بسم الله الرحمن الرحيم
( و إني لـ صريم الورد عاشقًا )
الورود أنواع قد تتشابه ولكن لكُلً مِنهمَ رائحته الخاصة و جماله الفريد ، و هُناك زهورًا رغم جمالها إلا أن أشواكها حادة تتأهب لـ خدش كُل من يقترب منها و يُحاول امتلاكها حتى ولو كان عزيزٌ مُستقراً بين حنايا الروح الذي كان هو من تسبب في عذابها ذات يوم، لـ يأتي الآن و يُحاوِل بكُل شراسة استعادتها ولكنه لم يحسّب حِساب لـ توابع الماضي التي ستقف حائلًا بينه وبين وردته البرية التي لم تكُن تعلم أنه حتى لـ صريمها صار عاشقًا .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دلفت الهام إلى داخل غرفة ابنتها ورد التي قررت إعتزال الواقع و الارتماء بين أحضان الخيال الذي كان يضمها مع زوجها الراحل علها تهرُب من كل تلك الضغوطات التي تُحيط بها من كل حدبًا و صوب ولكن ذلك لم يُعجِب والدتها التي قررت أنه حان وقت المواجهة لذا تقدمت إلى النافذة لتفتحها حتى يدخل ضوء الشمس إلى الغرفة و ربنا يتسلل إلى قلب طفلتها التي تُحيط به العتمة من جميع الجهات
_ يا ماما اقفلي الشباك دا. النور بيوجعلي عنيا .
هكذا تحدثت ورد بحنق فـ اقتربت منها إلهام مغتاظة من تذمُرها و إصرارها على الهرب
_ لا مش هقفله، وانتِ هتصحي دلوقتي و تقعدي تتكلمي معايا زي البني آدمين .
ورد بعناد
_ مش عايزة اتكلم يا ماما سبيني عايزة انام .
عاندتها إلهام بإصرار و لهجة آمره
_ قولت هتصحي و هتقومي تتكلمي معايا .
أنهت جملتها وهي تجذب الغطاء من فوق رأس ورد التي هتفت بحنق
_ نعم يا ست ماما . في ايه خير ؟
الهام بتقريع
_ هتفضلي قافله على نفسك كدا لحد امتى ؟ فكرك كده مشاكلك هتتحل ! مش صعبانه عليكِ بنتك اللي مبتبطلش عياط دي !
هتفت ورد بنبرة مُشجبة
_ و أنا مبصعبش عليكوا ؟
الهام بغضب
_ لو مش صعبانه علينا كنا سبناكي تتفلقي . انما احنا خايفين عليكِ وعايزين مصلحتك .
تهكمت بغضب
_ و إيه مصلحتي في اللي بتعملوه دا ؟
اقتربت الهام تحاوط كتفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت
_ يا بنتي يا حبيبتي انتِ لسه في عز شبابك، و جوزك ميت بقاله سنة و نص و مسيرك هتتجوزي .
قاطعتها ورد بغضب نال من كل خلية بجسدها
_ و مين قالك اني عاوزة أتجوز !
إلهام بتعقُل
_ لازم هتتجوزي . مفيش حد بيعيش عمره كله لوحده وأنا و أبوكي لو عشنالك النهاردة مش هنعيشلك بكرة .
شعرت بغصة قويه في صدرها من حديث والدتها فهتفت بلهفة
_ بعد الشر عنكوا . يا ماما أفهميني أرجوكِ انا مش هقدر اكون لراجل تاني غير وليد . دا غير اني عايزة أعيش أربي بنتي وبس.
حادثتها الهام بحزن
_ يا بنتي حرام عليكِ نفسك . أنتِ لسه في عز شبابك، و بعدين بنتك دي محتاجة اب أنتِ لوحدك مش كفايه، و مفيش حد هيكون احن عليها من عمها، و انتِ عارفة فاروق بيحبها قد ايه . خصوصّا إن ربنا مرزقهوش بالخلفه من زينة . يمكن ربنا يكرمه معاكِ و تجيبي اخ ولا أخت لـ قمر .
