تجلس ليلى على طرف السرير مُطبقة شفتيها في صمت بائس ، رفعت عينيها الى نور التي تفوقها بؤساً ، تضم ركبتيها الى صدرها و تُحدق في الفراغ ، ضاقت ملامح ليلى و هي تنظر اليها ، قامت بهدوء و جلست بجانبها و هي تُحيطها بذراعها ..قالت بمواساة : طولي بالك نور ..اصلاً هو اكيد في النهاية ما بيتحمل مسؤولية سارة لوحده و برجعها ..، ابتسمت محاولةً تسليتها : اصلاً من يقدر يتحمل بنتك ؟ انا اذا خليتيها عندي تطلع لي قرون من دلعها و شغبها ..ما بالك هو الرجال ...اكيد ما بيتحمل .
نور بصوت مخنوق : هو ماعنده صبر عليها واكيد بتأذيه ..، سرح خيالها اليه ، و هي تتخيل وضعه مع سارة ، يُنومها ، يغير ملابسها و حفاظها و يُحممها ، يسرح شعرها و يُطعمها ، يتحمل بكاءها ليلاً و شغبها نهاراً ، انفلتت منها ضحكة صغيرة لا تناسب ملامحها البائسة ، ابتسمت ليلى لها : ههههههه اكيد تخيلتي نفس اللي تخيلته ..اصلاً مافيه رجال يقدر يتحمل مسؤولية طفلة كاملة لوحده .
رجعت نور لبؤسها : اكيد اخذها لأخته .
ليلى : اللي اعرفه ان اغلب اهله في جدة .. و الا قصدك هاذي اخته رانيا اللي عندها عيال كثير ..كم عندها خمسة و الا ستة ؟
نور : ستة ..و كلهم صغار جابتهم ورا بعض .
ليلى : يعني المسكينة كافي عليها عيالها ..بعد تتحمل عيال غيرها ؟ حتى لو بتساعده فيها ما بتقعد تساعده طول عمرها .
نور : مادري عنه ...بس هاذي اخته طيبة كثير وما استبعد تسويها .
تنهدت ببؤس ، ثم تعلقت عينيها في عيني ليلى بشجن : بس عندي احساس انه بيرجع ..يعني ليلى مو معقولة عشرتي لهالدرجة سهلة عنده ؟ و لهالدرجة ذكرياتي تهون؟ .. منصور صحيح جلف و ثقيل و شايف حاله ..بس هو في داخله مو كذا ..هو بس يكابر .. ومستثقل انه يرجع و يكلمني و يتنازل عن قراره بهالسهولة ..بس عندي احساس انه بيرجع ، انا دائماً متعودة اني احسن ظني فيه مهما صار .. هو بتصرفاته المتناقضة عودني على كذا .
وضعت ليلى رأسها على كتف نور و هي تقول برجاء : اتمنى يصدق احساسك .. اتمنى .
فتحت الهنوف الباب سريعاً بعد ان طرقته ، وقفت تنظر الى ملامحهن البائسة ، مغلوب على امرها ، تحتقر نفسها لأجلهن و لكنها لن تفضح نفسها بعد كلِ ما حصل ، لن تعترف و تؤدي بنفسها الى التهلكة ، ستلعب دور زوجة الأخ المُحبَّة و تُحاول مواساتهن علَّ ضميرها يكُف و لو قليلاً عن تأنيبها ، علَّ داخلها يستريح و ذنوبها تصغُر ، اقتربت منهن و جلست بجانبهن على السرير ، وضعت كفها على ساعد نور و هي تقول بابتسامة : اخوك بروح يكلم منصور اليوم ..لا تضايقين نفسك و يكفي كآبة ...ان شاء الله حامد يأثر فيه .
قالت ليلى بقلق : الله يستر .. يا خوفي حامد يكسر فكه و بدل لا يحل الموضوع يطينه زيادة
عقدت نور حاجبيها و هي تُفكر بهذا الاحتمال بينما هتفت الهنوف باعتراض : لا لا تقولين كذا ... تفاءلوا وش هالبؤس اللي انتم فيه ؟ ..انا وصيت حامد يهدى و يكلمه بعقل وما يعصب .. ان شاء الله ما فيه الا الخير و ترجع المياه لمجراها و ترجعين لزوجك يا نور .
ليلى و هي تنظر لنور : و بترضين ترجعين له بهالسهولة لو فرضاً قال برجعك ؟ انا من رايي لا ترجعين له الا بشروطك .. يتركك بهالطريقة الخايسة و تسكتين له ؟
صمتت نور و هي تنظر امامها بعبوس ، ضربت الهنوف كتف ليلى و قالت بزجر : لا تشيشينها مو ناقصين ...طبعاً بترضى ترجع له ..ابو بنتها و بينهم عشرة عمر .. واذا قال برجعها بترجع له و هي ساكتة .. بلا شروط بلا خرابيط .. ناقصين مشاكل حنا .
ليلى : و كرامتها ؟ المفروض ما نرضى ترجع له كذا و كأنا ميتين عليه و نترجاه عشان يرجعها .. حاصل له اصلاً وحدة مثل نور .
الهنوف : اقول انطمي بس و ابلعي لسانك .
تستمع اليهن نور و هي غارقة في همها ، قالت بكبرياء جريح : انا اللي يهمني بنتي و بس .. اذا ما جابها حامد لي اليوم بكون لي تصرف ثاني معه .
الهنوف بسرعة : لا برجعها لك ان شاء الله.. برجعها .
رفعت نور جوَّالها بعد ان رن ، نطرت الى شاشته و قالت بقلق : هاذي ياسمين ... الله يستر لا يكون في هالة شي .
قامت من مكانها لتخرج و تجيب على مكالمتها ، قامت ليلى لتتبعها بقلق و لكن الهنوف امسكتها من ذراعها لتوقفها ، استدارت ليلى لها : نعم !!!
الهنوف بنبرة شك : وانتِ وش عندك اشوفك مكثرة قعدتك عندنا هاليومين .. لا يكون متزاعلة مع زوجك انتِ الثانية بعد ؟
ليلى باستغراب : لا ..ليه هالسؤال ؟
الهنوف بخفوت : بصراحة من تطلقت نور و انا احاتيك .. خايفة تصيرين مثلها ..خصوصاً ان ام زوجك ما هي هينة .
جلست ليلى بجانبها و كلامها يدور في رأسها ، قالت بنفي : لا .. يوسف يحبني و انتِ شفتيه بعينك كيف كان واقف معنا .. و هو دايم يقول لي ان اللي صار ما يهمه و مايغير شي في نظرته لي و في علاقتنا .
الهنوف : بس لا تنسي ان امه عقربة و تراه يعرفها قبل لا يعرف خشتك .. و طبيعي جداً تأثر عليه
صمتت ليلى فجأة و هي تتذكر ان يوسف لم يُجب على مُكالماتها الاخيرة له منذ ساعات ، اخذ كلام الهنوف يؤثر على عقلها بخوف ، امسكت بجوالها لتُجري مكالمة مع يوسف لتُكذب تلك الافكار التي راودتها .
