبد العظيم، والعيون كلها تتعلّق باللحظة.
ومع كل كلمة كان المأذون ينطقها، كان نوح يرفع بصره إلى موج وكأنّه يكتب معها حوارًا صامتًا، لا يسمعه سواهما.
نظراته تقول الكثير... تردد، شوق، وغصة في القلب،حتى إذا وصل المأذون إلى ختام المجلس، ارتسمت ابتسامة مطمئنة على وجهه، وقال بصوته المميز
-بارك الله لكما وبارك عليكُما وجمع بينكما في خير.....بارك الله لكما وبارك عليكُما وجمع بينكما في خير....
وفي تلك اللحظة ،انفجرت الزغاريد تملأ المكان، كأنها إعلان رسمي ببدء فرحة العمر.
الكل بدأ يبارك ويصافح ويبتسم، والقاعة اتملأت بالتهاني والضحكات.
لكن وسط كل الأصوات العالية، عين نوح مازالت معلّقة بعين موج، يقرأ فيها ما لا يُقال بالكلمات
اقترب منها ممسك يدها معلن عن حُبه صريحًا لأول مره
-بحبك
قاطعهم دخول أحمد الحرس الشخصي لدا نوح سابقًا ،يقول
-نوح باشا
تقدم نوح منه قائلًا بقلق
أحمد ؟؟خير ياأحمد مُعتصم حصله حاجة !!؟؟
لا يافندم ،الباشا بخير ،أصله .....باعتني ....أنا أسف والله على اللي هقوله باعتني ..... أخد العربية يا فندم
الفصل الثالث والعشرون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندا الشرقاوي
لا يافندم ،الباشا بخير ،أصله …..باعتني ….أنا أسف والله على اللي هقوله باعتني ….. أخد العربية يا فندم
علامات الدهشة ملأت وجهه، ويبدو أنّه ارتكب أكبر خطأ حين اختار معتصم صديقًا، بل وأخًا له.
التفت حوله فرأى العيون مسلَّطة عليه، ورأى موج تحدّق فيه بقلقٍ شديد من قدوم أحمد في ذلك التوقيت، أراد أن يُنهي الحديث سريعًا قبل أن يقترب أحد منه.
شكل الأمر وكأن خيوطًا خفيّة بدأت تنكشف، وابتسامات الوجوه من حوله لم تعد تُخفي الريبة التي تسلَّلت إليهم.
أحسّ بثقلٍ يجثم على صدره، فحاول أن يُجاري الموقف بابتسامةٍ مصطنعة.
رتب على كتف أحمد بهدوء قائلًا
-عيني يا أحمد.
مد يده في جيبه وأخرج مِفتاح السيارة وضعه في كف أحمد ،وهتف
-اتفصل يا عم أحمد ،بس أقعد خد واجبك وأمشي طيب.
تمتم بشُكر وأدب
-تسلم يا باشا ،طول عُمرك تفهم في الواجب ،عن إذنك ،والف الف مبروك و ربنا يرزقك بالذرية الصالحة يارب .
غادر أحمد، فعاد نوح إلى مكانه جوار موج التي كانت تنظر إليه بعينٍ يملؤها القلق.
اقترب منها، ووضع يده على خصرها ليضمها إلى صدره، ثم تطلَّع في عينيها فرأى ارتجافًا خفيًّا ورغبةً في السؤال،كانت تهمُّ بالكلام، غير أنّه قطع عليها همسها قائلًا
-متخافيش مفيش حاجة
جاءت والدته من بعيد وهى تشعُر بالقلق من تَغير نوح ،هتفت
-مالك يا نوح ؟؟ وكمان مش دا الراجل بتاعك ؟وصحبك فين مُعتصم
تمتم بهدوء
-بعدين يا أمي ،بعدين خلينا لما الناس تمشي
مضيِّ بعض الوقت، خفَّت الضوضاء شيئًا فشيئًا، وغادر المدعوون واحدًا تلو الآخر، حتى خلا المكان إلا من أفراد العائلة وبعض المقرَّبين الذين انشغلوا بجمع ما تبقّى من أشياء.
وقف نوح إلى جوار موج، يُمسك بيدها، غير أن ذهنه كان بعيدًا عمّا حوله. عينيه ظلّت معلَّقتين بالباب، وكأنَّه ينتظر حدثًا يوشك أن يقع،حاول أن يُخفي ارتباكه بحديثٍ عابرٍ وضحكاتٍ مجاملة، إلا أنّ القلق كان يتسرَّب من نظراته
وحين انقضت دقائق أخرى، وسكنت القاعة إلا من العائلة القريبة، التفت نوح إليهم جميعًا، نظر في الوجوه التي أحبَّته وأحاطته بالثقة، ثم أخذ نفسًا عميقًا وجلس بجانب موج التي اقتربت منه همست بصوتٍ مرتجف
-نوح مالك أحمد كان عاوز ايه!!؟
شدَّ نوح على يدها وضغطها في كفِّه كأنه يسكب طمأنينته فيها، ثم قال بنبرة هادئة
-مالك قلقانة كده ليه !؟عادي يعني أحمد جاي ياخد العربية ،عادي مش احنا عارفين كده ولا ايه .
استمع الأب إلى الحديث وعقد حاجبه بغرابة ،ثم سأل
-ومُعتصم صحبك بعت ياخد عربيتك ليه؟وكمان مجاش يحضر الفرح ليه ؟
اعتدل نوح في جَلستهُ وقام بمدَّ يده ثم شَمَّر كُم القميص في حركة واثقة تُحفي اضطرابه ،واستعد لِما هو قادم ،وهتف
-بما إن الكُل قاعد ،فا أحب أقول كُل حاجة بقا،ياريت محدش يقاطعني ،مُعتصم أستغل إني مَكُنتش مدي خوانه،وعامله توكيل عام بالبيع والشرى ،وباع لنفسه كُل حاجة تُخصني حتى العربيه اللي جه أحمد ياخدها يعني أنا دلوقتي معنتيش حاجة ،كُل ما أملك ثروتي كُلها مُعتصم خدها
ضربك والدته على صدرها بقوة وهى تشهق قائلة
-يامصبتي ،خلاك على البلاطة ،وتأمن ليه ليه يا نوح،دا الأخوات مابيعملُش كده ،ليه يا بن بطني تعمل كده
صاح بها عبدالعظيم بصوتٍ عالٍ
-وفاء؟؟؟؟ في ايه ؟؟هو بيحكي علشان تقطميه ولا ايه ابنك راجل مش عيل ،وبعدين أكيد هيرجع كُل حاجة
،هو بس محتاج يفكر كويس.