تزايدت دقات قلبها و بدأ شوك الماضي ينغز بصدرها الذي يرفُض كل ما يشعُر به لذا احتدت لهجتها حين قالت
_ يا ماما انا ادرى بمصلحتي، و أنا عارفه أن عمري ما هرتاح مع فاروق أبدًا .
الهام باستنكار
_ متقوليش عشان فرق السن . اتناشر سنة مش كتير يا ورد ، و بعدين لو على مصلحتك فـ أنا ادرى الناس بيها .
جاهدت أن تظل على ثباتها فهتفت بغضب
_ و مصلحتي انكوا تجوزوني غصب عني يا ماما!
لم يكُن هّناك مفر من إظهار بعض الحقائق على السطح لذا قالت بجمود
_ أولًا مش غصب عنك يا ورد عشان لو مفكرة اني هبله و مش فاهمه كل حاجه تبقي عبيطة. أنا عارفه مشاعرك تجاه فاروق من قبل ما زين اخوه ما يتقدملك، و دا السبب اللي مخلاكيش قبلتي تعيشي في بيت البلد و خليتي زين جه خدلك شقة هنا .
تعالت صيحات الألم داخلها حين عرضت والدتها الحقيقة أمام عينيها فتسارعت أنفاسها و جف حلقها حين قالت بتوتر
_ ايه يا ماما اللي بتقوليه دا ؟ لا طبعًا مفيش الكلام دا خالص .
رفعت إلهام يدها لتربت بحنو على خصلات شعرها وهي تقول بهدوء
_ قلب الأم مبيكذبش أبدًا يا ورد، و ربنا يابنتي بيعوض، و مش معني كلامي دا انك كنتِ خاينه لجوزك أبدًا انا عارفه انك من وقت ما بقيتي علي اسمه مفكرتيش في حد تاني غيره . بس افتكري كلامي ربنا له حكمه من كل حاجه بتحصلنا.
أخفضت رأسها حزنًا تساقط من بين مآقيها حين تذكرت الماضي و ما يحمله من أوجاع و خاصةً ذلك اليوم الذي أتى به ليطلب يدها لشقيقه و ما كابدته من العناء حتى تكُن زوجة وفية لزوجها الراحل
_ خايفه يا ماما ابقي كدا بخون زين انا والله عمري ما فكرت في راجل تاني وانا على ذمته . ربنا عالم .
أناملها الحانية امتدت تمحو حزن صغيرتها قبل أن تقول بحنو
_عارفه يا نور عين ماما، و محدش فينا كان يتمني اللي حصل دا يحصل بس دي إرادة ربنا، و أنتِ لسه شابة جميلة و صغيرة، و ربنا أراد يديكِ فرصة تعيشي حياتك اللي ملحقتيش تعيشيها مع زين .
همست بنبرة جريحة
_ بس فاروق بيحب زينه يا ماما !
شعرت بما تحمله لهجتها من ألم فأجابتها بهدوء
_ بس نفسه يشوفله حتت عيل وهو الصراحة مقصرش معاها دول بقالهم اكتر من عشر سبع متجوزين . هيصبر ايه اكتر من كدا !
لم تحتمل فكرة أنه يعتبرها مُجرد وعاء إنجاب فقط بينما قلبه و جميع مشاعره مع أخرى فقالت بألم
_ بس يا ماما ..
قاطعتها إلهام بنبرة حازمة
_ مابسش يا ورد. الحياة مبتديش الفرصة مرتين، و دي دنيا مش جنة يا بنتي زي ما هنشوف اللي يوجعنا هنشوف بردو اللي يفرحنا، و الإنسان الذكي هو اللي يضحك عالدنيا و يسرق منها كل حاجه تفرحه و تبسطه بدل مبيغضبش ربنا.
استكانت قليلًا بحديث والدتها ولكن القلب لايزال جريحًا فأخفصت رأسها بحزن فتابعت إلهام باستفهام
_ في إيه تاني ؟ وشك لسه مكرمش ليه ؟
خرجت نبرتها مُشجبة تحمل وزر الذنب
_ طب انا و زينة يا ماما ! هنتعامل ازاي بعد كده؟ أنا طول عمري بحبها و مش قادرة اكون سبب وجع ليها .
