الفصل 9 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل التاسع 9 - بقلم Misoo

المشاهدات
17
كلمة
14,479
وقت القراءة
73 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18



*

مرَت سبعة أشهر على وفاة أم حامد ، وتستمر الحياة رغم كل شيء ، ويبقى الحزن دفين القلوب المتألمة ، كانت ليلى تبدو فاتنة بثوبها الزهري ، وشعرها البني الطويل منسدل على ظهرها ، كانت ليلى بعكس اختيها تملك بشرة بيضاء اللون ، ولكن قامتها قصيرة مثل باقي أفراد عائلتها ، اذ أن قصر القامة شأن وراثي يميز أسرتها

الليلة هي ليلة عقد قرانها من يوسف ، ولكنَ مرارة الفقد تعتري قلبها ، و ومضة حزن تتكئ على سعادتها ، لم تكن تريد حفلاً ولو بسيطاً احتراماً لذكرى والدتها المرحومة ، ولكنَ الجميع أصر عليها وخصوصاً أم خاطبها ، اذ أنه ابنها الوحيد وتريد أن تفرح به ، فرضت بحفل بسيط في منزل والدها .ـ

كان ابو حامد ينظر اليها ملياً ، وقد غرقت ملامحها في الحزن ، ينفطر قلبه وهو يرى بناته تائهات بلا أم ، ماذا تريد الفتاة في حفلة خطبتها سوى أن تكون أمها بجانبها ؟
اقترب منها ، علَه يداري وجعها ، ويسد ولو قليلاً من ذلك الفراغ التي تركته والدتها ، " الله يبارك لك ويسعدكم يا ليلى ..يا ليت أمك كانت معانا وتشاركني السعادة اللا أنا فيها "ـ

استدارت له ، وعينيها على وشك البكاء ، ارادت أن تنطق ولكنه منعها : لا يا ليلى .. ما ارضى أشوف دموعك .

قامت من مكانها لتستقر في أحضانه ، وكلماته الحنونة تهدأ من أوجاعها .ـ
كانت قريبة منهم ، تتأمل والدها وهو يحتضن ليلى ، لم يكن همها يختلف عن اختها ، نظر اليها والدها وهو يفتح ذراعه ويبتسم : هالة ..تعالي
اقتربت منه ، ليحتضنها هي الأخرى ، ويقبل جبينها ، كان يحاول أن يخفف عنهما الحزن بضمهما الى أحضانه .

قال وهو يمسح دموع ليلى : يكفي يا حبيبة أبوك .. والله ما يهون علي أشوف دموعك

ابتسمت له : ان شاء الله يبه
أكمل كلامه بنبرة الحنان ذاتها : بعد شوي بجي الشيخ .. خليك جاهزة

خرج من الغرفة ليتقابل مع نور وهي تحمل طفلتها الملفوفة بوشاح قطني ، ابتسم لها وأخذ يداعب وجنتي سارا النائمة بين ذراعيها : يا حبيبة جدها ... كل ما كبرت صارت تشبهك أكثر نسختك وانتِ صغيرة ... وأحسن شي انها ما اخذت من ملامح أبوها شي

ضحكت نور لتعليقه ، وأردف هو قائلاً : ما اوصيك على خواتك .. ليلى واضح انها متضايقة وتفتقد امها ..وهالة بدل ما تخفف عنها قاعدة تزيد عليها
نور : ولا يهمك يبه الحين با شوفهم .


دخلت الى الغرفة ، وكانت ليلى تنظر الى نفسها بالمرآة وهي تحدث هالة : تتوقعي أعجبه ؟
غيرت نبرة صوتها وهي تقول بثقة : أكيـد بعجبه ... أصلاً يحصل له وحدة مثلي وبجمالي
نور وهي تضحك : يا عيني عالغرور والثقة
أسرعت هالة الى نور وهي تأخذ سارا منها : يا عمري أنا فديتها حبيبة خالتها
نور : شوي شوي لا تصحيها ماصدقت نامت
أخذت هالة الطفلة ووضعتها على السرير وانشغلت بها ، ليلى وهي تشير الى ازواج الأحذية على الأرض : ألبس الكعب والا العادي ؟

هالة : ترى هو مب طويل كثير .. أقصد يوسف ..يعني يمكن تقريباً طول اخوي حامد
نظرن لها باستغراب ثم قالت نور : وانتِ وش دراك ؟
هالة بارتباك من نظراتهم : امم يعني شفته أكثر من مرة في بيت سهام
رفعت صوتها تخفي ارتباكها : نسيتوا أن ولد جيرانا وأنا طول الوقت في بيتهم عند سهام أكيد بلاحظ طوله
ليلى : يعني ما البس كعب .. البس العادي أحسن ..اخاف اصير اطول منه بالكعب
هالة : هههههه من طولك الزايد انتِ بعد ... تظلي سنفورة بالكعب واللا بدونه

*

بعد أن تم عقد القران ، كانت هالة تراقب ليلى وهي تتقبل التهاني من أهل يوسف ، أمه وأخواته الأربع ، كانت طوال تلك المدة - منذ أن عرفت بخطبة ليلى - تقنع نفسها بأن كل ماكانت تشعر به اتجاه يوسف مجرد أوهام ، وأن نظراته لها والمواقف التي شعرت أنه يتعمد فيها ملاحقتها كلها كانت من نسج خيالها ولم تكن متعمدة أبداً ، فلو كان معجباً بها لخطبها هي ولم يخطب ليلى ، الآن يجب عليها أن تكون سعيدة لخطبة أختها ولا تفكر في شيء آخر ، كانت ليلى تشير لها بأن تقترب لأخذ صورة تذكارية ، بادلتها الابتسامة واقتربت منها لتجلس بجانبها وتترك سهام تأخذ لهما صورة معاً.

ليلى وهي تهمس لهالة : أحس انِّ مرتبكة ..اعطيني جرعة تشجيع
هالة وتهمس لها : خليك طبيعية .. الحين يجي ويشوفك وينجن عليك وعلى جمالك
ليلى وهي تضحك : طيب

كانت صالة المنزل الواسعة ، يملأها صخب الأغاني ، وضجيج السيدات المدعوات ، كانت حفلة بسيطة عائلية ، تقدمت رنا شقيقة يوسف الصغرى لهالة وهي ترفع صوتها بسبب الازعاج : هالة ... فين الحمام ؟

هالة : تعالي ..من هنا

مشت معها وهما يبتعدان عن الضجيج متجهتان الى الأعلى ، هالة بابتسامة : رنا انتِ في أي صف الحين ؟
رنا : في صف الخامس
بعد أن صعدتا السلالم ، هالة وهي تشير بيدها : هذا الحمام .
رنا : أنا اشوفك احلى من ليلى ..مادري ليه امي تقول العكس
هالة وهي تبتسم بود : تبغين شي بعد ؟ عشان بنزل الى ليلى
رنا : اقولك سر بس ما تقولين لأحد ؟
هالة : قولي يا ست رنا سرك في بير

رنا وهي تنزل صوتها : اخوي يوسف كان يبغى يتزوجك انتِ بس أهلك ما وافقوا .. عشان ما يصير تتزوج الصغيرة قبل الكبيرة

اتسعت عينيها وفغرت فاهها في دهشة ، ثم قالت بحزم : عن الكذب والحكي الفاضي .. وما أبي اسمعك تقولين هالكلام مرة ثانية

رنا بانفعال : والله ما اكذب
هالة : ولا كلمة .. خلصي وانزلي تحت
ابتعدت عنها تقصد السلالم ، انها مجرد طفلة لا يجب أن تأخذ كلامها على محمل الجد ، حتى لو كان صحيحاً فماذا يفيد الآن ؟
نزلت ووقفت بجانب نور وهي مشوشة الذهن ، كانت نور تحدث أم يوسف وتسألها عن موعد قدوم ابنها : أنا كلمته قبل شوي والحين جاي في الطريق
نور : هالة روحي المطبخ وتأكدي من قالب الكيك وشوفي الخدامة الغبية أعرفها ما تعرف تتصرف لحالها ... هالة ؟؟
كانت هالة شاردة الذهن تفكر بكلام رنا : ها .. وش تقولين ؟
نور وهي تتأفف : ناقصتك أنا بعد ... خلاص لا تسوين شي أنا بروح أشوف

تفكيرها مشوش وازعاج وفوضى المكان يشتتها أكثر ، بدى كلام رنا معقولاً بالنسبة لها ، فهذا يفسر كل شيء حدث في السابق ، أرادت الابتعاد وأن تختلي بنفسها قليلاً ، قصدت المجلس الكائن في آخر المنزل ، حيث الهدوء ، تريد ترتيب أفكارها ، وتتمالك نفسها


كان يجلس بهدوء ، يرتدي ثوبه الأبيض التقليدي ، وعلى رأسه الشماغ الأحمر والعقال بشكل مرتب ، يحمل في يديه باقة ورد ملونة ، يحاول أن يكون طبيعياً ، ويرتب زحمة الأفكار والمشاعر المضطربة داخله ، يحاول أن يقنع نفسه بأن هالة كانت مجرد خيال ، كانت تعيش في خيالاته فقط ، وليلى هي الواقع ، ليلى هي من أصبحت الآن زوجته ، هي من تستحق مشاعره واهتمامه وحبه ، لا اختها ، سينسى هالة ، يجب عليه أن ينساها ، فهي ليست الفتاة المقدرة له .ـ

شعر بأحدهم يفتح الباب ، رفع رأسه ووجدها هي ، هالة لا غيرها ، لم يستطع منع عينيه من ملاذهما ، أخذ ينظر اليها وهو يتأملها ، كانت تقف شاردة الذهن ولم تشعر بوجوده ، ترتدي ثوب ذهبي عاري الأكمام ، وشعرها الكستنائي الطويل منسدل على كتفيها ، تبعثر كيانه ، واضطربت ضربات قلبه ، ونسى كل ما كان يقنع به نفسه ، نسى أن ينساها .ـ

كانت ولازالت تفكر في كلام رنا ، وتحاول ربط الأحداث ببعضها ، الى أن شعرت بأنها ليست الوحيدة في هذه الغرفة ،شهقت بخوف و سرت حرارة في جسدها ، وارتجفت أطرافها ، وهي ترى المسافة البسيطة التي تفصلها عن يوسف ، ليس وقته أبداً ، ما الذي جاء به الى هنا ، استدارت تريد الهروب من نظراته التي تكاد تخترقها ، وسمعته وهو يهتف باسمها " هـالـة".ـ
نطق باسمها بغير شعور ، لقد غابت عن عقله وجسده ، ولكنه لم تغب عن قلبه ، اختفت من أمامه بسرعة ، مثل طيف مر سريعاً ، كسحابة عابرة أتت لتبعثر كيانه وتذكره بها ، وكأنها تقول " لا يمكنك نسياني مهما حاولت ".ـ


خرجت هالة تركض ، تهرب منه ، لقد رآها وهي بهذا الثوب اللعين ، وكان يحدق بها ، ونطق باسمها أيضاً ، ماذا يعني هذا ؟

عادت للصالة ، وسط الضجيج ، تنظر الى ليلى التي تبتسم لها ، والاحداث ترتبط ببعضها وتتكرر في غياهب عقلها .