ثم استطرد موجهه حديثه لنوح
-بُص يا بني ،أنا يمكن غلط في حقك كتير ،ماتزعلش مني أنا أب واي أبي بيكون نفسه ابنه يطلع أحسن منه ،ويشوفه حاجة كبيرة ،أنت لما مشيت أنا كان قلبي بيتعصر عليك من القلق ،يمكن أمك مكانتش تعرف دا وبتقول عليا جاحد وقلبي حجر ،بس لا أنا أكتر واحد كُنت قلقان عليك،كُنت برده خايف أموت وأنت بعيد متسامحنيش، مكنش هيكون ليا وش أقف قدامك قدام ربنا ،بس لما رجعت وشوفت نجاحك اللي حققته بره مصر وجاي تكمل نجاح جوه مصر،عرفت إنك كُنت قد كلمتك لما وقفت قصادي وقولت هعمل اللي أنا عاوزه،علشان كده لو ثروتك كُلها راحت نتيجه لثقة زيادة ،أنت تقدر ترجع ثروتك وتقدر تعمل غيرها كمان ،أنت اللي عملت الثروة يا نوح مش الثروة اللي عملتك.
تأثر نوح بحديث والده ،لكن لم يعرف بماذا يُجيب ،فهو حقًا تائهه ،لا يعلم ماذا يفعل ….
ثوانٍ مضّت،وهتف
-لا ياحج أنا مسامحك والله وعارف إنك كُنت عاوز مصلحتي ،محدش بيكون عاوز حد أحسن منه غير أب وابنه ،أنا عارف دا.
ربنا يطول في عُمرك ويديك الصحة يارب .
تحدث سامح قائلًا
-اللي حصل حصل يا نوح المُهم اللي جاي أنت ناوي تعمل ايه
هم نوح بالحديث لكن قاطعه نوح الصغير وهو يأتي راكضًا من الغُرفة ،يمسك في يده عُلبة صاج ،ثم وضعها في يد نوح قائلًا
-خُد يا خالوا ،دي حصالتي بتاعتي خُدها كُلها ،أنا مش عاوزها ومش تخاف دي بتاعتي مش بتاعت بابا وماما ،أنا كُنت بحوش علشان أجيب عروسه كبيرة لصفا بس عادي أنا مش زعلان
تأثر الجميع بحديث الطفل ،مد نوح يده يحتضنه ويُجلسه على قدمه قائلًا
-شُكرًا يا نوح، بس احنا هنسيب الحصالة زي ما هيا علشان نجيب عروسة صفا وكمان نجيب عجلة لنوح وأنا كمان هحوش معاك ،ومن انهارده كمان
أخد نوح من جيبه ورقة نقدية،ثم قام بثنيها عدة طبقات وقام بوضعها في العُلبة الصاج قائلًا
-وليك كُل يوم زيها اي رايك؟
فرح نوح الصغير وقفز عن قدمه وهو يُتمتم
-يعيش خالوا نوح يعيش خالوا نوح
ابتسم الجميع على هذا الحديث ،عاود نوح حديثه قائلًا
-استأذن أنا بقا،يلا يا موج
هتفت سما سريعًا
-على فين يا نوح،هتروح فين؟ما تيجي تقضي يومين في شقتي وأنا اقعد هنا مع ماما علشان تكون براحتك
ردت وفاء مؤيدة حديثها
-ايوه يا نوح اعمل كده
رد نوح بحنو
-لا ياستي مش هعمل كده أنا هاخد مراتي حبيبتي واقضي الليلة انهارده في أحلى فُندق في مصر ،دا الليلة فرحي يعني
همت وفاء بالحديث لكن قاطعها عبدالعظيم
-خلاص يا وفاء سبيه على راحته هو عارف بيعمل ايه
-ايوه كده سبوني براحتي بلاش تحسسوني إني عبئ لو سمحت
رد عليه
-لا يا بني متقولش كده عبئ ايه بس ،ربنا يكرمك يا بني
………………….
في فُندق الفور سيزونز الأسكندرية "سان ستيفانو"
أفخم وأروع فنادق الأسكندرية ،موجود داخل مُجمع سان ستيفانو جراند بلازا على الكورنيش مباشرًا ،يُحيطه حدائق واسعه خضراء،يتميز بالعُلو والفَخامة ،مُتعدد الغُرف ،يأتيه زوار خارج وداخل المدينة .
دلف إلى الفندق وهو يمسك بيدها والسعادة تغمره من الداخل ،وقفت في لحظة حتى هو نظر لها بغرابة ،هتفت
-ما بلاش يا نوح،هيكون غالي،واحنا دلوقتي محتاجين الفلوس
-موج،أنا مش هقفل على نفسي ،اللي بعمله طبيعي وكفاية أوي إني معملتش اللي يليق بيكِ دا حاجة بسيطة وبعدين هو يوم وهنتزل بكره نشوف شقة إيجار ،وبعدين انهارده كان يوم طويل أول الساعه بقت ٤ الفجر ،لازم نرتاح وأنا خلاص حجزت جناح من كام ساعة وزمانه جهز .
أكمل السير إلى الداخل معًا ،وقف أمام الأستقبال وهتف
-لو سمحت في حجز بإسم نوح عبدالعظيم الباشا
بدأ الرجل يبحث على الموقع ثوانٍ وهتف
-ايوه يا فندم في جناح بإسم حضرتك وكُل حاجة جاهزة زي ما حضرتك أمرت ،مع حضرتك شُنط حد يطلعها .
-لا لا عاوز بس مفتاح الجناح والرقم وخلاص .
أخر له نُسخة من المِفتاح وأعطاها له ،وتمنى لهم رحلةً سعيدة .
…………….
في الأعلى…
قبل فتح باب الجناح ،همس لها
-غمضي بقا عينك ،وانسي كُل،حاجة،مُعتصم ،الثروة ،أهلي ،أهلك وعمتك ،عيشي معايا أنا وبس .
فعلَت كما قالَ وأغلقت جُفنَها، قامَ بفتحِ البابِ ثم انحنى بجسدِه، حملَها بينَ يديه، ليحتضنَها قلبُه قبلَ صدرِه، شهقت بخِفّةٍ حين وجدت نفسَها مُعلَّقةً في الهواء.
أفسحَ المجالَ له حين فتحَ البابَ أكثرَ بقدميه، تقدّم خطوةً تِلوَ الأخرى… حتى استقرَّ في منتصفِ الغرفة.
اقتربَ منها بوجهِه حتى شعرت بحرارةِ أنفاسِه في عُنقِها، ليهمس وهو يُقبّلها قُبلاتٍ متفرّقةً على سائرِ عُنقِها.
-فتحي يا طماطم
قامت بتفتيحِ عينَيْها، فوقَع نظرُها أوّلًا عليه؛ قُربُه الزائد، واختلاطُ أنفاسِهما معًا، كأنّهما أصبحا جسدًا واحدًا لا ينفصل.
استدارت ببطء وهي ما تزال بين يديه، نحو الفراشِ الواسعِ المُنثَرِ عليه الوردُ الورديّ بطريقةٍ شاعرية.
كانت الشموعُ الصغيرةُ تُضيء أرضيّة الغرفة، ومنامتها الستان مُعلّقةٌ بجانب منامته.