لم تفلح إلهام في ردع الحزن في نبرتها حين قالت
_ والله يا بنتي و مين سمعك كلنا بنحبها بس احنا ملناش نعترض على قضاء ربنا و هي ربنا مأردش ليها أن حملها يكمل و كل مرة تحمل فيها تسقط من غير سبب، و من حبها لـ فاروق هي بنفسها اللي بقت تدور له على عروسه . فاروق كبير العيلة بعد عمك و نفسه يشوفله حتة عيل .
تعاظم الألم بصدرها جراء كلمات والدتها لتتقاذفها الحيرة من جديد فهتفت بنبرة مُتعبة
_ مش عارفه يا ماما محتارة، و خايفه، و متلخبطة .
لم تعُد تملِك من الكلمات ما يُمكِن أن يردع حيرتها و شتاتها لذا قالت بحنو
_ أقولك قومي اتوضي و صلي و ركعتين لله و قولي يارب و أن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير.
كان ولايزال الطريق الى الله هو أكثر الطرق أمنًا للمرء حين يُلقي بذلك الثُقل الذي يحمله فوق صدره و جميع آلامه ومخاوفه ليدفنه بين ركوعٍ وسجود وهذا ما فعلته مُردده دعائها المُفضل
_ اللهم اني وكلتك أمري فـ كُن لي خير وكيل و دبر لي
فـ إني لا أُحسٌن التدبير .
مرت الأيام أكثر هدوءً وهي على هذا النهج إلى أن أتى ذلك اليوم الذي تغير به كل شيء . كانت تُعِد طعام الغداء مع والدتها ليدُق جرس الباب فطلبت منها إلهام أن ترى من الطارق لتتوجه ورد تفتح باب المنزل فإذا بها تتسمر بمكانها و يتخشب جسدها حين رأته أمامها ذلك الرجُل الرمادي العينين الذي كان يتمتع بوسامة خشنة تليق مع جسده الصلب فهو عريض المنكبين طويل إلى درجة متوسطة و أكثر ما يُميزه و يُعزز من هيبته ذلك الشارب الذي كان يُضفي على ملامحه وسامة من نوعًا آخر
مر وقتًا غير معلوم طالت به النظرات فقد حُرِم من تلك العينين لأكثر من عامين و نصف مُنذ ذلك اليوم الذي أخبره شقيقه برغبته في الزواج من ابنة عمهم الجميلة ، والصغيرة أيضًا. تلك الكلمة التي كانت كـ الفيروس القاتل الذي قضى على براعم عِشقه لها بداخل قلبه فقد كان يراها اصغر من أن تكُن زوجته بيوم من الأيام فهو لن يفعل ذلك بها أبدًا، ولهذا أجبر نفسه دافنًا مشاعره العميقة تجاهها و تزوج من ابنة عمهم الأخرى زينة ليبدأ حياة هادئة معها ولكنها تفتقد إلى الكثير من المشاعر و الشغف فقط رتابة و هدوء ولكنه يكِن لها محبة و إحترام كبيران فهي لم تُخطيء معه يومًا، ولكن القدر دائمًا يُفاجئنا بتقلباته فقد رحل شقيقه تاركًا خلفه أرملة فاتنة وطفلة رائعة و ما هرب منه سابقًا و أجبر نفسه على التملُص منه ها هو أصبح واجبًا عليه و لكم كان رائعًا ذلك الشعور حين وجد نفسه وجهًا لوجه مع قطعتين من الشوكولاته الذائبة بين جفونها تلك المرأة صاحبة الشعر الغجري الذي كان يعشق بعثرة خصلاتها وهي طفلة صغيرة حتى تثور و تُبعثر كيانه بعفويتها و جمالها الذي تضاعف مع الوقت
_ الجميل هيفضل متنح كدا كتير !
ما أن نطق جملته المرحة حتى تصاعدت الدماء إلى وجنتيها فقد فطنت إلى ما ترتديه. ذلك الرداء البيتي المُريح الذي يصل إلى ما بعد ركبتيها بنصف أكمام أظهرت ذراعيها بسخاء ، وفجأة تولدت بداخلها رغبة قوية في الهرب من أمام عينيه العابثة و قد كان هذا ما فعلته تراجعت دون التفوه بأي حرف لتلجأ إلى غرفتها تحت أنظاره التي غزتها الدهشة .