" هالة روحي البسي عبايتك ... عشان يوسف بيدخل "

التفتت لنور التي تمد لها عباءتها السوداء : وش فيك تطالعيني كذا ؟ ليه وجهك شاحب ؟
هالة بارتباك وصوت مضطرب : ما فيني شي .. وش بكون فيني يعني ؟
نور : طيب يلا خلصي والبسي عبايتك وغطي وجهك عشان زوج اختك بيدخل الحين

" زوج اختك "

نعم هو زوج اختها ، زوج ليلى ، ولكنه رآها قبل ليلى ، وأحبها وعرفها قبل ليلى أيضاً ، وأرادها هي لا ليلى ، هزت برأسها تحاول منع تدفق تلك الأفكار السوداء الى عقلها ، وهي تحتقر نفسها وتحتقر تلك الأفكار التي تحاصرها وتخبرها بأن يوسف أحبها هي لا ليلى .ـ

بعد عدة دقائق ، كان يوسف يقف قبالة ليلى ، وبجانبه والدته وقد دمعت عينيها من الفرح ، وهي ترى ابنها الوحيد يزف الى عروسه ، واخواته الأربع ، سهام ورنا ، هنادي ويسرى يقفن بالقرب منه وهن يهنونه بفرح ، أما هو فلم يكن حولهم أبداً ، يحاول دمج صورة ليلى بالفتاة السمراء ذات الثوب الذهبي التي لا تكاد تغيب عن عقله ، طبع قبلة باردة على جبين ليلى وهو مشوش الذهن ، ينظر اليها وكأنه ينظر الى الفراغ ، انتبه لأمه وهي تهمس له : يوسف !!! وش فيك واقف كذا .. عطيها الورد

تذكر باقة الورد التي بيديه ، مدها اليها بدون شعور ، وملامح وجهه جامدة بلا أي تعابير .ـ

أخذت ليلى منه باقة الورد بيدين مرتجفتين ، وخجلها العذري يسيطر عليها ، حتى أنها لا تستطيع النظر مباشرة في عينيه ، وقربه منها ورائحة عطره الرجالية اخترقت أنفها وأربكتها وسلبت منها حواسها .ـ

امسك بالدبلة من يد والدته ، وتناول يدها اليمنى في قبضة يده القوية ، كانت يدها تبدو صغيرة جداً وهي في قبضته ، أدخل الدبلة الذهبية في أصبعها النحيل ، بينما أخواته يتهافتن بمرح ، ناولت سهام الدبلة الرجالية لـليلى ، أمسكتها وهي تنظر الى يوسف بخجل ، تنتظر منه أن يمد يده لها ، ولكنه كان ينظر اليها بشرود .ـ

كان يتأمل ملامحها المغطاة بالمساحيق بشكل كثيف ، لم ينتبه الا لشيء واحد فيها ، وهذا الشيء أحبطه كثيراً ، انها لا تشبه هالة ، لا تشبه هالة في أي شيء ، ربما لو كانت تشبهها ولو قليلاً لكـان أفضل ، لربما هون ذلك عليه ، ولكنهما كانتا مختلفتان ، ولا يوجد أي رابط تشابه بينهما .ـ

ام يوسف وهي تهز كتف يوسف : هههه يوسف وش فيك ؟ مد ايدك لزوجتك تنتظرك
استوعب كلام والدته ، ومد يده لليلى ، امسكت كفه باستحياء ، وأدخلت الدبلة في أصبعه وهو ينظر اليها بإحباط شديد .ـ

ثم بدأ بتلبيسها ما تبقى من الطقم الذهبي ، وكأنه رجل آلي تحركه والدته ، يتحرك كيفما شاءت بلا أحاسيس ، لقد كاد أن يكسر عنق ليلى وهو يحاول أن يطوقه بالعقد الذهبي ، وكاد أن يدمي أذنيها وهو يحاول جاهداً ان يغلق الحلق الثقيل في فتحة اذنها ، لولا أن تدخلت والدته في مساعدته في هذه المهمة الصعبة بالنسبة له الى ان انهى أخيراً تلبيسها طقم الذهب كاملاً .ـ

تنهد بارتياح وجبينه يكاد يقطر عرقاً من ارتباكه ومشاعره التائهة المضطربة ، يدعو في نفسه أن تنتهي هذه الليلة بسرعة ، نظر الى والدته وهي تصب العصير في الكؤوس الزجاجية ، تنهد بعمق الا تكاد تنتهي هذه الليلة الطويلة ؟

أمسك بكأس العصير ، استدار بجسده الى ليلى ، أخذ ينظر اليها وهي تمسك كأس عصير آخر ، ارتسمت في مخيلته صورة هالة ، ابتسم ببلاهة وهو يتخيل هالة بدلاً من ليلى ، لم يشعر الا بالعصير الذي في يده ينسكب على ثوب ليلى الزهري بشكل طولي من نهاية نحرها الى أن لطخ ثوبها ببقع برتقالية ، وتشهق ليلى وترتد الى الوراء بارتباك .ـ
ام يوسف وهي تقترب من ليلى وتمسح العصير من رقبتها : بسم الله عليك .. لا تواخذيه حبيبتي الحيا عامل فيه عمايله
يوسف وهو ينظر اليها فاغراً فاهه بسذاجة : اسمحي لي ..والله ما ادري كيف انسكب من ايدي


نور وهي تهمس لهالة بانفعال : وش فيه مفهي ؟ لهاذي الدرجة مستحي ..كل هذا حيا .. بهدل اختي الله يبهدله.. شوفي ليلى مسكينة كيف وجهها صار أحمر

لم تكن هالة معها ، كانت تحاول ان تحتجز دموعها في عينيها ، وهي تستصغر نفسها : بركب فوق أطل على بنتك .. أخاف صحت من نومها واكيد ما بنسمعها اذا بكت من الازعاج
نور : طليت عليها من شوي .. غارقة في النوم
هالة وهي تذهب : معليش .. بروح اتأكد احسن

ارتقت السلالم مسرعة ، ودخلت الى غرفتها واغلقت الباب عليها واحاسيس غريبة تعصف في داخلها ، دموع مقهورة تنزلق من مقلتيها ، اكتملت الصورة في ذهنها الآن ، لقد كان معجباً بها ، يلاحقها ويتتبعها ، لم تكن مجرد صدف ، بل كانت لقاءات مدبرة ، كان يختلس النظر اليها ، يسترق سماع احاديثها ،وتلك الابتسامة العريضة التي تنرسم على وجهه عندما يراها ، شعور غريب كان يخبرها بأن تلك الابتسامة لها بينما عقلها يقنعها بأنها تتوهم ، ولكن الحقيقة تبينت الآن ، لم يكن وهماً !!! ، تلك الابتسامة كانت حقاً لها .ـ

احتقرت نفسها ومشاعرها واحاسيسها الغبية ، انه زوج اختها ومحرَم عليها ، لا يمكن ان تخون ليلى بهذه الطريقة ، سحقاً لتلك المشاعر ان كانت ستؤذي اختي ، ان كانت ستهدم سعادة ليلى فلا اريدها ، ولكن تلك المشاعر كانت تلتصق بها كالعار وتعانق روحها وتأبى الجفاء .ـ

ألقت بجسدها على السرير وهي تبكي وتنتحب بصوت مسموع ، كانت بدموعها تحتقر نفسها ، وتحتقر تلك الحقيقة التي تربطها بيوسف ، تتذكر كلام رنا وتلقي باللوم والعتاب على أهلها ، لماذا وقفوا في طريق خطبتها من يوسف ؟ ، انه من المفترض أن تكون هي في مكان ليلى الآن ، احتقرت نفسها مرة أخرى ، لا يجب عليها أن تغار من ليلى ، لا يحق لها ذلك ، اخذت تشتم نفسها وتشتم يوسف أيضاً فهو السبب في كل هذا ، راودتها فكرة زادت من اشمئزازها من نفسها ، فهي ليست الوحيدة لتي تتخيل نفسها مكان ليلى ، فيوسف أيضاً يتخيلها الآن مكان ليلى ، بدليل نظراته الحزينة وملامحه الشاردة ، والعصير الذي سكبه على ثوب ليلى بسبب سرحان عقله ، يالحقارتي !!! حتى أنه رآني قبلها بسبب غبائي !!! كم أنا حقيرة ومقززة رآني قبلها بهذا الثوب الذهبي اللعين ، رآني قبلها ويتخيلني بدلاً عنها !!!.ـ

بعد أن حلَ الصباح

استيقظت من نومها على صوت ليلى : هالة ...هالة ليه نايمة وانتِ مب مبدلة ثيابك ؟
رمشت عينيها ببطء ثم قالت بصوت هامس : ما حسيت لنفسي
ليلى : كذا تتركيني وتنامي ..كيف هنت عليك ؟
رفعت رأسها وهي تنظر الى ليلى ، هاجم ملامحها شيء من الأسى والخجل من نفسها ، احمَرت عينيها وهي تنظر الى ملامح ليلى ، مسكينة ليلى لا تعرف شيء بفعلتي القبيحة ، لا تعلم بمشاعر يوسف ونظراته لي ، ولا تعلم بأحاسيسي الحقيرة اتجاهه .ـ

ليلى باستغراب مقترن بخوف : وش فيك ؟؟ ليه تبكين ؟
هالة وهي تقاوم دموعها : مافيني شي ..بس لأنك بتتزوجين أخيراً وبرتاح منك ..بس عشان البيت بيفضى علي
ليلى وهي تقترب من هالة وتحتضنها : ههههههه يا حبيبتي ... عقبال ياربي ما أفرح فيك انتِ بعد .. وحتى لو تزوجت ياغبية يعني وين باروح عنك ؟؟ ماراح تخلصين مني لو وش يصير

ابتعدت عنها وهي تمسح دموعها عن وجهها : خلاص امسحي دموعك وعن الدلع .. ما سألتيني شي عن ليلة أمس ؟

هالة وهي تبتسم ابتسامة باهتة : وش صار ؟؟ أنا آخر شي شفته لما كب عليك العصير
ليلى : هههههههه لا تذكريني .. هو كان مررة مستحي ومتلبك ومو عارف وش يسوي
أخذت تفكر في كلمة " مستحي " وهل حقاً كان كذلك ؟ لو كان يعرف الحياء لما نظر الي بتلك النظرات ، لم يكن ذلك حياءً بلا شك .ـ

ليلى وهي تكمل وعينيها في غفوة حالمة : شعور غريـب حسيت به لما كنت معه .. لا تضحكين علي ..بس احس انِ ارتحت له ..ادري ان لسا بدري على هالكلام .. بس ما ادري شعور غريب اول مرة أحس به

هالة بغصة تحاول اخفائها : طبيعي زوجك أكيد راح تنجذبين له وترتاحين له وبتحبيه مع الوقت .. يلا أنا بقوم ابدل ثيابي من أمس وأنا على هالثوب المعفن أحس انِّ كرهته .. وبعدين كملي لي عن مشاعرك الرومانسية

ليلى : هههههه ما صار شي ... بعدين قعد معي شوي وما كان عارف يقول كلمتين على بعض ..كل اللي قاله مبروك وبعدها أخذ رقمي وطلع