جاءها صوته بعد لحظات : هلا ليلى
ليلى بحزم : انت وينك فيه ؟ ليه ما رديت على مكالماتي لك ؟ لا وكنت مسكر جوالك بعد و كأنك تتعمد تتجاهلني
تفاجأ يوسف من هجومها عليه دُفعة واحدة ، قال بامتعاض : وش فيك معصبة ؟ كنت نايم و عشان كذا سكرت جوالي .
ليلى بعدم اقتناع : طيب .. انت وينك فيه الحين ؟
يوسف : في البيت .. تبين امر آخذك الحين و الا ؟
ليلى بعد تفكير : لا .. بقعد معهم الى الليل بعد ..نور متضايقة و تحتاجني
يوسف بلا مُبالاة : على راحتك ... واذا تبغين تنامين عندها بعد ما في مشكلة
صمتت ليلى لبُرهة ثم قالت بغصة : كأنك تدور الفكَّة مني ؟
يوسف بسخرية : و انتِ كأنك تدورين اي سبب تزعلين عشانه ؟
ليلى بقهر : لا .. و باخذ برايك و بنام عند اهلي مثل ما تفضلت ..و بكرة اذا لا سمح الله جيت على بالك تعال مرني .
تنهد بنفاذ صبر : ايه على راحتك .. يلا بسكر الحين باي
انزلت ليلى جوالها من اذنها و هي تضغط عليه بعصبية ، الهنوف و هي تنظر اليها بعدم رضا : غبية انتِ ؟ و ليه تقولين له انك بتنامين عندنا بعد ؟ روحي لبيت زوجك و عن الهبال ... لا تعطين لخالتك فرصة عشان تلعب بعقل ولدها و تقلبه ضدك
ليلى بثقة : يوسف يحبني و كلام امه ما يأثر فيه
الهنوف : اختك بعد تقول ان زوجها يحبها .. و في الاخير طلقها و ما سأل يا غبية انا خايفة عليك عشان كذا اقولك هالكلام .. انتبهي لزوجك لا يطير من ايدك
انزلت ليلى رأسها و هي تُفكر في كلامها و تأخذ به بالاعتبار ، جاءت نور اليهم و ملامحها شاحبة بغرابة ، قالت ببهوت : هالة امس انهارت و قامت تصرخ و هي الحين في المستشفى .
شهقت الهنوف بخوف بينما قامت ليلى من مكانها و تمسك بيد نور بتوجس : وش فيها ؟ وش صار معها ؟
نور بشجن : تقول ياسمين .. انها ما تجاوبت مع الطبيبة النفسية و تجاهلت علاجها و ادويتها فزادت حالتها .
الهنوف بصدمة : يا حسرتي عليها يعني صارت متخلفة ؟
نظرت لها نور بغضب من كلمة " متخلفة " رفعت صوتها بغيظ : المتخلف تفكييرك ... يعني البنت بعد كل البلاوي اللي صارت لها اكيد بتتعب نفسيتها ..انقلبت حياتها فوق تحت ، وجهت نظراتها الغاضبة نحو ليلى : و كلنا تخلينا عنها و كأنها مو انسانة .. ما احد وقف معها منكم ، و هي في حياتها كلها ما بعدت عنا و متعودة على دلالنا و اهتمامنا و فجأة فقدت كل شي .. و ماتبغون نفسيتها تتعب بعد ؟
انزلت ليلى رأسها و قد غاصت عينيها بالدموع ، اكملت نور كلامها بذات اللهجة الغاضبة : اساساً بعد اللي صار كلنا تعبت نفسيتنا و نحتاج لاستشارة نفسية حالنا من حالها .. ، ركزت نظراتها على الهنوف و هي تُكمل : و أولنا حامد .. تحول لواحد مجرم و صار مجنون رسمي .
ابتعدت عنهن و هي تُخرج عباءتها من الخزانة لترتديها : باروح لها المستشفى مع السايق ..ما بتركها لوحدها هناك
اقتربت منها الهنوف بينما انزوت ليلى في زاوية الغُرفة تمسح دموعها و تكتم شهقاتها ، الهنوف : بروح معك .. هي في أي مستشفى ؟
نور : مستشفى الزاهر اللي في الخُبر
صمتت الهنوف تُفكر باستغراب عن السبب الذي يدفع ادارة الدار لأخذ هالة لمشفى خاص بدلاً من مشفى حُكومي ، قالت بسرعة و قد تذكرت شيئاً مُهماً : مو هذا نفسه المُستشفى اللي يشتغل فيه زوجك ؟
صمتت نور وقد تذكرت فعلاً انه ذات المشفى : ايه نفسه
الهنوف : نور لا تتهورين و تروحين لها و تخربين الامور زيادة ... حامد بروح يكلمه اليوم لا تخربين على نفسك ...افرضي شافك منصور هناك .
نور بهدوء : و يشوفني و يعني ؟ هو طلقني و ماله كلمة علي .
اقتربت ليلى منها و على وجهها بقايا دموع ، قالت بصوت متشنج : لا تروحين نور .. نسيتي انه طلقك عشانها .. اذا شافك هناك بفكر انه عادي الموضوع عندك و ما يهمك الطلاق و يمكن يعاند و تزيد المشكلة و الضحية سارة .
صمتت نور تُفكر بذلك الاحتمال بقهر و ضيق ، قالت بصرامة : ليلى انتِ روحي لها بدالي ... و انا بتطمن عليها بالتلفون و بس تهدى الامور اكيد بروح لها .
انزلت ليلى رأسها و بدأت دموعها بالانهمار مُجدداً .. قالت بصوت باكي : ما اقدر اروح لها .. ما اتحمل .
امسكت بذراعيها و هي تقول بحزم : ترى اذا صار لها شي .. انتِ اول وحدة بتندم .. ليلى لا تصيري قاسية .. يعني اذا غلطت خلاص هذا يعني انها انتهت ؟ .. احنا اهلها و مهما كان غلطها المفروض نوقف معها و مانتركها .. يعني كل اللي صار لها من مصايب ما يُعتبر عقاب كافي لها ؟
هزت ليلى رأسها بالنفي ، و دموعها تتساقط : ما اتحمل اشوفها .. مو مستعدة اسامحها .. نور ما اقدر .
رفعت نور صوتها : ليلى !!!
قاطعتهم الهنوف : خلاص انا بروح لها لا تتهاوشون ... انا بروح لها و بحاول اخفف عنها و اقنعها تاخذ علاجها .