_ الحقي يا ماما فاروق بره .
كانت تلك الجملة التي القتها على مسامع والدتها قبل أن تولي هاربة لتقول الهام باندهاش
_ ايه دا هو لحق يوصل !
توجهت الهام للترحيب به فتفاجئت بأنه مازال واقفًا عند بابا الشقة فهتفت بصدمة
_ يا خبر يا فاروق انت لسه واقف على الباب ؟ اتفضل جوا يا أبني . هي ورد مش قالتلك اتفضل ؟
_ تقريبّا نسيت . او اتفاجئت.
هكذا تحدث فاروق بهدوء قبل أن يدلف إلى الداخل و هو يبتسم لما حدث لتشعُر الهام بالحرج من تصرُف ورد وتحاول تصحيح الموقف قائلة
_ معلش يا فاروق يا ابني هتلاقيها اتكسفت أو...
قاطعها فاروق بهدوء يزيل من عليها الحرج
_ مش محتاجة تبرري لورد حاجه يا مرات عمي . ورد هتفضل هي ورد طول عمرها مش هتتغير أبدًا .
تفاجئت من كلماته ولكنها لم تُعلِق عليها بل قادته إلى غرفة الاستقبال لتجده يضع الأكياس و الهدايا فوق الطاولة
ـ كل دي حاجات جايبها يا ابني ؟ تعبت نفسك ليه بس ؟
فاروق بخشونة
_ ولا تعب ولا حاجه . دي حاجة بسيطة.
ابتسمت الهام قبل أن تقول بود
_ والله ليك وحشة يا فاروق . و الحاجة خديجة عاملة ايه هي و الحاج راضي ؟
_ بخير الحمد لله و باعتين لك سلامات كتير اوي .
هكذا تحدث فاروق لتُجيبه بلباقة
_ الله يسلم عمرهم يارب. نورتنا والله .
_ دا نورك .
قاطع حديثهم دخول تلك الفتاة الصغيرة التي تبلُغ من العُمر ثلاث سنوات ذو شعر غجري رائع كوالدتها . اندفعت تعانقه بقوة وهي تقول بلهفة
_ عمو فاروق .
شدد فاروق من احتضان الصغيرة التي كانت تتعلق بعنقه بقوة ليقول بحنو
_ أمورة عمو . وحشتيني اوي.
قمر بلهفة
_ انت كمان وحشتني اوي.
أخذ فاروق يُداعِب الصغيرة التي جذبت ضحكاتها ورد لتقف من بعيد تُراقِب طريقة معاملته لصغيرتها و تناغمها معه لتبدأ في اتخاذ قرارها بشأن زواجها منه و إن كانت علاقته بقمر سبب يُضاف إلى آخر وهو أن قلبها لازال يدُق لهذا الرجُل و بقوة
تقابلت أعينهم في نظرة مُطولة غامضة من جهته مدهوشة من جهتها . سابقًا لم تكُن تحظى ولو بلمحة عابرة منه والآن تبدو عينيه و كأنها تأسرها بقيد نظراته التي لا تحيد عنها منذ أن دلف إلى المنزل مما أشعرها بالتوتر الذي تضاعف حين خاطبتها والدتها قائلة بنبرة مازحه ولكنها تحمل الكثير بين طياتها
_ تعالي يا ورد . بنتك من ساعة ما شافت عمها وهي متعلقه في رقبته ازاي !
ظاهريًا تجاهلت كلمات والدتها ولكن لم يستطِع قلبها تخطيها لتتفاجيء من كلمات قمر العفوية
_ قمر حب عمو فاروق اوي .
عانقها فاروق بحُب تجلى في نبرته حين قال
_ و عمو فاروق بيموت في أمورة .
رمقت الهام ورد بنظرة ذات مغزى قبل أن تقول بابتسامة هادئة
_ ربنا يخليكوا لبعض يارب .