التفتت نحو الشرفة، تستمعُ إلى صوتِ الموجِ العالي، الممتزج بصوتِ ميادة الحناوي…..
حبيت حبيت ….
نسيت الامي نسيت …
حسيت في عيونك آمالي …..
وأحلامي الجاية …..
بهدوءٍ شديد أنزلها من بين يديه، وكأنّه يخشى أن يوقظ حلمًا ناعمًا.
لامست قدماها الأرض، لكن يده ظلّت تحيط بخصرها كحارسٍ لا يريد أن يترك مكانه.
تلاقت العيون لحظةً، فاصطدمت بنظراته الدافئة التي كانت تقول ما عجز اللسان عن البوح به.
ابتسمت بخجل، بينما هو أزاح خصلةً من شعرها المتساقط على وجهها ليتأمّل ملامحها عن قرب.
جلسا معًا على طرف السرير، والورد المتناثر حولهما يفوح بعطرٍ هادئ، فيما كانت أنغام ميادة الحناوي لا تزال تنسج خلفيةً حالمة للمكان، تُغرقهما في لحظةٍ لم يُرِدا لها أن تنتهي
همس بحنو طفيف
-عارفة،مكنتش عارف إن دا كُله هيحصل …
بس كُل اللي اعرفه إني كُنت هوصلك بأي طريقة علشان تكوني معايا.
ردت بكُل خجل
-أنا مش عارفة كُل دا حصل إزاي ،وإزاي قدرت اسامحك و…
قاطعها قائلًا
-علشان حبتيني ممكن .
ابتسمت بخجل من حديثه الصريح ،لكن قهقه هو بصوتٍ عالٍ
-المرحلة دي تنسيها خالص الطماطم أنا سايبها في التلاجة عند وفاء ،مش في خدودك
خجلت أكثر ،أراد أن يكسر حاجز الخوف بينهم ،وقف وهو يقول
-طب تعالي نُقف في البلكونة شوية
خرجت معه إلى الشرفة، والنسيم البحري يلامس وجهيهما بلطف.
امتدّ البحر أمامهما، أمواجه تتمايل في انسجام مع صوت ميادة الحنّاوي القادم من الراديو القديم في أحد الأماكن على الشط .
وقفت مترددة بجانبه، فابتسم ليكسر صمتها قائلاً
– شوفي، البحر لما بيهدا بيشبه القلب لما يطمن.
التفتت إليه وهي ما زالت تحتفظ بخجلها، فاقترب منها خطوة صغيرة، ثم همس بنبرة هادئة
– وجودك جنبي مخليني حاسس بالأمان.
مد يده برفق كأنه يريد أن يطمئنها لا أكثر، فتلاقت نظراتهما في لحظة صادقة.
لم يحتج الأمر إلى كلمات أخرى، فالصوت البعيد للأمواج أكمل ما عجزا عن قوله……
……………….نقطة التقاء الأحبة………………..
في صباح اليوم التالي……
وقفت سيارة سوداء أما مبنى عالٍ،هبطت منها فتاة في مُنتصف العشرينات،ترتدي كنزة بحمالات رقيقة باللون الأبيض ،وتنورة تصل إلى رُكبتها باللون الأسود،وعلى رأسها كاب أسود بنفس لون الحذاء .
وقفت أمام السيارة وهى تستمع لصوت إذاعة القران الكريم في الراديو السوبر ماركت وكانت سورة "الكهف"
"إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا "
هتفت بهدوء بعدما أخذت نفسًا عميق
-صدّق الله العظيم
دلفت إلى المبنى ،ثم وقفت أمام المصعد….
جاء بعد ثوانٍ،صعدت وقامت بالضغط على زر الطابق السابع .
ثانية تلي الأخرى،حتى وصلت إلى الطابق خرجت واتجهت إلى أحد الشقق ،قامت وضع أصبعها على زر الجرس ،لكن لم تبعد أصبعها .
جاء صوت صريخ من الداخل بعد دقائق
-ماشي يالي على الباب ،إما وريتك.
فتح الباب بقوة وهو يتوعد لم يقف أمام الباب لكن صُدم قائلًا
-لـــيـــلـــى؟؟؟؟
صاحت به بقوة قائلة
-ايوه ليلى يا مُعتصم ،أنت بجد عملت كده ،خدت ثروة نوح يا معتصم ،الراجل اللي أمنك على ماله وحياته واعتبرك أخ ليه ،تقوم تعمل كده تخونه يا مُعتصم .
زفر بضيق ودلف إلى الصالون جلس على أحد المقاعد قائلًا
-أنتِ جاية من سويسرا لمصر علشان تقوليلي البوقين دول يا ليلى ؟
ولجت وهى تضغط على أسنانها من اسلوبه ،قائلة
-أنت من امته بارد كده يا معتصم ،أنت يطلع منك كُل دا
هي واقفًا عن مقعده ،قائلًا
-ليلى أنت دلوقتي معايا كُل ثروة نوح كُلها يعني فلوس كتير أوي غير ثروتي،تعالي نتجوز بقا أنتِ عارفة من زمان إن بحبك واهو معايا فلوس كتير .
في نفس اللحظة سقطت صفعة قوية على وجنته جعلت أركان المنزل بأكمله تهتز ،نظر إليها بصدمة وأحمر وجهه .
ضم يده بقوة على بعضها قائلًا
-امشي يا ليلى امشي علشان لو فضلتي أنا هموتك يا ليلى هموتك
همست ساخرة
-يا خسارة والف خسارة على اللي طلع أزبل من اليهود
الفصل الرابع والعشرون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندا الشرقاوي
في صباح ليلة "التقاء الأحبة ".....
صوت أمواج البحر ترتطم بالأحجار الصخرية التي تنتثر على الشاطئ،المياء صافية ولطيفة ،لأننا في فصل الخريف نجد صفاء الشمس مع البحر .
صوّت السيارات التي تسير على الطريق السريع،منهم إلى عمله ومنهم إلى التقاء من يُحب .
صوت مُحركات الفرامل تقف أمام الفُندق ،فتح الباب ،ترجل نوح وهو يمسك في يده عدة حقائب،أغلق الباب بقدمه بعدما دفع الأجر .
ولج إلى الفُندق ،مُتجهًا إلى المِصعد ،ضغط على الزر صاعدًا إلى الطابق التاسع .
ثوانٍ معدودة وأطلق المصعد صوت دالّ على الوصول،خرج من المصعد مُتجهًا إلى الغُرفة....
قام بِفتح الباب ،ظن أنها مازلت غارقة في نومِها لكن وجدها تقف أمام الشُرفة مُتكئه بجسدها على الحائط تنظر إلى البحر......
ابتسم ابتسامه واسعه ظهرت فيها انيابه ،وقال
-صحيتي!أنا قولت هاجي هتكوني لسه نايمة .
