في ساعة مُتأخرة قُبيل الفجر ، في فيلا حديثة الطراز تقع في منطقة نائية ، يُمسد بكفه اصابع كفه الأُخرى ناظراً بتجهم نحو تلك المرأة المُتصابية ، تقف امامه و تبتسم في وجهه ، أخذ يدقق في ملامح وجهها ، آثار إبر البوتكس واضحة على وجنتيها و تركت اثراً مُبالغاً فيه ايضاً على شفتيها ، وجهها عبارة عن وجه مُرمم بالكثير من عمليات التجميل ، أخذ يتساءل في نفسه .. كم عدد عمليات التجميل التي خضعت لها لتبدو بهذا الشكل المُتصابي ؟ لا يعلم بالضبط كم تبلغ هذه المرأة من العمر و لكنه متيقن بأنها و حتماً قد تجاوزت الأربعين ، ابتسم بسُخرية و هو يتمادى في تخيلاته .. يُفكر بأنها رُبما تجاوزت الخمسينات ايضاً او رُبما هي في اوائل الستينات او ربُما ... ، انفلتت منه ضحكة صغيرة و هو يميل برأسه الى الأسفل
نظرت إليه بإزدراء ، أبعدت خُصلات شعرها الحمراء عن وجهها و اقتربت منه و هي تقول بملل : انت و بعدين و اياك !! المشكلة انك في وضع ابداً ما يسمح لك تضحك !!!
رفع رأسه و هو يضع كفه على فمه ، يُخفي ابتسامته بشكل يلفت به نظرها ، و ينظر اليها بنطرات مُتحدية : لا سلامتك بس مفعول البوتكس بدا يختفي و يذوب .. الحقي على نفسك لا يبان المستخبى
رمقته بنظرات حادَّة ثم التوت شفتيها باستخفاف ، وزَّع وليد نظرات السُخرية منها الى باقي الغُرفة ، نظر الى الرجل الأسود عريض المنكبين ، طويل و مفتول العضل و ذو بُنية ضخمة ، يرتدي بدلة رسمية و يقف بجمود امام الباب ، رمقه وليد بنظرة سريعة من الأعلى الى الأسفل ثم التفت لـ خيال و هو يضحك : و هذا اللوح الواقف هنا وش له ؟ تطورنا و صرنا نجيب حارس شخصي بعد !!
نظر اليه الرجل الأسود بنظرات حادة ، تحذيرية ، ابتلع وليد ريقه و قد ادرك ان هذا الرجل قادر على تحطيم رأسه بضربة واحدة ، صمت و استدار بعينيه عنه ،
ابتسمت خيال و هي تُحدق في وليد ، قالت بُخبث : و بعدك تتمسخر ؟ هه اتمسخر على نفسك أولى .. ثقتك الزايدة بنفسك ضيعتك .. و الا مين انت عشان تتجرأ و تهدد و تقول كلام انت مو قده .
سكنت ملامحه و اختفت ابتسامته اللعوب ، أخذ ينظر اليها بتأهب و اهتمام ينتظرها ان تُكمل ، لقد صدقت توقاعتُه ، فخيال لم تنسى انَّه هددها يوماً بطريقة غير مُباشرة عمَّا يعرفُه من أسرارها ، كعادته يتهور في لحظة طيش و لا يُثمن الكلمات التي يتفوه بها ، ينسى نفسه و يتحدث بكُل ثقة و تسلية بدون ان يحسب حساباً للعواقب التي قد تنتج من وراء هذه اللا مُبالاة ، لقد وقع في مصيدتها .
جلست على الكُرسي الذي أمامه و هي تُكمل كلامها بُكل راحة : خلينا نتحاسب وليد .. عارفة انك فاهم وش اقصد ، والا ليه كل هالمُكالمات و الرسايل اللي وصلتني .
قال ببرود و هو يُرجع ظهره الى الوراء ، ليسنُد ظهره على الأريكة بارتياح في جلسته : اخلصي و قولي اللي عندك و بدون هالمُقدمات ، أكمل باستهزاء : وش نوع البلوى اللي اسمها هالة ؟
نطق اسمها بكُل استخفاف و سُخرية و هو يتصنع الا مُبالاة ، بينما يُدرك في قرارة نفسه انَّه وقع في ورطة قد لا يخرُج منها سليماً هذه المرة ، جاءه صوت خيال الذي يحمل نبرة اندهاش خفيفة : و من وين عرفت اسمها ؟
لم يُجبها ، بقي يُحدق امامه بشرود ، لقد عرف اسمها من تلك القيادة الذهبية المُعلقة على نحرها ثم سقطت منها و بقيت معه ، بينما تحوم خيال حوله بتوجس ، تضُيِّق عينيها نحوه بنظرات شاكَّة ، التفت وليد اليها و هو يُخرج تلك القيادة من جيبه ليَرفعها في وجهها بلا مُبالاة ، استوعبت خيال السبب و هي تقرأ الأسم المُعلق على القيادة ، تراجعت الى الخلف و هي تبتسم بمَكر ، أمسكت بجهاز التحكم لتوجهه نحو شاشة التلفاز المُنتصبة على طاولة خشبية نهاية الغُرفة ، ابتسمت و قالت : خلينا نتحاسب وليد .