*
جُدران بألوان خشبية كلاسيكية ، أرضية رُخامية ممزوجة باللونين الذهبي و السُكري ، غُرفة واسعة توسطها مكتب عريض و فخم ، ينظر سامي الى ابنه الذي يجلس على الكُرسي امامه ، يُحاول نُصحه ، عتابه ، لومه و لا يستطيع ، يعلم جيداً بأن وليد مُخطئ و ان ياسمين مُحِقَّة و لا تُبالغ ، ابعد ناظريه عنه و اعطاه ظهره و هو يمشي بهدوء في الغُرفة ، يشبك كفيه ببعضهما خلف ظهره و هو يُحاول ان يكون حازماً ، و ان يأخذ دور الأب الحازم هذه المرة ، اتجه الى النافذة المُستطيلة الطويلة آخر الغرفة ، ينظر الى اطلالة المُستشفى بهدوء : وليد هالبنت مسكينة و مريضة .. اتركها في حالها و لا تجيب لنفسك المشاكل .
رفع وليد رأسه و هو يتصنع الا مُبالاة ، كلام والده يدخل الى عقله و لا يُحدث داخله تأثيراً ، قال بهدوء : انا في الأصل ما كنت ناوي اسوي لها شي و ماهي في بالي من الأساس .. و اللي حصل سوء فهم مو أكثر .. و هي مريضة من قبل لا تشوفني و لما شافتني انخضت و قامت تصارخ وانا عرفت من الدكتور المسؤول عنها ان عندها اكتئاب حاد و زاد بسبب اهمالها للأدوية فلا تحط الحق كله علي ...و انا اكيد ما ببلي نفسي في وحدة مثلها .
استدار سامي اليه ، ينظر الى عينيه ببرود ، وليد في الحقيقة هو مرآته ، مرآته عندما كان شابَّاً يُقارب له في العمر ، قال بلهجة يُحاول ان تكون صارمة و حازمة : اتركها في حالها يا وليد ... ما ابي اسمع مشاكل ثانية من ورا هالموضوع .
وليد بعدم اهتمام : قلت لك انِّي مو ناوي اضرها من الاساس ... و هالبنت ما تهمني و ما تعنيني شي .
اومأ سامي رأسه بتفهم : خذ مروة و روحوا الكويت ..و اذا شفت ياسمين طنشها و لا تكلمها .
قام وليد من مكانه يقصد الخروج : يلا فمان الله .
خرج من المكتب و سامي يُتابعه بعينيه بيأس ، هل هذا هو مقدار الحزم الذي استطاع ان يُظهره لوليد ؟ هل كلامه مع ابنه يُعتبر عتاباً او نصيحة ?.. ما قاله لا يحمل و لو حتى مقداراً بسيطاً من القسوة المُفترضة في مثل هذه الحالة ، هو لا يستطيع ان يقسو على ابنه الطائش الذي يُذكره بنفسه في ايَّام شبابه ، لا يستطيع ان يكون حازماً معه اكثر من ما فعله قبل قليل ، فوليد يحمل صورته في الماضي ، ذات الوقاحة و ذات الا مُبالاة ، ذات الحياة الفوضوية المُتجردة من المسؤوليَّات ، اغمض عينيه و زفر بضيق ، لقد كان في شبابه شابَّاً طائشاً مثل وليد ، لقد كان تائهاً و مستهتراً الى ان دفع الثمن ، الى ان علمته الحياة و جعلته يدفع ثمن اخطائه بأغلى الأثمان ، لقد كان في الماضي شابَّاً مستهتراً مثل وليد ، لا !!! لم يكن مثل وليد بل كان اسوء !!!
*
تسير في ممرات المُستشفى بحُلتها البيضاء ، متشحة بالبياض من رأسها الى اخمص قدميها ، تسير بهدوء و رزانة تحمل في يديها صندوق بلاستيكي صغير يحوي بعض الإبر و الأدوية ، تُحب عملها كثيراً و تحاول ان تجتهد فيه و تتقنه ، فمهنة التمريض قبل ان تكون مهنتها التي تُحبها هي عمل انساني شريف تؤجر عليه من ربها قبل أي احد ، و دعوة صادقة من مريض كفيلة بمنحها سعادة تبهجها و تزيدها اخلاصاً و نشاطاً ، توقفت جنان لبُرهة و هي تنظر الى زميلتها منيرة الواقفة بجانب احد الاطباء على مسافة شبه قريبة منها ، اختلست جنان النظر اليها و هي تُحاول ان لا يبدو عليها ذلك ، كانت منيرة تضحك بصوت مُرتفع و يُبادلها ذلك الطبيب الضحك ايضاً و لكن صوت ضحكات منيرة تطغى على صوته ، انزلت جنان رأسها بأسى و خزي من حال منيرة ، لقد لاحظت سابقاً ان تصرفات منيرة المُثيرة للشبهة و لكنها لم تتوقع ان تكون بهذا المُستوى الدنيء من نقص العفاف و انعدام الحياء ، رفعت رأسها بهدوء تنظر لمنيرة التي انتهت من احاديثها و وقفت امامها و تحمل ابتسامة ذات معنى : جنانوه وش عندك واقفة هنا ؟ مافيه شغل و الا كيف
جنان ببرود : إلا فيه شغل بس منظرك مع هالدكتور لفت نظري .. بصراحة شكلكم مررة غلط
ضحكت منيرة بخفة : هذا دكتور جهاد من قبل كنت حاسة انه حاط عينه علي ...بس مررة خفيف و اهبل و ما جاز لي .
جنان بعتب : انتِ جاية تشتغلين و الا تدورين لك على رجل ؟
منيرة : ههههههه الأثنين يا حبيبتي
جنان بهدوء : مافيه رجال يرضى يتزوج وحدة تعرض نفسها عليه بهالطريقة ... اثقلي شوي يا منيرة عيب عليك احنا في مستشفى و في مكان مُحترم عيب هالحركات ... يعني الاحراج اللي جاك من دكتور منصور ما يكفي ؟ والحين رحتي لهذا الاهبل دكتور جهاد اللي واضح انه يتسلى فيك مو أكثر
رفعت منيرة حاجبها و لم يرق لها ابداً كلام جنان ، قالت بوجوم : وش قصدك ؟ كل هذا غيرة من جمالي .. لأني هنا الكل يطالعني بإعجاب عكسك يا ام نظارات كبيرة هههههه.
كانت جنان تحمل ملامح عادية مُتوسطة الجمال ، و ترتدي نظارة سوداء كبيرة تُغطي نصف وجهها ، و لا تكترث بإبراز جمالها ابداً عكس منيرة التي لم تكن جميلة فحسب ، بل تُحاول ابراز جمالها و لفت الأنظار حولها بشتى الطرق .
قالت جنان بعد فترة وجيزة من الصمت ، لقد اذهلها كلام منيرة الذي يدل على سطحية تفكيرها لا غير ، قالت بعدم اكتراث : انا كنت اقصد انصحك و انبهك بُحكم انك زميلتي .. و انتِ حرة تاخذين بهالنصيحة او لا .
ابتسمت منيرة بخُبث : اوكي حبيبتي وصلت النصيحة .