ثم وجهت حديثها إلى قمر قائلة
_ يالا بقي يا أمورة تيجي مع تيتا نعمل الاكل عشان عمو فاروق يتغدى معانا .
شعرت قمر بالحماس و هرولت إلى إلهام لتُساعدها تاركة ورد وحدها معه فشعرت بالوخزات الموترة تتفشى في سائر جسدها مما أدى إلى تسارُع أنفاسها فأخذ صدرها يعلو و يهبط ليحاول التخفيف من توترها قائلًا
_ عامله ايه يا ورد ؟
كانت عينيها تجوب جميع الاتجاهات هربًا من عينيه وهي تُجيبه بخفوت
_ الحمد لله بخير . انت عامل ايه ؟
فاروق باستمتاع من مظهرها و توترها
_ تقصديني انا و الكرسي اللي انتي باصه عليه ؟ لو كنتِ تقصديني انا بصيلي و انتِ بتكلميني .
كلامه عزز من خجلها و توترها أكثر ولكنها لم تجد بُد من مواجهته لترفع عينيها إلى خاصته فإذا بها تلمح شبح ابتسامة فوق شفتيه قبل أن يقول بخشونة
_ أيوا كدا نعرف نتكلم، و بالمرة عشان تاخدي عليا بدل ما كل ما تشوفيني تطلعي تجري .
اغتاظت من جملته الأخيرة خاصةً حين رأت المرح في عينيه فظنت بأنه يسخر منها لذا اندفعت تقول بلهفة
_ أنا اتفاجئت بس و مكنتش اعرف ان انت بره .
فاروق باستمتاع
_ و ياتري مفاجأة حلوة و لا وحشة ؟
لم تعرف بماذا تُجيبه خاصةً وهي تغرق هكذا في بحور الخجل لذا تجاهلت كل شيء حتى استفهامه لتقابله باستفهام آخر
_ ينفع اسألك سؤال ؟
فاروق باختصار
_ ينفع .
خرجت الكلمات منها دفعة واحدة خشية أن تنصاع لرغبتها في التراجع و الاختفاء من أمام ناظريه
_ أنت عايز تتجوزني ليه ؟
لـ دهشتها لم يتفاجأ من استفهامها بل ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتيه قبل أن يقول
_ انتِ شايفه ايه ؟
أرادت الوصول لنقطة معينة لذا قالت بمراوغة
_ عشان بنت عمك، و ام قمر،و كنت مرات...
انمحت البسمة من فوق شفتيه قبل أن يُقاطعها بنبرة أكثر جدية
_ عشانك يا ورد . مش هلاقي احسن منك تنور بيتي و تشيل اسمي.
تفاجئت من حديثه و رغمًا عنها خرجت الكلمات من بين شفتيها
_ طب و زينة؟
فاروق بهدوء و نبرة صادقة
_ زينة عشرة عمري مشوفتش منها غير كل خير و مش هقدر ارد لها الخير بالشر أبدًا، و عشان كدا لازم تبقي عارفه انها هتفضل على ذمتي و عمري ما هفرط فيها إلا إذا هي طلبت دا .
منتهى الغباء حين يُلقي الإنسان نفسه في حقل من الألغام ظنًا منه أنها لن تنفجر به، وأنه لن يتأذى .
جاهدت حتى لا يتجلى ألمها في عينيها و قالت بجفاء و نبرة مُترفعة
_ و أنا عمري ما هطلب منك دا . أنا لو هوافق على جوازنا يبقى عشان قمر يكون لها أب، وأنا عارفه انت بتحبها قد ايه و هي كمان بتحبك و دا المهم بالنسبالي، و حياتك دي تخصك اتصرف فيها زي ما انت عايز .
تصاعدت ابخرة الغضب إلى رأسه من كلماتها ولكنه لم يُظهِر شيء إنما قال بجمود
_ كدا يبقى احنا متفقين. هحدد مع عمي ميعاد كتب الكتاب عالخميس الجاي. جهزي نفسك .
داهمتها كلماته فهتفت باعتراض
_ الخميس الجاي دا قُريب اوي مش هلحق اجهز نفسي .