*


يجلس على الأريكة شارد الذهن ، مشتت الأفكار ، غاضب من نفسه ، منذ البارحة وهو لازال يلعن نفسه ، ويلعن الغباء الذي في داخله عندما نطق اسمها أمامها ، و عندما نظر اليها بشوق ولهفة ناقضاً العهود التي قطعها على نفسه ، ماذا ستظن هالة الآن وقد نطق اسمها أمامها ؟، فضح نفسه ومشاعره الدفينة بنظراته تلك ، ثم أخذ يفكر بليلى ، ليلى هي زوجته الآن، التي لا يشعر اتجاهها الا بالذنب ، ويشعر بأنه ظلمها بهذا الزواج ، ظلمها بتفكيره باختها ، وكل هذا بسبب والدته وتصرفها الغير منطقي

كانت سهام تجلس على الأريكة المجاورة له ، وهي تتهامس وتضحك مع اختها هنادي ، كانت تقلب صور الخطبة المخزنة في الكاميرا وتضحك ، قالت بصوت مرتفع بعض الشيء وهي تقصد ان تجذب انتباه يوسف اليها : هاذي أحلى لقطة ههههههههه لما كب عليها العصير

هنادي وهي تضحك : هههههههه لا الصورة الثانية تضحك أكثر وهو متوهق مع العقد مب عارف كيف يسكره هههههههههه

نظر اليهما بشرود : احذفي هالصور يا سهام ..ويكفي مسخرة

سهام : ههههههه وليه احذفها ؟ بكرة صدقني بتتحسف قد شعر راسك اذا حذفتها .. هاذي ذكريات حلوة لازم تتوثق
يوسف : احذفيهم لا اجي وأكسر الكاميرا على راسك الحين

سهام وهي تقوم من مكانها : مب على كيفك
خرجت مسرعة من الغرفة وهي تبتعد عنه
تبعها وهو يمنعها من الذهاب : اعطيني اياها
سهام : ههههههههههههه ما قلت لي عجبتك ليلى ؟؟ احلى من هالة صح ؟

تجهم وجهه بغضب ، وقال وهو يرفع صوته بعصبية : ما أبي أسمع هالطاري منك مرة ثانية .. واسم هالة ماتطرينه قدامي ...تفكرين بنات الناس لعبة عندك ؟؟

نظرت الى عينيه الغاضبتين بخوف ، تعرف طبع أخاها وشخصيته الهادئة وكيف أنه لا يغضب بسهولة ولأي سبب ، نطقت بانصياع : ان شاء الله .. بس وش فيك ؟ انا والله ما اقصد شي ..كنت امزح معك
قاطعها بصرامة وحزم : اذا سمعتك تقولين هالكلام الغبي مرة ثانية .. او تجيبين اسم هالة قدامي .. والله ماتلومين الا نفسك ، أكمل وهو يرفع صوته : هالمواضيع مافيها مزح يا غبية .. هالبنت تصير الحين اخت زوجتي ..كيف تقولين لي هالكلام ؟؟

سهام بخوف وهي تحاول فكاك ذراعها من قبضته : آسفة خلاص والله حتى اسمها ما اقوله قدامك
تركها وذهبت مهرولةً عنه ، لم تعتاد هذا الاسلوب القاسي منه أبداً ، اتجهت اليها هنادي بقلق : وش فيكم ؟ ليه الصراخ ؟
لم تنطق سهام بكلمة وهي لازالت تحت تأثير كلماته الغاضبة .
هنادي : ما عليك منه حتى لو حذف الصور .. كل شي موثق بالصوت والصورة في جوالي هههههه

تجاهلهما وابتعد عنهما ، آخر همه صور حفلة خطوبته مع ليلى ، حتى لو كانت مضحكة ومثيرة للسخرية فهي لا تعنيه شيئاً

*

اغلقت الباب عليها وانفردت في غرفتها وتحمل في يدها " جوال منصور " ، تركت طفلتها معه لينشغل بها ويخلى لها الجو في تفتيش جواله وقراءة محادثاته في " الواتس اب " و رسائله الخاصة والتأكد من قائمة الأرقام المسجلة لديه ، تتأكد من عدم وجود امرأة غيرها في حياته ، فعمله المختلط يجعلها تتوهم بأن احتمال الخيانة وارد ، تتوهم انه ربما له علاقة مع ممرضة او ربما طبيبة أو غيرها ، انه يقضي وقته في المشفى اكثر من ما يقضيه معها ، الغيرة والشك تشكلان لها هواجس و وساوس تحاصر عقلها .

جاءها صوته المضطرب المنبعث من الصالة : تـعالي خذي بنتك ..مب قادر اسكتها وجعت راسي
رفعت صوتها ليسمعها وهي مشغولة بالعبث في جواله : يا الله !! يعني ما يحق لي استريح شوي ؟ على طول تطفش منها وترميها علي
صاح بصوت منزعج : أقولك وجعت راسـي
نور : و توجع راسك ويعني ؟ يعني أنا عادي توجع راسي وانت لا ؟ تراها بنتك مثل ماهي بنتي

فتح الباب بقوة وهو يحمـل الصغيرة بين ذراعيه : احمليها .. حرام عليك شكلها جوعانة والا ... انت وش قاعدة تسوين ؟
قال جملته الأخيرة وهو يحدق في جواله الذي تحمله في يدها

قالت بارتباك : ما اسـوي شي !!!ـ

بحركة سريعة اقترب منها وسحب الجوال من يدها ، رفع شاشته في وجهها بعد ان القى نظرة عليها : قاعدة تقرين محادثاتي وتتجسسين علي ... متى بتبطلين هالعادة ؟

صمتت واقتربت تأخذ سارة منه ، صاح بها بغضب : متى بتفهمين ان ما احب أحد يتجسس علي ويراقبني ؟ كم مرة قلت لك ان حركات الشك والتجسس ما احبها ؟

نور : انت اللي تجيب الشك لنفسك .. اجل ليه حاط باسوورد على الجوال ؟؟
رمى الجوال بجانبها بفضاضة : كملي تفتيش فيه ..كملي خلينا نشوف وش بيطلع معك

قالت بصوت خافت : فتشته كله ما لقيت شي

قال بذات الصوت المرتفع وبنبرة غاضبة : ليـه ثقتك فيني معدومة ؟ انا أكثر من مرة قلت لك لا تحطين راسك براسي لأني اذا عصبت اخليك تلقطين وجهك من الأرض من كثر ان ما عندك كلام تبررين فيه موقفك

قالت وهي تهز سارا التي زاد بكاءها بسبب صوت صراخه : طيب ماله داعي كل هالعصبية .. كلمني بهدوء

رفع صوته أكثر : لا أعصـب وأرفع صوتي بعد .. تبغيني أشوفك تشككين فيني وفي أخلاقي وما أعصب ؟ ... عديت لك هالحركة بدال المرة الف وانت تعرفين من قبل ان هذا الشي يعصبني ومع هذا مستمرة فيه .. خليني اتناقش معك نقطة بنقطة ، فيه مرة أنا شكيت فيك ؟ في مرة حسستك مجرد احساس انِّ مب واثق فيك ؟ فيه مرة تدخلت في خصوصياتك ومسكت جوالك وفتشته ؟

نور : راعي شعوري شوي .. انت بعد ما تقول لي أي شي عن المستشفى ومحسسني
قاطعها : لا تحمليني غلط انـا مالي شغل فيه .. لا تتهميني في شي باطل وبعدها تقولي انت السبب ..انضجي وكبري عقلك واتركي عنك هالسخافات واعتبري كلامي هذا تهديد مو نصيحة .ـ

عندما يفقد أعصابه ، لا يستطيع الا ويؤذيها بكلماته ، لا يمكنه ان يخفف من حدة الصراحة ، ولا يستطيع ان يداري قلبها ومشاعرها المرهفة وحساسيتها الزائدة ، يجعلها تكره نفسها وتكره تصرفها الف مرة ويبالغ في ذلك .

انتهت المشاجرة وسكن صوت صراخه وذهب لينام على الأريكة في الصالة وبقيت هي في الغرفة تبكي على وسادتها بعد أن جرحها بكلماته .ـ


استيقظت نور في صباح اليوم التالي على أثر صوت حركة زوجها في الغرفة ، فتحت عينيها ببطء في الغرفة المظلمة الا من ضوء بسيط يتسلل من النافذة المنسدلة عليها الستائر القاتمة ، نظرت اليه وهو مشغول يرتدي ملابسه ليتجهز للذهاب الى عمله ، اغمضت عينيها تتظاهر بالنوم ، ثم قررت أن تقوم وتصالحه والبكاء هو الحيلة الوحيدة التي تبقت لديها ، قامت من سريرها واتجهت اليه حيث كان واقفاً أمام المرآة يرتب ياقة قميصه وينظم شعره ، احتضنته من الخلف والدموع تتحرر من عينيها وتستقر على قميصه ، قالت بصوت مخنوق : آسـفة

يضيقُ قلبه عندما يسمع صوت بكاءها ، ولكنه تجاهلها وأمسك بقنينة العطر وأخذ يرش نفسه بها ، ابعدها عنه وخرج من الغرفة وتركها خلفه تنظر اليه بعينين دامعتين

جلس على الأريكة في الصالة وهو يزم شفتيه ويعقد حاجبيه بضيق تنهد بعمق ثم قال : الله يصبـرني عليك
اقتربت منه وألقت بجسدها النحيل في حجره ، عانقت وجنتها وجنته ، كانت مثل طفلة تتشبث بأحضانه وترجوه بأن يسامحها ، قالت بهمس : قلت لك آسفة
منصور بهدوء : كم سنة صار لنا مع بعض ؟ وانت بعدك تشكين فيني ؟ ليه ثقتك فيني معدومة ؟
نور : مو معدومة .. بس كله من الغيرة والخوف .. وانت لما تعصب تتحول الى واحد ثـاني وتقول لي كلام يجرح
منصور : نـور لا تضيعي الموضوع ..انتِ غلطانة والمشكلة أنِّ أدري أن هالكلام بينعاد مرة ثانية وثالثة وعاشرة .. أعرفك ما تتوبين عن هالحركات
نور : آخر مرة ما بعيدها .. صدقني
منصور : طيب ممكن تقومي عن رجلي ؟ تأخرت على الدوام
نور : أول قول انك سامحتني
منصور : سامحتك
نور : اعطيني ردة فعل
منصور بنفاذ صبر : كـيف يعني ؟ ما فهمت
نور : اعطيني ردة فعل أنك سامحتني
ضحك بخفة ثم داعب وجنتها الناعمة بقبلة ، ابتسم لهـا : كذا زين ؟ ارتحتـي ؟
ضحكت ثم قالت : شوي
نهض من مكانه بحركة مفاجئة وهو يحملها بين ذراعيه ، نظرت الى عينيه بصدمة : وش فيك ؟
اتجه الى الغرفة والقى بها على السرير بقوة وجلس بجانبها، وضعت كفها على خده واستقرت أناملها على لحيته الخفيفة ، قالت وهي تضحك : منصـور وش فيك