استدارت له مبتسمه بخجل واضع
-صحيت ملقتكش قولت أقوم اتفرج على البحر
اقترب منها مُحاولًا مشاكستها
-طب وواقفه بالبُرنس ليه !!؟؟
ضمت رِداء الأستحمام عليها بإحكام ،وتقدمت قائلة
-أصل احنا جينا بلبس كتب الكتاب ملحقتش اجيب بيجامة .
اقترب مُقبلًا مُقدمة رأسها بحنو ،وقال
-ما علشان كده نزلت جبت لبس ،والله فكرت أن استناكِ ننزل سوا بس قولت يمكن ماترتاحيش في لبس كتب الكتاب ،تعالي اوريكِ جبت ايه
ابتسمت ابتسامه رقيقة وجلست على حافة الفراش وهو بجانبها ،مد يده يُجلب أول حقيبه ثم أخرج ما بها ،كانت عُبارة عن منامة من الستان مُكونة من شورت أعلى الرُكبة وكنزة بحمالات عريضة لونها بيج .
تمتم وهو يرفعها أمام وجهها
-هااا ايه رأيك بقا ؟؟؟
ردت بخجل
-هيا جميلة بس مش عريانة شوية ؟
قهقة بصوت عالٍ ،أهتز لها الاركان ،وقال
-لا مش عريانة دي أكتر حاجة مُحترمة ،الله يخليكِ سبيني أكمل ،جبت وحدة بس علشان قولت أنتِ تختاري براحتك .
-هو احنا هنفضل هنا كتير؟
تمتم وهو يضع المنامة في حقيبتها
-اه ،نقعد يومين تغيير جو
هزت رأسها بالرفض
-لا ،نمشي انهارده ،نروح نشوف شقة .
عقد حاجبه بغرابة من طلبها من المُغادرة ،وقال
-ايه يا موج؟الفُندق مش عاجبك ولا ايه ؟؟
ردت سريعًا ،شارحه قصدها
-لا بس حرام مصاريف كتير ،فا ننزل كفاية ليلة ،نروح نشوف شقة ونشوف هناخدها مفروش ولا لا واحنا نجيب عفش،يارب نلاقي مفروش علشان منضطرش
نبات تاني في فندق .
مد يده يلتقط كفها بين كفه ،ورفعها أمام فاه ،قائلًا
-على عيني أمرمطك معايا المرمطه دي يا موج بجد ،أنا من جوايا زعلان أوي.
هتفت سريعًا
-لا لا ،مرمطة أيه يا نوح والله أنا كويسة أنا مبسوطة إني معاك
ثم استطرت ساخرة
-هو أنت شايف إني كُنت قاعدة في ڤيلا ،نوح أنا طول ما أنا معاك وأنا حاسة بالأمان ،أنا مبسوطة صدقني .
كان في تشتت خائف عليها من القادم يعلم أن القادم ليس أمان ،وأن سُليمان لن يتركه حتى وإن بقى بلا مال .
ابتسم قائلًا
-ربنا يديمك في حياتي يارب ،
ثم استطرد ....بصي جبت اي تاني
أخرج من حقيبة أخرى ،بنطال أبيض اللون واسع إلى حد ما ، مصنوعًا من قماشٍ خفيف ينسدل بسهولة مع الحركة،ثم أخرج كانزة مزدوجة باللونين الأبيض و النبيتي ، ألوانها متناغمة تمنح مظهرًا أنيقًا وهادئًا في الوقت نفسه.
مرّر يده على القماش ليزيل بعض التجاعيد الصغيرة، ثم تأمل الملابس لحظة وكأنه يتخيّل كيف ستبدو بها ،ثم قال ضاحكًا
-بتخيلهم عليكِ قبل ما تلبسيهم ،بس واثق أنهم هيكونوا حلوين علشان أنتِ هتلبسيهم
ابتسمت بسعادة على حديثه الذي يجعلها تشعر بالسعادة ،تعلم أنها ليست على قدر من الجمال عالٍ وأنه راى نساء في سويسرا تتميز بالجمال الاوربي لكن يكفي أنه يراها أجمل أمراه في الكون.
-شكلهم حلو أوي ،تسلم يانوح ،طب فين حاجتك
رفع أنامه يضعهم على خصلاته قائلًا
-لا ما أنا قولت لما ننزل اجيب علشان بحب ذوقك أنتِ
ضيقت عينها وهى تنظر إليه قائلة ساخرة
-يا جدع!! بيعجبك ذوقي ولا قولت كفاية أنا
وقف وهو يضع يده على كتفيها قائلًا
-يا حبيبتي أنا مش عارف هتصدقيني امته ؟وبعدين دا انهارده صبحيتنا .
تمتمت ضاحكة
-قول لنفسك حد ينزل يوم الصباحية ؟
تحدت ويده تعبث في رِداء الأستحمام
-الحق عليا قولت أنزل اجيبك هدوم بدل البُرنس ،يا موجي
كان يتحدث وهو يقترب حتى تداخلت أنفاسهما سويًا.
ساد بينهما صمتٌ قصير، كأن الهواء أثقلته كلمات لم تُقل بعد.
نظر إليها بعينين تملؤهما الحيرة والحنين، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة بدّدت التوتر بينهما.
قالت بخفوتٍ، كأنها تخشى أن يسمعها قلبها قبل أذنه
ـ موجي... كفاية قربك، هو ده الدفا اللي كنت محتاجاه
........................
في أحد الشوارع .....
أمام منزل عبدالعظيم الباشا.....
كان يقف علي مع سامح أمام المنزل يتحدثان بصوتٍ عالٍ،حتى مرت أمامهم فتاة تبلغ من العُمر تقريبًا ثلاثة وعشرين عامًا ،مرت كأنهم فراغ لا تُبالي لهم .
رمى على لفافته أرضًا وضغط عليها بحذائه قائلًا
-هيا الأخت عاملة نفسها مش شيفاني ولا ايه يا سامح
تحدث سامح بهدوء
-سبها في حالها يا علي ،كفاية لحد كده ولا ايه !!؟
رد بكُل غضب
-هو ايه اللي اسبها في حالها؟؟ أنا حالها يا سامح، أنا سافرت واتمرمط ليه وعلشان ايه مش علشانها
تمتم بهدوء ما قبل العاصفة
-علي أنت سافرت من غير حتى ما تقرى فاتحة ،تثبت بيها إنك عاوزها ،وبعدين أنتَ ما تعرفش ،أميرة مخطوبة وفرحها كمان شهرين .
ساد الصمت لثوانٍ، ثم اشتعل الغضب في ملامحه، فصرخ غاضبًا بكلماتٍ لم تُفهم، تفضح ما يعتمل بداخله من قهرٍ وندم.