نظر اليها وليد بعدم فهم ثم استدار نحو صخب التلفاز ، يرى نفسه في موجز ليلة عابرة قضاها مخموراً كعادته ، رفع حاجبه و التفت لضحكات خيال بعدم فهم لِمَ يحدث .. ما الذي يدفعها لتصويره و هو في مواضع حميمية مع فتاة رخيصة مُخدَّرة ؟ لقد أدرك انَّه وقع في لُعبتها و لكن ما تلك اللُعبة ؟ و ما دوافعها و ما قصدها و لمَ تلك الفتاة بالذات ؟
التفت لها ببرود ظاهري يُتابع ضحكاتها الكريهة المُتتالية ، كانت تتلذذ برؤية تسجيل مسرحية انجزتها بإتقان ، و اقتلعت نفسها من تلك الجريمة مثل اقتلاع الشعرة من العجين ، و لبسَّت جريمتها وليد التي لاءمت التهمة مقاسه ، و لتلقنه درساً على وقاحته الأخيرة معها .. ليعرف حدوده و ليعرف مع من يتعامل و ليعرف جيداً من تكون خيـال .
قالت و هي تضحك : مثل الأطرش في الزفة
ثمَّة مُتعة جبَّارة تُنعش روح تلك المرأة المُتصابية و تجعل الضحكات تنبع من قلبها بحقد أسود أثلجه هذا الإنتقام و مُتعة مُريبة ، وحشية تتملكها و هي ترى نتائج انجازها ، هي وضعت الخطوط الأساسية للُعبة و الآن فالتتشعب و تتشتبك الامور ببعضها و تتعقد و ليدفع الجميع الثمن ، و لتحتفل هي بما انجزت و لتقرص على اوجاعهم و آلامهم بكُل سعادة و بهجة .
ينظر وليد الى ابتسامتها و هو لازال لم يفهمها ، يُشتت ناظريه بينها و بين الشاشة باستخفاف و استهانة لِمَ يرى و هو لم يستوعب بعد ما يحدث : يعني ما كفتك الفلوس المكوَّمة على قلبك من المُخدرات و الدعارة و صرتي تصورين افلام ؟ كل شي عندك بزنس ما يفوتك شي
اتسعت عينيها و ارتفع صوت ضحكاتها اكثر بعد ان سمعت كلامه المُستخف بها ، اقتربت منه لتقول بلهجة مُنتصرة : عارف البنت اللي معك مين ؟ هههههههههه هاذي خطيبة سُلطان .
و كأنها وجهَّت اليه لكمة مُدوية في معدته ، تزاحمت الأفكار في عقله في مُحاولة تفسير جُملتها تلك ، قال بنُفور مُحاولاً نفي تلك الفكرة التي طرأت عليه : أي سُلطان ؟
قالت بُسخرية و قد احتدت ملامحها : نسيته بهالسرعة ؟ تضرب الضربة و تنسى .. و الريم نسيتها بعد و الا لازالت في الذاكرة ؟
اعاد نظره الى شاشة التلفاز ، و الذكريات تستيقظ داخله لتُفسر له ما يحدث الآن ..و تُنبئه عن الحُفرة التي وقع فيها دون ان يشعر ، بدأ الدم يغلي في عروقه بغضب و استنكار لحقارتها و خُطتها الشيطانية التي لم يحسب لها حساباً و لم يتوقعها ، منعه ذهوله من ان ينطق بشيء و بقي يُتابع ذلك الشريط الفاضح الذي يُصوره مع تلك الفتاة دون علمه و عينيه تتسعان و ملامحه تنقبض في اندهاش ، قال و هو لازال تحت تأثير الصدمة : و ليه كل هذا ؟
قالت بفخر : انت واحد مالك أمان و انا لازم آخذ احتياطاتي .. هذا عشان اضمن ان فمك يتسكر و اياديك تتربط و دواك عندي يا وليد .
التفت لها و هو يقف على رجليه بتهكم ، و تبدلت نظرات الاندهاش الى نظرات غضب و حقد : انتِ شيطانة ؟ هالفكرة ما تخطر على بال ابليس نفسه .. انا من الاساس ماكان في بالي ان افضحك و اقول اللي عندي .. و لو كان لي نية انِّ اسويها كنت سويتها من زمان .
نطقت بحقد و هي تبتعد عنه : لا تسوي حالك بريء و طيب .. انت واحد مايتأمن لك و ينخاف منك .. فاكرني ناسية كيف غدرت في الريم و دمرتها ؟ هذا و انت تقول انك تحبها بعد .. كيف لو كنت تكرهها ؟
أغمض عينيه ، يعتصر قهره و نقمه ، استغفلته و ضحكت عليه ، لقد شعر حينها بأنها تحيك شيئاً و انها عندما جلبت له فتاة مُخدرة و اصرت عليه ان يقبلها منها ..لم يكن محض صُدفة و لم يكن خطأً منها كما ادعَّت ، و هو لم يكن تماماً في وعيه حينها .. اذ انَّه كان تحت تأثير كأسين من النبيذ لذلك لم يُحسن التصرف ، كان عليه ان يرفض تلك الفتاة منذ ان شك بها و لكنه بلا مُبالته ارتكب حماقة جديدة في حق نفسه ، شعر بكفها تُمسك كفه و هي تقول بحُنو كاذب : لا تخاف قلت لك ما تهون علي العشرة و انا حسبت حساب بأنك كنت ساكت كل هالمدة فلمَّا رسلت الصور و المقطع لسلطان غطيت وجهك عشان لا تنكشف .