كان ينظر اليها بحدة ، يعشق بريق عينيها الواسعتين ، وملامحها السمراء الناعمة ، يطرب لصوت ضحكتها ، ويعشق حركاتها العفوية ، ازاح كفها الى شفتيه وقبله ثم قال وهو يبستم لها بود : انتظريني لين أرجع من العمل .. بعدها أعرف كيف أتفاهـم معك .ـ


*

كانت ليلى تجلس على سريرها وتتصفح بعض المجلات المتناثرة على السرير ، قالت محدثةً هالة التي تجلس على السرير المجاور لها : شوفي هذا الفستان حلـو ؟؟ قاعدة أفكر في شكل الطرحة على الفستان كـيف تكون

هالة بنفور : اذيتيني بصور هالفساتين .. انتِ من انخطبتي وما عندك سالفة الا وين اسوي زواجي ؟ وكيف فستاني ؟
ليلى : ما تلاحظين انِّ كل ما أكلمك عن خططي عشان الزواج تقلبين وجهك ؟

هالة : لا مو كذا بس احس لسا بدري على هالكلام ... يعني الحين صار لك اكثر من اسبوع من تملكتي وخطيبك لسا ما اتصل لك ولا كلمك وانتِ تفكري في الزواج

ليلى بضيق : تتوقعي ليه ما اتصل لي ؟ يمكن ما عجبته وقاعد يتهرب ؟

عاد تأنيب الضمير لهالة من جديد ، قامت من مكانها وجلست بجانب ليلى وهي تقول بعطف : لا مستحـيل اصلاً من يشوف هالجمال وما يعجبه ؟ حاصل له وحدة بجمالك ، بس انتِ قلتي من قبل أن هو كان مستحي .. يمكن هو شخصيته خجولة او يمكن مشغول بعمله .. الا هو وش يشتغل ؟

ليلى : يشتغل ادارة في فندق هـو تخصصه علوم ادارية بس ما لقى وظيفة غيرها .. ويشتغل بعد في أعمال حرة .. تعرفي بعد ما توفى ابوه هو المسؤول عن امه وخواته .. بس الحمد لله حالته المادية مستقرة ... واساساً انا ما تهمني المظاهر والفلوس أهم شي الاخلاق والسمعة .. واحنا نعرف أهله من زمان .. ف أحس انِّ متطمنة ومرتاحة له

هالة وهي تغتصب الابتسامة : لا تضيقي خلقك .. أكيد مع الوقت بيتصل لك وبكلمك .. بس انت قلتي ان مسؤول عن اهله وشغله كثير
ليلى : على قولتك مع ان يظل مو سبب مقنع .. يعني مو لدي الدرجة مايقدر يفضي لي خمس دقائق من وقته الثمين ويتصل لي .. وهو من حفلة الخطوبة ما أحسه طبيعي وكأنه متضايق ومغصوب على الزواج ... بس انا اواسي نفسي واقعد افكر في حفل الزواج وهالشغلات الفاضية

احتقرت هالة نفسها ، لأنها تعتقد أنها السبب في جفاء يوسف لـ ليلى ، قالت بهدوء : لا تتضايقي ليلى
ليلى : لا .. مع نفسه بالطقاق بنشوف وش آخرتها معه يعني اكيد ما بيقعد يتهرب مني الى الأبد وانا صرت زوجته
قامت مكانها وهي تكمل : بنزل تحت اشـوف الهنوف وش طابخة .. واذا ما عجبني بطلب لنا من ماك


بعد أن خرجت ليلى ، استدارت هالة الى الكومودينة التي بجانب السرير ، امسكت بالصورة المحتجزة في اطار فضي أنيق ،وضعتها على حجرها وأخذت تتأملها ، كانت هي مع ليلى يحتضنان بعضهما والابتسامة تشق وجهيهما في براءة طفولة ، كانت هي في الخامسة من عمرها وليلى في الثامنة ، منذ صغرهما وقد اعتادتا ان يتشاركن كل شيء ، فكانتا تتشاركان الدمى ثم بعد أن كبرتا قليلاً اصبحتا تتشاركان الملابس والأحذية ثم بعد ان كبرتا أكثر تشاركا الآراء والأفكار والمشاعر ، ولكن ماذا الآن ؟ هل سأتشارك مع ليلى في قلب زوجها أيضاً ؟


*



كان يسير في الشراع المقابل لمنزله ، عائد من بقالة الحي ، وفي يده كيس صغير يحتوي على بعض الأطعمة المعلبة ، توقفت قدميه عند ذلك المنزل المتوسط المساحة ، منزل قديـم ولكنه مرمم حديثاً ، سابقاً عندما كان يقف أمـام هذا المنزل تخطر صورة هـالة في باله ، فيقف وهو سارح في الخيال ، ويدعو ربه أن يجمعه بها ، ولكن الآن ماذا سيتخيل عندما يقف عند هذا المنزل ؟ فهو يحاول جاهداً أن يمسح ذكراها من عقله ، بل حتى اسمها قرر ان يحذفه من قاموسه ، هذا المنزل الآن منزل زوجته ، نعـم منزل ليلى .

أخذ يكرر في داخله بعض الكلمات ، يريد أن يقنع نفسه بها " هذا بيت زوجتي .. بيت ليلى ..بيت ليلى .. بيت ليلى "ـ


" هلا والله بالنسيب .. وش فيك واقف كذا ..تعـال تفضل "

التفتت لمصدر الصوت الذي يرحب به ، ابتسم بترحيب واقترب يصافح حامد الذي يقف عند باب المنزل : حيـاك الله أبو محمود .. كيف حالك ؟

حامد : بخير الله يسلمك .. تفضل ادخل البيت بيتك
يوسف : لا ماله داعـي .. انا كنت راجع من البقالة والحين برجع الى بيتي

حامد وهو يضرب كتف يوسف بمزاح : اقول أدخل منت بغريب .. انت واحد منا الحين .. لا تسوي نفسك مستحي وما ادري ايش

يوسف : هههههههه لا بس ما ابي أثقل عليكم
حامد : ههههههه ترى شفتك وانت واقف وسرحان تفكر في ليلى هاه ؟؟ واقف ومتردد تدخل
جذبه من ساعده وهو يصر عليه : ادخل خلصنـا .. ادخل


دخل الى المنزل وهو مضطر لذلك ، لم يكن أن يريد الدخول لكي لا يضطر لمواجهة ليلى ، ليس مستعداً للقائها الآن ، ليس الآن وذكرى هالة لازالت عالقة في عقله ، ليس الآن وصورتها وهي بذلك الثوب الذهبي عالقة في ذاكرته ، ليس الآن وهو لا يشعر باتجاهها الا بالذنب .


أدخله الى ذلك المجلس ، المجلس ذاته الذي رأى هالة فيه تلك الليلة ، حامد بترحيب : تفضل استريح وانا شوي وجاي لك

يوسف : خذ راحتك
جلس على الكنبة محاولاً منع عقله من التخيل ، يحاول ان لا يفكر في أي شيء ، يكفي أوهام وخيالات فارغة .ـ



كانت ليلى تقف بجانب الهنوف في المطبخ وهي تتذمر : اف يعني ما تعرفين تتطبخين الا هالطبخة ؟
الهنوف : فوق شينك قواة عينك بدل ما تشكريني انِّ قاعدة اطبخ لكم
ليلى : لا تزعلي مني يا زوجة اخوي الغالية بس سوري يعني بطلب لي ولهالة من المطعم
الهنوف : انتِ واختك ما يعجبكم شي


قاطعهم حامد وهو يتحدث بسرعة : ليلى زوجك قاعد في المجلس روحـي ضيفيه
فغرت فاهها وهي تحدق في حامد ثم قالت بصدمة : كيــف !!!ـ
حامد : روحي ضيفيه.. الرجال مستعجل .. لا تتأخرين عليه
نظرت الى بجامتها الصفراء المرسوم عليها صورة " سبونج بوب " وقالت : تبيني أطلع له وأنا كذا ؟؟ اصبر بركب أغير ملابسي وباروح له

الهنوف وهي تضحك : ههههههههه يا حليلك .. عادي ترى في الأخير لازم بشوفك وانتِ مبهدلة
ليلى : تراه أول مرة يشوفني بعد الحفلة ..كيف أطلع له بهالشكل ؟
حامد : ليلى روحي ضيفي زوجك شكلك عادي مافيه شي ... الحين تركبين وتنسين نفسك .. عيب لا تتأخري عليه

ليلى : مو من جدك يا اخوي ... ما اطلع له وانا كذا لو وش يصير
حامد : مافيك شي يا حلوك ويا زينك بس والله عيب تخلين زوجك ينتظر كل هالوقت


استسلمت لكلامه وهي تتذمر ، أخذت صينية العصير واتجهت الى المجلس ، كانت هالة تنزل من الدرج ، تحدثت الى ليلى باستغراب : مين اللي جاي ؟؟ لمين العصير ؟

ليلى بصوت مرتبك : يوسف .. وحامد غصب يبيني أنا اللي أضيفه .. شوفي شكلي كيف مبهدل
الهنوف تعلق وهي تضحك : هههههههههه عادي يشوفك على الطبيعة أحسن
حامد وهو يحدق في ليلى بعصبية : وبعدك واقفة !!! روحي خلصينا .. احرجتيني معه
ليلى : طيب خلاص رايحة

اختفت من أمامهم بينما تقف هالة سارحة في الفراغ ، اقترب منها حامد وهو يحتضن وجهها بكفيه : وش فيك حبيبتي ؟ مو على بعضك هاليومين .. فيه شي مضايقك ؟
هالة : مافيني شي ... ليه تسأل ؟
حامد : تفكريني مو ملاحظ ؟ صار لك اسبوع وانتِ كله سرحانة وملامحك حزينة .. وش فيك ؟
هالة بارتباك : مافيني شي .. بس متأثرة بليلى شوي .. لأنها بتتزوج وبصير وحيدة
حامد : أفا واحنا وين رحنا ؟؟ أنا وين رحت ؟ جهزي نفسك عشان بكرة نطلع البحرين وش رايـك ؟
هالة وهي تحتضنه : يا بعد عمري أخـوي الدب أحبك والله


*


اطلَت برأسها قبل أن تدخل ، كان يوسف يجلس على الكنبة ، يبدو مختلفاً وهو يرتدي بلوزة سوداء و بنطال جينز كحلي بعيداً عن الثوب الأبيض التقليدي ، يبدو مختلفاً قليلاً فهو يجلس بارتياح بعيداً عن ارتباكه في تلك الليلة ، كانت قدماها ترتجفان ، فستجلس معه لأول مرة وحدها ، سمت بالله وخطت الى الداخل باستحياء ، قالت بصوت أشبه بالهمس : السلام عليكم

رفع رأسه اليها ، ثم قام من مكانه بلباقة ، وضعت الصينية على الطاولة ، انتبهت الى يده الممدودة اتجاهها وهو يبتسم ، مدت يدها اليه فتناولها بقبضته القوية : وعليكم السلام