-هيا مين اللي فرحها كمان شهرين أنت هتستعبط ولا ايه يا سامح ؟؟؟
-لا دا فعلًا اللي حصل ؟ كنا هنوقف الجوازه على أساس ايه ؟؟ وجنابك منعرفش عنك حاجه وهيا غصب عنها أهلها غصبوها
هم علي بالرحيل خلفها لكن استوقفه سامح ممسكًا بذراعه قائلًا
-أنت مجنون رايح فين!!!؟
قبض على يد سامح بقوة محاولًا أن يتركه ،وقال
-ابعد ايدك يا سامح سبني أنا لازم أروح
شد سامح قبضته أكثر، لكن عليّ انتزع يده بعزمٍ مفاجئ، وكأن كل ما في داخله من غضبٍ ووجع تجمّع في تلك اللحظة.
تحرر أخيرًا، فاندفع مبتعدًا بخطواتٍ سريعة، لا يلتفت وراءه، كأن الأرض نفسها تدفعه إلى الرحيل قبل أن ينهار.
ركض خَلفها حتى يلحقها ،عندما لمح طيفها ،صاح بقوتٍ عالٍ
-أميررررة.....
أغلقت عينها بقوة ووقفت في مكانها ،حتى تقدم هو سريعًا قائلًا بحزن
-أنتِ اتخطبتي وفرحك قرب
ردت بنبرة تملئها الحزن والألم
-اه
أقترب ممسكًا ذراعها بقوة وتحدث وهو يضغط على أسنانه من العصبية
-هو ايه اللي اه ؟؟؟؟؟ هو دا وعدك ليا يا أميرة!!!
حاولت نزع يدها من يده التي كانت تقبض عليها بقبضة قوية قائلة بعصبية
-سيب إيدي يا علي أحنا في الشارع ،واظن عيب كدة اللي بتعمله وبعدين أنت جاي عاوز ايه الوعد دا خلاص راح يا علي يوم ما حطيت رجلك بره الشارع وسافرت ولا كانك سايب حيوانه هنا مستنياك،دا أنا قولتلك روح لابويا واخطبني حتى بدبلة على الأقل أكون بتاعتك صح ،ساعتها قولتلي ايه لا يا بنت الناس أنا ممشيش وحمل على كتافي ،اهو الحمل راح غيرك شال يا علي ،عاوز ايه تااني بقا ؟؟؟
ضم كفه بقوة قبل أنا يُلكمها على حديثها ،وهتف
-قدامك ساعتين ومش عاوز أعرف مين الحُمار اللي اتخطبتيله علشان متبقاش جنازته بدل الفرح ،ساعتين والخطوبة دي تنتهي وأنا هاجي اتقدم بكره .
ضربت كف على كف قائلة
-بعد ايه يا علي ؟؟ بعد ايه فرحي كمان شهرين أنت عاوز الناس تاكل وش ابويا ولا ايه يقولوا فسدت قبل الفرح بشهرين علشان علي .
-بت أنتِ والله العظيم هطبق وشك ما تعرفي ليه ملامح ،أنتِ اتجنيتي ولا ايه عاوزه حد غيري يكون اسمه في بطاقتك دا أنا اخليها شهادة وفاة بدل عقد جواز ،يلا يا حلوه اطلعي قولي لابوكي بدل ما اجي بليل بالمأذون واللي يحصل يحصل .
.................
-هااا ايه رايك يا موج ،حلوة ولا نشوف غيرها؟؟؟
كان ذلك صوت نوح وهو يقف ينظر إلى أركان المنزل الجديد ،وكانت هى تُطالع كُل شئ بداية من الغُرف إلى المرحاض والمطبخ كُل شيء .
-لا كويسة يا نوح ،بس سعرها غالي شوية
نظر لها بصدمة لأنه يعلم أن سعر المنزل رخيص بالنسبة لباقي المنازل التي زاروها .
رد السمسار بهدوء
-إزاي بس يا مدام،دي شقة مفروشة وسعرها لقطة وحضرتك تقولي السعر غالي!!!!
-ايوه سعرها غالي هو أنا هتبلى عليك يعني،كُلما تحت أمر لقمة العيش وبعدين الشقة دي مدفعش فيها إيجار أكتر من ٧٠٠٠ جنيه
نظر إليها السمسار بصدمة
-يا مدام الشقة إيجار بس ١٢ الف جنية وحضرتك تقولي ٧٠٠٠ ما تحضرنا يا بشمهندس
تحدث نوح وهو يكبت ضحكته
-لا لا يا موج الصراحة الراجل عنده حق واحنا لازم برده نكرمه ،بص أحنا نخلينا بين البنين ،٩٠٠٠ حلو اوي ولا ١٢ ولا سبعه
هم الرجل بالحديث لكن قاطعه قائلًا
-قول موافق علشان أنا مضمنهاش ،ممكن تقولك خمسة كمان شويه
ضرب كف على كف وقال
-ما باليد حيلة ،اتفضل يا بيه نمضي العقد
تقدم السمسار أولًا ،وجاءت موج لتتحرك لكن أمسك بها نوح قائلًا
-دا أنتِ كمان بتفاصلي حلو بقا
رفعت طرف كنزتها بغرور مصطنع ،وهتفت
-أقل ما عندي
رتب على كتفها قائلًا
-طيب يا حلوة ،مسمعش صوتك لحد ما نمضي العقد سامعه
عبثت ملامحها ،وتمتمت بخفوتٍ
-ماشي أنا غلطانة إني بوفرلك
-امشي يا موج،امشي
.............
في الجهة الأخرى .....
في منزل مُعتصم .........
كان يتصاعد دُخان التبغ ببطء، يرسم دوائر من القلق فوق وجهه المتعب.
يُراوده شُعور بالوحدة لكن يؤكد لنفسه بالحديث أنه يفعل الصح .
تحدث وهو يُخرج دخان لفائفه
-ماشي يا ليلى بتمدي إيدك عليا ،هدفعك تم القلم دا كويس أوي يا ليلى .
ولج إلى المطبخ ،أمسك عُلبة القهوة والسكر وقام بصُنع القهوة،ثوانٍ و وضع الركوة على النار بهدوء، مَرت دقيقة وهو يرقب غليان القهوة كما يرقب أفكاره وهي تفور في رأسه.
تزكر موقف يجمع القهوة وهو ونوح معًا .
"عــــودة للمــــاضــــي "
دلف إلى المطبخ سريعًا وهو يسرق من يده فنجان القهوة ويرتشف منه سريعًا ،وهتف مُعتصم
-يا نوح يا حبيبي أنت مبتحبش القهوة بسكر ليه تسرقها مني .
ارتشف نوح رشفة أخرى ثم قال
-مزاج يا أخي ،خطف القهوة دا مزاج
عقد حاجبه ثم استطرد
-بس غريبة القهوة المرة دي سادة ،اشمعنا
قهقة مُعتصم قائلًا وهو يمسك بسترة بدلته
-ما أنا عارف إنك هتسرقها فا عملت وشربت قبل ما أنت تيجي تخطف فا قولت اعملك وحدة بقا
وضع نوح الفنجان على الطاولة قائلًا
-لا ياعم مش شارب يلا بينا
"عـــودة للحــاضـــر"
فاق مُعتصم على صوت غليان القهوة على شُعلة النار ،أغلق النار ،وترك كُل شيء وخرج من المطبخ مُتجه إلى غُرفة النوم .
