الفصل 10 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل العاشر 10 - بقلم Misoo

المشاهدات
18
كلمة
14,704
وقت القراءة
74 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18





كانت هالة تمشي ورائهم وهي تحاول ان تبقي مسافة بينها وبينهم ، وتشيح بوجهها جانباً عن يوسف ، الى ان وصلا الى مواقف السيارات ثم ركبت في المقعد الخلفي من سيارته السوداء الصغيرة ، حرَّك سيارته وبدأ بقيادتها بهدوء ، كان الصمت يخيم على الأجواء داخل تلك السيارة ، وكان الخيال هو الذي يجمع هالة بيوسف ، وليلى مثل الغريبة في هذا الخيال ، كانت هالة تتخيل نفسها تجلس في المقعد الأمامي بدلاً من ليلى ، ويوسف أيضاً أخذه خياله الى ان يتخيل هالة تجلس بجانبه بدلاً من ليلى .
حاولت أن تبعد تلك الأفكار عنها وهي تشيح بوجهها الى النافذة تراقب الشوارع والسيارات المزدحمة
وهي تردد في عقلها " هالة احترمي نفسك تراه زوج اختك ويحرم عليـك .. هالة لا تصيري حقيرة وتخوني ليلى بهالمشاعر التافهة ..ليلى اختك ماتستاهل منك هالخيانة .. وما يحق لك تغارين منها حتى "
وكذلك كان يوسف يبعد عنه الاوهام ويحارب خياله الذي يقوده للفتاة التي تجلس خلفه ، " يوسف زوجتك وحلالك تجلس جنبك يكفي حقارة يكفي لا تفكر في غيرها ..والله حرام اللي قاعد تسويه في نفسك " ، مد ذراعه نحو ليلى واجتذب كفها بكفه ، كان بتلك الحركة يريد ان يقنع نفسه بليلى ، كانت حركة عديمة الحيلة في محاولة اقتلاع هالة من عقله واستبدالها بليلى .ـ
نظرت ليلى اليه متفاجئة من حركته ، قابل نظراتها المتفاجئة بابتسامة ، ووضع كفها في حجره وهو يتحسسه بلطف .ـ
تأملتهما هالة بشيء من الحسرة ، لاحظت كيف يتبادلان النظرات بحب ، سمعته وهو يهمس لها : أحـبـك ليـلـى .
لا تعلم ما السبب الذي جعلها تشعر بقلبها وكأنه يعتصر بشدة ، وما السبب الذي جعل عينيها تذرفان الدموع بغزارة حتى بللت نقابها .ـ

بعد أن انتهى مشوار الطريق ، أوقف يوسف سيَّارته أمام منزل زوجته ، ترجلَّت هالة من السيارة بدون أن تنطق بأي كلمة ، تريد أن تهرب منه وتهرب من تلك الأحاسيس التي تختلج قلبها وهي بقربه ، وتهرب من ذلك الشعور المؤلم يسار صدرها ، تهرب من رؤيتهما معاً ، وتخفي دموعها التي تفضحها
أمَّا ليلى فكانت في لحظة من الهيام ، كان يوسف يحتضن كفها طوال الطريق وذلك جعلها تشعر وكأن كهرباء تسري في جسدها ، يبستم وينظر اليها بنظرات غريبة فتتسرب المشاعر الجميلة الى أعماقها ، وعندما نطق بتلك الكلمة أحسَّت بوخز في قلبها ، لقد فاجأها !! فهذه المرة الأولى التي يتصرف معها بهذه الطريقة الشاعرية .ـ

أرادت أن تنزل من السيَّارة فقالت بهدوء : مع السلامة ..تصبح على خير
قال بشرود : وانتِ من أهله
أرادت سحب يدها من قبضته ولكنه كان يشد عليها بقوة ، نطقت بارتباك : يوسـف ... ايدي
يوسف : هاه ... ، استوعب شروده وترك يدها وهو يضحك : ههههههه آسف مانتبهت ... تصبحين على خير



*
بعد أربع ساعات
يجلس في غرفته ، غارق في أفكاره ، يُكابر على ما يدرك في قرارة نفسه أنه لا يستطيع نسيانها ، كيف ينسـاها وهـي دائماً ما تظهر أمامه بدون سابق انذار ؟ كـيف ينساها وهي التي كانت تعيـش داخله طـوال تلك السنتين الماضيتين ، ربما خطأه أنه بالغ وتمادى في خياله معها ، ربما لأنه أدمن اختلاس النظر اليها وأدمن التنصت عليها ، ولأنه أدمنها ثم منع نفسه فجأة ، و لأن حلمه أن يجتمع بها انتهى وذاب أمام عينيه ، ربما لأنه لا زال تحت تأثير الخيبة والخذلان

أرجع رأسه الى الوراء وهمس : يخرب بيت الصدفة اللي تجمعني فيك .. يخرب بيتها من صدفة اللي تخليني أنسى نفسي بوجودك ... طيب وبعدين معك يا هالة ؟ يعني أنا ابي أفهم وش معنى أنتِ ؟ والله أحياناً أشك انك يمكن عاملة لي سحر يخليني مهما حاولت أنساك أرجع أفكر فيك

قام من مكانه وهو يتعوذ من الشيطان ويذكر نفسه بالله ، هذه الأفكار أصبحت محرمة بعد أن أصبحت ليلى على ذمته ، لن يستسلم لهـا ولن يخضع لذلك الصوت الداخلي ،
أخذ يفكر في ليلى ، من ماذا تشكو ليلى لكي لا يُحبها ؟ ، انها فتاة كالنسمة ، خفيفة ظل ، لطيفة ومهذبة وجميلة أيضاً ، لماذا لا يسمح لنفسه أن يُحبها ؟

تذكر كيف كانت تنظر اليه بحب واعجاب ، وكيف ان يدها الناعمة كانت ترتجف عندما أمسك بها ، وكيف أنها عندما تحادثه تتغير نبرة صوتها وتحمَّر وجنتيها ، ربما لو تعمقت العلاقة أكثر سيُحبها وينسى هالة ، أخذ يفكر بأن تلك الطريقة لا تبدو صعبة ، وهي زوجته وحلاله ليس صعباً أن يتعمق في مشاعره معها ، لقد أخبرها منذ قليل بأنه يحبها ، صحيح أنه كان يكذب وأنه فقط كان يحاول ان يرغم نفسه بالتفكير بها ، ربما كانت تلك محاولة فاشلة لتجاهل مشاعره المنجرفة لهالة التي كانت تجلس خلفه ، ولكنه سيعاود الكرَّة من جديد ، منذ هذه اللحظة سيحاول أن لا يفكر الا في ليلى وسيبدأ بالتعمق في علاقته معها لعلَّه بهذه الطريقة يُحبها .ـ

أخرج هاتفه من جيبه ، وقد قرر أن يبدأ في ما قد نواه ، ضغط على رقمها وهو ينتظر أن تجيب على مكالمته ، لحظات وجاءه صوتها : الو
أجابها : هلا ليلى .. آسف ان كنت قعدتك من النوم
ليلى : لا عادي لسا بعدني ما نمت
يوسف : وليه ما نمتي انتِ مو بكرة عندك جامعة ؟ أكـيد تفكرين فيني صح ؟
صمتت للحظات ففهم أنه أحرجها بجملته الأخيرة ، قال بهدوء : أنا بعد سهران أفكر فيك .. ليلى .. أنا ابي اتعرف عليك أكثر ..احس أنِّ اجهل عنك أشياء كثيرة .. ابغى اقعد معك ونتكلم .. أنا اتكلم عن نفسي وانتِ بعد تكلمي عن نفسك
ليلى : أنا بعد ابي أعرفك أكثر .. طول هالفترة وكل اللي بينا رسميات وما أشوفك كثير
يوسف : خلاص بكرة أجي لك البيت ؟
ليلى : حياك الله في أي وقت
يوسف : بكرة بعد المغرب أنا عندك وتصبحين على خير


*

ثمة أوجاع تستوطن قلبي .. وكأن خلايا غير طبيعية تتكاثر داخله
ماذا أفعل ؟ هل أشق بصدري وأعطي لقلبي الحرية ؟
عشقي ممنوع .. كلامي غير مسموع .. أحلامي ليست بأحلام
هذا أنا .. أُحِب وأكابر ..وفي النهاية أُداس
حُبي محبوس في قارورة النسيان .. ماذا أفعل لكي لا يهجرني زماني بذكرياته ؟
لقد قُمتُ بإخفائك مثل الخطيئة .. لا أحد يعلم بأحاسيسي ومشاعري التي أخفيها
بينما كان داخلي يبكي .. رسمت على شفاهي البسمة
ما الذي تبقَّى من اليوم أو الغد كي أنتظره ؟
لقد قُمتُ بإخفائك مثل الخطيئة


كتبت هالة تلك الكلمات بعد أن مسحت دموعها ، تُعبر بمشاعرها التي لا تستطيع نُطقها ، تُخفيها مثل الخطيئة ، مثل العار ، وضعت برأسها على وسادتها ، وأمسكت بالدب الأبيض المحشو بالقطن ، احتضنته وهي تمسك بجوالها وتنظر الى كلماتها الحبيسة داخله ، كلماتها التي تعبر عنها .ـ