ابتعدت عنها و هي تسير بتمايل و غنج ، تتجه الى ذلك الطبيب " الدكتور جهاد " الذي كانت تُحادثه قبل قليل ، تجاهلتها جنان و هي تومئ برأسها بأسف ، اكملت مسيرها نحو احدى الغُرف الا انها توقفت بصدمة من نظرات الدكتور جهاد مع منيرة نحوها ، اذ كان من الواضح انهم يتحدثون عنها ، يرفع الدكتور جهاد رأسه و يوجه نظرات غريبة نحوها بينما تضحك منيرة و تهمس بكلمات لم تسمعها ، توقفت جنان تنظر اليهم مصدومة بينما ذلك الدكتور جهاد لازال ينظر اليها بذات النظرات الغريبة و ابتسامة عريضة تشق وجهه ، احمَّر وجه جنان بخجل من نظراته ، اشاحت وجهها عنه و ابتعدت تُكمل طريقها بخُطوات ثقيلة ، مرَّ الدكتور جهاد بجانبها و تجاوزها بسرعة .. استدار لها و ابتسم بغرابة ثم ابتعد ، توقفت جنان لبُرهة .. استدارت لمنيرة التي تقف خلفها بغضب ممزوج بعدم استيعاب : وش قايلة له عني يا حقييرة ؟ ليه كان يطالعني بهالطريقة و يبتسم ؟؟
ضحكت منيرة و هي تُفرقع العلكة في فمها ، اقتربت جنان منها و سحبتها من ساعدها بعصبية : بسرعة انطقي ... لا تخليني اسبك و اتهاوش معك قدام الناس ..ترى والله اسويها و احرجك
منيرة بمرح وهي ترفع كتفيها بلا مُبالاة : ما قلت شي سيء لا تخافي ... بس سويت لك معروف معه يا حلوة ... قلت له انك مُعجبة فيه بس مستحية تكلمينه .
اتسعت عيني جنان بصدمة : نعم !!!! انتِ انهبلتي و الا كيف ؟؟ اخر عمري انعجب في هالاشكال
ضحكت منيرة بقوة ثم قالت : كان واضح من كلامك معي انك غيرانة .. بس اطمنك دكتور جهاد هذا ابداً مو ستايلي .. فخليه لك و انبسطي فيه .
انكتمت انفاس جنان بغضب و قهر ، و احمَّرت بشرتها الفاتحة بشكل واضح ، امسكت منيرة من يدها لتسحبها معها ، انصاعت منيرة لها و اخذت تمشي معها و هي تضحك ، اتجهت جنان الى غُرفة استراحة الممرضات و دخلتها و اغلقت الباب خلفها ، امسكت بياقة قميص منيرة بغضب : الحين تروحين له يا حقيرة و تغيرين كلامك الوسخ عني و تقولين له انه كله كذب و تأليف من راسك ... لا و الله يا منيرة بكون لي تصرف ثاني معك .. كله و لا سمعتي ما تتشوه فاااهمة ؟؟
احتدت ملامح منيرة بغيظ ، امسكت بكف جنان لتُبعدها عنها : هاذي جزاتي يعني عشان ظبطك معه يا العانس ؟
جنان بقهر و هي تكاد تنتف حاجبي منيرة من شدة غضبها و استياءها : احترمي نفسك و سوي اللي قلت لك عليه .. تفكريني مثلك اركض ورا الرجال هنا ؟ من دكتور منصور الى جهاد الى ما اعرف مين ... بالطقاق الي يطقك سوي اللي تبين بس لا تدخليني في وساختك .
ابتعدت منيرة و هي تبتسم بُخبث : اوكي حُبي آسفة .. ما توقعتك معقدة لهالدرجة .
خرجت منيرة و تركت جنان تشتعل غضباً في الغُرفة ، لقد وقعت في لعبة قذرة خططتها لها منيرة .
كيف يتحول الهمس الى صُراخ ، لقد كانت فقط تهمس ، تهمس له برجاء ان يتركها و شأنها ، و تسأله بخفوت عن هويته و مالذي يُريده منها ، و ماذا يقصد بكلماته تلك ، ثم تحول ذلك الهمس الى صُراخ ادمى حُنجرتها و أرهق انفاسها . وزعت نظراتها الى الغُرفة البيضاء الخالية الا منها ، و رائحة المعقمات و العقاقير تخترق انفها ، ما الذي جاء بها الى المشفى مُجدداً ؟ هي لا تتذكر شيئاً سوى وجه ذلك الشاب ذو الجبهة العريضة ، هي حتى لا تستطيع تذكر كلماته الاخيرة لها ، و يُراودها احساس غامض نحوه ، احساس يُخبرها بأنَّها التقت بذو الجبهة العريضة من قبل ، و لكن اين ؟ و متى ؟ و كيف ؟
استدارت ناحية الباب بعد ان دخلت ياسمين منه ، تنظر لها و تبتسم بلُطف : اخبارك هالة .. كيف تحسين الحين ؟
جلست بجانبها على طرف السرير و احتضنت كف هالة بكفيها : كيف صُرتي حبيبتي ؟ ان شاء الله احسن ؟
هالة بصوت مبحوح مُتحشرج : انا وش اللي جابني لهنا ؟ وش اللي صار لي ؟
ابتسمت ياسمين و قالت بلُطف بالغ : ليه اهملتي ادويتك يا هالة ؟ انتِ انهرتي بسبب اهمالك للعلاج .
انزلت هالة رأسها و سحبت كفها من ياسمين و اخذت تفركه بكفها الأخرى بارتباك ، و تجحظ عينيها بغرابة ، ابعدت ياسمين خُصلات شعر هالة عن وجهها : انا بحرص انك تتعالجين بشكل كامل .. و بتكملين علاجك هنا في هالمُستشفى بدل الحُكومي .. هنا الوضع افضل بكثير من هناك .. و ان شاء الله ترتاحين للطبيبة اللي هنا
رفعت هالة رأسها و قالت بسرعة : انا مو متقبلة فكرة اني اتعالج عند دكتورة نفسية من الاساس .. انا ما فيني شي .
ياسمين بهدوء : حبيبتي هالة .. شوفي حالتك .. وضعك ما يتحمل تهملينه اكثر .. تدرين انك كنتي نايمة لمدة اربع و عشرين ساعة متواصلة ؟؟ الدكتور عطاك علاج ينومك و يقلل الارهاق اللي كنتي فيه .. عشان كذا تكلميني بشكل طبيعي الحين .. بس هالعلاج مؤقت و لازم تلتزمين بالأدوية. وتاخذينها فوقتها عشان تشفين و ترجعين لطبيعتك .
اقتربت ياسمين منها و احتضنتها : كل الناس تمرض يا هالة .. و انتِ بس نفسيتك تعبت و هالشي طبيعي لأنك بنت حساسة و رقيقة .. حالتك ماهي خطيرة و ابداً ما تعني انك مجنونة .. شيلي هالفكرة الغلط من راسك .
نظرت هالة امامها بشرود تُفكر بكلام ياسمين و تُحاول ان تقتنع به و تتقبل الأمر الواقع و تخضع لذلك العلاج ، اتسعت عينيها و هي ترى امرأة ترتدي نقاباً تدخل الى الغرفة .