................
وقع على عقد إيجار الشقة ،أمس كان يوقع على عقد زِفافه واليوم عقد منزل الزوجية، سوف يُبنى بَكُل حُب وسعادة .
كانت ترسم ابتسامه واسعه على وجهها ،كان حُلمها يتحقق،كانت تحلم ببداية حياة مع شخص من البداية حتى يُبنى كُل شيء بالحُب .
انتهى من الأمضى ،ثم قال الرَجُل
-تتهنى بيها يا أستاذ نوح .
ابتسم نوح وهو يضع القلم في غطاءه ،وتمتم
-شُكرًا جزيًلًا لحضرتك ،مبروك للجميع .
وقف نوح ومعه موج التي كانت تبتسم بسعادة أكثر من توقيع عقد الزفاف .
مر ساعة من إمضاء العقد …..
والأن هم في سوقًا كبير،كانت تقف موج أمام قسم المواد الغذائية تتفحّص الرفوف بعناية كمن تختار كنزًا
مدّت يدها نحو عُلب المكرونة،ثم التقطت زُجاجة زيت،وبعدها عُبوة من صلصة البندورة ، وأخذت تتنقّل بخفّة بين الأقسام؛مسحوق الغسيل،سُكر،شاي،أرز،كُل ما تحتاجه للبيت الجديد.
ونوح، فكان يقف خلفها يراقبها بصمتٍ مبتسم، يتأمل تفاصيلها الصغيرة، تلك الحركات العادية التي بدت له أجمل من أي مشهدٍ رآه في حياته.
كان يشعر وكأن هذا السوق البسيط هو بداية عالمهما معًا،وهى كانت تختار بسعادة كبيرة،تشعر بأنها بالفعل عروس تختار كُل شيء لمنزلها .
استدارت له قائلة بغرابة
-مالك ؟بتبصلي كده ليه؟؟
اقترب منها مُلتقط منها ما تَحمله ،وقال
-حاسس إني عاوز أشكر مُعتصم ،مَعرفش ليه !!؟ يمكن علشان بقيت بعمل كُل حاجه بحب ،لو كان عندي كُل حاجة مكناش عملنا اللي بنعمله دلوقتي….
ثم استطرد
-بس دا ميمنعش إن لازم أجيب حقي تاني
أمسكت كفه بكُل حنو ،وهمست
-كُل حاجة في وقتها حلوة ،المهم بقا تعال نروح في هنا محل حلو لمحته وأنا داخله نجيب ليك هدوم ،وكمان نشوف هنتغدى ايه ؟؟
-لا لا الغدا ،لازم يُبقى سمك طبعًا ،دا أنا نفسي في كده من زمان ،أكل سمك من ايدك
ردت عليه مُشاكسه
-لا لا شكلك كدة داخل على طَمع .
-أوي أوي الصراحة ،عازب ٢٨ سنة يا حجة لازم ادخل على طمع .
………………….
بعد ثلاثين دقيقة……
خرجا من المحل سويًا بعدما اشترى نوح بعض الملابس ، الذي لم يفوّت الفرصة في إبداء رأيها بكل قطعة يرتديها، بين جدٍّ ساخرٍ ومزاحٍ لا يخلو من الدلال.
كانت موج تضحك رغماً عنها، تارةً من
رواية نوح الباشا الفصل العشرون 20 - بقلم ندا الشرقاوي
تجمّد في مكانه، صوته خرج متلعثمًا
— لـــيـــلـــى!!
ابتسمت هي بعفويةٍ ودفءٍ اشتاقهما قلبه منذ زمن، وقالت بصوتٍ مفعمٍ بالشوق
— نـــــوح… حبيبي، وحشتني!
-ليلى ؟أنتِ رجعتي من سويسرا امته
همت بالحديث لكن قاطعهما موج وهى تُنادي
-مين يا نوح ؟؟
نظرت إليه ليلى بصدمة ،فهى لم تكن على معرفك بزواج نوح نهائيًا ، تقدمت خطوة قائلة
-أنت بعد ما فلست بقيت تجيب نسوان البيت يا نوح !
صاح بها قائلًا
-ايه فلست ونسوان دي يا متخلفة ، حسني ملافظك،ادخلي
ثم استطرد موجهه حديثه بصوتٍ عالٍ حتى تستمع موج
-دقيقة يا حبيبي جاي .
دلفت ليلى لتجلس على أقرب مقعد يُقابلها ،وهو أغلق الباب ،ولج إلى الداخل ،فتح باب الغُرفة وجدها تجلس على طرف الفراش ،تضع قدم على الأخرى ،تهزها بقوة .
بلع ريقه بصعوبة من هيئتها ،مُثيرة وفي نفس الحال غاضبة ،وما أدراك عندما يجتمع الصفتان في موج .
هبت واقفه عن الفراش عندما رأته ،اقتربت تقبض على ذراعه قائلة
-مين اللي جت دي. ؟؟؟ ماتنكرش،أنا سمعاها وهيا بتقولك حبيبي ووحشتني ،انطق يا نوح ؟؟
وضع كفه على كتفيها مُحاولًا تهدئتها وهو سعيد برؤية غيرتها الظاهرة بوضوح ،هتف بهدوء
-مش هنكر هيا فعلًا قالت كده
دفعته ليصتدم بالحائط ،صُدم من فعلتها ليقول
-في ايه يابت ؟؟ اعملي حساب إني جوزك طيب ، عيب الهيبة تروح
-أنا هستنى تبرر ،أنا هطلع بنفسي
همت بالخروج وأمسكت مقبض الباب لكن وضع كفه على كفيها ،قائلا وهو يتفحصها بنظره من رأسها إلى قدميها
-هتخرجي كده ؟؟؟؟
ثم استطرد
-اهدي واسمعي ،دي ليلى صديقة لينا أنا ومعتصم في سويسرا ،من ساعة ما روحنا سويسرا واحنا سوا ،وأنا بعتبرها زي أختي بالظبط،وغير كده لو بينا حاجة ما هيا قدامي ٨ سنين ،وبعدين مُعتصم بيحبها .
كأنه لم يتحدث ولم تسمع منه شيء ،هتفت مُتسائله وهى تضيق عينها بغضب
-وهيا ؟؟؟ بتحبه ولا بتحبك ؟؟؟ انطق يا بن وفاء .
ضرب كف على كف وهى يكبت ضحكته ، لا خوفًا منها لكن احترامًا لمشاعرها .
مد يده يلتقط كفها مُقربًا ياه من فاه ليُقبله قُبلة رقيقة ،ثم تحدث
-نخرج للبنت وتاخد كرمها ولا اي يا موجتي ،وبعدين احكيلك قصتها معانا .