نفض كفها عنه بقرف ، و قد سرت قشعريرة حادة قي جسده ، لقد اتضحت الصورة في مُخيلته الآن ، لقد عثر على أجوبة تلك الأسئلة التي كانت تحاصر عقله منذ مدة ، سبب الغاء زفاف سلطان و علاقة مُحرمة لم تكتمل مع خطيبته ، لقد حاكت له تُهمة تُلائمه تماماً و كأنه حقاً هو الفاعل ، و كأنه اراد الانتقام من سلطان بتلك الفعلة .. بينما في الحقيقة هو حمل عنها أوزار تلك الجريمة كاملة ، جريمة كان له يد فيها دون ان يعلم ، كان له يد فيها و لكنه لم يرتكبها ، خطيئته هي شهواته التي لجأ الى طريق الحرام لإشباعها ، و قد جهل مواطئ قدميه بأغلال ذنوب يسحبُها معه أين ما ذهب .
ضحكت مُجدداً و هي تراه عالقاً في حقيقة ما عرف ، كشَّر بوجهه و ضحكاتها الكريهة تنخر مسمعه ، ترُن في اذنه كنعيق غُراب ، يزعجُه و يُثير حفيظته ، قال و هو يُوجه لها نظرات حادَّة مُتوعدة : اسمعيني زين يا عجوز النار .. انا من البداية ما كنت حاط في بالي ان اوشي فيك .. بس بما انك بحركتك الوسخة هاذي قاصدة تهدديني فأنا باللي اعرفه عنك اقدر اوديك فيه ورا الشمس
رفع صوته أكثر : فهمتي يا عجوز النحس ؟ ماهو انتِ اللي تهدديني .. أنا اللي اهددك .
سكن صوت ضحكاتها تدريجياً ، و بالرغم من ان وصفه لها بـ " العجوز " اغاظها و نبرته الوقحة ازعجتها الا انها لازالت تحتفظ بمُتعتها ، وقفت تُقابله بلامحها الخبيثة الماكرة و عينيها تُقابل عينيه المُحتدتين بحذر : اذا كنت انا بروح ورا الشمس فأنت بتروح هناك قبلي !! انت فاكر ان المسألة سهلة ؟ هاذي تُعتبر جريمة شرف يا حبيبي .. اخو البنت حاول ان يموتها لما عرف.. هذا و هي اخته ما بالك لوعرف هويتك انت ؟ هههههههههههههه
ضحكتها تلك استفزته ، و كلماتها المُستهزئة استفزته أكثر ، كانت تضحك بمُتعة و كأنها تتفوه بنُكتة لا مُصيبة فتاة تدمرت حياتها بسبب ألاعيبها .. لا أحلام بريئة انهدست امام عينيها .. لا عروس بدلاً من ان تُزف لعريسها زُفت لموتٍ بطيء يقتلها كل يوم و هي لازالت تتنفس .. و لا عائلة كاملة تدمرت و توزعت اشلاءها .. لا أب اضناه المرض و غسله العار من أوله لآخره و لا اخ تعمد إيذاء اخته التي يُحبها و لا أخت تشوهت مشاعرها الفطرية الأخوية اتجاه اختها و اخت اخرى هدمت حياتها بيدها لأجل تلك المشاعر الأخوية ذاتها .. .. و كأن كل ذلك محض نُكتة تُغرقها ضحكاً و تنتشي روحها بها فرحاً و سُؤدد .
اكملت كلامها الساخر و هي تنظر لملامح وليد المُقتضبة : احنا كذا صُرنا متعادلين .. انت عندك شي ضدي و انا بعد عندي شي ضدك .. و تراني في وضع احسن منك على فكرة .. انا مُجرد اكشف حقيقتك لسُلطان بتكون انت انتهيت !!! و حسك عينك اذا عرفت انك تلعب من وراي .. انت عارف طبعاً ان عندي ناس اشد فيهم ظهري و بقدر احتمي فيهم حتى لو لفترة مؤقتة .. فترة كافية اقدر فيها افضحك و تكون انت فيها انتهيت ..و سُمعة ابوك و فلوسه وقتها ما راح يفيدونك في شي ..حط في بالك ان كنت انت سريع فأنا اسرع .. فلا تتهور كعادتك و تضيع نفسك .. الامر بسيط وليد .. انت اسكت و انا بسكت .. فيه اسهل من كذا ؟
صمتت و أغمضت عينيها بتقزز و هي تشعر ببُصاقه على وجهها ، تجمع الدم في وجهها و احمَّر احمراراً شديداً قهراً و تقززاً و اشمئزازاً من وقاحته المُتعمدة ، مسحت البُصاق بكم قميصها و فتحت عينيها تنظر الى ملامحه التي لا تقل احتداداً عنها : كيف تتجرأ يا حقيــر
لم تصمت و لكن صوت وليد المُرتفع طغى على صوتها : انا تتلاعبين فيني يا ### ... وراك نسيتي نفسك يا ##
شعر بيد عنيفة خلفه تُقيده من ذراعه و تُجره ، التفت لتصطدم نظراته بذلك الرجل الضخم ، يلوي ذراعه خلف ظهره بقوة جبَّارة لم يستطع وليد مُقاومته بالرغم من قُوَّة بُنيته ، اقتربت خيال منه و نيران اشتعلت داخلها : تراني ما امزح معك !!! احترم نفسك و تعلم انك تحسب لي حساب .. و على قولتك شكلي بفكر اتاجر بالافلام بعد هه و اول فيلم بنتجه هو فيلمك مع خطيبة صاحبك هههههه اتوقع احصل عليه ارباح كثير .. هههههههههه .