جلسا و مرَت لحظات والجو بينهما مشحون بالتوتر ، كان ينظر اليها بهدوء بينما تنزل ليلى رأسها وتحدق للأسفل باستحياء
أراد أن يقطع الصمت بينهما فقال بهدوء : وش تشربين ؟
نظرت اليه بإحراج ، فمن المفترض أن تقوم هي بتضييفه وليس هو ، كان من المفترض أن تسأله هي هذا السؤال .ـ
ارتبك من نظراتها المحرجة ، مد يده الى احد العصيرات المعلبة ، فتحه ومده اليها : تفضلي
قالت وهي تهز رأسها بالنفي وقد تشربت وجنتيها بحمرة من الخجل : ما أحبه .. انت اشرب

يوسف : على راحتك
ارتشف منه رشفة وهو يرمقها بنظرات جانبية ، كانت مختلفة كثيراً عن تلك الليلة ، فيبدو وجهها واضحاً الآن بدون تلك المساحيق الثقيلة التي كانت تغطي ملامحها ، ترتدي ملابس طفولية ورسمة " سبونج بوب " عليها ذكرته بملابس أبناء اخته الصغار ، كان شعرها البني الناعم مرفوع بإهمال وتنسدل بعض الخصلات منه على وجهها بتطفل ، قال بابتسامة : على فكرة .. انتِ أحلى بكثير من دون مكياج .ـ


*

مر شهران على خطبة يوسف من ليلى و لازالت هالة تحارب مشاعرها اتجاه يوسف حتى هذه اللحظة ، حيث كانت تجلس بجانب ليلى على أريكة في بهو الفندق الذي يعمل فيه يوسف ، إذ أنَّ ليلى قررت أن تفاجئ يوسف وتذهب له في مكان عمله ، واصطحبت اختها هالة معها لكي لا تذهب وحدها ، كان يوسف مشغول في الحديث مع نزلاء الفندق الذين يقفون أمام طاولة الاستقبال ، يجاوب أسئلتهم و ينظر الى الحاسب أمامه ويسجل ويتأكد من حجوزاتهم ، كانت هالة تحاول أن تشغل نفسها بتأمل بهو الفندق الراقي ، حيث أنه من الفنادق المعروفة ويحمل خمس نجوم ، وتحاول قدر الإمكان ان تبعد ناظريها عن يوسف ، أما ليلى تراقب زوجها وعلى وجهها ابتسامة تختفي تحت النقاب ، يُعجبها شكله الرجولي وهندامه المرتب بالثوب الأبيض التقليدي والشماغ الأحمر ، ابتسامته الواثقة التي يقابل بها النزلاء ، تخط وجهه لحية خفيفة بطريقة " العارض الخليجي " او " السكسوكة " زادت وجهه جاذبية ، قطع تفكيرها صوت هالة المتذمر : يعنـي انتِ جاية حق زوجك أنا ليه ساحبتني معك ؟
ليلى : وش فيها يعني لو طلعتي معي ؟ يعني تبغيني أقعد انتظره يخلص شغله وأنا قاعدة بروحي ؟
تأففت هالة وأشاحت بوجهها .
ليلى : باقي عشر دقايق وينتهي دوامه خلاص اصبري شوي
هالة : أجل بقوم أكلم حامد عشان يجي ويرجعني البيت
ليلى : تستهبلين صح ؟ يوسف بوصلنا طبعاً
هالة : ما ابي أركب معكم .. استحي

ليلى : الحين صرتي تستحي ؟ مو هو اللي كان يرجعك من المدرسة مع سهام لما يتأخر عليك حامد ؟ الحين لما صار زوجي صرتي تستحين ؟ وهذا انتِ يالكذابة تركبين مع منصور ما اشوفك قلتي استحي

هالة تبرر بغباء : لما كان يرجعني من المدرسة أكـون مضطرة ولأن حامد يقول لي اذا تأخرت عليك أرجعي مع سهام ، ومنصور متزوج اختي من زمان .. واحنا متعودين عليه .. وبعدين ما أبي اخرب عليكم جوكم .. توكم مخطوبين واكيد هو يبغى يكون معك بروحكم

ليلى : كله مشوار الطريق ما بأثر ...واتركي عنك الحيا الزايد .. اصلا لو اتصلتي لحامد الحين بقولك ترجعي معنا

صمتت ولم تقل شيئاً يبدو أنه لا خيار أمامها إلا ان تبقى معهما ، ليلى وهي تقول بشرود : يبغى لي أقول له يسجل في جم
هالة : هاه ؟ تكلميني ؟
ليلى : اقولك يبغى لي اقول ليوسف يسجل في جم .. احسه نحيف شوي وعضلاته مو بارزة

نظرت هالة الى يوسف ، مواصفات يوسف هي المواصفات التي تحلم بها هالة وتتمنى أن يكون فارس احلامها يشبه يوسف ، قالت بنفي : لا ما احس يحتاج

ليلى : كـيف ؟
هالة بارتباك : اممم يعني احسه يناسبك وهو كذا انتي بعد نحيفة بزيادة ..لا تقارني زوجك بالممثلين الأتراك اللي تشوفينهم .. اقتنعي فيه مثل ما هو

ليلى : طيب ... هالة وش رايك تروحين معي للخياطة عشان فيه تعديلات ابي اضيفها لثوب زواجي
هالة : لا خليها بكرة احسن عشان يوصلنا حامد

ليلى : هههههه وش فيك على يوسف أحسك مو طايقته ... ترى يوسف زوج اختك مو غريب عادي لو وصلنا
هالة بكذب : مو عشان زوجك لا يوصلنا ... بس عشان الهنوف نسيتي انها قالت تبي تروح معنا
ليلى : طيب احاول اصدق


انتهى يوسف من عمله ، ابتسم لـليلى التي تنظر اليه ، بدأ يردد في نفسه تلك الجمل التي أعتاد أن يكررها على عقله " يوسف ركز .. البنت اللي على اليمين هي زوجتك وحبيبتك .. لا تطلع في البنت اللي على اليسار .. البنت اللي على اليسار انت ما تعرفها ولا تعنيك شي .. ركز يا يوسف ركز "ـ


خطى خطواته الواثقة اليهما وقال بابتسامة : يلا ليلى مشـينا ؟
ليلى وهي تقوم من مكانها : مشينا


كانت هالة تمشي ورائهم وهي تحاول ان تبقي مسافة بينها وبينهم ، وتشيح بوجهها جانباً عن يوسف ، الى ان وصلا الى مواقف السيارات ثم ركبت في المقعد الخلفي من سيارته السوداء الصغيرة ، حرَّك سيارته وبدأ بقيادتها بهدوء ، كان الصمت يخيم على الأجواء داخل تلك السيارة ، وكان الخيال هو الذي يجمع هالة بيوسف ، وليلى مثل الغريبة في هذا الخيال ، كانت هالة تتخيل نفسها تجلس في المقعد الأمامي بدلاً من ليلى ، ويوسف أيضاً أخذه خياله الى ان يتخيل هالة تجلس بجانبه بدلاً من ليلى .

حاولت أن تبعد تلك الأفكار عنها وهي تشيح بوجهها الى النافذة تراقب الشوارع والسيارات المزدحمة
وهي تردد في عقلها " هالة احترمي نفسك تراه زوج اختك ويحرم عليـك .. هالة لا تصيري حقيرة وتخوني ليلى بهالمشاعر التافهة ..ليلى اختك ماتستاهل منك هالخيانة .. وما يحق لك تغارين منها حتى "

وكذلك كان يوسف يبعد عنه الاوهام ويحارب خياله الذي يقوده للفتاة التي تجلس خلفه ، " يوسف زوجتك وحلالك تجلس جنبك يكفي حقارة يكفي لا تفكر في غيرها ..والله حرام اللي قاعد تسويه في نفسك " ، مد ذراعه نحو ليلى واجتذب كفها بكفه ، كان بتلك الحركة يريد ان يقنع نفسه بليلى ، كانت حركة عديمة الحيلة في محاولة اقتلاع هالة من عقله واستبدالها بليلى .ـ

نظرت ليلى اليه متفاجئة من حركته ، قابل نظراتها المتفاجئة بابتسامة ، ووضع كفها في حجره وهو يتحسسه بلطف .ـ

تأملتهما هالة بشيء من الحسرة ، لاحظت كيف يتبادلان النظرات بحب ، سمعته وهو يهمس لها : أحـبـك ليـلـى .
لا تعلم ما السبب الذي جعلها تشعر بقلبها وكأنه يعتصر بشدة ، وما السبب الذي جعل عينيها تذرفان الدموع بغزارة حتى بللت نقابها .ـ



*


" أنـا موافقة على سلطان "


قالت جملتها تلك بكل ثقة وصرامة في وجه نور ، بينما قابلتها نور بالنصيحة ، حيث كانت نور طوال اليوم تحاول ان تقنع هالة بالتفكير وعدم التسرع في اتخاذ القرار : أنا ما ادري ليه مستعجلة على الزواج ؟؟؟ بعدك صغـيرة وقدامك مستقبل ، السنة الجاية بتبدي دراسة في الجامعة .. وين أحلامك وطموحاتك ؟؟

هالة : يعني ما يصير اتزوج وأدرس ؟؟ عادي بنات كثير أعرفهم متزوجات ويدرسون

نور : يا حبيبتي الزواج مسؤولية مو لعبة والا لا يكون مفكرة بتكون حياتك مثل المسلسلات التركية والأفلام ؟ لا تستعجلي بعدك صغيرة وأنا اشوفك مو قد مسؤولية الزواج أبداً .. انتِ حتى ماعندك مسؤولية لنفسك ..مابالك بزوج و بيت وبعدين أولاد ؟

استدارت نور الى الهنوف التي تقف بجانبها : ما تقولي شي يالهنوف ؟

الهنوف : وش فيك على البنت يا نور ؟ لا تضغطي عليها ..وبما أن العريس محترم ومن عيلة محترمة ليـه ترفض ؟

نور: بعدها صغيرة وبتجيها فرص احسن .. و لو تركز في دراستها احسن لها .. انا لما تزوجت كنت في آخر سنة جامعة ومع هذا كنت احس ان بعدني صغيرة ... في البداية كنت متحمسة مثلك بس بعدين حسيت بالمسؤولية الكبيرة الي صارت علي .. وعرفت ان الزواج مو بس وناسة وطلعات ودلع .. وانا احس ان مررة بدري عليك يا هالة .. هالكلام لمصلحتك صدقيني

هالة بلهجة قاطعة : مو كل مرة توقفون بنصيبي

نور باستغراب : وش قصدك ما فهمت ؟ هذا أول واحد يخطبك وانتِ ما صدقتي على الله وعلى طول وافقتي كأنك تبغين الفكة .. والا كأنك تبغين تتزوجين والسلام

كانت هالة تقصد بجملتها تلك يوسف ، فعلى حسب كلام رنا الذي سمعته ، ان يوسف خطبها هي أولاً ولكن اهلها رفضوه بدون علمها ، قالت بهدوء : نور أنا فكرت واقتنعت ... الهنوف لو سمحتي قولي لحامد انِّ موافقة


قامت نور عنها بعصبية ونفاذ صبر : غبية !! ومع هذا اقولك ارجعي فكري ولا تستعجلي وفكري في الكلام اللي قلته لك قبل شوي ..وفكري بعقل