هدأت قليلًا وهى ترى حديثه المليئ بالحنو لها ،في كُل مرة يمتص غضبها ،يُعجبها فيه هدوءه ليس مثل بعض الرجال يغضب في أقل من ثانية .
اكتفت بنظرة فقط واتجهت ناحية الدولاب ،أخرجت عباءة منزلية باللون الرصاصي ،مطرزة بخيوط ذهبية لامعة ،أخذتها واتجهت إلى المرحاض الخاص بالغُرفة .
وقفت أمام باب المرحاض والتفتت له قائلة
-استر نفسك يا حبيبي ،بدل عضلاتك اللي رايح واللي جاي شايفها دي .
قهقة على حديثها ومشاكستها له ،مد يده التقط كنزته عن الأرض ،ارتداها ثم توجة إلى المطبخ .
اخرج كأس فارغ ،وقام بإملاء عصيرة برتقال،خرج مُتجه ناحية الصالون ،وجدها تجلس منتظراه ،عندما وجدته جاء همت بالحديث لكن قاطعها قائلًا بتحذير
-اهدي كده ،علشان متدخليش زي القطر ،أنا اتجوزك من كام يوم ،واسمها موج وو….
قاطعته قائلة
-اتجوزت يا نوح من غير ما تديني خبر حتى ،أنت لغتني من حياتكم من ساعة ما نزلتوا مصر ،وبعدين أنا عرفت كُل حاجة من بره ،لو كنتوا اعتبرتوني شخص منكم مكنتوش عملتوا كده ،أنا ماشيه
وقفت عن المقعد وامسكت بحقيبتها الصغيرة وتوجهت ناحية الباب ،جاء نوح ليتحدث ،لكن خرجت موج هى تقول
-لا في دي عندك حق بس حقك عليا أنا.
وقفت ليلى عند مُقدمة الباب ،وابتسم نوح على حديث موج .
نظرت لها ليلى دون حديث ،وتحدثت موج مرة ثانية
-أنتِ عندك حق بس عيبة تكوني في بيت نوح الباشا وتمشي زعلانة ،ولا ايه ،تعالي بس دا أنا كُنت هاكل دراعه لما سمعت صوتك.
ابتسمت ليلى ابتسامه واسعه ،حتى ظهرت غمازتها بوضوح ،واستدارت لتدخل مره ثانية .
وقف مربّعًا يديه أمام صدره متأمّلًا المشهد،في كُل مره يرى موج تتحدث ،يقف يستمع إليها ،ليرى قوة حديثها في الأقناع،تكبر في نظره في كُل مرة .
جلست ليلى وهى مازلت صامته وموج تتحدث
-بصي أنتِ مش غريبة ،نوح هينزل يجيب شوية طلبات وأنا وأنتِ هندخل المطبخ نجهز الغدا ونحكي سوا ،ايه رايك !!؟؟؟
كان نوح يُطالعها بصدمة ،كانت تتحدث كانها تعرف ليلى مُنذ زمن ،لا لا سوف أجن .
تحدثت ليلى أخيرًا
-أنتِ إزاي كده ؟؟؟ أنا خلاص عرفت اتجوزك ليه ،ما شاء الله مجانين زي بعض
اقترب نوح ورفع يده كأنه سول يُضربها وقال
-يابت ما تلمي لسانك بدل ما امد ايدي عليكِ.
ثم استطرد
-أنا هدخل أغير وأنزل اجيب غداء جاهز بلاش تتعبي نفسك أعملي سلطة بس لو حابة .
اومات له موج ،ثم دلف إلى غُرفة النوم .
تحدثت موج ضاحكة
-هدخد اطرده واجيلك يا عسل أنتِ .
وتوجهت إلى الداخل ،ابتسمت ليلى واطمأنت بداخلها عندما رأت السعادة والفرح يجتمعان على وجه نوح .
في الداخل
قامت بفتح الباب بهدوء، فوجدته واقفًا أمام خزانة الملابس، يُخرج ما سيرتديه.
تقدّمت نحوه بخطواتٍ مترددة، واحتضنته من الخلف، تُلقي بذراعيها حول خصره.
توقّف لوهلة، أخذ نفسًا عميقًا، وكأن أنفاسها الدافئة على ظهره أعادته إلى سكينةٍ يعرفها فقط معها.
رفع يده ببطء، يضم كفّها المستقرة على صدره، يمرر أصابعه بين أصابعها في صمتٍ مليء بالحنين.
أمال رأسه قليلًا للخلف نحوها، وقال بصوتٍ خافتٍ كأنّه يهمس للقلب
-وجودك ورايا كده،دا كُل راحتي .
هتفت بهدوء
-نوح أنا زعلانة .
استدار لها سريعًا وكوب وجهها بين يده ليقول
-عارف وكان لازم اعرفك لكن أنتِ عارفة مكنش في وقت ،لكن هكملك القصه والله ،طريقك التعارف بينا أكيد الابله هتقولها ليكِ لما أنزل ،بس ليلى طيبة ،ملهاش حد نهائي يا موج ،وساعدتني كتير ليلى وقفت جمبي أنا ومعتصم لحد ما وصلنا اللي أحنا فيه
-حاضر يا نوح ،أكيد مش هعاملها وحش يعني كفاية إنها من طرفك،وبعدين أنا أغير كده وحده قعدت معاك ٧ سنين وأنا مكملتش سنة حتى .
ابتسم ابتسامة واسعة، ثم مال برفق وقبّل خدها الأيمن قائلاً بصوتٍ دافئ
-حبيبي الغيران ،وبعدين أنا هعيش معاكِ العُمر كُله
ابتسمت بخجل، ثم عانقته عناقًا سريعًا قبل أن تبتعد بخطواتٍ هادئة نحو الدولاب.
فتحت بابه وأخذت تُخرج له بنطالًا وقميصًا، ثم ناولتهما بابتسامة صغيرة قبل أن تغادر الغرفة، بينما هو بدأ يرتدي ملابسه سريعًا .
………………
في مقر شركة نوح الباشا سابقًا …..
تحديدًا في غُرفة الإجتماعات ،كان يجلس مُعتصم على مقعد رئيس الإدارة ،على يمينه مؤسس الشركات العالمية للتصميم والتسويق ،على يساره سُليمان وما ادراك من سُليمان .
أغلق رامي القلم قبل الإمضاء وهذا أثار الجدل،نظر الجميع إلى بعضهم بغرابة ،وتحدث مُعتصم بكُل رسمية
-خير يا رامي بيه !
في حاجة في العقود مش مظبوطة !؟؟
وقف رامي عن مقعده وضع يداه في جيبه وقال
-اسف مُعتصم بيه أنا جاي هنا علشان امضي ،مع شركة نوح الباشا،فين نوح بيه يا مُعتصم بيه ؟؟
تحدث سُليمان بود مُزيف
-يا رامي بيه ،حضرتك شوفت العقد إن نوح باشا بنفسه عامل توكيل لمعتصم بيه يعني كانك بتتعامل مع نوح الباشا بالظبط .