اظلم وجه وليد و ضحكاتها تزيد من جنونه ، وقف عاجزاً امام حلاك ظلامها ، لا يستطيع مُجاراة حقارتها و حقدها ، ما كُل هذه الحقارة ؟ و كأنها شيطانة في هيئة امرأة ، و كأن عمليات التجميل لا تُخفي فقط عُيوب وجهها ، بل تُخفي وجهها الداخلي الحقيقي المسخ ، تُخفي عقليتها المسمومة و قلبها الأسود ، رُغم سوءه و انحطاطه و ظلام قلبه الا أنَّه لا يُجاريها في ذلك .. و ظلامه لا يُضاهي ظلامها ... سيئاته و خطاياه لا تُعد شيئاً امامها !
قالت بحقد و بنبرة آمرة لذلك الرجل : طلع هالزفت برا
انصاع ذلك الرجل الضخم لها ، و بدأ بجر وليد الى خارج الغُرفة .. اندفعت خيال لتُغلق الباب خلفه و هي تبتسم بانتصار ..أُغلق الباب في وجهه و هو يشعر بالإهانة و الخزي يسحقانه .. يستشعر نتيجة افعاله الا مسؤولة التي رمت به الى ضياع فوق ضياعه ...حُفرة عميقة مُظلمة سقط فيها و لكنه لم يسقط فيها وحده .. بل ان فتاة مجهولة سحبها معه فيها دون ان يشعر .
قال بنُفور و هو يُحاول التخلص من قبضة ذلك الرجُل : اعرف امشي لحالي يا الجرَّافة .. قالها باستهزاء بائس، استهزاء يعني به نفسه و هو يتجرع مرارة الهزيمة .. نتيجة افعاله و مصيره الذي اصبح تحت تلاعب تلك الشيطانة ، صرخ بعصبية في وجه ذلك الرجل : شيل ايدك .. ادل الطريق ما له داعي توصلني .
أرخى الرجل الضخم قبضتا يديه ثم أخذ يُراقب وليد الذي يبتعد بحذر .. بقي يُراقبه حتى خرج من تلك الفيلا المشبوهة .
*
أنهت صلاتها بسجدة دُعاء طويلة ، و هي تؤمن بأن بارءها يسمعها و اقرب هو اليها من الوتين .. تهمس للأرض فيسمعها و هو في سابع سماء .. تحمده و تستغفره ان كانت ببُكاءها و حزنها من القانطين و تتعوذ به من ان تكون بُحزنها قد يأست من رحمته .. و حاشاك يا الهي ان تُردني و انت الأعلم بضعفي و قلة حيلتي و انت تعلم بأني لم اسجُد الا لك و لا ادعو الا انت و لا اتوسل و اتضرع الا بك و اليك فالحمد لله الذي اسألُه فيُجيبني و الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه ، ترقرقت عينيها بالدموع الإنابة و التضرع و هي لازالت ساجدة على الأرض تهمس لرب السماء ، تشكو اليه من غدر الزمان و تدعوه بأن يرأف بمن تُحب ، هي تؤمن بأن دعاء الفجر مُستجاب لذلك كانت دائماً تطُيل من دُعاءها في هذا الوقت و لا تنسى أحداً .. أن يرحم أمواتنا و يحفظ احبابنا .. و ان يُنير قبر والدتها و يغفر لها و يجمعها معها في الجنان .. ان يُشفي والدها و يمسح على قلبه بالصبر و السلوان و ان يحفظ هالة و يرأف بها و يُحنن قلب حامد عليها .. و ان تُوفق ليلى و تُسخر زوجها اليها ..و ان لا يحرمها من ابنتها و يجعلها فخراً لها و لأباها و ان تُخفف يا ربي من آلامنا و ترحمنا في الدنيا و الآخرة .
رفعت رأسها و قد غسلت وجهها بدموع خشوعها .. طَوت سجادتها و نزعت محرمتها و هي لازالت تُسبح لله و تهلله .. و تتأكد انها لم تنسى أحداً في دُعاءها .. دعت لهم جميعاً بالخير .. حتى زوجها الذي تغيَّر مُسمَّاه الآن الى " طليقها " .. دعت له ايضاً بالخير كما تفعل دائماً .. و في خُشوع سُجودها نسيت في غفلة عن هذا المُسمى الجديد و قالت بحُب " احفظ لي زوجي و سخره لي " و نسيت انَّه لم يعُد يُسمى بـ " زوجي " بعد الآن .
اقتربت من ليلى النائمة على السرير و جلست بجانبها ، نظرت الى ملامحها التي يُغطيها البؤس حتى في نومها ، لقد تشاجرت معها البارحة بسبب هالة .. و عاتبتها و لامتها على قسوتها اتجاهها .. قد يكون من حقها ان تغضب و ان تُصدق تلك الصُور فهذا يعتمد على قناعاتها و لا احد يُمكنه تغيير هذا الشيء و لكن الأمور لا تُحل بهذه الطريقة القاسية .. بالإنكار و الصد و التخلي ..و كأن هالة مُجرد شيء رخيص انتهت مُدة صلاحيته و الأفضل ان يُرمى كالقمامة .. حتى لو كانت تلك الصور و المقاطع صحيحة و لا خِداع فيهما فليس علينا ان نتجرد من انسانيتنا لهذه الدرجة !!
و لكنها عموماً تعلم بطبائع اختها و طيبة قلبها .. و انها من المُستحيل ان تكون قد كرهت هالة مهما قست و ادعَّت لو كانت حقَّاً كرهتها كما تقول لما تورمت عينيها بُكاءً !! و لما اهتمت لها بالسؤال و الخوف الواضح في عينيها عندما عرفت بأنها مرضت و انتكست .. و لما تشاجرت مع ام زوجها لهذا السبب ايضاً !! .. هي بطريقتها الجافَّة اتجاه هالة تُعاتب و تُفرغ عن غضبها و لكن ذلك العتاب قد طال و يجب ان ينتهي .