" اللي ماخذ عقلك يتهنى به "
التفتت لتجد ليلى تجلس بجانبها وهي تبتسم : في مين سرحانة ؟؟
هالة وهي تضم جوالها الى صدرها : فيك
ليلى بضحكة : أي واضـح ...، انقضَّت عليها بحركة مفاجئة تريد أن تسحب جوال هالة منها
هالة وهي تقاوم ليلى : انقلعي ... وش تبغين في جوالي ؟
ليلى وهي تحاول سحب الجوال : أبي اعرف في مين سرحانة ؟ وليه ما تبغيني أشوف جوالك ؟
قامت من مكانها وهي تمسك بجوال هالة في ايديها ، وتنظر الى الشاشة وتقرأ ما كُتب داخلها .ـ
هالة بصراخ : ليلى في ذمتك ما تقرين الكلام
ليلى بضحكة : هههههههه مو شغلك ، ابتعدت وهي تقرأ الكلام بهمس
قامت من مكانها وتحاول منع ليلى من النظر الي الشاشة ، ولكن ليلى كانت تُقاوم وهي منغمسة في القراءة الى أن انتهت ، قالت بضحكة : مـين هذا عشقك الممنوع ؟
أحمَر وجه هالة بعصبية ثم قالت بنفي : مو أحـد ... هذا بس كلام عجبني واقتبسته
ليلى وهي ترفع حاجبها : أجل ليـه ماكنتي تبغيني أشوفه ؟
هالة : لأنك ملقوفة .. وما أحب أحد يسحب مني جوالي بهالطريقة
ليلى : هههههههههه عادي خليك صريحة معي قولي مـين هو الحبيب السري ؟
هالة وهي تأخذ الجوال منها : مو أحد .. أي حبيب سري أي بطيخ ؟
ليلى وهي تلقي بنفسها على السرير وتقول بشاعرية : حبيبك السري اللي تخفيه مثل الخطيئة ؟ عشقك الممنوع اللي استوطن قلبك مثل الخلايا الغير طبيعية ؟ وبينما كان داخلي يبكي رسمت على شفاهي البسمة ... حلوة الكلمات عجبتني
هالة وهي تجلس بجانبها : جد ليلى مافي أحد .. وهالكلمات مب من تأليفي ..كلمات اغنية تركية عجبتني ونقلتها .. وما تعبر عني وما اقصد بها أحد
رفعت ظهرها ، وضعت كفيها على كتفي هالة وقالت بمرح : حطي عينك بعيني
نظرت هالة الى عيني ليلى بثقة وحدة بينما تنظر اليها ليلى بمرح وترفع حاجبها بخبث : من عيـونك واضح أنك كذابة ..هههههههههههههه
هالة : و بعدين معك ؟ قلت لك مافي احد
ليلى : تكذبين على الناس كلها إلا انا ما تقدرين تكذبين علي ...اصلاً واضح من تصرفاتك الأخيرة ..كله سرحانة ومفهية .. قولي له اذا جاد خليه يتقدم لك .. انتبهي لنفسك .. هو وش بينكم بالضبط ؟
هالة بعصبية وهي لا تصدق كلام اختها عنها : ليلى !!!!! من جدك ؟؟ ليه وش شايفتني ؟؟؟ أنا اكلم واحد ؟؟ لدي الدرجة طايحة من عينك ؟ وش هالوقاحة ؟
ليلى : يعني هو ما يدري انك تحبيه ؟؟
قامت من مكانها وجلست على سريرها وهي تشيح بوجهها عن ليلى ، القت برأسها على الوسادة وقالت بضيق : كـيف تفكرين فيني بهالطريقة ؟ تتوقعي ممكن في يوم من الأيام أخون ثقة أبوي فيني وأكلم واحد غريب ؟ هذا وأنا اختك وتفكرين فيني كذا
قامت ليلى وجلست بجانب هالة ، قالت وهي تمسح على شعرها بحنان : أنـا اختك الكبيرة وأكـيد اذا لاحظت عليك شي بنصحك وبانبهك ... وانتِ بعدك مراهقة و مشاعرك مخربطة ويمكن توجهين هالمشاعر للشخص الخطأ ..أخاف تتهورين وتضيعين نفسك
هالة : والله العظيم ما اسوي شي غلط .. وأنا مو مراهقة ..كلها كم شهر وأكمل 18
ليلى : طيب خلاص صدقتك أنك ما تكلمين احد وانا واثقة فيك ... بس
هالة وهي تستدير بجسدها وتنظر اليها : بس ايش ؟؟؟
ليلى : ملاحظة عليك انك متغيرة وكله سرحانة وصايرة مو على طبيعتك .. أسمعك وانتِ تبكين في الليل .. صدقت ان ما تكلمين احد وانك ماتسوين شي غلط بس أكيد ما في أحد تحبينه ؟ اللي فيك هذا مو أعراض حب وشوق ؟
هالة : شكله يوسف مأثر على عقلك ... من قالك احبك وانتِ في عالم ثاني وتفكرين كل الناس تحب مثلك
احمَر وجه ليلى وقالت بإحراج : انتِ سمعتيه ؟؟!!!!ـ
هالة بشرود : ايه سمعته .. كان صوته مثل الهمس ..بس سمعته
ليلى : بس فاجأني أول مرة يتصرف معي كذا ..اول مرة يقولها لي
هالة وهي تنظر الى الساعة المعلقة على الجدار : شوفي الساعة صارت كم واحنا ما نمنا ..بكرة الصباح بناكل تبن أنا واياك
ليلى وهي تشهق : الساعة صارت وحدة ونص ... بكرة محاضرتي تبدأ الساعة ثمانية حسبي الله
هالة : قومي اطفي الضو خلينا ننام
ليلى وهي تقوم من مكانها : طيب ما قلتي لي من حبيبك السري اللي تقصديه بالكلمات ؟؟ لا يكون راشد ولد عمي والا يمكن ماجد ولد خالي ..واحنا أطفال كنتوا دائماً تلعبون انكم ازواج هههه
هالة بصراخ : ليلى !!!! وبعدين معك ؟
ليلى : ههههههههههههههههه خلاص امزح معك والله

انطفأت الأنوار ليسكن الفتاتان في سريريهما ، متشابهتان في المشاعر مختلفتان في تقديرها ، تضع ليلى رأسها وهي تتمنى أن تراه في أحلامها ، بينما هالة تذرف الدموع وتتمنى ان تتجاهل مشاعرها ، تتمنى أن لا تراه في أحلامها مثل كل مرة ، تحتقر نفسها ، وتستعر من أحاسيسها


*

الساعة السابعة مساءً من اليوم التالي


تقف أمام المرآة وهي تُسرح شعرها الطويـل ، تستعد للقائه ، ارتدت تنورة سوداء طويلة وقميص أحمر طويل الأكمام بفُتحة واسعة من الأعلى، زيَّنت جيدها بقيادة ذهبية بسيطة ، وتركت شعرها مسترسلاً على جانبها الأيسر ، ليظهر الحلق البرَاق الصغير الذي يُزيِّن أُذنها ، رشَّت عُطرها المفضل على ملابسها ، وارتدت الدبلة في يمينها ، هذه الحلقة الذهبية الصغيرة التي تُعلن انتمائها له ، ابتسمت برضا على انعكاس صورتها في المرآة ، دائمـاً ما كانت تُخبرها والدتها بأنها أجمل أخواتها ، وكذلك كان رأيُ من حولها عنها .ـ

نظرت الى اختها التي تجلس على السرير مُنشغلة في قراءة كتاب مدرسي ، يزداد قلقها على هالة كُلما رأت حالها المُتغير ، تتساءل في نفسها ما هو سر شرودها الدائم و تعابير وجهها الحزينة التي تُحاول إخفاءها ولكن ليس عنها ، هي التي تستطيع أن تتعرف على حُزن أُختها من عينيها ، هل السبب هو وفاة والدتهم ؟ هل هو السبب الذي يجعلها تستيقظ من نومها و تبكي ؟ هل لازالت هالة متأثرة بوفاة والدتهم الى الآن والى هذا الحد ؟ أم أنَّ هناك سبب آخر ؟
قالت بهدوء : خلصتي مذاكرة والا بعدك ؟
رفعت هالة رأسها من الكتاب وقالت : باقي لي شوي
ليلى : تبغين أساعدك ؟ اذا فيه شي مو فاهمته في دروسك قولي ... تعرفيني شاطرة في الرياضيات
ابتسمت لها : لا قربت أخلص .. انتِ انزلي لزوجك اكيد الحين بكون وصل أو على جيَة
ليلى : طيب

ارتقت السلالم لتنزل وتُقابل الهنوف التي كانت جالسة على الكنبة وتتابع التلفاز بجانب ابنها ، ابتسمت لها الهنوف وقالت باعجاب : وش هالأناقة والكشخة ..بس ليـه لبسك مررة محتشم كذا ؟
ليلى باستغراب : وايش تبغيني البس له مثلاً ؟ طبيعي بلبس كذا بعدني ما تعودت عليه
الهنوف بضحكة : هههههه عادي زوجك
قامت من مكانها وهي تُحدق في وجه ليلى : حتى أنك مو حاطَة شي في وجهك ... حطي كحلة روج أي شي
ليلى : ما ادري احس استحي
الهنوف : هههههههههه ليه يوم الحفلة مو كنتي قاعدة معاه بـ طن من المكياج في وجهك
ليلى : تذكرين ذاك اليوم اللي طلعت له بالبجامة ؟ قال لي أنِّي بدون مكياج أحلى
الهنوف : أفا .. شكلك ما كنتي عاجبته في يوم الحفلة ...ههههههه عشان كذا كان متبهدل
أخذت تُفكر بكلام الهنوف بضيق ، هل حقاً كان كذلك ؟ ، حدَقت الى الأسفل بضيق وهي تفكر في كلامها .ـ
الهنوف وقد لاحظت الضيق على وجه ليلى فقالت : عادي كثير رجال ما يحبون المكياج الكثير .. بس يا يمنع انك تحطين ولو شي بسيط في وجهك ، سحبتها من يدها وهي تقول : تعالي معي انا اضبطك
رن جرس الباب فقالت ليلى بارتباك : وصـل ... ما يمدي خلاص مرة ثانية
الهنوف : ما عليك منه خليه ينتظر شوي وش صار ..محمود يُمه قوم افتح الباب ليوسف ودخله المجلس

*


مرَّت دقائق وهو يجلس وبجانبه محمود الصغير ، يُراجع الكلام الذي قرر أن يقوله لها ، صحيح أنَّ مشاعره وأحاسيسه لا تنجذب لها ، صحيح أنَّ قلبه ليس عاشقاً لها ، ولكنَّه سيُحاول ، فـ هي زوجته وتستحق منه ذلك ، سيُحاول أن يدوس على مشاعره لأجلها ، و هي فتاة جميلة وفاتنة وسيتعامل معها على هذا الأساس .ـ
قطع تفكيره صوت محمود : انت ليـه تقعد مع عمتو ليلى بروحكم ؟ ما يصير حـرام
نظر الى الطفل الصغير بجانبه ، وانفجر ضحكاً لرؤيته ملامح الغضب الطفولي على وجهه وكلماته البريئة : هههههههههههه وليـه ما اقعد معها ؟ زوجتي
محمود ببراءة : كيف زوجتك و انت مو ساكن معها ؟ وليش عمتو ليلى ما لبست فستان أبيض
أمسك به وهو يقول بمزاح : قريـب بتلبس الفستان الأبيض وبخطفها منكم وما بخليك تشوفها
محمود وهو يتخصر بعناد : لا مو على كيفك عمتو ليلى حقتنا ما يصير تاخذها