خرجت من الغرفة وتبعتها الهنوف .ـ


استلقت هالة على السرير وهي تتأمل السقف بشرود ، لن تغير رأيها فهي مصممة على هذا القرار ، ولن تكترث بكلام نور ، فسلطان هو الطريق الوحيد لها لتتخلص من احتقارها لنفسها ، وتتخلص من المشاعر والاحاسيس التي تجذبها ليوسف ، ومن حسن الحظ أن سلطان يدرس في الخارج اذ انها ستذهب معه وتبتعد عن يوسف ، وترحم قلبها الذي يعتصر بالقهر الذي يكبر شيئاً فشيئاً كلما رأت ليلى مع يوسف ، سلطان هو الخلاص الوحيد لها ، تشعر بأنه جاء في الوقت المناسب ليخلصها من عذاب الضمير .ـ




يضع ذراعه على كتفها ،ويرفع جواله باتجاههما ، تنرسم ابتسامة على ثغريهما ، و يلتقط صورة "سيلفي " تسجل ذكرياتهما معاً ، لم تكن تخاف أن تبقى صورها معه ، فقد كانت تثق به وتصدقه في كل شيء ، فقد وعدها بالزواج وأنها في آخر المطاف ستكون له ، وهي تصدقه بدون تفكير مثل المعمى على بصيرته ، قالت وهي تضحك : وليد ..تعال صورني وأنا قريب من البحر

نظر اليها وهي تقوم من مكانها وتقترب من البحر ، يجلس معها في " شاليه مغلق " خالي الا منهما ، أخذت عيناه تسرح في سحر جمالها ، واذناه غارقتان في صوت ضحكاتها ، كانت فتاة فاتنة جميلة ، ترتدي ثوب ليلكي طويل ، وشعرها الليلي يتطاير بفعل الهواء ، وجهها يبدو وكأنه يشع نوراً سنياً بسبب انعكاس اشعة الشمس الذهبية عليها


ابتسم لها بعد أن التقط لها صورة ، هتف بصوت مرتفع : يلا يا الريم خلينا نرجع
اقتربت منه وهي تمسك بيده : وصلني لمروة اختي ... قلت لأمي انِّي بكون عندها
وليد : طيب يلا البسي عبايتك عشان نطلع


بعد أن أوصلها الي منزله حيث اخته مروة ، كانت تجلس بجانبه في السيارة ، قال بخوف وهي تمنعه من اكمال طريقه : وليد لا تقرب أكثر ... أخاف يشوفني أحد معاك
أجابها بملل : ما احد بشوفنا ، بدخل بالسيارة داخل الكراج وانتِ انزلي ..ابوي مسافر مع زوجته شهر العسل ومافيه غير مروة

الريم : حتى لو !!! افرض ان امي كانت جاية لهنا عشان تاخذني وشافتني معك ... بليز وقف هنا وأنا بنزل

وليد : طيب
الريم : يعني لمتى بظل أكذب على أهلي عشانك ؟؟ لمتى وانا اطلع معك مثل الحرامية ..متى بتتفضل وتجي تخطبني ؟
وليد : يا حبيبتي .. اصبري علي بس شوي ..ابوي يبغاله وقت عشان يقتنع ..انتظري اتخرج وبعدها ابوي اكيد بيقتنع ...ادري تحملتي كثير بس عشاني اصبري بعد شوي
الريم : اصلا ماعندي اللا اصبر .. ونشوف اخرتها معك


نزلت من جانبه وهي تتسلل الى داخل القصر وتلتفت يمنةً ويسرى ، تتأكد من خلو المكان من أحد يعرفها ، وهو بعد أن رآها تتخطى أسوار القصر حرَك سيارته يقودها الى وجهة أخرى ، أخذ يفكر بوعده لها بالزواج ، انه حقاً صادق هذه المرة ، فانه يشعر بأنه منجذب اليها بجميع حواسه ، يريد ان يتزوجها علَه يستقر معها ولا يفكر بغيرها ، عله يبتعد عن طريق الحرام الذي اعتاده منذ مراهقته ، فعندما كان في الثامنة عشر من عمره دلَه صديقه سلطان على امرأة تسمي نفسها بـ "خيال " ، امرأة تعمل في أعمال مشبوهة ، تقوم بتأجير نساء للهو والليالي الحمراء ، وتضمن لهم خلوهم من الأمراض التناسلية وغيرها ، انغمس في ذلك الطريق وضاعت روحه فيه ، وأدمنه حد النخاع ،
أدمنه لدرجة أنه يشك في نفسه ان كان يستطيع أن يتركه حتى بعد زواجه من الريم ، فهو شخص ضائع منغمس في ملذاته .ـ


وقف سيارته أمام احد البيوت ، ثم جاء سلطان ليجلس بجانبه ، قال بصوت مرتفع : هلا والله
وليد ببرود : اهلين
حرَك السيارة وعينيه تنظران بشرود الى الطريق ، تكلم سلطان ليقطع عليه شروده : أنـا خطبت .. وأهل البنت ردوا بالموافقة
نظر اليه وليد بلا مبالاة : كيف وافقوا عليك ؟
سلطان : وش قصدك ؟ وليه مايوافقون علي
وليد وهو يضحك : هههههههه شكلهم ما سألوا عنك زيـن .. واللا مافيه عائلة محترمة تقبل فيـك

سلطان : ترى أنا سمعتي طيبة ومثل المسك .. واللي خبري خبرك ما احد يعرف فيه الا ناس محدودين ..مو غبي انا عشان اخرب سمعتي ..كل شي يصير خلف الستار وحتى اللي يعرفون ما احد يسترجي منهم يتكلم علي ويفضحني

وليد : ياليتهم سألوني أنـا عنك

سلطان : أصلاً قررت أتوب .. بتزوج وبسافر و بوقف عن الصياعة
وليد : كل الناس أصدق انها تتغير الا انت ... انت واحد خربان خلقة .. ماتقدر تتغير للأحسن لو ايش يصير

سلطان وقد لاحظ شرود وليد وصوته المتقطع : انت شارب ؟؟
وليد : أي بس مو مكثر
سلطان : أجل وقف واسفط السيارة على جنب أنا بكمل سواقة عنك لاتودينا في داهية الحين
وليد وهو يضحك : عادي أنا متعود أسوق وأنا بهالوضع ... وأنا راسي ثقيل مايطير بسرعة

سلطان بصراخ : اقـولك وقف !!!!!.ـ

ضغط على المكابح بشكل مفاجئ ، ليرتد جسد سلطان الى الأمام بقوة : الله يلعن شكلك .. أنا كم مررة قايل لك اذا بتشرب لا تجيني

وليد وهو ينظر اليه بشرود : أنا بعد بخطب قريـب
سلطان وهو يلتقط أنفاسه : نفسها هاذي اخت بنت عمك ؟
وليد : ايه هي ماغيرها
سلطان : ليه أبوك وافق ؟؟ مو انت تقول ان بينه وبين ابوها مشاكل

وليد : أيه بس سامي قلبه حنين ومصيره بيرضى وبوافق بس يبغاله شوية وقت وهو اذا شافني جاد ومصر بغير رايه

سلطان : طيب قوم وخليني اسوق بدالك ... خيال مجهزة لنا سهرة محترمة
وليد : مو انت قلت انك بتتوب ؟

سلطان : هههههه قلت بتزوج وبعدها باتوب .. الحين بعدني عزابي



*


كانت الريم تجلس مقابل اختها مروة التي تصرخ عليها بعصبية : طـول هالوقت وانتِ قاعدة معاه لوحدك في الشاليه وش تسوين معه كل هالوقت يا حيوانة؟؟

الريم : لا تخافي أنا اعرف أحافظ على نفسي منه .. وما صار بينا شي

مروة : ههههههههههه يعني كل هالوقت قاعدة معاه وش تسوين ؟ تلعبون زاتا مثلاً ؟؟

الريم : قلت لك أنِّي محافظة على نفسي ..وهو مايقدر يسوي لي شي وأنا مو راضية
مروة : تـراك غبية على فكرة ..غبية أكثر من ماكنت أتصور ..وعرف وليد كيف يضحك عليك بكلمتين ...لعلمك تراه يطلع مع عشر غيرك

الريم : هذا كان قـبل بس الحين تغير وما يكلم أو يطلع الا معي أنا ..وهو وعدني بالزواج بس ينتظر حتى يتخرج وأبوه يقتنع

مروة : ههههههههههه انطر يا حمار لين يجيك الربيع ..... انتِ مصدقة أن هالفاشل بيتخرج ؟؟

الريم : وش فيك انتِ على وليد ؟؟ وليد فعلاً تغير مو مثل قبل ..وهو وعدني وأنا مصدقته

كانت رغبة تراود مروة منذ زمن وهي تخريب علاقة وليد بالريم ، تعلم بنية وليد الصادقة وأنه حقاً فاتح والده عن رغبته في خطبة الريم ، ولكن فكرة تخريب علاقتهما تزداد يوماً بعد يوم ، وقد جاءتها الفرصة الآن : وليد اخوي وأعرفه أكثر منك ... وانتِ ماتعرفينه تراه يضحك عليك

الريم : مروة لا تتكلمي معي بالألغاز عندك شي قوليه بصراحة

بدأت مروة بسرد ماضي وليد السيء وعلاقاته المتعددة مع الفتيات المستمرة الى الآن، وأخبرتها أيضاً عن تلك المرأة "خيال " ، وقامت باختلاق بعض القصص المزيفة لتزيد الطين بلَة.ـ

تغيَر وجه الريم وبدت عليه معالم الضيق وبللت الدموع وجنتيها ، وتتشوه صورة وليد في عقلها ، قالت بصوت مقهور : توصـل فيه الحقارة أن يـنام مع بنـات ، انا كنت أدري من قبل ان مغازلجي بس ماتوقعت لذي الدرجة ، هو قال لي ان انا الوحيدة اللي دخلني معه الى الشاليه ، يعني كان يكذب علي ؟؟

مروة : حبيبتي أنا قلت لك من قبل وحذرتك منه .. قلت لك انه واحد حقير ونسونجي وكذاب وفوق هذا مدمن خمر .. بس انتِ الغبية اللي ماشية وراه

الريم وهي ترفع صوتها الباكي : هو قال لي ان تغير عشاني ..طيب انتِ وش دراك ؟؟ مو معقوله يكون قال لك كل هذا ؟؟

مروة : أي هو صحيح ما قال لي .. بس انا مريو ما تخفى علي خافية ..خصوصاً وليدوه ..كل شي أعرفه عنه ..مفضوح حتى لو حاول يخبي

الريم : طيب يمكن تـاب .. هو قال لي ان تغير مروة هو قال لي ان بيتزوجني ..وانه تغير يمكن يكون صادق

مروة : اففف بتظلي طول عمرك غبية مافي فايدة منك ... اتصلي له خلينا نتأكد ..اتصلي له واسأليه وينه فيه ؟؟ نشوف وش بقول لك

أخرجت بجوالها من حقيبتها ، امسكت به و اختارت اسمه المدرج في قائمة " المفضلة " ،وضعت المكالمة في وضعية " سبيكر " انتظرت للحظات ثم أجابها : الو هلا حبيبتي

الريم وهي تحاول أن يبدو صوتها طبيعياً : ولـيد وينك فيه ؟؟

أجابها : أنـا في المكتبة رايح اشتري كتاب للجامعة .. تعرفين ناوي اتخرج هالسنة وما احمل مواد عشانك .. تبغين شي حبيبتي ؟