فاروق بخشونة
_ مش محتاجه وقت عشان تجهزي. أنا عندي استعداد اخدك دلوقتي زي ما انتِ كدا.
أضرمت كلماته نيرانًا هوجاء في صدرها ولم تعُد تعلم بماذا تُجيبه ليُنقذها مجيء والدها في تلك اللحظة فما أن شاهد فاروق حتى عانقه مُرحبّا به لـ تستغل هي الفرصة و تلوذ بالفرار إلى غرفتها و ما هي إلا دقائق حتى تجمدت الدماء بعروقها وهي تستمع إلى صوت الزغاريد التي أطلقتها إلهام فعرفت بأنها مضت في طريق لا رجعة منه .
مر اليوم و ما تلاه دون أحداث تُذكر ليأتي اليوم الموعود وهو يوم السفر استعد الجميع لمجيء فاروق الذي وصل في موعده ليستقبله والدها بحبور و كذلك والدتها و بعد تبادل السلامات جاء دورها فشعرت بالخجل يتزايد و معه توترها لتشتد يدها المُمسكة بيد طفلتها التي اقترب منها فاروق قائلًا بصوتٍ أجش
_ وحشتيني أوي .
لا تعلم ماذا دهاها ؟ فقد شعرت بأن تلك الكلمات موجهه إليها لترفع رأسها تناظره بصدمة تحولت لخجل كبير حين رأته يناظرها و على ثغره شبح ابتسامة فقامت بإدارة وجهها للجهة الأخرى بلهفة جعلت ابتسامته تتسع وهو يناظرها ليأتيه صوت الصغيرة وهي تقول
_ وحشتني اوي يا عمو .
التمعت عينيه التي مازالت تطالعها بشوقٍ تجلى في نبرته حين قال
_ هاانت يا حبيبة عمو كلها كام يوم و تفضلي معايا و في حضني على طول .
ما أن استمعت إلى كلماته حتى برقت عينيها و تفشى الخجل أكثر في أوردتها، و كعادتها لجأت إلى الهرب فتركت يد قمر لتتوجه إلى حيث والدها و والدتها ليقوم فاروق بنقل حقائبهم إلى السيارة لتبدأ رحلتهم التي استغرقت ثلاث ساعات ليصلوا إلى بلدتهم و ما أن توقفت السيارة أمام منزل العائلة حتى شعرت بخوفٍ مجهول سببه و خاصةً حين التقمت عينيها زينة التي تقف إلى جوار عمها و زوجته و بجانبهم شقيقتها مُنى !
ترجلوا من السيارة لـ يستقبلهم الجميع بحفاوة و كذلك زينة التي عانقت ورد بحنو كعادتها ولكن تلك المرة لامست الحزن بـ نبرتها حين قالت
_ حمد لله عالسلامة يا ورد .
شعرت ورد بذلك الحزن القاطن في نبرتها و عينيها لتقترب منها و تعانقها بقوة لا تعلم هل تواسيها أو تعتذر منها ولكنها اصطدمت بعينين حادتين تبعثان على الخوف و كانَ لـ مُنى شقيقة زينه التي لطالما كانت ورد تخشاها ولا تُحِب التحدُث معها أيضًا .
دلف الجميع إلى الداخل و استقروا بغرفة الجلوس ليتحدث راضي بحبور
_ نورتوا الصعيد كلاته يا خوي .
اجابه ماهر والد ورد
_ منور بأهله يا راضي .
شاركت خديجة زوجها فرحته حين قالت
_ اتوحشناكوا جوي جوي يا إلهام و اتوحشنا أمورتنا الصغيرة و أمها .
ابتسمت ورد من كلمات زوجة عمها الحنون و قالت بلهجة ودودة
_ و انتوا كمان وحشتوني يا مرات عمي .