كانت ليلى تقف وتنظر الى يوسف وهو يمازح محمود ، ابتسمت لشكل يوسف اللطيف وهو يُحاول استفزاز محمود وممازحته ، اقترب منها محمود وهو يتعلق بها : لا تقعدي معاه يبغى يخطفك
انتبه يوسف لوجودها ، حيث كانت تقف قُرب الباب ، ركَّز حدقتي عينيه عليها وهما تتنقلان في تقاسيم وجهها المتناسقة ببطء ، جبين صغير ،ذقن بارز وأنف صغير دقيق ، الكحل الأسود زاد عينيها اللوزيتين فتنة ، اللون الأحمر على شفتيها أضاف لمسة برَّاقة على بشرتها الفاتحة ، وشعرها البني الطويل ينساب على ذراعها برِّقة ، ابتلع ريقه وقال بعِناد لمحمود : ايه بخطفها زوجتي وعلى كيفي
اقترب منه محمود بعناد طفولي و ركل ساقه بقدمه الصغيرة : ما هي زوجتـك ومو على كيفك تاخذها
انفجر يوسف ضاحكاً بينما قالت ليلى بتحذير : محمـود عيـب
ابتعد محمود وهو يخرج لسانه بحركة طفولية : باقول حق أبوي عشان يجي و يمردغك
رفعت ليلى صوتها وهي تحدق بمحمود بتأنيب : محمود قلت لك عيـب !!!ـ
خرج من الغرفة وهو يصفع الباب بقوة ، أومأت ليلى رأسها بأسف وقالت باعتذار : ان شاء الله ما يكون ضايقك ؟
يوسف وهو يضحك : هههههه لا يا حليله ماسوَّى شي ... وش فيك واقفة تعالي اجلسي
خَطت الى الداخل وجلست على الأريكة المقابلة له ، قطب جبينه وهو يحدق بها وقال باستنكار : لـيه قاعدة بعيد ؟ تعالي اجلسي جنبي ...الكنبة واسعة
صمتت للحظات ثم قالت بارتباك : لا ..أنـا كذا مرتاحة أكثر
ضحك بخفة وهو يقول : وش فيك خايفة ؟ ترى والله ما اعض
ضحكت بهدوء ثم قامت وجلست على الطرف الآخر من الأريكة التي يجلس عليها مبقية مسافة شبرين تفصلها عنه ،ركز نظره عليها عن قرب
لا ينكر أنَه شعر بشيء ما يجذبه نحوها ، لا ينكر أن عينيه تعلقتا بها بإعجاب ،
فأولاً وأخيراً هو رجل ، ولا يُمكنه أن يقاوم فطرته التي تجذبه اليها ، وهي فتاة تكاملت بها دواعي الفتنة ، وتبدو وكأنها تقطر نعومة ورقة ، لاحظ الحمرة التي علت وجنتيها وهي تبعد عينيها عنه بخجل وارتباك من نظراته ، ازدرد ريقه وقال : صحيح أنَّي قلت لك من قبـل أنك بدون مكياج أحلى ... بس اللون الأحمر على شفايفك فتـنة
شعرت بحرارة تسري بجسدها ، اتسَّعت عينيها وهي تنظر اليه باستغراب ، من أين أتت هذه الجرأة ؟ ، لم تعرفه جريئاً هكذا ، حتى نظراتُه لها مُريبة ومُختلفة عن السابق ، تشعر به وكأنه يلتهمها بنظراته ، اشاحت بوجهها عنه فقيَّد معصمها بيده وهو يقول : لا تلفي وجهك عنِّي .. ما اقدر يكون كل هالجمال لي وقُربي وما اناظره
شدَّ على معصمها وسحبها باتجاهه بحركة سريعة ، شهقت بخفة من حركته ، تسارعت أنفاسها وهي تشعر بيده تحاوط خصرها ودقات قلبها تكاد تُفجر أذنها .ـ
يوسف : وش فيك ساكته ؟ مو انتِ قلتي أنك تبغين تعرفيني أكثر ؟ اسأليني أي شي في خاطرك وأنا بجاوبك .. أو تكلمي عن نفسك .. قولي أي شي المهم لا تسكتي
قالت وهي ترتجف : ما اقدر أتكلم كذا .. يوسف أنـا مو متعودة على قربك منِّي بهالطريقة .. أستحي
رفع يده عن خصرها ووضعها خلف رأسه ، ابتعدت قليلاً عنه ثم رجع يرمقها بذات النظرات قال بابتسامة : قاعد أنتظرك تتكلمي
ابتلعت ريقها وبدأت بفرك يديها بتوتر : نظـراتـك تربـكـني .ـ
رجع برأسه الى الوراء وهو يضحك : هههههههه طيب باغمض وانتِ تكلمي على راحتك
أمسك كفها ووضعها على عينيه ، صمتت لثواني تُفكر فيما تُريد قوله ، نَست كل شيء كانت مخططة لقوله ، لم تتوقع منه هذا التغير المفاجئ اذ يبدو وكأنه شخص آخر ، قالت بهمس : ما ادري وش أقـول
قال وهو لا زال يُمسك بكفها ويغطي بها عينيه : طيـب أنـا بتكلم... .. تـدرين انك في بالي من زمان ؟ تدرين انِّي غارق في تفكيري فيك من تقريباً سنتين أو يمكن أكثر ،
جفلت عينيها بعدم استيعاب ، قالت بذهول : كيـف ؟
استرسل في كلامه وهو في نفس الوضعية : كنت دائماً اسأل نفسي وش معنى انتِ ؟ في البداية ما كنت أعرف عنك شي بس كنت أشوفك وانتِ تدخلين وتطلعين من بيتنا وكنتِ في نظري مميزة .. أعرفك من عيونك ومن طريقة مشيتك ومن صوتك ..كل شي فيك كنت أشوفه مميز ..وفي مرة دخلت البيت وما كنت أدري انك موجودة شفتك وانتِ كاشفة وما عرفت أشيل عيوني عنك لأني سمعت صوتك وعرفت انها انتِ .. كان صوتك .نتسي...ـ
تلعثم في كلامه وأخذ يتأتأ بكلمات غير مفهومة ، لقد كاد أن يفضح نفسه ويقول " صوت أبو بحة " وكاد أن يقول " السمرا اللي جابتني على وجهي " ، فليلى ليست سمراء ولا يميز صوتها بحة ، لو نطق تلك الجمل لفضح نفسه حقَّاً .ـ
" وش فيك ليه سكت ؟ كمَّل أبي أعرف كيف كنت تشوفني بعيون زايغة "
أبعد كفها عنه واعتدل بظهره ونظر اليها يحاول إخفاء ارتباكه : حرام عليك الحين أنا صرت أبو عيون زايغة ؟ والله انِّ مو تبع هالسوالف ودائماً كنت أغض بصري عن الحرام ، توقف لبرهة ثم أردف وهو ينظر الى عينيها ، سيكذب عليها ولكنه مضطر لهذا ، أخذ يبرر لنفسه بأنها ستكون كذبة بيضاء ولا تضر ، قال بهدوء : كنتِ انتِ غير .. ما عرفت أشيل عيوني منك .. ما عرفت أسيطر على نفسي .. بس انتِ اللي كنت أطالعها بعيون زايغة على قولتك
قالت بضحكة وهي تنظر اليه بشاعريَّة فقد أثر كلامه على قلبها : هههههههه طيب كمل وبعدين وش صار لمَّا دخلت بيتكم وكنت أنا موجودة ؟
ظهَرت عليه علامات التوتر وأصبحت أنفاسه ثقيلة ، لا يريد أن يزل لسانه ويفضح نفسه ، أخذ يكرر بعض الجمل في عقله علَّه يتمالك نفسه
" انتبه ولا تجيب العيد .. وبدل ما تكحلها تعميها وتفضح نفسك والبنت معك "
رفع بصره إليها وهو يحدق في وجهها يُحاول أن يجد شيئاً يصفه بها ولكي تختمر الكذبة في عقله لتنطبع على أفكاره ويتحدث بها بطلاقة ، قال وهو يحاول اخفاء توتره : وبعدين و بعدين.... دخلت البيت وشفتك وقلت في نفسي ..اممم قلت في نفسي وأنا مصدوم أطالع فيك ..وانا مستغرب من اللي اشوفه وش اللي جاب نانسي عجرم الي بيتنا !!!!ـ
رفعت حاجبها باستنكار : الحين أنـا أشبه نانسي عجرم ؟
صمت وهو يُفكر فيما قال للتو ، كانت نانسي عجرم هي الوصف الوحيد الذي طرأ في باله منذ لحظة ، لا يعرف ما الذي جعله يربط ليلى بنانسي مع انَّها حقاً لا تشبهها الا ربما في بياض البشرة ورقة الاسلوب ، ابتسم وقال : ولا يهمك ..انتِ أحلى منها
ابتسمت ثم حاولت كتم ضحكتها الى ان تحولت ابتسامتها الى ضحكات : ههههههههههههههههههه
عقد حاجبيه و ضحكتها ترن في اذنه ثم ابتسم ابتسامة عابثة : ليه تضحكين ؟
ليلى : هههههه لا بس اتخيل شكلك وانت مصدوم ان نانسي عجرم في بيتكم هههههههههههههه
استوعب كم أنَ كلامه حقاً يبدو مضحكاً وغبيَّاً انفجر ضاحكاً وهو يُكمل كذبته : ههههههههههههه مادري ليه في وهلة حسيت انك تشبهينها
ليلى :ههههههههه ما توقعتك ظـريف لدي الدرجة
أمسك بيدها وهو ينظر اليها وقد أعجبته تعابير وجهها المرحة : وهذا أعتبره مدح والا ذم ؟
قالت وهي تُحافظ على ابتسامتها : أكـيد مدح
بلل شفتيه ثم ركز حدقتي عينيه على عينيها ، أمال برأسه باسترخاء على الأريكة وقال بشرود : من ذاك اليوم اللي شفتك فيه وانا تعلقت فيك أكثر ، سألت اختي عنك وعرفت
مين تكونين ... صرت لما المحك ما اقدر اوخر عيني ما اقدر الا وأشوفك أو اسمع صوتك ...صرت اسوي اشياء في حياتي ما توقعت انِّ اسويها ..كنت متعلق في وحدة ما تدري عني .. كنت أسغرب من نفسي وأقول وش فيني ؟ وش فيني خبل والا مجنون ؟ متعلق في وحدة ما تدري عني و اشتاق لها وهي ما تدري شكثر أنا متعلق فيها ... سلمت لك عقلي ورضخت لك..... والله العظيم ما كان قراري كان مثل السحر ، صمت لبرهة ثم ابتلع ريقه و أكمل بذات الصوت : ما كنت مخطط لك كانت صدقة مو في البال ولا في الخاطر ..في ذاك اليوم لما طاحت عيني عليك اعتفست حياتي فوق تحت وصرت بس أفكر كيف أوصل لك ..صرت لما اشوفك ابتسم و مادري ليه ..درعمتي على قلبي بدون لا احم ولا دستور ولا استئذان
انتهى من افراغ ذلك الكلام الذي يُتعب قلبه واستفاق من شروده وأخذ يُحدق في ملامح ليلى التي اكتسحها الخجل ، كانت وجنتيها متوردتين وعينيها تتلألآن ببريق مميز ، كانت سعيدة ومتفاجئة في الوقت نفسه ولا شيء يصف السعادة التي كانت تشع داخلها ، كان لكلماته وقع مميز على قلبها ، جعله يخفق بجنون له .ـ
نظر لها بهدوء أو ربما بضيق فهي رغم كل شيء جميل فيها لم تكن فتاته التي يعنيها
ربما انجذب لرقتها وعفويتها وفتنة ملامحها ولكن عاطفته المنجرفة في كلامه لم تكن لها ، تلك الكلمات الصادقة المنبعثة من قلبه لم تكن لها ، مشاعره الجيَّاشة وأحاسيسه العاشقة لم تكن تخصها ولم يكن يعنيها بها .ـ
التمعت عينيه وهو يقترب منها وارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه وهو يضع كفه على وجنتها المحمَّرة ، داعب قلبه إحساس مُختلف وهو يقترب منها ، لم يكن هياماً أو غراماً ، احساس مُختلف قد يُفسر بالتملك ، فـ هي مُلكه وحلاله هو وحده ، هي بجميع تفاصيلها الجميلة مُلكه وحقه ولا يشاركه فيها أحد .ـ
رمشَت مرتين لتستوعب جُرأته ثُم أنَّها رُغم خجلها استسلمت لدفء شفتيه على شفتيها .ـ


*

بعد شهر

" أحبه وهو بعد يقول انه يحبني بس كل كلامه اللي يقوله لي غزل في غزل ... اذا جيت اتكلم له عن نفسي او عن المواقف اللي تصير لي يبين عليه الملل وكأنه ما وده يسمعني "