ربتت على ظهر ليلى بهدوء : ليلى لا تفوتك الفجر .. ليلى !!!
فتحت عينيها ببُطء .. نظرت نحو نور بعينين شبه مفتوحتين ..قالت بصوت غَلبه النعاس : مـا علي صلاة .
اومأت نور إيجاباً و اغمضت ليلى عينيها تُعاود النوم ، قالت نور بهدوء : عشان تروحين مع الهنوف اليوم لهالة ..
كانت مُغمضة العينين و لكن ملامحها تعجنت بضيق مما سمعت .. قالت بشجن : نور ما تعبتي من هالكلام ؟ قلت لك ما اتحمل اروح و اشوفها ما اتحمل !!
غطت باللحاف وجهها و من الواضح انها ستُعاود البكاء مُجدداً ، تنهدت نور بنفاذ صبر و قالت : ليه تناقضين نفسك ؟ مو امس كنتي تبكين عليها و تحاتينها !! مو قلتي لي انك هاوشتي خالتك لأنها اهانتها قدامك !!
أجابتها ليلى ببُكاءها و شهقاتها التي اعتلت .. قالت نور بحزم : اذا شفتينها و قعدتي معها بترتاحين و بتتحسن نفسيتك صدقيني .. استأذني من زوجك و اذا سمح لك بتروحين فاهمة !!! اسمعي الكلام و لا تعاندي ..هالة تعبانة و تحتاجك .
ليلى بصوتها الباكي : خلاص بكلم يوسف و اذا رضى بروح ... ارتحتي كذا ؟
ابتسمت نور ابتسامة باهتة و قامت من مكانها تقصد الخرُوج من الغرفة .
في الأسفل
كان حامد قد دخل الى المنزل لتوِّه ، كان في حالة سودواية كعادته الأخيرة التي تزداد تشاؤماً مع الأيام ، جلس على الأريكة في الصالة و هو يُسند ظهره و يسترخي بانكسار ، لقد قضى ليلته الماضية خارج المنزل ، بعد ان تراجع عن مُواجهة منصور جاب شوارع المدينة بلا وجهة مُحددة ، يلوم نفسه و زمانه .. يخجل من ضعفه و انسكاره .. ، بعد ان اذن الفجر قصد مسجد الحي ليُصلي .. كان الخجل يكسره حتى كاد ان يتراجع عن الدخول و الصلاة في المسجد .. لأن الجميع يعرفُه هناك و هو يخجل من ان يراه أحد .. دخل الى المسجد و لكنه أدَّى صلاته في الصف الأخير ..و بعد ان فرغ الامام من التشهد .. قام سريعاً ليختفي عن الأنظار و يتحاشى ان يُسلم عليه أحد يعرفه .
: حامـد وين كنت كل هالوقت ؟ كنت احاتيك يا رجال
نظر الى الهنوف التي تقف أمامه بقلق ، اجابها بجُمود : كنت في المسجد .
جلست بجانبه بتوجس ..و هي تنظر نحوه بارتباك .. تهاب وضعه الحالي الغريب .. و نظرة الإنكسار في عينيه تؤرقها .. قالت بهدوء : وش صار مع منصور كلمته صح ؟
التفت لها و قال بنبرة خائبة : ما قدرت اكلمه
الهنوف باستغراب : ليه ؟ ما حصلته يعني ؟
هتف بصوت مُرتفع : ماقدرت اكلمه و خلاص .. لا تسأليني عن شي .
كانت نور تهبط من الدرج .. سمعت كلامه الذي لم تتوقعه .. ما قصده بـ " لم يستطع " .. انقبض قلبها بخوف و خيبة .. و هي التي كانت تتوقع انه سيأتي و هو يحمل طفلتها معه ..لقد وعدها بأنه سيأتي بسارة .. و سيُحدث منصور و يتفاهم معه .. ، وقفت أمامه و قد انتبه لوجودها ، قالت باستنكار : كيف يعني ما قدرت تكلمه ؟ ما فهمت فهمني !!
استدار بوجهه عنها .. يتجنب نظراتها الخائبة .. يعلم انه خيَّب أملها و نكث وعده لها .. و لكنه يشعر بأن هالة قيدته بقيود بأغلال ثقيلة .. لا خلاص له منها : ما عرفت وش اقول له .. انتِ احرجتينا معه يا نور .. انتِ غلطانة المفروض ما طلعتي من دون علمه .. الغلط غلطك وانـ
قاطعته نور و الخيبة تنسكب في صوتها : ماله داعي تذكرني بأغلاطي لأني عارفتها .. انا اختك المفروض توقف معي مو ضدي .. انت وعدتني تجيب لي سارة .. متصور اني ثلاث ايام ماشفتها !! انا عايشة بقلق و خووف حرام عليك ليه ما تحس ؟
قام من الأريكة بعصبية ، وجّه اليها اصبع الإتهام مرة اخرى : طالعة من وراه عشاان هاذيك الزفتة .. و كاذبة عليه و فوق هذا مهاوشته و مقللة ادبك معه وكله عشاان هاذيك ... انتِ تهدمين و المطلوب مني الحين ابني وراك ؟؟انت غلطتي في حقه و احرجتينا معه !!
اتسعت عينيها بقهر مما يقول ، كيف يؤنبها على اخطائها و ينسى نفسه .. هو من كان عليه ان يفي بوعده و يكون عند كلمته و ما شأن اخطائها الآن ؟ هي تعلم انها مُخطئة و نادمة ايضاً على ذلك .. تحتاج كتفاً تستند عليها لا كفَّاً تؤنبُها !!