الريم : لا سلامتك بس كنت بتطمن عليك ... بكرة أشوفك حبيبي .. يلا بسكر الحين لأن امي تتصل باي

بعد أن أغلقت الخط ، نظرت الى مروة باستنكار : وش رايك ؟

مروة : يلعن شكله السيد رومانسي يعرف كيف يكذب .. انا بثبت لك الحين انه كذاب اصبري علي.
أمسكت بجوالها ووضعته " سبيكر " ثم جاءها صوت وليد : مريو وش تبغين ؟؟ قولي بسرعة مب فاضي لوجهك

مروة : عند مين السهرة الليلة ؟ اليسا والا جريتا ؟ واللا يمكن طالع تتعشى مع الحب القديم سلوى ؟

صمت للحظات ثم قال بارتباك واضح : انتِ وش درَاك ؟؟
نظرت مروة الى وجه الريم الحزين ، وملامحها التي تعتصرها بضيق وبدأت الدموع تنهمر من عينيها من جديد .ـ

غيرت وضعية الجوال الى خاص ، وقالت : مو مهم من وين عرفت ، بس انتبه الى الريم لأن احسها شاكة في شي ... بس قلت انبهك لا غير ويلا باي


اقتربت من الريم التي تبكي بهستيرية وتصرخ : حقـيير .. أنـا كيف صدقته ؟؟ نذل وكذاب ..الله يلعنه .. كذاب


امسكتها من يدها تحاول تهدئتها : بس خلاص لا تبكين .. زين انك عرفتيه على حقيقته قبل لا يستغلك أكثر

الريم بصراخ وصوت منتحب : كيف قدر يكذب علي ويستغفلني .. وانا الحيوانة مصدقة انه يحبني و يموت فيني ...وهو كان طول الوقت يكذب علي

مروة : تراه ماضربك على ايدك وجبرك انك تطلعين معه ...كل شي كان بارادتك .. يعني وليد صحيح حقير ونذل بس ترى مافي الا الغبيات أشكالك يمشون وراه ويصدقونه .. وللأمانة هو عمره ما جبر أحد على شي .ـ

الريم : خلاص مروة الي فيني يكفيني لاتزيدين علي ... ادري انك حذرتيني ونصحتيني من قبل خلاص تكفين اسكتي

مروة بملل : طيب امسحي دموعك ووقفي بكا .. والله مايسوى تسوين كل هالدراما عشان وليد

الريم وهي لازالت تبكي وتنتحب : أنا أوريك فيه الحقير ... باشربه من نفس الكاس ..بنتقم منه بنفس طريقته الحقيرة

مروة باستنكار : وش قصدك ؟؟؟؟

الريم : بامثل ان اخونه ... ومع صاحبه بعد .. باخليه ينقهر ويذوق طعم الخيانة

مروة : أقول اهجدي بس ولا تجني ...تراه مجنون ومب صاحي عادي السالفة تنقلب عليك في الأخير

الريم : يعني وش بسوي لي مثلاً ؟؟ ما يقدر يسوي لي شي .. وأنا خلاص عفته ما ابيه

مروة : الريم ياغبية...لا تنسي ان هو رجال وانتِ بنت ... هو لو وش سوى وفعل يظل رجال و شايل عيبه وماراح يأثر عليه كلام الناس ... بس انتِ أي كلام يطلع عليك راح يضرك ويضر أهلك وسمعتك .. و وليد واحد مجنون ماتتوقعين ردة فعله وش راح تكون ... عادي يفضحك أو يطلع عليك كلام او ممكن يسوي شي أعظم ... افتهمي يا بقرة

الريم وقد احمَر وجهها وبهتت عينيها من كثرة البكاء : يعني تبغيني أسكت له ؟؟؟ كل اللي سواه لي وأسكت له وكأن عادي ما صار شي ؟؟

رن جوال الريم ليقطع عليهما حديثهما ، أمسكته الريم لترى أن المتصل هي والدتها ، مدته الى مروة : هاذي أمي ارفعيه انتِ ما اقدر اكلمها وانا بهالحالة

مروة : وش أقول لها ؟

الريم : قولي لها انِّ بنام عندك الليلة .. ما اقدر ارجع البيت وانا كذا أكيد امي بتلاحظ علي

مروة : لا تدخليني بينك وبين أمك .. وعلى اساس امك مررة تحب قعدتك عندي هنا ..اتفاهمي معها انتِ

الريم : ما تشوفين حالتي ؟؟؟ قولي لها انك قاعدة لوحدك في البيت وما بتقول شي تكفين مروة

نفذت كلام الريم وهي تتنهد وصبرها يكاد ينفذ ، وضعت الجوال على اذنها وهي تبرر : هلا يمه .. أنا قاعدة لوحدي في البيت ..ابوي مسافر ومافي احد ف البيت غيري معليش تخلي الريم معي الليلة .... لا حتى وليد مب في البيت .. طيب ..طيب .. مع السلامة



*



في صباح اليوم التالي ، كانت الريم كالمجنونة ترمي بكل شيء تراه أمامها على وليد المذهول من تصرفها ، كان جالساً في ركن الإفطار يتناول فطوره ثم جاءت هي وداهمت وجبته، قامت بتفريغ صحن البيض المقلي على الطاولة ثم رمت به ليتكسر على الأرضية الرخامية ، ثم بدأت تنهل عليه بوابل من الشتائم .

ولم تبقى آنية أو تحفة أو صحن أو ملعقة على طاولة الطعام إلا وقذفته نحوه وهو يحاول تفادي ضرباتها العشوائية ، نطق بصراخ محاولاً فهم المغزى من جنونها المفاجئ : الريم ... اهدي وخلينا نتفاهم .. وش فيك انتِ انهبلتي ؟؟

قاطعته وهي ترمي بالتحفة الفخارية نحوه ، حاول تفاديها ولكنها تهشمت على ساعده ، مسببةً جرحاً غزيراً ، وقفت تنظر الى جرح ساعده الدامي وهي تلتقط أنفاسها ، قالت من بين دموعها بصوت
يشبه فحيح الأفعى من شدة القهر الذي يعتصر قلبها ويجثم على أنفاسها : أنت كنت طـول هالمدة تكذب علي .. وانت تنام كل ليلة في حضن وحدة غير .. وتقول نفس الكلام اللي تقوله لي لغيري

اقترب منها وهو في صدمة من كلامها : مين اللي قالك هالكلام ؟؟ هالكلام مو صحيح ..انتِ الوحيدة في حياتي

صرخت : يكفي كذب ...خلاص يكفي كذب ..أنا عرفت كل شيء ..وعرفت كذباتك الحقيرة كلها

اقترب منها واضعاً يديه على كتفيها ،يحاول تهدئتها برفق ، ابتعدت عنه بتقزز : لا تلمسني ..ولاتقرب مني يا حقير ..وترى مو بس انت اللي تعرف تخون ..أنا بعد أقدر .

قطب حاجبيه باستنكار : وش قصدك ؟؟

ابتعدت عنه وهي تركض مغادرة متجهةَ الي الباب الخارجي ، رفع صوته منادياً لها : لحظـة الريم !!
تجاهلته وهي تصفع بالباب بقوة .ـ



كانت مروة تجلس على طرف الدرج ، تابعت شجارهم بصمت وهي تحاول كتم صوت ضحكاتها ، وكأنها تتابع مسلسل خليجي مكرر ، قامت من مكانها بعد أن خرجت الريم ، اتجهت الى الوليد الجالس على الأريكة ، وجبينه يتكئ على كفه ، محدقاً في الا شيء ، ومعالم الضيق متضحة على وجهه ، جلست بجانبه وهي تحاول اخفاء ابتسامتها اللعوب ، قالت بكل أريحية : وش فيها انجنت ؟

ثبَّت نظراته الغاضبة عليها وقال بتهديد : انتِ وش قايلة لها ؟

رفعت كتفيها بلا مبالاة وهي تقول بهدوء : ما قلت لها شي ..بس هاذي سمر حبيبتك السابقة تذكرها ؟؟ ..اتصلت لها وقالت لها عن كل خياسك القديم والجديد بعـد قالت لها كل شيء وبالأدلة القاطعة

رجع برأسه الى الخلف ، تنهد بعمق ثم قال : هذا اللي ما حسبت حسابه ..،.أردف بنفس النبرة اليائسة : قالت لي " مو بس انت تقدر تخون ..أنا بعد اقدر "

مروة : ماعليك منها ..كذابة بس تبي تقهرك بهالكلام
قال بتساؤل : متى بيرجع أبوك من شهر العسل ؟

مروة بعد تفكير : الاسبوع الجاي على حسب علمي
وليد : لازم يوافق سامي ويقتنع بهالزواج ...والا بخسرها


*


تختلط الأحاسيس الباردة والمشتعلة داخلها ، تريد ان تعاقبه بالمثل ، تريد ان تنتقم لكرامتها وحبها الذي خانه ، أمالت برأسها وهي تتحدث بالجوال وتقول بغنج : أنـا معجبة سرية

جاءها صوته الرجولي الضاحك : طيب قولي لي انتِ مين ؟ وش اسمك ؟
الريم بضحكة : لا تستعجل بتعـرف قريـب
سلطان : بس ما يصير كذا ..انتِ تعرفيني وأنـا ما أعرفك
الريم : قاعدة افكر بمكان عشان نلتقي فيه قريب وتعرفني
سلطان بلهفة : يا بعد عمري .. متى ؟
الريم : اممم ما ادري بتصل لك قريب وبحدد معك مكان
أغلقت المكالمة وهي تضحك : خـروف ..بكلمتين جبت راسه


*

بعد أن عاد من سفره مع زوجته ، قضى شهرين بأكملهما متنقلاً بين دول أوروبا مع عروسه ، في هذين الشهرين عرفها أكثر ، ياسمين فتاة فطنة ويغلب عليها طابع الحزن الذي لا تحاول اخفاءه وتتظاهر بالغرور والكبرياء رغم بساطتها .
تتظاهر بالغرور وتحاول أن تبدو فخورة ومكابرة وتبين له أنها تعرف كل شيء و لكنها لا تستطيع اخفاء نظرات الانبهار التي تهاجم وجهها حينما ترى أشياءً لم ترها الا معه ، فهذه المرة الأولى التي تركب فيها طائرة وتبتعد خارج حدود المملكة ، وترى طبيعية أوروبا الساحرة وحضارتها المعمارية الآسرة ، وكان هو سعيداً برؤية تعابير وجهها الفرحة المتفاجئة ، كان منجذباً اليها انجذاباً شديداً ويشعر أنه عاد الى أيام شبابه معها ، .ـ


لم يمر يوم على عودته من سفره وها هو وليد يفاتحه في نفس الموضوع للمرة المئة ربما ، استمع لكلام ابنه حتى انتهى ، نظر الى ملامحه الجادة بعض الشيء وهو يختم كلامه بقول : يُبه أنا أوَل مرة أكون جاد وصادق لدي الدرجة

أجابه بهدوء وهو يحاول أن يكون كعادته ، فهو لا يحب ان يستخدم نبرة قاسية او غاضبة مع ابناءه : تدري يا وليد انِّ دائماً كنت احاول ما احسسكم انِّ أبوكم .. احاول اتعامل معاكم وكأني صديق

ضحك وليد ضحكة قصيرة تدل على الاستخفاف وقال بشيء من اللوم : في هاذي ضبطت معك كثـير

سامي بنفس نبرته الهادئة : تبي تخطبها روح اخطبها بروحك .. أنا ما احط ايدي في ايد ابوها ..أنا كم مرة فهمتك موقفي اتجاه ابوها ومشاكلي معه ..هذا عادل واحد نصاب ونذل ..تزوج خلود أرملة عمك وأقنعها أن أنـا أكلت حقها وحق مروة ..وما سلمتهم الورث كامـل .. مفهمها أن أنـا حرامي وسرقتهم .. وخلاها ترفع علي قضايا .. بس لأنه كذاب ما كسبهم .. وبعدين بدت المؤامرات والمشاكل .