تجلس ليلى بجانب نور وهي تُفرغ ما في داخلها وتفضفض عن علاقتها مع يوسف التي تغيرت في الآونة الأخيرة ، وأصبح يوسف نقيض ما كان عليه سابقاً ، أجابتها نور وهي تضع ابنتها على السرير ما بينها وبين أختها : الحين صدقت أنَّ احنا الحريم ما يعجبنا العجب .. ان صار ثقيل قلنا ما يعبر ولا يغازل وما يحبني وزعلنا ...و ان صار يغازل وصار لسانه ينقط كلام معسول بعد ما عجبنا وملينا من كلامه وقلنا شكله ما يحب يسمعني ويحب بس شكلي بدون شخصيتي ... حيرة والله... ما ادري ليلى يعني مو قادرة أفهمك ، اكملت وهي تضحك : ههههههه تعرفين ابو الشباب اللي عندي بالموت تطلع منه كلمة غزل ... اصلا اذا قام يقول كلام حلو اشك انه مريض واللا فيه شي ههههههههههههه
ليلى : اقولك كلامه معي كله مغازل وما عنده شي ثاني يقوله
نور : انا اول مرة اشوف وحدة تزعل من زوجها عشانه يغازلها
أجابتها ليلى وهي تقطب حاجبيها : لا مو كذا قصدي بالعكس احب اسمع كلامه عني بس هو احياناً يقول كلام يجنن واحسه طالع من قلب ، اكملت وهي تتنهد : واحياناً يغازلني بطريقة مو حلوة بطريقة ما ادري كيف اقولها لك
نور وهي تضحك وقد تذكرت كلام ليلى قبل فترة : هههههههههه يعني قصدك لما قال لك انك تشبهين نانسي ؟؟
ليلى : هههههههه لا مو قصدي كذا يا ليت جت على هالتشبيه وبس
نور : وش يعني ؟؟ وش يقول لك ويخليك تتضايقين منه ؟
اقتربت ليلى منها وهي تقول بصوت خافت مُحرج : ما ادري كيف اشرح لك .. بس هو يقول لي غزل من نوع ثاني غزل وسخ استحي حتى اقوله انقهر لما يقول لي هالكلام يحسسني انِّ وحدة من الشارع ... فهمتي علي ؟؟؟
فغرت شفتيها ببهوت ثم استدارت تنظر الى طفلتها التي تناغي نفسها : أي عادي يمكن هو طريقته في التعبير كذا .. وهو زوجك مافيها شي ...حتى منصور احياناً تطلع منه كلمات بالغلط .ـ
ليلى : بس أنـا اتضايق واستحي منه ومن حركاته الجريئة وهو اذا شافني مستحية يزيد وكأنه يعاندني يحسسني انه يملكني وانا مالي أي حق اقول لا او اعترض في أي شي ..واحنا لسا في البداية وانا ما ابي الامور تتطور اكثر قبل العرس
نظرت اليها نور بحدة : لا تقولي لي انه دخل عليك ؟
ليلى وقد بدت عليها علامات الاحراج : لا ... بس هو كله يقولي انِّي حلاله وحقه ومن هالكلام وحفل الزواج مجرد شكليَّات ما تهمه
نور : انتبهي لنفسك وقولي له يهجد ... هو صحيح فترة خطوبتك طولت كثير بس خلاص ما باقي لك الا شهرين ونص على الزواج .. يصبر وش وراه وانتِ بعد لا تصيري مخفَّة بسرعة ترضخين له ... قولي لا
ليلى : ان شاء الله بس نور والحل مع اللي قلت لك عنه ... كلامه كله غزل والله احس مليت .. احسه يبالغ وأبغاه يتكلم معي بشكل جدي شوي
نور : المفروض اخلي زوجك يقعد مع زوجي يصلحون حق بعض ... عشان منصور يعلمه كيف يكون الثقل على أصوله ويعطيه دورة في كيف تغسل شراع زوجتك بنظرة وكلمتين
ليلى وقد اتسعت عينيها : لا والله ما ابغاه يغسل شراعي و يهاوشني خيــــر !!!ـ
نور : ههههههههههههه عشان تحمدين ربك على اللي عندك
قطع صوت ضحكاتهم رنين نغمة جوَال ليلى الملقى بجانبها ، التقطته وهي تقول : هـذا يوسف .. بنطلع عشان نشوف أثاث للشقة
نور : طيب روحي معه بس مثل ما قلت لك لا تصيري خفيفة ...اثقلي شوي
ليلى وهي تقوم من السرير : ان شاء الله
قامت والتقطت عباءتها من الشمَّاعة ثم توقف وكأنَّها تذكرت شيئاً : نور صح باقول لك شي عن هالة
استدارت لها وقالت باستغراب : وش فيها هالة ؟؟؟
ليلى وقد اتضحت عليها علامات الضيق : ما ادري وش فيها .. هو فيها شي مو طبيعي انا متأكدة بس هي مو راضيه تقول لي .. كله متضايقة ومتأكدة انها تخبي شي تكلمي معها انتِ يمكن تقول لك وانصحيها تعرفينها مراهقة وينخاف مِنْهَا

خرجت من المنزل وقد قررت أن تكون أكثر حزماً معه ، نظرت اليه وهو يطل عليها من نافذة سيارته ويبتسم بود ، مُشكلتها انها لا تستطيع مقاومة سحر ابتسامته اللطيفة ، فتنسى كل ما قررته في عقلها وتغرق في سحر نظراته وكلامه المعسول ، ولكنها ستحاول هذه المرة أن تكون أقوى ، فتحت باب السيَّارة وجلست بجانبه وهي تقول بهدوء : السلام


أجابها بصوت مُرحب : وعليكم السلام ..هلا والله

بدأ قيادة سيَّارته يضع احدى كفيه على المُقوِّد ويجتذب بالكف الأخرى كفَّها ، وأصبحت هذه الحركة مثل العادة عندما تجلس بجانبه في السيَّارة فليس له الَّا كفها ليُمارس عليها هيمنته .ـ

نظرت الى كفها المُستقرة على فخده ، تذكَّرت قرارها السابق ، وسحبت يدها منه بقوه ، نظر اليها باستغراب وقالت بحزم : يوسـف !! يكفي قلة أدب

قطب جبينه بعدم فهم ثم قال بتعجب : وش قصدك بقلة أدب ؟؟ أنـا زوجك يا هبلة

أشاحت بوجهها الى النافذة ، وهي تشعر بالإحراج فقد كانت جُملتها تلك في غير محلها ، لقد أخطأت في ايصال فكرتها له ، لم تنطق بأي كلمة واستمرت بالنظر الى النافذة ، قاطع صمتها : وش فيك حبيبتي معصبة ؟؟ أحد مضايقك ؟؟

نظرت أليه بهدوء وهي تريد أن تصرخ في وجهه بــ " انت اللي مضايقني " ولكنها قالت بهدوء يُناقضها : ما فيني شي مو معصبة عادي

استغرب تصرفاتها ولكنه صمت وانشغل بالنظر الى الطريق بينما كانت هي تنظر اليه بشرود ، تُحِبُّه ولكنها تشعر في علاقتها معه بالاضطهاد ، مضطهدة ليس لها أي رأي أو حق ، وهو جريء معها الى أبعد الحدود ولا يُراعي خجلها ورهبتها ورغبتها في تأجيل ما يفعلُه بها الى بعد حفل الزواج ، يتعامل معها وكأنهُ يملكها وهي ليس لها حق الاعتراض ، وببساطة لأنَّها تحبه ولأن قلبها لا يقوى على جفاءه تستسلم له في خلوته بها ، وتستسلم لرغباته وطلباته بل أنها أقرب لأوامر من طلبات ، فهو يدنو منها ويُداهم مفاتنها بدون مقدمات ولا يأبه بها ان قاومت أو رفضت ، فهي لا تود ان تتعمق علاقتهما الى الحد الذي يريده هو قبل الحفل ، قررت أنَّها ستحاول أن تكون أقوى في المرات القادمة ولن يغلبها هو بكلامه المعسول أو بنظراته وابتسامته الجذابَّة ، فشعور المضطهد المغلوب على أمره لا يروقها أبداً وليس من طبعها ، ولن تقبل بأن تطغى شخصيته على شخصيتها ،

لن ترضى بأن تكون هي الطرف الأضعف في هذا الزواج .ـ



أوقف سيَّارته أمام منزله وقال بهدوء يوقظها من شرودها : يلا ليلى انزلي

نظرت الى المكان باستغراب وقالت : ليه وقفت عند بيتكم ؟؟ مو على أساس ان بنروح نشوف أثاث للمطبخ ؟

أجابها بهدوء : يعني ما تبغين تشوفين الشقة بعد ما وصل الكنب وغرفة النوم اللي اخترتيهم ؟

ليلى باعتراض : لا ما ابي أنزل معك الشقة ...اذا ما بنروح لمحلَّات الأثاث رجعني البيت

ابتسم لها وقال : هاذي شقتنا ليلى لازم بتشوفين تنسيق الأثاث فيها أنا ما اعرف لهالسوالف. .. بعدين لا تقولي ما عجبك ..ترى العامل جا وحطهم بشكل عشوائي

فكَّرت في كلامه ثم قالت بتردد : طيب لكن بس نشوفهم دقيقتين وننزل ما نطول


تجاهل كلامها وهو يُردف : انزلي خلصيني انزلي



*



دخلت الى الشقة المستقبلية التي ستجمعها معه بعد شهرين ونصف من الآن ، نزعت نقابها عن وجهها وأخذت تنظر الى طقم الكنب بتدرجات اللون البني ، بسيط ولكنه أنيق وعصري في الوقت ذاته .ـ

أحاط كتفيها بذراعه وقال وهو يشير على الكنب : وش رايك عدل مكانه هنا والا ؟؟

ليلى : اممم لا الكنبة الصغيرة المفروض تكون على اليسار والكنبة العريضة هي اللي تكون في الوسط و الكنبة الأخيرة مكانها غلط لأن هذا بكون مكان التلفزيون ، أكملت وهي تشير الى زاوية فارغة : الكنبة الأخيرة المفروض مكانها هنا

أومأ برأسه بالإيجاب وقال : طيب بعدين أنا بزيحهم وبرتبهم على كلامك ، أردف وهو يشير بعينيه الى الغرفة المقابلة لهما : تعالي شوفي غرفة النوم

ذهبت معه الى حيث أشار ، نظرت الى طقم الغرفة ، السرير أبيض اللون والخزانة والتسريحة ، كانت الغرفة صغيرة ولكنها تعطي احساس بأنها أكبر من حجمها بسبب الألوان الفاتحة التي تكسوها ، قالت وهي تنظر اليه : تنسيقها حلو ما يحتاج تعديلات

رمقها بنظرات عميقة اعتادت عليها وتفهم مغزاها مع تلك الابتسامة الخفيفة التي ترتسم على شفتيه ،

قالت بنفور وهي تحاول ان تبعد ذراعه عن كتفيها : الاثاث وشفته يلا نرجع السيارة

قاوم حركاتها في ابعاد ذراعه وهو يتبسَّم في وجهها وعينيه تلتمعان بعناد ومتعة ، قال وهو يضغط عليها بذراعه التي تطوقها وتزيدها التصاقاً به : ليه مستعجلة ؟

ليلى وهي لازالت تحاول التحرر منه : أنا من البداية قلت لك أن ما ابي اطول هنا

ضحك بخفة ثم نزع حجابها الأسود عن شعرها بحركة سريعة وهو لازال مسيطراً على حركتها ، طبع قُبلة عنيفة على وجنتها ثم انتقل الى وجنتها الأخرى ، وهي تهتز بارتجاف ، خائفة من ما ينوي فعله بها لقد أخبرته مسبقاً أنَّها لا تريد أن يدخل في العميق معها قبل حفل الزواج ولكن لماذا لا يسمع ؟ هل هو يقصد عنادها واستفزازها فقط أم ماذا يقصد ؟

احتضنها بكلتا ذراعيه وهو يغمض عينيه يحاول أن يركز حواسَّه كلها في رائحة عطرها ، نطقت بهمس : يوسف حبيبي يكفي