قالت بانهيار : تتكلم و كأنك عمرك ما غلطت .. بدل ما تساعدني و توقف معي بتصير ضدي حالك حال الغريب ؟ بتعاقبني أنا بعد ؟ بتواجهني بأغلاطي و تسوي معي مثل ما سويت بهالة ..
قاطعها و اسم " هالة " عندما نطقته أيقظ داخله بُركانه ، قال بجنون : لا تنطقي اسمهاا قدامي .. الله يلعنها .. وانتِ بغبائك خربتي حياتك عشانها و تطلقتي !!!
رفعت صوتها : لا تتهرب من كلامي .. ان كانت هالة غلطت فأنت غلطان اكثر منها .. اصلاً انت اكثر واحد غلطان فينا ..
رفع صوته لكي لا يسمح لها بالكلام اكثر .. لأن كلامها يوجعه .. بل يخنقه : منصور معاه حق و لو كنت انا مكانه كنت سويت مثله و اكثر .. و انتِ تحملي نتجية اغلاطك
كانت الهنوف تُراقب صراخهم برعب اتجهت لنور تُحاول تهدئتها لكي لا ترتفع اصواتهم اكثر و لا يشتعل الشجار اكثر بينهما ، صرخت نور في وجهه و قد تجمعت الدموع في عينيها : حاامد انت وعدتني !!!
أخرسته بُجملتها تلك ، وقف يلتقط انفاسه المُتسارعة بكدر ، ينظر اليها و تتحطم ثقته في نفسه أكثر .. تنكسر شخصيته و يصغر في عين نفسه ، امسكت الهنوف يد نور و هي تقول برجاء : يكفي يا نور .. لا يسمعكم ابوكم و يقعد ... اهدوا و سموا بالرحمن مو كذا
انسحبت نور منهما و قد جرحها بكلامه ، كسر بخاطرها و خيّب أملها فيه .. و سقط من عينها أكثر .
بينما ركل حامد رجله على الارض بقهر من ذلك الضعف الذي يجتاحه ، امسك بذراع الهنوف بعُنف بينما انتفضت هي و تسارعت انفاسها بخوف من ان يُفرغ غضبه عليها ، نظرت اليه بذعر و هو يقترب منها و يلفظ من بين اسنانه بعصبية : الحقيها و هديها .. قولي لها ان ما بتركها .. بشوف لها حل .. بشوف لها حل بس تصبر شوي .
افلتها من يده و بقيت مُتسمرة مكانها تنظر اليه بحدقتين مُهتزتين ، تشعر بانكساره و ضعفه و انّه حقَّا تغير ، و اصبح شخصاً غريب اطوار و ذو كرامة مهدورة و كُل ذلك بسببها .. هي من جنت عليه و على نفسها .
*
تجلس على السرير تضُم رُكبتيها الى صدرها و قد جفت دموعها من مُقليتها ، تردد لليلى ما حدث بخيبة و قهر و تُواسيها تلك بدموعها التي لا تملك غيرها لتُواسيها بها ،و قد خرجت الهنوف عنهما منذ لحظات و هي تُحاول ان تهُدئها و تأخذ بخاطرها و تُخبرها بكلام حامد و أنه " بحاول يشوف حل " ، نور بكلمات خائبة و هي تضع رأسها على ركبتيها : يمـاطل .. ما بروح له يماطل و يسلك لي .. و منصور بعاند و مابرجعها لي .. اعرف طبعه .. مستحيل يتنازل و يجي لي بدون ما احد يتفاهم معه .. و بنتي بتروح بين الرجلين بسببهم .
ليلى بخيبة : و انا اللي قلت بروح له و بيتطاقق معه .. طلع حتى مستحي يكلمه .. وش فيه انهبل كذا ؟
مسحت على شعر نور و هي تقول : ما عليه نور .. اهدي و استحملي شوي .. و صدقيني بتفرج .
نور : يعني اذا ما الجأ لأخوي الجأ لمين ؟ و هو وعدني .. انا ما كنت بطلع من الشقة الا لما يرجع منصور و اتفاهم معه .. ماكنت بطلع الا مع بنتي .. بس هو اصر علي و وعدني ان بيوقف معي عشان كذا سمعت كلامه و طلعت .. و الحين رجع في كلمته لي .
ترجلت ليلى من السرير ، تشعر بأنها تُريد ان تفعل شيئاً و لا تبقى مكتوفة اليدين تتفرج على الظُلم الذي تتعرض له اختها و تصمت ، نور و هي تنظر اليها : وين رايحة ؟
ليلى : بروح اكلمه .. ما يصير كذا .. تصرفه ابداً ما هو منطقي !!
خرجت من الغُرفة و قد تراءى لها طيفه و هو يدخُل الى غُرفته و يُغلق الباب خلفه بقُوَّة ، ابتلعت ريقها بارتباك ، تجاوزت خوفها الذي طرأ عليها فجأة من الحديث معه .. منذُ متى و هي تخافُ منه هكذا ؟ لقد كان لطيفاً مُتفهماً لا يغضب بسُرعة و لأي سبب .. يُحسن التصرف و تدبير الأمور بحكمة .
مشت بهدوء و هي تضع تلك الأفكار بالإعتبار .. هو أخوها حامد في النهاية .. لِمَ عساها ان تخافَ منه ؟
كانت ستطرُق باب الغُرفة و لكنَّها توقفت لتُنصت الى صوته المُتذمر المُنبعث من الداخل .