قام من مكانه وهو ينهي كلامه مع وليد : تبي تخطبها أنـا ما اوقف في طريقك روح اخطبها بس لا تقول لي ان اجي معك

ذهب من أمامه ، ووليد يرمقه بنظرات يائسة ، عديمة الحيلة ، وكأنه قد وصل الى طريق مسدود ، لا يمكنه أن يخطب الريم بدون والده ، ووالده لازال مصِّر على رأيه ، نهض وهو يريد أن يختلي بنفسه ، يريد أن يسقي كبده ويذهب عقله بذلك السم الذي أدمنه ، فانه يجد في ذلك راحته وهروبه من ذلك الطريق المسدود .ـ



قبل أن يخرج ، أمسكت مروة بذراعه وهي تمنعه : وليـد يكفي أدري انك بتروح تشرب ..ارحم نفسك شوي
زفر بضيق : المشكلة أنها مو مصدقة انِّ كلمت ابوك ..تفكرني أكذب عليها وأماطـل
مروة وهي تقف أمامه : تبي الصدق ؟؟
وليد : غردي
مروة : انت مو وجه زواج .. حتى لو تزوجتها كلها كم يوم ويرجع مسلسل الخيانة اللي ما ينتهي
أزاحهـا من طريقه وخرج، غير مكترث بما تقول

*


في عطلة نهاية الأسبوع وفي أحد المجمعات التجارية الواسعة ، الأسواق تصبح من أكثر الأماكن ازدحاماً في العطل ، وكأن الناس لا تجد مكاناً آخر يأويها ، ضجيج وازدحام من كل حدب وصوب

كان وليد يجلس على طاولة في مقهى مفتوح وحيداً ، كان المقهى مقابلاً لمتجر للملابس النسائية ، حيث كان يراقب الريم من مسافة شبه قريبة ، كانت متلثمة بجزء من طرحتها ، ولا يظهر منها إلا عينيها الفاتنتين وحاجبيها المرسومين ولكن هذا لا يمنعه من معرفتها ، سيميزها حتى لو كانت ترتدي درع حديدي كامل

مرَ شهر على خلافه معها ، وهي لازالت ترفض الحديث معه ، ولازال والده مصِّر على رفضه ، ومنذ ذلك الحين وهو يراقب تحركاتها من مكـان لآخر .ـ


كانت تتقلب الملابس المواجهة لها وهي ترمقه بنظرات حادةَ تحذيرية ، ابتسم لها بسخرية ، قام من مكانه بعد أن دفع فاتورة القهوة التي شربها ، دخل الى المتجر و وقف موازياً لها ، لا يفصله عنها إلا طاولة عرض الملابس ، قالت بصوت أشبه للهمس وهي تشيح بوجهها جانباً : في كل مكان أروحه تطلع في وجهي ..وجهك ممسوح ببلاط كم مرة قلت لك ما أبيك؟

أخذ يقلب الملابس الموضوعة على الطاولة ثم قال وكأنه يحدث نفسه لكي لا تنجذب الأنظار نحوهما : لو ما أحبك وأغليك ما شفتيني اطلع لك في كل مكان ، أكمـل وهو يدندن : في كل مكان أطلع لك يمين يسار أطلع لك ..فوق تحت أطلع لك ما تقدر تراه

قالت وهي تتجنب النظر في وجهه بصوتها الهامس ذاته : شفت رجال الهيئة اللي واقفين هناك ؟ اذا ما ذلفت الحين بروح أشكيك لهم ويجون يجرونك قدام الناس مثل التيس

تراجع الى الخلف وهو يضحك ويحاول استفزازها ، ارتطم جسده من الخلف بطفل صغير ، التفت ليجد والدته تصرخ في وجهه : انت ليه ما تمشي مثل الناس ؟؟ استغفر الله العظيـم


همست الريم في داخلها " غبي " ، أخرجت جوالها من حقيبتها الصغيرة ، التفتت لتجري مكالمة مع سلطان ، ستنفذ الخطة الآن وأمام عيني وليد ، وستجعله يتجرع طعم الخيانة من ذات الكأس ، قالت بصوتها الناعم : الو حبيبي وينك ؟

جاءها صوته المتحمس : وأخيراً بلتقي فيك واشوفك.. أنا جالس في المقهى اللي اتفقنا عليه
الريم : طيب جاية لك الحين


عاد وليد لمقعده في المقهى ، ينظر الى ملامح الناس المبهمة حوله ، شكَّ في هوية شاب يجلس أمامه يرتدي قميص أزرق مقلَّم ، كان الشاب يعطيه ظهره لذا لم تتبين له ملامحه ، غاصت تعابير وجهه في صدمة وهو يرى الريم تقترب من ذلك الشاب وتتحدث معه ، قام من كرسيه ليتأكد من شكوكه ، وكان ذلك الشاب هو صديقه سلطان ، مرَت كلمات الريم السابقة في عقله " مو بس انت تقدر تخـون أنا بعد أقدر " ـ، شعر وكأن ماء باردة كالصقيع تُصب على رأسه ، لقد كانت تعني تلك الجملة حقَّاً!!، لم تكن مجرد جملة قالتها بسبب حالة غضب ، بدأت الأفكار تتدفق الى عقله بجنون ، منذ متى وهي معه ؟ ، ومنذ متى يستغفله سلطان بهذه الطريقة الدنيئة ؟؟ ، لقد باح له بسره وهو حبه ورغبته في الزواج من الريم وها هو الآن يخرج معها !!!!!ـ

كانت الريم ترمقه بنظرات جانبية منتصرة ، بينما سلطان ينظر الى الريم ويحادثها غير منتبه لوجوده ، لم يشعر إلا برجليه تأخذانه بعيداً عنهما ، تجاوزهما وهو يشعر بسكـين تنغرس في قلبه وتجرح كبرياءه ، وكمثل انتزاع تلك السكين من قلبه قام بحركته ، وقف أمام رجال الهيئة وهو يتحدث بصوت خالي من المشاعر : السلام عليكم يا شيخ ..أنـا ابي أبلغ عن اثنين طالعين مع بعض في خلوة غير شرعية

استدار له رجل الهيئة الملتحي وقال بوقار : وعليكم السلام ... انت متأكد من كلامك ؟

وليد : متأكد .. أنـا ما اقدر اشوف الغلط وأسكت .. أهم شي عندي أعراض الناس ما تنرمي بالباطل

أشار لهم ناحية المقهى ، حيث تجلس الريم مع سلطان وهما يتبادلان الأحاديث ، اتجهوا رجال الهيئة اليهما وبدأوا في التحقيق معهما ، وارتفعت الأصوات ، كانت الريم في موقف لا تحسد عليه ، كان الرعب يسيطر عليها وكذلك كان سلطان .ـ

أما وليد فخرج من المجمع وهو في حالة من الصدمة ، في حالة من " الا شعور " .ـ


*


" تدري أن الريم قضت هاذيك الليلة كلها في مركز الهيئة ؟؟ انت دمرتها "

يجلس على الكنبة في غرفته يستمع الى حديث مروة الذي لا يخلو من العتاب ،يستمع اليها وملامحه في شرود ويعتليه صمت مريب ، أكملت حديثها : عمي عادل منهار من اللي صار وحتى أمي ، والريم اعترفت لأمي بكل شيء وقالت لها كل شيء كان بينك وبينها وقالت لها بعد أن انت اللي بلغت عنهم الهيئة ، واتصلت لي أمي وما ظلت كلمة وسخة ما قالتها لي ، قلت لك صح ؟ عن ان الريم وسلطان أساساً ما بينهم شي وهو ما يعرفها ، وهي سوت كذا بس عشان تقهرك .ـ

قال بهدوء: و سامي عرف باللي صار ؟

مروة : أكيـد عرف ، أكـيد امي اتصلت له وقالت له عنك .. بس كالعادة كلام أمي ما يهز شعرة من راس ابوي .. فهو مطنش لك ويسوي نفسه ما يدري
قالت بتساؤل : انت ليه ما تفكر قبل لا تتهور ؟

وليد : لمَّا شفتهم مع بعض ، كنت احس وكأن سكين انغرست في ظهري ، كان في بالي بس انِّ انزعها منِّي وارتاح
مروة : وارتحت الحين ؟
زفر بضيق : لا
مروة وهي تبعد عينيها عنه : الريم بتتزوج من خالد
وليد : ميـن خالد ؟
مروة : هذا واحد من أقرباء عادل .. خطب الريم من قبل أكثر من مرة بس هي كانت ترفض .. بس الحين ما تقدر ترفض بعد اللي صار

تمتم بكلمات متقطعة وكأنه يؤنب نفسه : أنـا واحد حقير ..ونذل ..ما اقدر اتغير ..ماهو بيدي ضيعتها وأنا ضعت بعد .... اصلاً انا ضايع من زمان .. وما ادري ويني

قامت من مكانها وهي تهز رأسها بأسف ، قالت بضيق : سكران صح ؟؟ الله يعينك على نفسك

امسك بهاتفه يكاد يعتصره في يده وضغط على ازراره بقوة لم تكن الا ثواني حتى جائه صوتها الانثوي الحزين : انت شتبي أكثثر مو حرام عليك
وليد : رييم انتِ اللي حرام عليك خلينا نحل الموضوع تكفين
الريم بصراخ : لييييييش ؟؟ انت خليت عندي حل ثاااني وليد انت دمرتني دمرتنيييي الله ينتقم مننك الله لا يوفقك
وليد برجاء : رييم انا ماكان ودي توصل الامور لهنا صدقيني خلينا نشوف حل ثاني ريم انا ماقدر استغني عننك
الريم : ههه بعد ايييش ؟؟ الحين عرفت قيمتي بعد ايييش ؟؟ قولي بعد ايششش ؟
وليد : رييم مو بس انا اللي غلطت انتِ بعد غلطتي بحقي وانتِ عارفه هالشي زييين وانا سامحتك انت لازم تعطيني فرصة
الريم : على فكرة انت اوسخ وانذل واحد شفته بحياتي لاعاد تتصل مررة ثانية مابي اسمع صووتك يكفيييي
اغلقت الخط ، تجمع الدم في وجهه واخذ يتنفس بسرعه
القى بالهاتف على الجدار بقوة حتى تساقط قطع متناثرة على الارض


انتهى 

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...