لم يستجب لها ، بل ازداد تمسُكاً بها الى أن ارتمى معها على السرير ، وهو يفرض سيطرته عليها ، تُحاصرها أنفاسه التي تُخبرها بأنَّها بكل ما فيها ملكه وحقه وحلاله وهي ليس لها حق التصرف في مالا تملكه ، كان يُقاوم قُوتها

الى أن احسَّ باهتزاز جسدها في شهيق وزفير عنيف ، رفع رأسه ليتفقَّد وجهها فرأى التماع الدموع على وجنتيها ، وعينيها محمرتان تسيلان بصمت ، ابتعد عنها بهدوء ، نظرت الى عينيه التي ترمقانها بحِدَّة واستياء وابتسامته اللطيفة التي تُحبها اختفت لتتبدل بأخرى قاسية ساكنة ، كيف لملامحه الهادئة الحنونة ان تتغير في لحظات وتنقلب الى صورة مُخيفة قاسية قاتمة ،

نهضت من السرير واتجهت الى الأريكة في الخارج ، وتركته خلفها ينظر اليها بضيق مُغلف بالصمت .ـ



جلست على الأريكة وهي تُحاول أن تتمالك نفسها وتلتقط أنفاسها المتسارعة ، نظرت الى قميصها الممزقة أزراره وأغمضت عينيها بقوة تمنع دموعها من السقوط ، لا تريد أن تكون بهذا الضعف معه ، تريده أن يحترم رغبتها واحاسيسها ، لا ترغب به وهو بهذه الصورة القاسية المتناقضة ، أجهشت بالبكاء وهي تتذكر كيف قاومته بكل قوتها وهو غير مكترث بها وبرجائها له بأن يتوقف .ـ



اخترق صوت بكائها أذنيه ، ارتخت ملامحه بضيق ، لا يرغب بإحزانها أو إجبارها على ما لا تريد ، ولكنه يظن أنَّه بهذه الطريقة سيُحبها ، ويدخلها الى قلبه قسراً ، لا يريد أن يأخذ منها ما يريد بعنف ولكنها بمقاومتها له تجبره على عنادها واستفزازها ، قام من مكانه وهو يقصدها .ـ

جلس بجانبها على الأريكة تاركاً مسافة بسيطة تفصله عنها ، اتكأ بجبينه على كفه وهو يستمع الى صوت بكائها الناعم الذي تُحاول كتمانه ، قال باهتمام يُحاول تهدئتها : خلاص ليلى والله ما اتحمل اشوفك تبكين ...والله ما كان قصدي ازعلك .ـ

أجابته وهي تخفي وجهها بيديها بصوت مكتوم متحشرج : انت ما تفكر فيني وما تحترمني همك نفسك وبس

أجابها وهو ينظر اليها ويُحاول أن يكون لطيفاً : لا وش هالكلام ليلى ؟ انتِ تعرفين أنِّ أحبك وما أرضى عليك بس وش أسوي ما أقدر أمسك نفسي عنك ..يعني تبغيني أشوف هالجمال كله وأوقف بس أتفرج ؟ وش بايدي ان كنت أحبك وما يرضيني غير قربك ..ما اقدر اقاومك احـاول بس ما اقدر.ـ

بدأت تسكن وتهدأ وهي تستمع لصوته الحاني ، هي أيضاً لا تستطيع أن تقاوم كلماته اللطيفة التي تجبرها على أن ترضخ له ، بدأت انفاسها تنتظم شيئاً فشيئاً.ـ

أمسك بيدها محاولاً ابعادها عن وجهها وقال بذات الصوت الهادئ : خلاص يكفي بكا .. ارحمي قلبي شوي.ـ

رفعت رأسها ونظرت اليه ببهوت ، كان يفتح لها ذراعاه وهو يبستم ، اقتربت منه وارتمت في حضنه كالبلهاء متناسيةً أنه هو سبب حُزنها وبكائها ، متناسيةً قسوته عليها قبل قليل ومتناسيةً قرارها بأن تكون هي الأقوى وأن لا ترضخ له ، وكان هو كعادته يستطيع قلب الأمور لصالحه بجُملتين وابتسامة .ـ

أخذ يضمها اليه بعطف ولين ، ويمسح بيده على شعرها بحنان بينما تمتد يده الأخرى الى وجنتها ليمسح بظاهر كفه دموعها التي تنتمي له : أنـا أكثر شي يهمني أنك تكوني مرتاحة معي .. وسعيدة وأنـا ما أبي اجبرك على شي انتِ ما تبغينه ..يمكن أكون مزعج وثقيل طينة معاك أحياناً واخليك تتضايقين مني بدون قصد بس وش أسوي وأنـا أحبك ..وأتوقع واضح من عيوني أنِّ أحبك .ـ

يقولُ كلماته تلك وهو لا يعلم الى متى سيستمر بقول كلمة " أحبك " بدون أن يشعر بها ، الى متى سيستمر في قول أكاذيبه لها بكل أريحية وثقة ، هو يعلم بتأثيره عليها ويرى كم هي مُتعلقة به وتُحبه وتُسامح هفواته في كل مرة ، ولكنه لا يستطيع أن يبادلها نفس الأحاسيس ، هو فقط يريد بكلماته الكاذبة تلك أن يملكها ويسلب منها قلبها ومشاعرها وعقلها وتفكيرها وجسدها وكل ما فيها ، وهي زوجته ويعتقد أنَّ لهُ الحق في ذلك ، ويُقنع نفسه بأنَّه بهذه الطريقة سيُحبها .ـ



لا تعلم كم من الوقت مضى وهي مرتمية في أحضانه ، يُطوقها بلمساته الحانية ويجعلها تتخدر بين ذراعيه على أثر كلماته ، : هديتي والا بعدك ؟؟ بعدك متضايقة مني ليلى ؟

قالت بصوت خافت مسحور متُيَّم به : ايه هديت

رفعت رأسها عن صدره ونظرت اليه بعينين مسحورتين هائمتين ، ابتسم لها وقبَّل جبينها برقة : أبي قربك ..لأن قلبي مو قاعد يشوف أحد غيرك

اعتقل يدها في قبضته وقامت معه بكُل طواعية الى غرفة النوم ، وفي هذه المرة استسلمت له كفتاة صغيرة جاهلة مُجبرة على ما لا تُريد ، مُقيَّدة بأصفاد كلماته الجميلة ، ولم يكن عنيفاً معها هذه المرة لأنها كانت مُستسلمة له بكل جوارحها .ـ





*




مُتمددة بتعب على السرير ، مرَّ شهر ونصف وبقي شهر ويوم على مراسم زفافها ، انتقلت عينيها الى فستانها الأبيض المعلق على وجه الخزانة ، تعد الساعات والثواني وهي تنتظر ذلك اليوم أن يأتي ، ولكن ماذا سيتغير ان تزوجت ؟ ما الذي سيتغير في حياتها الحاليَّة عن القادمة ؟ و قد خضعت له وسلَّمته كل ما تملك ، وأصبحت لقاءاتهم الغرامية منذ ذلك اليوم شبه يومية ، كانت تُريد أن تحتفظ بعذريتها ليوم الزفاف ولكنها ضربت بهذا القرار عرض الحائط لأجله ، لأنها تُحبه ولا تقوى على بعده ، قطع شرودها صوت محمود الصغير الذي دخل الى الغرفة وقفز على سريرها بمرح : عمتوو ليلى

ابتسمت له : نعـم يا روح عمتك

محمود : بابا عود يقولك انزلي تحت اجلسي معنا ... يقول كله مانشوفك علطول اما طالعة مع يوسف أو متخبية في غرفتك

ليلى وهي تقرص خده : طيب حبيبي الحين نازلة



خرج من الغرفة وقامت من سريرها بكسل ، صحيح كلام محمود فهي في الآونة الأخيرة كان روتينها اليومي عبارة عن الجامعة صباحاً ثم يصحبها يوسف بعد انتهاء دوامها الى شقتهما وتبقى معه عدَّة ساعات ثم يُرجعها الى منزلها قبل الغروب ، ترجع الى المنزل مُتعبة مُنهكة وتقضي ما تبقَّى من يومها في غرفتها .ـ



نظرت الى المرآة وتفقدت مظهرها قبل أن تقابل أهلها ، غطَّت بشعرها الطويل أطراف رقبتها لتحجب به آثار الغرام المتبقية ، لا تريد أن تشعر بالإحراج بسبب هذه البقع التي تغطي جوانب من رقبتها ، خرجت من الغرفة بعد أن تأكدت من شكلها .ـ



هبطت من السلالم بهدوء وكانت عائلتها مجتمعة أمام التلفاز ، حامد وزوجته وابنه وهالة و والدهم ، جلست على الأريكة بجانب الهنوف بعد أن القت عليهم السلام ، نظر اليها والدها بعتاب : والله اشتقنا لك يا ليلى ... ما نشوفك أبد ولا كأنك ساكنة معنا في نفس البيت

ليلى بإحراج : اعذرني يُبه بس لأني مشغولة أقضي أثاث وأغراض للشقة وأنا ذوقي صعب وأحتار كثير في الاختيار ...ما باقي شي على الزواج ولسا الشقة ما خلصت

ابو حامد بابتسامة : الله يوفقكم ويسعدكم يا بنتي

كانت هالة تستلقي برأسها على كتف حامد تنظر الى التلفاز و تتثاءب بنعاس ، اعتدلت في جلستها بعد أن سمعت كلام حامد : ليلى قولي حق يوسف يسأل لنا عن واحد اسمه سلطان خالد الرامي .. يمكن له معرفة فيه من بعيد او قريب او يعرف أحد من طرفه

ليلى وهي ترمق هالة التي احمَّرت وجنتيها : ان شاء الله يا اخوي باقول له

منذ عدة أيَّام وأصبح موضوع الشاب الذي تقدم لخطبة هالة حديث الساعة في هذا المنزل ، اذ انَّه من عائلة معروفة ومحترمة ولكن يلزمهم السؤال عن اخلاق الشاب نفسه للنظر في طلبه لخطبة ابنتهم بشكل جاد .ـ

قامت هالة من مكانها وهي تقول : يلا تصبحون على خير نعسانة بموت من النعس

الهنوف بضحكة : نعسانة والا مستحية ؟؟؟

ليلى وهي تهمس للهنوف : لا تحرجيها تراها مررة مستحية من هالموضوع ما ارضى عليها

ضحكت الهنوف ، تجاهلتها هالة وتقدمت تُقبل رأس والدها : تصبح على خير يبه

ابو حامد : وانتِ من أهله انتبهي لدروسك الاختبارات قربت

هالة : اكيد يبه ولا يهمك



اختفت هالة عن الأنظار بعد أن ارتقت السلالم قاصدة غرفتها ، وكانت ليلى تلاحقها بنظراتها بقلق ، هي متيقنة بأن هناك سر تُخفيه اختها عنها ، سر تُخفيه منذ فترة ولكنَّها لا تريد البوح به ، قامت من مكانها : بروح أشوف هالة وبرجع



فتحت الباب الغرفة بهدوء ، اقتربت من هالة التي ترتب سريرها وتستعد للنوم : وش رايك في موضوع الخطبة

التفتت لها هالة وقالت ببرود : ما ادري انتظر اهلك يسألون عنه زين بعدين بقرر

ليلى : تغير كلامك عن قبل .. قبل كنتي تقولين ان مستحيل تتزوجين قبل ما تخلصين دراستك في الجامعة