كانت الهنوف قد دخلت الى الغرفة للتو ، تنظر نحو هالة و هي تشعر بالخزي و العار يتملكانها ، تأنيب الضمير يسحقها ، نزلت دموعها على خديها بألم ، تنظر الى وجه هالة الشاحب و شعرها القصير الفوضوي الغير مُرتب ، عظام وجنتيها اللتين اصبحتا بارزتين من شدة النحف ، استدارت ياسمين لها و قالت باستنكار : نعم اختي ؟
تقدمت الهنوف نحوها : انا مرت اخوها و جيت اتطمن عليها .
شهقت هالة : الهنووف !! هاذي انتي
اقتربت منها الهنوف و احتضنتها بقوة و تحاول ان تكتم شهقاتها و تحبس دموعها ، بادلتها هالة العناق و هي تُغمض عينيها بألم ، قالت بصوت مخنوق : اش تقت لكم .. وينكم عني كل هالوقت ؟ اشتقك لك و لحمودي و ل، اكملت بربكة بعد سقطت دموعها : اش تقت لح امد .. اشتقت له ولكم كلكم و الله
ابتعدت عنها الهنوف و مدت يدها نحوها تمسح دموعها : احنا بعد اشتقنا لك حبيبتي .. والله طول الوقت احاتيك و ماتروحين عن بالي ... شلونك و كيف صرتي ؟
انسحبت ياسمين من الغرفة لأنها شعرت بأن لا داعي لوجودها الآن ، خرجت و اغلقت الباب خلفها لتترك هالة تُشبع اشتياقها من زوجة اخيها .
اتجهت قاصدةً المصعد الكهربائي لتصعد للطابق الخاص بزوجها " صاحب المستشفى " ، دقائق و هي تقف امام جناحه الخاص و تخبر سكرتيره بأنها ترغب في الدخول اليه ، تقابلت مع وليد اذ انَّه خرج من عند والده للتو ، رمقته بنظرات حادَّة غاضبة ، قالت بخفوت : الله ينتقم منك
تجاهلها وليد و اكمل مسيره بعدم اكتراث لها ، دخلت الى الجناح و اغلقت الباب خلفها ، مشت بهدوء ناحية غُرفة المكتب و كرهها لوليد يزداد اضعافاً ، دخلت الى زوجها الذي كان ينظر نحو النافذة بشرود .
ياسمين : وش صار مع وليد ؟ حذرته و هزأته على عملته الوقحة صح ؟
التفت لها سامي و قال ببرود : ما كان قصده يأذيها و يقول انه بس شافها تمشي في الحديقة برا فاستغرب وجودها و كلمها .. و هي صرخت لما شافته
رفعت صوتها : كذاااب !! هو من قبل كان يسألني عنها و واضح انه حاطها في باله الحقيير
سامي بهدوء : هو وعدني انه ببعد عنها و بيتركها في حالها .
ياسمين : بس اللي صار ما ينسكت عنه .. تص
قاطعها سامي و هو يتجه نحوها و ملامحه تحتد : ايه صحيح كلامك .. اللي صار ابداً من ماينسكت عنه
صمتت ياسمين و هي تنظر اليه بعدم فهم ، اكمل سامي كلامه : الغلط مو بس غلط وليد .. انتِ غلطانة اكثر منه على فكرة ... بس وليد حس على غلطه و تراجع لكن انتِ واضح ان بعدك ما فهمتي وش غلطك
ياسمين باستنكار : ليه انا وش سويت ؟
سامي بجمود : ادارة الدار تدري انك ماخذة البنات معك ؟
انزلت ياسمين ناظريها عنه وصمتت ، رفع سامي صوته نحوها : ليه ساكتة ؟ جاوبيني ... اكيد الادارة ما تدري انك مطلعة البنات و هالشي كله من وراهم صح و الا انا غلطان ؟
اومأت ياسمين بالإيجاب و هي تطرق رأسها للأسفل بإحباط ، سامي و هو يوجه نظراته الغاضبة نحوها : انا قلت لك امس ان ما ابيك تبيضين وجهي بس اياني و اياك تسودينه .. الشغل اللي انتِ فيه حساس و اللي سويته امس ما ينسكت عنه ... تدرين لو الادارة درت باللي صار وش بتسوي فيك ؟ و لو ان اهالي البنات عرفوا انك مخرجة بناتهم بدون علمهم لبيتك وش راح يصير ؟
قالت ياسمين بهدوء : اتطمن ما احد بيدري .. و الموضوع تلملم و الحمد لله عدت سليمة
سامي بحدة : يا تشتغلين مثل الناس و الا لا تشتغلين ... لا تسودين وجهي قدامهم .. لا تخليني اندم انِّي سمعت كلامك و توسطت لك عندهم عشان يوظفوك .. والا اقعدي في بيتك و اتركي عنك هالوظيفة احسن .
ياسمين بربكة : تعاطفت معهم و ماحبيت ارفض لهم هالطلب البسيط .. ما كنت ادري ان ولدك بيتسبب بمشكلة
سامي : تعاطفك الزايد معهم بضيعك .. و تصرفك هذا مب مسؤول و اضراره كبيرة ... هالموضوع ما فيه مزح .. لو درت الادارة او عرفوا اهالي البنات بتدخلين في مشاكل لها اول و مالها تالي .. و وقتها واسطتي مابتنفعك في شي .
قالت باحراج : آسفة
اكمل كلامه : البنت اللي تعبت وش قلتي لأهلها ؟ كيف رقعتي الموضوع ؟
قالت بسرعة : بس قلت لهم انها تعبت نفسيتها و طاحت و هم اساساً ما سألوا كثير
سامي : اسم ولدي ما تطرينه قدامهم سامعة !! و انسي انه له دخل في هالموضوع .. فهمتي والا لا ؟
قالت بقهر : انا اكيد ما بطري اسمه قدامهم .. بس اللي سواه وليد ابداً مو مقبول و ما يصير تسكت له كذا
سامي و هو يبتعد عنها ليجلس على مكتبه ، قال بلا مُبالاة و هو ينشغل بأوراق امامه : انا كلمته و هو فهمني ان هالبنت ما تهمه و ما يربطه فيها شي .. ماله داعي تكبرين الموضوع .
اندفعت ياسمين بكلامها بغير تفكير و لم تُدرك بأنها بدأت في تجاوز حدودها معه : يعني تصدقه هو و تكذبني انا !!! قلت لك هالكلام من قبل و برجع اعيده عليك مرة ثانية ... اولادك ما هم طبيعيين لا وليد و لا مروة ، مروة كذبت عشان اطلع من المشغل و يقدر وليد ينفرد بهالة على راحته ... ، هو و الشاذة اخته وراهم بلاوي انت غافل عنها و انا متأكدة
سكنت ملامحه بشكل غريب ثم تشنجت بغضب واضح و احتدت بصورة اكبر من قبل ، لم يأبه بأي شيء قالته سوى جُملتها الأخيرة التي قلبت موازين هدوءه و صبره ، لقد قالت و بكل اريحية " الشاذة اخته " .. كيف تتجرأ و تنعت ابنته بهذه الصفة القبيحة .. كيف امكنها ان تنطق بتلك الكلمة امامه و بدون حتى ان تأخذ اعتباراً لوجوده و ان من تتحدث عنها هي ابنته !!