اخذوا يتبادلون أطراف الحديث ثم توجهوا لتناول وجبة الغداء وسط جو من الأُلفة والمرِح لـ يحين وقت الغروب فتوجهت ورد إلى الأسفل فإذا بها تتقابل وجهًا لوجه مع مُنى التي كانت ترمُقها بنظرات ساخطة يتخللها كُره عظيم لم تحاول إخفائه فتجاهلتها ورد التي شعرت بالنفور و الخوف منها ولكنها لم تُظهِر ذلك و أكملت طريقها لتعترضه مُنى بكُل تبجُح و تقف أمامها فابتلعت ورد ريقها خوفًا و غيرت مسارها الى جهة اليسار لتقف أمامها مُنى مرة أخرى فكان الأمر مقصودً لا يُمكن تجاوزه فرفعت ورد رأسها تناظرها بقوة تُنافي خوفها الداخلي لتقول بنبرة حادة
_ خير . ممكن اعرف في ايه ؟
مُنى بسخرية
_ ايه يا عروسه . مهترميش السلام على أهل الدار و لا ايه ؟
ورد بتهكُم
_ أهل الدار انا سلمت عليهم واحد واحد قبل ما اطلع، لكن انتِ مش أهل الدار يا مُنى !
مُنى بقسوة يتخللها بعض السُخرية
_ أكده يا ورد ! دانتِ كبرتي و بجيتي تيعرفي تتكلمي .
ورد بجفاء
_ انا طول عمري بعرف اتكلم يا مُنى، و لو فاكرة اني مش عارفه انك كنتِ بتحبي فاروق و عايزة تتجوزيه تبقي غلطانه. انا عارفه كل حاجه زين الله يرحمه حكالي، و أنا مش هتردد ثانيه احكي كل اللي حصل دا لو مبعدتيش عني، و متفكريش انك هتخوفيني بنظراتك دي ! عشان انا مابخفش.
أنهت ورد حديثها و تجاوزتها تنوي المُغادرة لتتفاجيء بمُنى التي قبضت على رسغها بقوة آلمتها لتقول بقسوة تناثرت من بين كلماتها
_ تيعرفي أن كلامك دا ريحني جوي يا ورد ! عشان أكده اللعب هيبجي عالمكشوف، و خليكِ فاكره ان اللي يلعب مع مُنى يبجي بيلعب بالنار، و أني ناري بتحرج و مبتسميش .
شعرت ورد بالخوف من كلماتها ولكنها أبقت على ثباتها بأعجوبة لتقوم بنزع يدها بقوة من بين أصابعها القاسية لتتوجه إلى الأسفل مُغيرة وجهتها إلى الخارج قاصدة تلك البقعة من أرضهم التي كان مشهدها الآن خلابًا خاصةً في وقت الغروب التي لطالما كانت تعشقه لتأخذها خيالاتها لسنوات مضت ولكنها تفاجئت حين استمعت لنبرة عميقة آتيه من خلفها
_ لسه بتحبي منظر الغروب يا ورد ؟
شعرت بفوران في معدتها و ضجيج قوي أحدثتها دقاتها الهادرة فلم تلتفت إليه ليتقدم هو ويقف بمُحاذاتها لـ تقول بخفوت
_ أنت عرفت منين اني بحبه ؟
لاحت ابتسامة خافته على ملامحه قبل أن يقول بغموض
_ أنا عارف حاجات كتير متتخيليش أن انا عارفها .
كسى الخجل ملامحها و اندفعت الدماء إلى وجنتيها لينبُت محصول التُفاح الشهي فوق ساحتهمَ فجاءت نبرتها خافته حين قالت
_ تقصد ايه ؟
آثر تغيير الحديث قائلًا بخشونة
_ مش عايزك تخافي من اي حد و لا من اي حاجه أبدًا يا ورد .
رفعت رأسها إلى ذلك المشهد الخلاب أمامها والذي لم يفلح في ردع خوفها الذي انساب بين كلماتها حين قالت
_ هي مُنى دي قاعدة هنا بتعمل ايه ؟
فاروق بجفاء
_ مُنى بنت عمك ، فطبيعي تيجي و تروح علينا، و عمومًا هي بتيجي كل فترة تقعد مع زينة وخصوصًا أن زينة صحتها بقت تعبانه الفترة الأخيرة من بعد آخر سقوط ليها عشان كدا مُنى قاعدة معاها بتخلي بالها منها.