هالة : كبرت ونضجت وتغير تفكيري ... ما بظل طول عمري المراهقة الغبية اللي تشكون فيها وتراقبونها في كل صغيرة وكبيرة

ليلى باستغراب : احنا نشك فيك ونراقبك ؟

هالة وهي تجلس على السرير : ايوا انتم ... تفكريني نسيت لما قلتي لنور انك شاكة فيني وهي جت تستجوبني مثل المحققين وكأني عاملة شي غلط

ليلى وهي تجلس بجانبها : هذا لأني خايفة عليك وانا من زمان اقول لك انِّي متأكدة مليون بالمية انك تخبين شي

هالة وقد رفعت صوتها : انتِ وبعدين معك ؟؟؟ خلاص طلعت روحي وأنا اقولك ما اخبي شي و والله العظيم انِّ مو قاعدة اسوي شي غلط

ليلى : حلفتي انك ما تسوين شي غلط بس ما حلفتي انك ما تخبين شي

هالة وهي تدفعها : واللي يعافيك انقلعي عن وجهي و اتركيني في حالي ... طفشت من اسلوبك الخايس معي

ليلى بصرامة : هذا جزاتي عشاني خايفة عليك ياللي ماتستحين على وجهك ... نامي نامي فكينا من ذا الوجه

هالة بعصبية : اطلعي برا واطفي النور .... غبية

أمسكت ليلى اللحاف وغطت به وجه هالة بغضب : مررة صاير لسانك وسخ هاليومين ... نامي يمكن تتعدل اخلاقك وما غبية غيرك



خرجت من الغرفة لِتُقابل الهنوف في وجهها وهي ترمقها بنظرات متفحصة وعلى فمها ابتسامة خبيثة ، ليلى باستغراب : وش فيك تطالعيني كذا ؟؟ خير ان شاء الله

مدت الهنوف يدها الى شعر ليلى وأبعدته عن رقبتها لتنكشف تلك البقع الحمراء المائلة للبنفسحية ، شهقت ليلى وهي تبتعد عنها : الهنوووف !!!!ـ

الهنوف بضحكة : ما توقعتك بتكوني خفيفة معه ..ههههههههههه

أنزلت ليلى رأسها باحراج وانعقد لسانها ، الهنوف وهي تكمل : لوين وصلت علاقتكم ؟ اكيد دخل عليك صح ؟

رفعت ليلى رأسها بغضب واضح : وش هالوقاحة اللي فيك ؟ مو شغلك وما يخصك ومو من حقك تسأليني هالسؤال حتى

ابتعدت عنها وهي تشعر بالغضب والاهانة من طريقتها الوقحة ، هذا غير العصبية التي تشعر بها بسبب شجارها مع هالة وأيضاً تعبها المفاجئ الذي كان مُصاحباً لها طيلة اليوم ، توقفت للحظات وهي تشعر بدُوار شديد يجتاحها ، لم تستطع الوقوف فانحنت على رُكبتيها وضعت يدها على بطنها بألم ثم استفرغت ما في معدتها




*



في اليوم التالي كانت تجلس مع يوسف في السيَّارة بعد أن أخذها من الجامعة ، كان يتحدث معها وهي لا تسمعه ، تميل برأسها على النفاذة بتعب وإرهاق قالت بصوت ضعيف : يوسف واللي يعافيك وصلني البيت مالي خلق اروح مكان ولا لي خلق اروح معك الشقة ... واصلاً المفروض هالفترة انقطع عنك عشان ما باقي شي على الزواج

أجابها وهو مشغول ينظر الى الشارع المزدحم أمامه : ولييه تنقطعين عني ؟

ليلى : عشان تشتاق لي .. باقي بس شهر

يوسف : وش هالكلام الفاضي ... ماله داعي هالحركات

ليلى : لا له داعي ..ومن اليوم و رايح انسى اروح معك الشقة الى ما يجي يوم الزواج ...اصلا امك لما تشوفني نازلة معك من الشقة تخزني بنظراتها وكأنها حاسة باللي بينا

يوسف : وتحس ويعني ؟ واحد وزوجته وش فيها ؟

أشاحت بوجهها عنه والتزمت الصمت لأنها تعلم أنَّ النقاش معه ضائع ولا فائدة منه ، قالت وقد تذكرت موضوع خطبة هالة : يوسف تعرف واحد اسمه سلطان الرامي ؟

قال بعد تفكير : لا بس أعرف كم واحد من نفس العائلة ...ليه تسألين ومين هذا ؟

أجابته : هذا واحد متقدم لأختي .. ونبي نسأل عنه ونعرف أخلاقه

لحظة صمت اجتاحته ، لحظة لم يحسب لها حساباً من قبل ، لحظة قلبت الموازيـن ، لحظة فضحت حقيقته أمام نفسه ، فضحت حقيقة أكاذيبه الي اعتاد أن يكررها في عقله

زمَّ شفتيه ثم قال يتأكد من ما قد سمعه : هالة ؟؟

ليلى : ايه هالة فيه غيرها

ارتجفت يداه من على المقود وهو ينظر الى الطريق بشرود ، وجمدت ملامح وجهه يُحاول أن يُفسر هذه المشاعر المقهورة التي بدأت تتسلل اليه ، لقد اعتقد انَّه نساها واعتقد أن هوسه بها قد انتهى وانَّه غلب أحاسيسه وعواطفه وانتصر على قلبه ولكن لمَ القهر ؟ لمَ الاضطراب والضيق ؟ لمَ انصدم لهذه الدرجة ؟

قطع شروده صوت زمامير السيَّارات تنبؤه عن أن الاشارة أصبحت خضراء ، انطلق بسرعة جنونية وكان سيصطدم بالسيَّارة التي أمامه لولا أن صرخت ليلى فتدارك نفسه وتوقف بشكل مفاجئ، فتح النافذة التي على يساره وصرخ : العن شكلك انت ليه واقف بهالطريقة يا الخبل

نظرت اليه ليلى بذهول ، ما به ؟ ما الذي زعزع سكونه ؟ وغيَّر صوته الهادئ الذي لم تسمعه مرتفعاً من قبل : وش فيك ؟ سكر النافذة لا تسبب لنا مشكلة من شي ما يسوى ..وبعدين انت الغلطان انت اللي كنت مسرع

أخرسها بنبرته القاطعة : انتِ اسكتي ولا تتدخلي

لُحسن الحظ أن ذلك الرجل صاحب السيارة التي أمامه لم يسمعه ومشى في طريقه ، أكمل طريقه وهو يُحاول أن يسيطر على نفسه ويكون طبيعياً ، التزم الصمت طوال الطريق ، امَّا ليلى فتجاهلت وضعه الغريب بسبب الألم الذي تشعر به يُمزقها من الداخل ويجعلها مُشوشَّة متعبة وتتلوى من الألم ، قالت وهي تضع كفها على كف يوسف : تعبانة مب قادرة ... صار لي كم يوم على هالوضع واحس مو قادرة أتحمل أكثر ...يوسف أخاف أكون حامل.ـ

لم يكن يسمعها أو يشعر بها ، لم يكن يستطيع بسبب استماعه لضجيج عقله وفوضى مشاعره المضطربة ، أوقف سيَارته أمام منزلها وقال بنبرة جافة : انـزلـي

نظرت اليه وقد دمعت عينيها ،هي فتاة حسَّاسة وفوق هذا مُتعبة ومنهكة وتشتكي له ضعفها وتخبره عن خوفها بأنها قد تكون حامل وهو لا يكترث ولا كأنه يسمعها ويجيبها بصوت جاف لم يُعودها هو عليه ، هذا كثـير جداً عليها ، أعاد كلامه عليها بدون أن يلتفت لها : انزلي بسرعة ..عندي شغل ضروري تذكرته

استدارت بصمت ونزلت مكسورة الخاطر وصفقت الباب بكل ما لديها من قوة .ـ




*

هي من البداية لم تكن له ، لم تكن له لتذهب لغيره ، ألم يذهب هو في طريقه وتركها لتذهب هي أيضاً في طريقها ؟ كلمة واحدة تصف حاله الآن وهي " تائه " لا ليس تائهاً فحسب بل عديم احساس أيضاً ، أليس غريباً أن يكون متعذباً بعواطفه المنجرفة لها متعذباً بأحاسيس اعتقد أنها احترقت ولكنها لازالت تتوغل في قلبه بكل اصرار ، اليس غريباً ان يكون صاحب احساس قوي مع انثى لا تهتم به وعديم احساس مع أخرى تُحبه بكل ما فيها ؟ لقد اعتقد أنه مضى ولكنه في هذه اللحظة تيقن من أنه لم يمضي ولم يقوى ولم ينتظر ، بل أنَّ كل ما فعله قد زاد حنينه الى ذكرياته القديمة .ـ

أخذ يُفكر في حقيقة نفسه ، هل هو مريض بها ؟ أم مسحور ؟ حتى بعد أن تعمق بعلاقته مع ليلى لم ينسى تلك الاحاسيس القديمة ، هل كانت علاقته مع ليلى مجرد انجذاب لجمالها ورقتها فقط ؟ هل كان يُزيف مشاعره معها طوال تلك المدة ويكذب عليها وعلى نفسه ؟ هل كان ذلك مجرد كذب ومُكابرة ؟ لماذا هو قاسي وعديم احساس لهذه الدرجة ؟ لما لا يُمكنه أن يبادلها نفس الأحاسيس ؟ لمَ ليس له القدرة في التحكم بأحاسيسه ومشاعره ؟ لمَ هو ضعيف ومستسلم لقلبه لهذه الدرجة ؟

أغمض عينيه ورجع برأسه الى الوراء وهو يحاول أن يفك التعقيدات في عقله ، ليلى تشعر به وهو لا يشعر بها لأن قلبه ملك لتلك الفتاة السمراء التي لا تعلم به ،

الى متى وهو تحت تأثير سحرها ؟، نعم سحرها ،
فـ هالة مثل السحر الذي استحوذ عليه وسلبته عقله وتفكيره وكل حواسه ، نعم انها مثل السحر ، هي ليست قرار بل سحر ،هي سحر تملكه وتملك كل ما فيه ولكن أليس من الانصاف أن تكون هي أيضاً ملكه مثل ما تملكته هي بسحرها ؟

​





لم تذهب للجامعة منذ ثلاثة أيَّام ولم تلتقي به هو أيضاً منذ ثلاثة أيَّام ، تبكي جفاءه لها ، تبكي من الألم الذي يسلب منها قوتها ، لم تتصل له منذ ذلك اليوم وهو اتصل مرة واحدة فقط يُخبرها بأنه مشغول هذه الأيام وأنَّها كانت على حق عندما أخبرته أنَّ عليهم أن ينقطعوا عن بعضهم في هذه الفترة ، وهي كابرت ولم تُخبره بأنها لازالت متعبة متألمة عليلة وادعَّت أنها بخير وهو لم يهتم من الأساس عن صحتها فلمَ تُخبره وتجرح نفسها أكثر ؟

نظرت الى ساعة جوالها التي تُشير عن الساعة التاسعة مساءً ، سينتهي هذا اليوم وسيبدأ يوم آخر وهي على هذه الحالة المُزرية ، استدارت تنظر الى الهنوف التي دخلت وهي تتبسم ، جلست على طرف السرير بجانب ليلى وقالت لها : وينه يوسف عنك ؟ غريبة صار لك يوم ما تلتقين فيه لا يكون متهاوشين ؟