ضرب بقبضته على التسريحة بقُوَّة و قال كمن يتحدث الى نفسه : لو بس كنت اعرف الوااطي اللي تسبب لنا في كل هالبلا .. آخ بس لو يطيح في ايدي .. والله ابيع حياتي كلها بس عشان اعرفه و آخذ بثاري منه الحقييير .
كانت الهنوف تجلس على السرير و تنتفض كأرنب مذعور ، ترتجف اطرافها رعباً ، و تُهلوس في داخلها و هي تتخيل انه يوماً سيكتشف فعلتها .. و ماذا لو ظهرت الحقيقة .. ماذا لو هددتها تلك المرأة مُجدداً .. ماذا لو طلبت المزيد ؟!!!
غطت ابنها الذي يغفو بجانبها على السرير و هي تقول بصوت مُرتبك : حـا مـ د وطـي صـو تـ ك الولـد نايـ م
تنهد بوجع ، أخذ نفساً طويلاً و زفره بتأوه موجع ، استلقى بنصف جسده على السرير ثم قال بانزعاج و هو يرمق محمود النائم بجانبه : و هذا ليه نايم هنا ؟ ماعنده غرفة ينام فيها و الا كيف
الهنوف : مادري وش فيه .. صاير يخاف ينام لوحده هالأيام .
أجابها بحدّة : قومي خذيه لغرفته .. صار قد الجحش و له عين يقول أخاف بعد !!
اومأت بالإيجاب دون ان تُناقشه و قالت بسرعة : ان شاء الله .
وضعت يدها خلف رقبة ابنها ،تأملت لملامحه المُسترخية بنوم عميق لا تُريد ان تقطعه ، قالت بهدوء : خليه يكمل نومه .. او احمله لغُرفته .
التفت حامد لها و رمقها بنظرات حادّة مُستنكرة ، قالت بضيق : يعني يهون عليك ان انا اللي اشيله و انت عارف انِّي حامل و مـ
بُترت جُملتها تلك و هي ترى حامد يُمسك ابنه من بجامته بقسوة قائلاً : محمود .. محمودوه قوم نام في غرفتك احسن لك !!
هزَّه من بجامته بُقوة أكبر و رفع صوته : محمود !!!!
فتح الصغير عينيه بذُعر و اندهاش ، ادار رأسه ليننظر حوله بعدم استيعاب و توجس ، هتفت الهنوف بقهر : حرام عليك خرعته .
احتضنت ابنها و قالت بحنان : مافيه شي يُمه .. قوم كمل نومك في غرفتك.
امسكته من يده لينزل من السرير و يتجه مع امه ليخرجا من الغُرفة فتحت الباب فارتدَّت ليلى الى الوراء ، نظرت لها الهنوف بعدم فهم ثم ابتعدت عنها لتتجه الى غُرفة محمود ، بينما تلاقت نظرات حامد الذي تفاجأ من وجودها بنظرات ليلى العاتبة .. تراجعت الى الوراء و قد عدلت عن الحديث معه .. إذ ان من الواضح انه ليس في مزاج يسمح له بتقبل كلامها الذي ستقوله اليه .. التفتت لتستدير و هي تشعر بأنَّها حقاً خائفة منه و من فكرة التفاهم و النقاش معه .. مرت بجانبها الهنوف بعد ان اوصلت ابنها لغرفته و ما إن دخلت الى زوجها في الغرفة حتى سمعت ليلى صوته و هو يُحادث الهنوف : و هاذي من متى هنا ؟
الهنوف : باتت ليلتها امس هنا .
حامد باستنكار : و ليه ؟ لا يكون تطلقت هي الثانية بعد !! و الا متهاوشه معه ؟
الهنوف : سألتها و قالت مافيه شي بينهم
حامد : قولي لها تقضب ارضها و ترجع له .. مو ناقصين بلاوي منها هي الثانية !!
وصل كلامُه الى مسمع ليلى و حزَّ في قلبها ، طرقت برأسها الى الاسفل و كلامُه عنها ترك اثراً مؤلماً في نفسها ، شعرت بأنها شخص غير مرغوب به في اي مكان تذهب اليه ، لا في منزل زوجها بسبب امه و الآن اخوها ايضاً يجرحها بكلماته ، اندفعت نحو الغرفة ، وقفت قُرب الباب تنظر اليه بشجن ، قالت بغصَّة و هي تنظر الى عينيه : بدل ما تسألني عن اخباري و تقولي " شلونك اختي " تتجاهلني و تقول " وش جاب هاذي لهنا " ؟
هاذي طريقتك في السلام ؟ لهالدرجة وجودي يضايقك !!
لم يُجبها حامد و تجاهل عتابها له بعدم اهتمام ، انطلقت ليلى مُسرعة الى غُرفتها و قد تجمعت الدموع في عينيها من جديد .. هي فتاة حساسة و سريعة البُكاء و دموعها هي الطريقة الوحيدة للتنفيس عمَّا في داخلها ..هي هكذا تغضب و تحزن بسُرعة و دموعها سهلة الإنزلاق .. كثيراً ما كانت تُلقبها والدتها بـ " أم دميعة " و يسخر منها البعض ايضاً لهذا السبب .
*
ضجيج تلفاز و طفلين صغيرين مُنشغلان باللعب في خالتهم رنا التي تُعد طفلة أيضاً ، هنادي و سهام يُتابعن التلفاز بتعليقات و احاديث تُسليهن بينما تجلس لولوة بجانب ابنتها الكُبرى يسرى ، تزم شفتيها بضيق و تشكي لها الحال و تُخبرها بالأحداث الأخيرة التي طرأت عليهم ، تشكي لها من زوجة ابنها التي لم تعد تُطيقها و تقول بانزعاج : قلبت ولدي علي حسبي الله عليها .. عرفت كيف تغسل مخه الساحرة .