اومأت ورد برأسها و لم تُريد للتطرُق إلى أبعد من ذلك بحديثها معه لتتفاجيء به حين قال بلهجته الصعيدية المُميزة
_ كل حاجه هنا كانت متوحشاكي يا ورد .
تناحرت دقات قلبها و اهتاجت أنفاسها داخل صدرها حين استمعت إلى كلماته التي تحوي الكثير من المشاعر التي لم تبخل عينيه بالتعبير عنها لتلجأ إلى الهرب الذي كان أكثر الطُرُق الآمنه فقالت بتلعثُم
_ أنا أنا . هروح . عشان . قمر . زمانها مستنياني .
تراجعت ورد إلى المنزل وهي تصعد الدرج استرعى انتباهها ذلك الصوت القادم من الحديقة الخلفية فخربش الفضول داخلها لتتوجه إلى مصدر الصوت فإذا بها تتجمد بمكانها حين استمعت لصوت مُنى التي كانت تُعنف زينة قائلة
_ أنتِ إزاي تسمحي لهم يچوزوه مجصوفه الرجبة دي . إيه معندكيش كرامة واصل ؟
تفاجئت زينة من حديثها وقالت باستنكار
_ وه . انتِ كيف بتزعجيلي أكده ؟ و بعدين كنتِ عيزاني اجف جدام عمك و مرته و اجولهم لا عشان يخلوه يطلجني الصبح !
مُنى بغضب
_ يطلجك ليه ؟ هو انتِ عملتي ايه ؟ ناجصك ايد وولا رجل اياك !
زينة بحزن
_ ناجصني يا خيتي . بطني مابتشيلش عيال . كلهم بيموتوا جبل حتى ما احس بيهم يدوب يدب فيهم النبض بعدها ينزلوا على طول. عرفتي ليه مجدراش اتكَلم !
مُنى بشماتة حاولت اخفائها قدر الإمكان
_ و هي دي حاچه بيدك . محدش بيختار يبجي معيوب يا بت ابوي .
استقرت الكلمة في مُنتصف قلبها لتقول بنبرة محشوة بالألم
_ اديكي جولتيها معيوبة ، و بعدين فاروق بيحبني و عمره ما هيضحي بيا انا متوكدة من أكده .
شعرت مُنى بالحنق من حديثها فهتفت بغضب
_ الكلام ده جبل ما يتچوز السنيورة اللي هتخليه يرميكي كيف الكلاب .
جفلت زينة من حديثها و قالت بلهفة
_ انتِ بتجولي ايه يا مُنى ؟ فاروق عمره ما يعمل أكده واصل .
مُنى بتهكم
_ لا يعمل أكده و اكتر من أكده كمان. فاروق دا واعر چوي و يجدر يعمل كل حاچه، و كمان مجصوفة الرجبة دي مش هتتحمل يكونلها ضرة .
زينة بنبرة هادئة حزينة
_ ورد طيبه و غلبانه و مش هتجبل فاروق يظلمني و كمان كانت بتحب چوزها الله يرحمه و مغصوبة ع اللي بيحصول دا .
هتفت مُنى بغِل
_ بزيداكي عبط و تخلف . البت عامله فيها عروسه و چوزك كيف لهبل عينه معتفارجهاش، و بكرة اول ما تتمكن هتخليه يرميكي في الشارع لو موعتيش لنفسك .
زينة بجزع
_ طب الحل ايه يا خيتي ؟
وصلت إلى مُبتغاها فقالت بخُبث
_ تسمعي كلامي زين و تنفذيه بالحرف الواحد خلونا نخلوص من النايبه اللي حطت علينا دي .
زينة بريبة
_ كلامك ده ممريحنيش يا مُنى . تجصدي ايه ؟
تسلحت الأفعى بسلاح الحنان حين قالت
_ كلامي دا هو اللي هيريحك يا زينة لو سمعتيه . البت دي لازمن تنجرص جرصة كبيرة عشان تمشي و متعاودش تاني
_ يعني نعمل ايه ؟
مُنى بشر
_ ندور على أغلى حاچه عنديها و ناخدها منها أو نضرها فيها .
شهقت زينة بصدمة
_ تجصدي مين ؟ جمر !
يتبع....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!