أدارت ليلى رأسها عنها ، وقالت بصوت ثابت تُحاول أن يخفي اضطرابها : مو متهاوشين وما فينا شي

الهنوف بابتسامة شامتة : حرام عليه تاركك تعبانة ومريضة وهو ولا حتى جا يطمن عليك ويسأل عنك .،.. أكملت بحدة : ايه طبعاً مو هو أخذ اللي يبيه أكيد مل منك

" مو هو أخذ اللي يبيه "

بدأت جُملتها تلك تتكرر في غياهب عقلها وتتكرر ، هل فعلاً هو كذلك ؟ هل كلامها حقاً هو تفسير تصرفاته الأخيرة معها ؟ هل هذه هي الحقيقة ؟ هل سيتركني الآن بعد أن أخذ مني كل شيء ؟

رفعت رأسها ونظرت اليها بعينين تلتمعان بقهر : اطلعي برا ...قومي اطلعي برا

قامت الهنوف من مكانها وهي ترمقها بنظرات شامتة وخرجت وتركت ليلى تبكي وتنتحب بقهر

بقت تبكي الى ما يُقارب ساعة ثم دخلت هالة الغرفة بهدوء ، استدارت ليلى الى الجهة الأخرى وهي تمسح دموعها وتخفي حزنها ، نظرت اليها هالة بقلق : ليول بعدك تعبانة ؟

استدارت لها بهدوء وهي ترسم ابتسامة مزيفة على وجهها : لا صرت أحسن

اقتربت هالة منها وهي تنظر اليها بقلق : عيونك حمرا ليه انتي كنتي تبكين ؟؟

ليلى : لا ما كنت أبكي بس لأن مرشحة وعيوني تدمع

هالة : طيب قومي خل اقول لأبوي والا حامد يودوك المستشفى

ليلى : ماله داعي ما فيني شي كلها شوية زكام مع سخونة بخف مع الوقت

هالة : طيب والجامعة ؟ من وين بتجيبين أعذار حق غيابك المتكرر ؟

ليلى وهي تستلقي على السرير مجدداً : كلمت نور وقلت لها تكلم منصور يدبر لي أعذار طبية

استلقت هالة بجانبها على السرير وهي تضحك : والله هذا منصور خوش واحد ... نغيب وهو يزور لنا اعذار وعلى كثر مانسوي هالحركة ما يقول لا

ليلى بشرود : بعدك مُصرة على رايك ؟ وموافقة على سلطان ؟

هالة وعينيها بدأتان تسرحان في الفراغ ، هذا القرار سببه أنتِ يا اختي ، لأنني لا أقوى على أذيتك ، لا أقوى على شعور الخيانة اتجاهك : ايه مبدئياً موافقة ... كل الكلام اللي وصل لنا عنه خيـر وما في سبب يخليني أرفضه

ليلى : مع هذا لا تستعجلي في قرارك

صمتتا للحظات ، وكل واحدة فيهما غارقة في همها ، الهم الذي يجمعهما دون أن تعلمان ، يوسف هو ما يجمعها في الأًصل ، هو أصل الهموم التي تؤرقهما ليلاً عن النوم ، قالت هالة بشرود : اشتقت لأيامنا قبل .. أيامنا قبل لا تموت أمي وقبل لا تنخطبين .. كانت أيام حلوة توني أحس بطعمها وقيمتها ...تصدقين انِّ احياناً احس انِّي أكره يوسف لأنه أخذك مني ؟

اتسعَت عينيها بذهول وخوف وهي ترى ليلى تقوم من السرير بسرعة لتُقابل سلَّة المهملات وتستفرغ ما في معدتها ويدها تعتصر بطنها بألم وتصدر منها آهات متقطعة .ـ

تبعتها هالة وهي تهتف بخوف : هذا كله من أكل المطاعم ... من توفت امي وانتِ ما تاكلين الا من المطاعم وشكله جاك تسمم يا الخبلة ...باروح أقول لأبوي يوديك المستشفى

رفعت ليلى رأسها وهي تقول برجاء : لا تقولين له ... مافيني شي صدقيني

هالة : باقول له .. شوفي شكلك مررة واضح انك تعبانة

وقفت ليلى على رجليها وأمسكت يد هالة وهي تقول بصوت باكي : قلت لك مافيني شي ليه ما تفهمين ؟

نظرت اليها هالة باستغراب مقرون بخوف ، ابتعدت عنها ليلى وألقت جسدها على السرير وانهمرت ببكاء مرير مُدوي ، جلست هالة بجانبها وهي تكاد تبكي لسماع صوت أنين اختها : كيف تبكين وتقولين ما فيك شي ؟؟ ليلى لا تخوفيني عليك

ليلى بكلمات متقطعة وسط بكائها : انـا غبية و خفيفة ...مثل ما قالت الهنوف خفيفة و هبلة ..انتِ اذا انخطبتي لا تصيري مثلي .. لا تطولي فترة الخطوبة عشان لا يضحك عليك

هزَّت هالة رأسها تُجاري اختها وهي لم تفهم شيئاً من كلامها : طيب بس قولي لي وش فيك ؟

لم تجبها ليلى واستمَرت في بكائها تذرف الدموع وهي تُفكر فيه ، كيف تركها وهي في أمسَّ الحاجة اليه بدون حتى أن يسأل عنها أو يطمأن عليها .ـ

اقتربت منها هالة وهي تسمح على شعرها بحنان : طيب لا تقولي لي وش فيك بس اهدي وصدقيني كل شي وله حل ... لا تضيقي خلقك والله مافي شي في الدنيا يستاهل دموعك ..اهدي ونامي وارتاحي وتوكلي على ربك وهو يحلها



*




بعد يومين




تجلس بجانب أخيها في سيَّارته بعد أن انتهى يومها الدراسي ، قال لها بعد أن أوقف السيَّارة أمام المنزل : أكيـد احنا بنسأل عنه أكثر ..مستحيل نعطيك اياه بدون ما نعرف أطباعه وندرس شخصيته.ـ

أومأت برأسها بالإيجاب تشعر بالخجل الشديد عندما يُذكر هذا الموضوع أمامها ، ختم حامد حديثه وهو يقول : يلا الحين انزلي البيت وروحي نادي على الهنوف وقولي لها تجيب معها محمود عشان عنده موعد لأسنانه ... ولا تتعبين حالك وتحوسين في المطبخ بنجيب معنا غذا من المطعم

قالت بانصياع : ان شاء الله



دخلت الى المنزل وتقابلت مع الهنوف عند الباب وهي تمسك بيد محمود ، الهنوف بهمس : روحي شوفي اختك صار لها ساعة حابسة روحها في الحمام وما ادري وش فيها

سمعت كلماتها تلك واندفعت الى الداخل بخوف ، كان البيت خالياً الا من ليلى فوالدهم في عمله و خرج حامد مع عائلته للتو .ـ



صعدت الى الأعلى بعد أن رمت بعبائتها الواسعة على الأريكة ، اقتربت من باب الحمَّام وهي تطرقه بقوة : ليلى .. ليلى ردي علي

جاءها صوت ليلى المخنوق : روحي خذي جوَّالي واتصلي ليوسف .. هالة أحس انِّي بموت

هالة بصراخ : افتحي الباب ..افتحيه بسرعة خليني اشوف وش فيك

فُتح قفل الباب بعد لحظات إذ ان ليلى كان من الواضح انَّها تقاوم لتتحرك وتفتحه ،اتسَّعت عيني هالة على مصرعيها وبهتت ملامحها في فزع وهي ترى ليلى تجلس على ركبتيها في الأرض وسروالها مُبلل بالدماء الغزيرة والأرض ملوثة ببعض البقع الحمراء ، ليلى بهمس وهي تتمالك قواها : هالة أنـا حامل وشكله طـاح أو يمكن بطيح ..روحي خذي جوالي واتصلي ليوسف .ـ

استحوذت صدمتها عليها وانطلقت تركض الى الغرفة تبحث عن جوال ليلى ، التقطته وكان مُلقى على السرير ، امسكت به وهي تبحث عن رقم يوسف فيه ، وضعته على أذنها وهي تنتظر رده .ـ



كان مُستلقياً على سريره ، واليوم هو يوم إجازته الاسبوعية ، سمع صوت رنين جواله للمرة الثانية فقد تجاهل المكالمة الأولى لأنها كانت من ليلى وهو ليس له مزاج أبداً للكذب ، رفع جوَّاله وكانت المكالمة أيضاّ من ليلى ، فكَّر بأنه قد يكون أمراً ضرورياَ يدفعها للاتصال به عدة مرات على التوالي فردَّ عليها بملل : نعم ليلى

لم يكن ما سمعه صوت ليلى بل كان صوت الحب ، الصوت الذي يجعل قلبه ينبض وينبض بسرعة " صوت أبو بحَّة " الذي يجعله ينسى نفسه ، ولكن لذة سماع صوتها سُرعان ما اختفت وهو يسمع منها كلماتها من صوتها الخائف : يوسف تعال البيت بسرعة ...ليلى تعبانة و بتموت



أغلقت منه بعد أن أخبرها أنَّه في طريقه اليهم ، ارتدت عبائتها وحجابها وغطت وجهها بالنقاب وركضت الى ليلى وهي تحمل في يديها عباءة أخرى ، انحنت لها وهي تمسك بيدها تحاول مساعدتها في ارتداء العباءة : كلمت يوسف الحين جاي في الطريق .. يلا حبيبتي البسي عبايتك عشان اذا جا علطول نروح المستشفى

كانت ليلى ملقاة على الأرض تحاول رفع جسدها بصُعوبة ، تشعر بدوار شديد وألم قاتل أسفلها ، لبست أكمام عبائتها بمساعدة هالة ثم نظرت اليها بشرود وغابت عن الوعي .ـ

هالة بصراخ وهي ترفع وجه اختها عن الأرض : لا ليـلى لا تموتي لا

تركتها بعد أن سمعت صوت جرس الباب ، وانطلقت تركض باتجاهه وهي مفزوعة ودموعها تنهمر بغزارة ، فتحته وما ان رأت يوسف يقف أمامها حتى بدأت بالهذيان بصوت مرتفع خائف : ليلى ماتت ... طاحت على الأرض وتنزف دم اقولك تنزف دم كثير و شكلها ماتت ما تكلمني ماتت

كان خائفاً ومظهر هالة المفزوع وكلامها الهستيري زاده رعباً ، هل يُعقل أن تكون حقَّاً ماتت ؟ ، جفلت ملامحه وقال بصوت مهزوز : وينها ؟؟ هي وش فيها ليه تنزف ؟

هالة وهي لا زالت تتحدث بهستيرية : هي تقول انها حامـل ونزفت كثير وماتت ، اكملت وهي تبكي : ليلى ماتت اختي ماتت

صرخ في وجهها بقوة : اقولك وينها ؟؟؟

انتفضت لصوت صراخه ، وكأن صرخته أعادتها لوعيها : فوق في الحمام

ارتقى الدرج مُسرعاً وتتبعه هالة وقد عادت لهذيانها وتكرر من قول " ماتت " ، " دم كثير " و " حامـل ".ـ

وصل اليها ورآها وهي مرمية على أرضية الحمَّام ، وتغطي الدماء ملابسها السفلية ـ تلخبطت تعابير وجهه وغاصت في عدم تصديق لما يراه ، ويدور شيء واحد في عقله هل يُعقل حقَّا أن تكون ماتت ؟؟