هزّ رامي رأسه بقوة، ونبرة صوته امتزجت بالغضب المكبوت
-لأ يا سليمان بيه، أنا مش همضي غير قدّام نوح باشا بنفسه. أنا اتفقت معاه مش مع حد تاني، ومش هغير كلامي.
حاول معتصم يتدخل بابتسامة متوترة
-يا رامي بيه، نوح باشا واثق فيا، والتوكيل رسمي ومختوم، مفيش داعي للتوتر.
نظر له رامي نظرة حادة، وقال ببرودٍ حاسم
-أنا مش بتعامل مع توكيلات، أنا بتعامل مع رجالة بتواجهني وش بوش.
ثم أشار بيده لسكرتيره الواقف خلفه وقال بصرامة
-يلا يا أحمد، لِمّ الأوراق دي كلها.
بدأ السكرتير يجمع الأغراض سريعًا ، بينما التوتر خيّم على الغرفة، عدّل رامي جاكته، وبصّ لمعتصم وسليمان نظرة كلها غضب وتحدّي
-لما نوح باشا يحب يقابلني، يعرف يوصلني.
ثم خرج بخطواتٍ ثابتة، والباب أغلق خلفه بقوة، تاركًا صمتًا ثقيلاً في القاعة ونظرات متبادلة بين معتصم وسليمان مليئة بالضيق والارتباك.
تحدث سُليمان بغضب
-وبعدين ؟ رامي هو الوحيد اللي يعرف يسوق كويس جدًا للتصاميم جوة وبره مصر ومحدش بيفتش وراه .
كان مُعتصم ينشغل عقله بالتفكير ماذا يفعل ،كُل شيء يُريد نوح ،لا يُريد مُعتصم .
تحدث بنفس ثقيل
-معرفش بس خلينا نجرب معاه تاني ونعرض عليه اكتر ،ولو مش كده يبقا نشوف شركة تانية .
هز الأخر راسه بالرفض وقال
-لا لا مينفعش حد تاني ،رامي هو اللي يقدر يعمل اللي احنا عاوزينه .
-هحاول معاه تاني .
…………….
كانت تقطع الموز إلى قطع صغيرة، وفعلت الشيءَ نفسه مع المانجا والكيوي، ثم بدأت تضعها في إناءٍ كبير.
بعد ذلك أخرجت عصير البرتقال وسكبته عليهم، وزيّنت الخليط بالقليل من التوت البري
-هتفضلي ساكتة كده كتير؟ اتكلمي يا بنتي، خدي على الجو!
أكيد مستغرباني، صح؟ ما هو طبيعي، بس بصي… الست الذكية هي اللي تكسب جوزها.
أولًا، إنتِ تعرفي نوح أكتر مني، وثانيًا، أنا مستحيل أزعلك وإنتِ في بيتي.
وبعدين أنا هستفاد إيه لو زعلت أو اتقمصت؟
هو بنفسه قالي إنك زي اخته بالظبط.
وبصراحة، حتى قبل ما أعرفه أنتِ تعرفيه ، الغيرة دي حاجة ربانية، غصب عن الواحد.
بس صدقيني، أنا حبيتك، ووشّك باين عليه الطيبة.
وكلامك مع نوح حسّسني إنك فعلًا بتعزيه هو ومعتصم من قلبك.
شعرت ليلى بحديثها وأنها تليق بنوح قولًا وفعلًا،اقتربت مدت يدها لتأخذ حبة توت بري وقالت
-أنا بجد مبهورة بيكِ أنتِ جميلة أوي وعقلة أوي ،ليه حق نوح ميسبكيش، بس أنتوا اتعرفتوا على بعض إزاي ؟؟
قهقت موج بصوتٍ عالٍ وقالت
-لا دي حكاية كبيرة أوي بدأت بغيبوبة وعقد جواز مُزيف .
عقدت ليلى حاجبيها بغرابة وتمتمت
-إزاي؟
ابتسمت موج ابتسامة باهتة وقالت
-هحكيلك ،تعالي نعمل حاجة نشربها الأول.
وبينما كانت موج تملأ الغلاية بالمياه، كان صوت غليان أفكارها أعلى من صوت الماء.
وضعت الأكواب على الطاولة وجلست، تتنفس بعمق قبل أن تبدأ الحكاية.
– أول ما فُقت من الغيبوبة… كان أول وش شُفته هو وشه،نوح.
قال لي إنه خطيبي، وإننا كنا هنكتب الكتاب قبل الحادث، وإنه لازم نكمّل ونكتب الكتاب قريب.
رفعت ليلى حاجبيها بدهشة أكبر
– وإنتِ كنتِ متأكدة من كده؟
هزّت موج رأسها ببطء
– لأ… مكنتش فاكرة أي حاجة،بس كنت حاسة بحاجة غريبة… كأن في بينا حاجة فعلاً مش عارفة، يمكن راحتي معاه، يمكن طريقته… بس صدقته.
توقفت لحظة، تنظر إلى بخار الكوب المتصاعد، ثم تابعت
– وفعلاً كتبنا الكتاب.
في الأول كان كله غريب، مش فاهمة إزاي أبقى مراته وأنا مش فاكرة ولا لحظة من حياتنا سوا،بس مع الوقت بقينا نتقرب… وابتديت أحس إن في مشاعر حقيقية.
ليلى بصوت خافت
– وبعد كده؟
ابتسمت موج ابتسامة موجوعة
– بعد فترة… الذكريات رجعت كلها.
ساعتها اكتشفت إن اللي حصل ملوش أساس… إن الجواز باطل، وإن اللي ربطنا كان كذبة، حتى لو هو عملها بنيّة إنه يحميني.
ثم استطردت
– حصلت كوارث بعدها، مشاكل ومواجهات ومشاعر متلخبطة… بس في الآخر، لما كل حاجة اتكشفت واتصلحت… اتجوزناه بجد.
المرة دي وأنا فاكراه، وأنا مختاراه.
سادت لحظة صمت بينهما، لا يُسمع فيها سوى خرير الغلاية الباقي في الخلفية.
ليلى مدت إيدها لموج وقالت بابتسامة دافئة
– شكلها كانت رحلة طويلة أوي يا موج.
ضحكت موج بخفة، وقالت
– أيوه… طويلة، بس تستاهل.
أكملت حديثها قائلة
-وأنتِ بقا نظامك ايه مع معتصم؟ عرفت انه بيحبك وعاوز يتجوزك
غضبت ليلى وظهرت علامات الغضب عليها وهتفت
-متجبيش سيرته الخاين الخسيس عد"يم الشرف
وبعدين اتجوزه إزاي وأنا
مــســيــحــية……….
الفصل السادس والعشرون من هنا