بقي ينظر اليها بعينين مُتسعتين تتطايران شرراً ، بينما ابتلعت هي ريقها بخوف من نظراته و تعابير وجهه التي تبدلت ، قال بنبرة حادة يُغلفها البرود القاتل : عيدي كلامك اللي قلتيه من شوي .. عيدي جملتك الاخيرة ما سمعتها زين .
صمتت لثواني و هو يصوب قذائف نظراته نحوها ، بينما تشتت ياسمين عينيها لتتجنب النظر الى وجهه الذي انقلب الى صورة مُخيفة لم ترها من قبل ، صرخ بقوة : عيدي جملتك الاخييرة عييديها
انتفضت لصُراخه ، قد استوعبت الآن غباءها و جُرأتها التي تجاوزت حدودها ، مروة مهما كان تبقى ابنته ... و بالطبع لن يرضى ان توصف بمثل هذه الكلمة الخادشة حتى لو كانت في نظرها حقيقة !
ارتجفت قدميها اكثر و هي تراه يقوم من مكانه و يتجه نحوها ، قالت بسرعة و كأنها تمنعه من الاقتراب اكثر : انا ما وصفتها كذا من فراغ .. امها لما جات هذاك اليوم للقصر نادتها بالشاذة .. امها قالت كذا و الله
اشاحت بوجهها عنه بخوف بعد ان وقف امامها مباشرةً ،
هتف بذات النبرة الحادة المُرتفعة : امها وحدة مرييضة و مو صااحية و ما يتاخذ بكلامها ...و انتِ كيف تتجرأين و تقذفين بنتي بهالكلمة !! لا و قدااامي بعد !!! الظاهر انِّي تساهلت معك كثيير ..ترى انا مو بهالطيبة اللي انتِ متخيلتها ..احذريني و حطيني في بالك عدل و انتبهي للسانك لا والله اقطعه .
كانت تستمع اليه بصدمة و ذُعر ، لم ترهُ بهذا الشكل من قبل ، و لم يتحدث معها بهذه الطريقة المُخيفة سابقاً ، لم تتخيله ابداً بهذا الوجه عندما يغضب !!
ابتعدت عنه بهلع و هي تردد بهمس : آسفة مو قصدي
اشاح بوجهه عنها و ملامحه تتقلب بحدة الغضب ، و تمتزج بتعابير حانقة قاسية ، اشار لها بيده ان تخرج ، نظرت اليه بعدم استيعاب و وقفت تنظر اليه مُتسمرةً مكانها ، نظر اليها مجدداً فانتفضت ، قال بهدوء ظاهري : ارجعي للبيت ... لا تخليني اشوفك حولي لا صدقيني بيطلع مني شي ما تتحملينه !!!
استدارت بانصياع ، و مشت بخُطوات سريعة قاصدةً الخروج و الهروب منه و النفاذ بجلدها !
*
بعد تبادل الأخبار و كلمات الإطمئنان و الاشتياق و المُواساة ، تضع هالة رأسها في حجر الهنوف و هي تشعر بالارتياح ، بينما تمسح الهنوف على شعرها و هي تكمل مواساتها لها : اخوك مصيره يطخ و ينسى انتم مهما كان اخوان و مالكم الا بعض هو بس يبغاله شوية وقت و صدقيني بيرجع معك مثل اول .
هالة بخفوت : ليه خواتي ما جو معك ؟
صمتت الهنوف تُفكر بإيجاد تبريرات لهذا السؤال ، لا تُريد ان تتعب نفسية هالة اكثر ان علمت بالحقائق : ليلوه خالتها مطفرة عيشتها كالعادة و نفسيتها صايرة خياس و نور بنتها مريضة و ماقدرت تجي .. بس هي قالت انها اكيد بتمرك اليوم او بكرة .
اغمضت هالة عينيها بأسى ، مهما كانت اعذارهن فهذا لا يشفع لهن ابداً .. و كأنها لم تعد تهمهم كالسابق .. تشعر بأنها اصبحت منسية .. قالت بهدوء : وش فيها سارة ؟
الهنوف : آخذة برد و مسخنة شوي
هالة بعتب : نور و اعذرها عشان بنتها ..بس ليلوه واضح انها ما تبي تشوفني .. اصلاً من هذاك اليوم اللي صرخت علي فيه في المستشفى و احس انها خلاص كرهتني و ما عدت اهمها ، اكملت بغصة : قالت لي انتِ مو اختي
عقدت الهنوف حاجبيها بضيق ، قالت و هي تمسح على ظهر هالة : ما عليك منها ..انتِ تعرفينها اذا عصبت تصير تقط خيط و خيط و تقول كلام اكبر منها الغبية .. بس في الاخير تنسى ... اختك هاذي بسرعة تزعل و بسرعة ترضى .. لا تاخذين بكلامها .
رفعت هالة رأسها من حجر الهنوف ، قالت و هي تنظر في عينيها : ابوي صار احسن ؟
الهنوف : كم مرة سألتيني هالسؤال ؟ قلت لك انه بخير و بدى يتحسن
اسندت هالة رأسها على ظهر السرير و قد بدت عليها بوادر البُكاء ، وضعت الهنوف كفيها على كتفي هالة و قالت بحزم : هالة ترى وضعك يخوف و ماهو طبيعي .. انا اشوف انك صايرة مو على بعضك .. اوعديني انك بتاخذين ادويتك و تلتزمين بعلاجك
اومأت هالة رأسها بالإيجاب بأسى ، قامت الهنوف من مكانها و هي تقول : يلا حبيبتي انا مضطرة ارجع البيت الحين .. انتبهي لنفسك و اكيد انا بمرك مررة ثانية بعد .
نظرت اليها هالة برجاء : خليك بعد
الهنوف و هي ترتدي نقابها : ما اقدر لازم ارجع ... بكرة بمرك بعد لا تخافين ما بتركك .
هالة برجاء : احلفي انك بتجين مرة ثانية
احتضنتها الهنوف بسرعة ثم ابتعدت : و الله برجع .. مستحيل اتركك لا انا و لا خواتك .. صيري قوية عشان تشفين بسرعة .