اقترب منها ونزل الى مستواها وهو يهمس بخوف : ليلى

وضع يدهُ خلف رقبتها وامتدت يده الأخرى الى ما خلف ركبتيها ورفعها بين ذراعيه .ـ



*




مرَّت ثلاث ساعات وهو يقف في ممر المستشفى ، وتجلس على مسافة قريبة منه هالة وهي تبكي وتدعو الله بهمس ، مرَّت ثلاث ساعات منذ أخبره الطبيب أنَّها كانت حامل واجهضت وهي الآن في غُرفة العمليَّات اذ أنَّ حملها لم يكن طبيعياً بل كان عنقودياً أي خارج الرحم ، يُغمض عينيه بضيق ومظهرها وهي ملقاة على الأرض لا يكاد يُفارق عقله ، يشعر بالذنب وتأنيب الضمير ولا جديد ، فهذا الشعور كان ملازماً له منذ أن عقد قرانه بها بدأ يقل تدريجاً مع الأيام ولكنه رجع الآن وبقوة وأكثر من السابق ، يلوم نفسه ويؤنبها ، منذ متى وهو عديم احساس لهذه الدرجة ؟ هو لا يكاد يتعرف على نفسه ، كيف له أن يتجاهلها وهو يعلم انَّها كانت متعبة في الفترة الأخيرة ، وكانت الحقيقة المرة أنَّها حامل بطفله وأجهضته ، يشعر بأن هذا الطفل مات بسببه هو وبسبب إهماله ، شعور مؤلم وقاسي يفرض سيطرته عليه ، بدأ يدعو الله في عقله بأن لا يحدث لـ ليلى ما هو أشد ، ان حدث لها مكروه لن يُسامح نفسه أبداً ، تساءل في نفسه لماذا أخفت عنه حملها ولم تخبره ولكن الجواب أتاه سريعاً من عقله ، طبعاً لم تخبره لأنه كان جافياً معها وكان يتجاهلها بكل جحود ، حقاً منذ متى وهو عديم الاحساس والشفقة وقاسي لهذا الحد ؟

فتح عينيه على صوت الطبيب الذي يطمئنه : زوجتك بخير والعملية نجحت .. تقدر تشوفها في قسم التنويم

تنفس الصعداء وحمد ربه بكل صدق ، اتجه لهـالة المنهارة على الكرسي وقال بهدوء : ليلى بخير .. خلاص اهدي ولا تخلينها تشوفك وانتِ بهالحالة



*




في احدى ممرات المشفى ذاته ، كان يقف بمعطفه الأبيض وهو يُحدث زميله الطبيب ومنشغل في بعض الملفَّات في يديه ، جاء طبيب آخر ليقف بجانبهم ويُشاركهم الحديث .ـ

منصور وهو يُحدث دكتور جهاد الذي يقف أمامه : وينك انت ؟ أنا من ساعتين أنتظرك عشان استشارة

دكتور جهاد : كنت في عملية مستعجله .. والمريضة اسمها ليلى الجاسر تصير لك ؟

قطب جبينه بضيق ونظر اليه باستغراب : ايه أعرفها اذا ما كان تشابه أسماء .. وش فيها ؟؟ عملية ايش ؟؟

دكتور جهاد : حالة اجهاض .. والحمل خارج الرحم .. و استئصلنا القناة

هزَّ رأسه بتفهم وهو يفكر هل هي نفسها ليلى اخت زوجته أم غيرها ، تيقن من شكوكه وهو يرى يوسف يقف نهاية الممر ، اذاً هي ليلى التي يعرفها ، مشى باتجاهه وهو يقصده



التفت يوسف الى صوت منصور الذي يناديه : يوسف ..سلامات كيفها ليلى ؟

مد يده الى يد منصور الممدودة اتجاهه وقال بارتباك : اهلاً منصور الله يسلمك .. ليلى الحمد لله صارت أحسن ..كان تسمم غذائي وسوولها غسيل معدة والحين صارت احسن الحمد لله

نظر اليه منصور بجمود وتجاهل كذبته التي يعلم حقيقتها ولم يعلق عليها ، لا يريد أن يدخل نفسه في ما لا يعنيه ، قال بعدم اهتمام : آخر السوء

ابتسم له يوسف و قال : يلا عن اذنك بروح أشوف ليلى يمكن صحت الحين

ابتعد عنه بلباقة ودخل الى غرفة ليلى ، ومنصور يرمقه بنظرات غريبة ، منذ البداية و لأسباب غير واضحة لا يشعر بالراحة اتجاه يوسف ، ببساطة لأنه لا يشعر بالراحة في وجوده ، شعور غريب لا سبب واضح له ، ولأن منصور دائماً ما يعطي حدسه الحق في الحكم على الناس .ـ




*




دخل الى غرفتها وجلس بجانبها على السرير الأبيض ، يتأمل وجهها الشاحب بضيق ويلوم نفسه ، كل هذا حدث بسببه وبسبب انعدام الشعور اتجاهها ، منذ عرفها وهو لا يجلب لها الا الحزن والضيق الى أن انهارت ونزفت دماً بسببه ، يحتقر نفسه ويحتقر أفعاله الجافية القاسية في حقها ، لم تكن تستحق منه الا كل خير ، ولكنه منذ عرفها لم يسبب لها سوى الألم ، وشعوره بالذنب والشفقة نحوها يزداد شيئاً فشيئاً حتى يكاد يخنقه .ـ



نظر اليها وهي تستفيق وتفتح عينيها ببطء ، وضع كفه على وجهها وقال بهدوء يتخلله الخوف : ليلى ..حبيبتي

بدأت تستعيد وعيها ، نظرت اليه ببهوت وقالت بصوت متقطع متعب : وش صار ؟ وش فيني ؟

قبَل جبينها بهدوء وقال مُحاولاً طمأنتها : ما فيك الا الخير ..والحمد الله على سلامتك ...بس الجنين راح ..الله يعوضنا في غيره ان شاء الله ..بس أهم شي سلامتك لا تتضايقي .ـ

لاحظ الدمعة المتسللة من عينها ، مسحها بإبهامه وانحنى يعانق وجنتها وقال بصوت منكسر : أنـا آسف ليلى .. اتمنى تسامحيني ..كنت حقير معك وأناني وما أفكر الا في نفسي ..والله أنا آسف وسامحيني على تقصيري في حقك .ـ

ربتت بيدها على رقبته بهدوء ، وقد لمست في عينيه ونبرته المنكسرة خوفه عليها ، لا تقوى على رؤيته منكسراً بهذه الطريقة حتى لو كان ذلك لأجلها : خلاص يوسف

رفع رأسه عنها ونظر اليها ، كانت تبتسم له بود ، كانت ابتسامة متعبة خفيفة ولكنها تشرح الكثير ، ما أجملها وما أجمل صفاء ابتسامتها ونقاء روحها الطيبة ، أخذ يفكر بها ، هي حقَّاً جميلة بكل تفاصيلها ، و ما اجمل طيبتها وبساطة روحها ، تسامحه وترضى بسرعة كعادتها ، ومهما كان حجم الألم تبقى تُسامحه ، وكأنها بروعتها القمر ، هي القمر وهو كان منشغلاً عنها بنجمة ، أدرك الآن أنه كان مُنشغلاً بنجمة بينما كان يملك القمر ، امسك بيدها وقبَّلها بلين : الحمد لله اللي قومك لي بالسلامة ..الحمد لله على كل شي .ـ

انتبه لوجود هالة قرب الباب تراقبهم بصمت ، أدرك أنَها تريد أن تقترب من اختها ولكنها لا تستطيع بسبب وجوده ، انسحب من مكانه بهدوء ليترك مجالاً لهالة كي تقترب .ـ

وقف قُرب الباب يراقب هالة وهي تعانق ليلى ببكاء ، احتضنتها ليلى وهي تسمح على رأسها : يكفي بكا خلاص والله أنا بخير وعافية وصرت أحسن

هالة بوسط بكائها : لمَّا شفت الدم خفت ..خفت تروحين مني ..خفت تموتي وأخسرك

ليلى وهي تقول بصوت متعب : هذا وانتِ تبغين تصيرين طبيبة بعد .. ومن شفتي الدم انقلب حالك

هالة وهي تعانقها أكثر : وش أسوي خفت عليك والله حسيت نفسي بتطلع وأنا اشوفك طايحة على الأرض مثل الأموات

قاطعهم يوسف بهدوء : خلاص يا هالة ..يكفي لا تقولين لها هالكلام اللي يخوف ...صل على النبي واحمدي ربك انها جت سليمة

صمتت هالة بإحراج ، فقالت ليلى بضحكة : ماعليك منها عادي متعودة أنـا على جنونها وخوفها الزايد ههههه

أعادت ليلى احتضانها وهي تُردف : حبيبتي أدري انك كنتي خايفة ..بس خلاص انتهى وعدى الموضوع

هزَّت هالة رأسها بهدوء ، وهي تشعر بالخجل يعتريها ، قال ليلى بجدية : هالة ما ابي أحد يدري انِّي كنت حامل وسقطت ..بنحرج كثير وش بقولون عني حامل قبل العرس ..وخصوصاً الهنوف اذا عرفت اكيد بتنشر الخبر تعرفينها ما تسكت

هالة : لا تخافي ما باقول لأحد ..حتى لما كلمت اهلي من شوي قلت لهم انك بس تعبانة وما شرحت لهم السبب .. وبعدين ابوي كلم يوسف بس ما ادري يوسف وش قال له

التفتت ليلى ليوسف ولكنه كان قد اختفى من الغرفة .ـ




وقف مسنداً ظهره على الجدار ، وقد عادت هواجسه القديمة الى عقله ، يفكر وكأنه عاد الى ضلاله القديم ، هو يملك القمر فلماذا يُفكر بنجمة ؟ هل سيفرط بالقمر لأجل نجمة تلمع من بعيد ؟

نظر الى حامد و والده الذين يقفان أمامه ، ابو حامد بخوف : شخبارها الحين ؟؟ كيفها ليلى ؟

يوسف وهو يمسك يد عمه محاولاً طمأنته : لا تخاف يا عمي .. سوولها غسيل معدة وصارت أحسن الحمدلله

اندفع أبو حامد الى الغرفة ليطمأن عليها بينما قال حامد بعتاب : أنا بس أبغى أعرف من وين جاها التسمم الغذائي ؟ كله منك لأنها ما تاكل الا معك .. وش اسمه المطعم المعفن اللي مأكلها منه ؟

يوسف بهدوء : أعصابك يا حامد ... والأكل اللي تاكله اختك أنا آكله وما اشوف جاني شي ..شكلها مخربطة في الجامعة او يمكن معكم

حامد : لا هذا كله منك مافيه غيرك ...أعرفك زين تاكل من أي مكان بدون ما تسأل ..وما جاك شي لأن بطنك خربان خلقة وصار عندك مناعة وما يأثر فيك شي

ابتسم له يوسف بهدوء ، ثم تركه حامد ليدخل الى الغرفة ، فكرَّ يوسف قليلاً فيما كان ينوي فعله وقال منادياً : حامــد لحظة شوي

التفت له حامد : وش فيه ؟

يوسف : أنـا سألت عن هذا سلطان اللي متقدم لأختك .. والكل يمدحه و سمعت أنه رجال والنعم فيه .ـ

قال جُملته تلك والتفت ينظر الى الفراغ حوله ، هل حقاً سيضحي بالقمر لأجل نجمة ؟




انتهى

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...