خرجت الهنوف بعد ان ودعتها ، وقفت في الممر و لاحظت وجود ياسمين تسند ظهرها على الجدار قُرب غرفة هالة ، قالت بود : هلا والله انتِ شكلك ياسمين صح ؟
التفتت لها ياسمين : ايه .. بغيتي شي
الهنوف : ..انا اصير مرت ولد خالتك .. فرصة سعيدة .. كان ودي اتعرف عليك في ظروف احسن من كذا بس يلا
ياسمين ببهوت : تسلمين
الهنوف : بس عندي استفسار
ياسمين : نعم ؟
الهنوف و هي تقترب منها و تهمس : ليه اخذتوا هالة لهالمستشفى ؟ انا اقول ننقلها مستشفى حكومي .. بيني و بينك اخوها ما عنده امكانية يدفع تكاليف علاجها في مستشفى خاص .
ياسمين بهدوء : ما عليك من التكاليف .. انا بدفعها
ذُهلت الهنوف برد ياسمين .. قالت بشك : و ليه ؟ يعني الدار عادي عندهم يدفعون تكاليف مستشفيات خاصة ؟
ياسمين : قلت لك انا اللي بدفع مب الداار
الهنوف و هي لازالت مذهولة : ايه بس ما يصير كذا .. يعني عادي نوديها مستشفى حكومي
قاطعتها ياسمين بنفاذ صبر : انا حابة اعالج هالة هنا و مستعدة ادفع تكاليف علاجها كامل .. انتِ وش مشكلتك بالضبط ؟
ربتت الهنوف على كتف ياسمين و هي تقول : مشكورة حبيبتي ما تقصرين والله ...و يلا مع السلامة
ابتعدت ياسمين عنها لتدخل الى غرفة هالة ، جلست على الكرسي المجاور لسرير هالة ، اسندت رأسها بضيق و هي تتذكر كلمات زوجها الغاضبة و التهديد و الوعيد المُخبأ بين طياتها ، لم يمر في بالها و لو مرة ان سامي يستطيع ايضاً ان يغضب !! هو دائماً يبدو رائق المزاج و غير مُبالي ، و حنانه و هدوءه يطغيان على كل شيء فيه ، لم تتخيل شكله عندما يعضب و لم تحسب حساباً لغضبه ايضاً من قبل ، التفتت لهالة و قالت بجدية : هالة ممكن اطلب منك طلب ؟
هالة باستغراب : اكيد
ياسمين : ممكن ما تقولين لأهلك او لأي احد عن وليد ؟
اختلجت شفتيها و قالت بارتباك : مين وليد ؟
قامت ياسمين من مكانها و جلست على طرف السرير ، امسكت بكف هالة و شدت عليها : وليد يصير ابن زوجي ..الي وقف معك في الحديقة تذكرتيه ؟
رجعت مُخيلة هالة الى الوراء ، ادركت انها تعني ب " وليد " ذلك الشاب ذو الجبهة العريضة ، الذي سحبها و صرخ في وجهها لسبب مجهول ، فغرت شفتيها و اختلجت اهدابها و ضعت يدها على ذراعها و هي تدعكها لا ارادياً ، تستشعر قوة ضغطه عليها ، عندما اعتقلها من ذراعها و ضغط عليها بقوة ، لاحظت ياسمين تبدل تعابير هالة ، فقالت بسرعة : لا تخافين منه .. ما بيقدر يتعرض لك مرة ثانية .. و هو اساساً ما كان قصده يأذيك هو بس مشبه عليك و انتِ تخيلتي اشياء مو صحيحة بسبب وضعك .
رفعت هالة رأسها اليها و هي تُفكر في كلماتها ، هل حقاً كانت تتخيل ؟ هل احساسها بأنها رأته قبلاً كان محض خيال ؟ هل بسبب وضعها النفسي المُضطرب اصبحت تتخيل و تتوهم اشياءً لا وجود لها ؟
: اتفقنا هالة ؟؟ لا تقولين لأهلك و تكبرين السالفة .. انا أأكد لك انه ما راح يتعرض لك مرة ثانية صدقيني
قالت هالة بهدوء : طيب بس ليه تبيني اسكت و ما اقول لأهلي ؟
ياسمين : كذا بتسببين لي بمشكله في شغلي .. الادارة ما تدري اني خرجتكم من الدار
هزت هالة رأسها بتفهم : ما بقول لأحد .
*
أوقف سيارته امام العمارة الطويلة في زاوية الشارع ، العمارة التي يسكن فيها منصور ، ينظر نحوها و ترتجف قدميه بتردد ، هل ينزل ليتفاهم مع منصور بشأن اخته ام ينسحب من بينهما بدون ان يُحدث ضجة تمسه هو قبل نور ؟ ، اغمض عينيه و هو يُغلق قبضة يده بقهر و يأس ، في ماذا سيحدث منصور ؟ ، كيف يُحدثه بدون ان يشتمه ؟ و كيف يتفاهم معه بدون ان يُحرج و ينكسر أمامه ؟ .. " ليه طلقت اختي ؟ " " نور من حقها تشوف بنتها .. و انا جاي عشان ارجعها لها "
تلك الجُمل التي من المفترض عليه قولها لمنصور ، و لكن ماذا لو احرجه منصور و ذله بهالة ، ماذا لو اخبره بأنه لا يُريد ان تتربى ابنته معهم لأنه يخاف عليها بأن تصبح مثل هالة !!! ماذا لو اخبره بأن سبب طلاقه من نور هو هالة و انه لا يتشرف بعائلة مثلهم !!! هل حقَّاً يفعلها ؟؟؟ اخذ يتساءل في نفسه هل سينسى منصور كل شيء جمعه بهم و ينطق بتلك الكلمات المُهينة امامه ؟ الن يحسب حساباً للعشرة و الذكريات الجميلة و النسب و المعرفة القديمة و كل شيء ؟
اخذ يفكر بأن ذلك الاحتمال وارد جداً و لِمَ لا ؟ فهو طلَّق نور في النهاية و لم يأبه بشيء .. ولا عجب ابداً ان اهانه هو ايضاً الآن
نظر امامه في حيرة من امره ما بين نور و كرامته التي يخاف عليها أن تُخدش أكثر ، ما بين خجله و انكساره و حق اخته الذي قد يضيع .
حرَّك سيارته و قد قرر التراجع و العدول عن التحدث مع منصور ، و وصية والدته تتكرر في عقله ...عندما اوصته بأخواته قبل ان تموت ..عندما اخبرته ان يعتني بهالة و ليلى و لا ينسى نور ، و قد ضاعت هالة و لم يستطع ارجاعها ، لم يحرص عليها و يهتم بها كما يجب فأذنبت ..ثم واجه ذنبها بغضبه و جنونه الذي لم يستطع حبسه عنها فضاعت !!! و الآن ماذا عن نور ؟ هل سيتخلى عن نور ايضاً مثل ما تخلَّى عن هالة ؟
اكمل مسيره و هو يشعر بأنه قبل ان يخذل امه قد خذل نفسه اوّلاً ..و صغُر في عين نفسه كثيراً ... لقد اصبح مهزوزاً و ضعيف الشخصية غير قادر على التحدث مع منصور بسبب خجله و ثقته التي اهتزت .. وكله بسببها ..هالة !!!!
*
يستلقي بنصف جسده على السرير ، ينظر الى سارة التي تجلس قُربه تُقابل العابها ، تلعب باندماج و تضرب بكفيها على ازرار اللعبة البلاستيكية الملونة بألوان فاقعة ، تشبه صندوق موسيقى ، تضرب بكفيها عليها فتنطلق اصوات مزعجة غير متناغمة منها ، قطب منصور جبينه بانزعاج ، و النُعاس يُثقل احداقه و ارهاق العمل سلب منه قوته ، يود لو يستسلم لنُعاسه و يغرق في نوم عميق يُريحه و لكن تلك المشاغبة الصغيرة تُجبره على الاستيقاظ و البقاء بجانبها ، بل و تُجبره ايضاً الى سماع عزف موسيقاها المزعجة التي تعزفها بعشوائية في تلك اللُعبة ، الساعة تجاوزت الثانية عشر بعد منتصف الليل ، و سارة لازالت ترفض النوم و تُفضل مجالسة ألعابها ، انحنى بظهره اليها ، يُراقب اندماجها في اللعب بضيق ، قال بهدوء : يعني لمتى يا بابا ؟ انا مستغرب يعني ليه تكرهين النوم ؟ و من وين لك كل هالنشاط ؟
استدارت له و هي نتظر اليه بنظرات بريئة تُذيب ضيقه منها ، مدت بيدها الصغيرة نحوه تقصد دعوته للعب معها وهي تنطق : بابا و تضحك
ابتسم لها : لا و الله ..هذا اللي ناقص بعد .
سحب منها لُعبتها بقوة و هو يقول : يكفي دلع و يلا قومي نامي ..فجرتي راسي بهاللعبة الغبية .
قام من السرير و هو يحمل تلك اللعبة بانزعاج و لكنه سُرعان ما التفت الى سارة التي صرخت ببكاء كاذب ، نظر اليها و هي تعتصر ملامحها بغضب طفولي ، قال بهدوء : ما بتهزميني بهالنظرات .. يلا نوم و فكينا من شرِّك .
امتلأت عينيها بالدموع و هي تراه يبتعد عنها و يُلقي بتلك اللعبة خارج الغرفة ، رجع اليها فوجدها تبكي و تصرخ بدلال ، رق قلبه لها بالرغم من نعاسه و تعبه الا انه لا يقوى على رؤية تلك الملامح البريئة الملائكية حزينة ، رفعها و احتضنها و هو يطبطب على ظهرها بحنان : يعني ما ننام ؟؟ يعني لازم كل شي يصير على كيفك يا الدلوعة ؟
لم تهدأ بل اخذت تضرب كتفه و هي تصرخ و تتحرك بانزعاج ، استسلم لها فأخذها لتلك اللعبة خارج الغرفة ، انزلها اليها لتتحرر من حضنه و تنكب على لعبتها و تتشبث يديها بها بتملك ، تنهد منصور : حسبي الله على بليسك
رمى بجسده على الاريكة بإرهاق ، بينما تجلس طفلته على الأرضية المفروشة و هي تلهو بتلك اللعبة مجدداً ، تخللت اصابعه شعره و هو يضغط على رأسه .. اذ ان سارة عادت للعزف .. اصوات مزعجة نشاز مرتفعة تصدر من تلك اللعبة .. تُثير طنيناً في اذنه و يضج عقله بضوضائها ، اغمض عينيه و هو يُحاول تجاهلها بلا فائدة ، و في هذه الحالة اليائسة لا ارادياً تذكر نور ، يستنجد قلبه بها... يُريدها بجانبه ، يتخيلها تخرج من غرفة ما و تأخذ سارة عنه ، تضحك عليه بلُطف و هي تقول " احسن ..تستاهل زين تسوي بنتي فيك " ، تقترب منه و برقتها المُعتادة تطبع قبلة على خده ثم تقول بصوتها الهادئ " تصبح على خير حبيبي " ، استجاب لخيال صوتها الذي راوده و غفى ، تُخبئ شفتيه ابتسامة خفيفة لم يشعر بها ، ابتسامة تشرح مشاعره الحبيسة التي تحررت لمجرد ذكراها ، لم يهنئ بذلك المنام .. فبعد نصف ساعة داهمت غفوته سارة ، تتكأ بكفيها على طرف الاريكة لتتوازن و تقف ، تزُن في اذنه كنحلة ، فتح عينيه المُحمرتين ببطء ، التفت ناحيتها و قال بإرهاق : يعني ما ترحمين و لا تخلين رحمة ربك تنزل ؟
رفعها اليه ليُجلسها على بطنه ، ينظر اليها بعينين ناعستين مؤرقتين ، و في تلك الصغيرة يجد راحته و تعبه في آنٍ واحد ، مدت سارة كفها الصغيرة الى خده ، تتحسس لحيته بفضول طفولي ، ابتسم لها رُغماً عنه و تغرق حواسه في وداعة لمساتها و براءة ملامحها ، تسمرَّت عينيه على وجهها الدائري المُتدلي الوجنتين ، عينيها الواسعتين اسفل حاجبيها المُقوسين الخفيفين ، حُمرة الورد التي تطفو فوق وجنتيها ، جبينها الصغير المُغطى بغُرَّة شعرها الحريري ، تحمل ملامح رقيقة سمراء تُشبه ملامح والدتها ، و كأنّها نسخة طفولية مُصغرة من نور ، انفلتت مشاعره عن عقال ارادته ، و شعور الاشتياق يرسم صورة نور في مُخيلته ، نبرة صوتها الهائمة عندما تنطق " حبيبي " و ابتسامتها المشحونة بالدفء ، هدوء نظراتها ، لمساتها و أريج رائحتها ، طيفها لا يُغادر هذه الشقة ..بل لا يُغادر مُخيلته هو ، فملامح سارة التي ورثتها من امها كفيلة بأن تستفز في قلبه الحنين ، يتأمل ملامح طفلته و بسبب نُعاسه الشديد يُخيل اليه انه ينظر لملامح نور عِوضاً عنها .
*
تشنجت اصابعه على هاتفه الذي يرُن في يده ، لينتشله ذلك الرنين من حيرته و تيهه ، قرأ الاسم الذي يلتمع على شاشته ، ابتلعه الفضول و هاجمت عقله تلك الأسئلة مجدداً ، الفتاة الدمية ، قيادة ذهبية تحمل اسم " هالة " ، فندق شجرة السرو و بائعة هوى تُتاجر بالمخدرات ، ضغط على زر الهاتف ليُجيب على المكالمة بسرعة قبل ان ينتهي رنينها ، وضعه على اذنه ليأتيه صوتها الضاحك : ثقتك الزايدة بنفسك ترفع ضغطي ... هههههه بس اخيراً شكلك حسيت بحجم المُصيبة اللي طُحت فيها .. تعال لي عشان نتفاهم .. ، اكملت خيال باستهزاء : لا تخاف وليد ترى ما تهون علي العشرة و العيش و الملح ههههههههه
انتهى
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!