ابتسمت يُسرى رغماً عنها من جُملة " غسلت مخه " ، فهي تعرف جيداً شخصية اخيها القوية و تُدرك انه ليس سهلاً لتُؤثر زوجته فيه لدرجة ان " تغسل مخه " كما تقول والدتها ، بالإضافة الى انها قد لاحظت مُسبقاً كيف يتعامل يوسف مع زوجته و عرفت ايضاً انها كانت حاملاً منه في فترة الخُطوبة ، لقد لاحظت تأثير يوسف على ليلى و كيف انه احياناً يُرغمها على فعل امور لا تريدها ، و كيف انها ترضى عنه بأبسط اعتذار ، و الحقيقة التي أدركتها يُسرى بأن يوسف الذي عرف كيف يغسل دماغ زوجته لا العكس كما تقول والدتها .
اكملت لولوة شكواها : امس جا و هاوشني بسببها .. يقول لا اتعرض لها و اتركها في حالها .. الله اعلم وش قايلة له عني اللي ما تستحي على وجهها !!!
قالت يُسرى بلُطف : مستحيل يكون هاوشك يُمه !! يوسف مايسويها ..لا تكبري الوضوع
رفعت لولوة صوتها : اقول لك قلبته عليينا !!! قام يعاندي بسببها .. اخوك تغير علي بسببها
يسرى : ماعليه يُمه اعذريه .. انتِ مو متقبلتها و هو يحبها بعد شسوي ؟
لولوة بتأفف : حبتها القرادة !!!
التفتت يُسرى الى ابنتها التي تهزها : ماما خالي يوسف جا .
انطلقت الطفلة مع اخيها الصغير الى خارج الغُرفة بينما قامت يُسرى من مكانها قائلة : بقوم اسلم عليه وحشني
لولوة بتذمر : و ليه مو هو اللي يجي يسلم عليك .. شفتي كيف اقولك قلبته علينا .. المفروض اول ما يدخل البيت يمرنا اول مو كذا !!!
يسرى بهدوء : يمه لا تبالغي و تسوين من الحبة قُبة .
كان يوسف سيرتقي الدرج قاصداً جناحه بعد ان جلب ليلى من منزل أهلها ، لم يتحدث معها و لكن شُحناتها السلبية وصلته ، و ضاق مزاجه تلقائياً من عينيها المُحمرتين اذ من الواضح انها كانت تبكي ، التفت الى أبناء اخته الذي يهتفون باسمه وراءه ، ابتسم لهُم و انحنى يُقبل وجنة اثير ثم رفع احمد بذراعه و هو يقول : شلونك يا بطل ؟
أجابه احمد البالغ من العُمر اربع سنوات : انا كويس ، استدار الطفل ناحية ليلى و قال بمرح : كيفك خالة ليلى ؟
لم تُجبه ليلى اذ انها كانت شاردة ، رمقها يوسف بنظرات يائسة ثم ابتسم الى اخته يسرى المُتوجهة اليهما
يسرى : هلا والله بالقاطعين .
يوسف بترحيب : هلا و الله فيك ام حمودي .. تو ما نور البيت .
صمتت يُسرى و هي ترى ليلى تتجاهل وجودها و ترتقي الدرج مُسرعة ، التفت يوسف لها و لم تَرُقه حركتها الفظة ، كان عليها ان تحترم اخته و تُتسلم عليها لا تتجاهلها بهذه الطريقة الوقحة ، رمقها بنظرات حادَّة مُتوعِّدة بينما هي لم تشعر به ، اذ كانت تُعطيه ظهرها و ترتقي الدرج مُسرعة .
يسرى بإحباط : وش فيها زوجتك من شافتني انحاشت !!!
يوسف بإعتذار : امسحيها في وجهي .. هي نفسيتها شوي تعبانه و اخلاقها قافلة .. ما تقصد .
يسرى بعدم رضا : آها .
انزل يوسف أحمد على الارض و قال : ليه جلسة معك و للحلوين بس الحين تعبان شوي ... اريح لي شوي و نازل لكم
يسرى : طيب .. بس روح خذ بخاطر امي اول .. زعلانة منك و تقول انك مهاوشها !!
يوسف باستغراب : انا مهاوشها !!! و انا اقدر ؟
يسرى : تقول انك مهاوشها عشان ليلى
يوسف : كلمتها بهدوء و فهمتها ان ما تدخل بيني و بين زوجتي ..و حتى صوتي ما رفعته !!
يسرى : يُمكن تبالغ بس تراها جد زعلانة و متضايقة منك !!
تنهد يوسف بنفاذ صبر : بروح بشوفها الحين
دخل الى حيث والدته و ما ان رأته حتى عبست في وجهه ثم اشاحت عنه عاقدةً حاجبيها بضيق ، ابتسم يوسف لها و قال بمُلاطفة : يقولون زعلانة مني يُمه ؟
دنى منها و قبَّل رأسها ثم جلس جوارها ، قامت عنه و هي لازالت عابسة : روح للمسعدة اللي فوق خل تنفعك .
خرجت من الغُرفة و قطب يوسف جبينه بضيق و هو يشعر بأنه سينفجر في الاخير، ان كان ارضاء زوجته عمل سهل بالنسبة اليه و لا يُكلفه شيئاً فإرضاء والدته على النقيض تماماً فوالدته مُتسلطة و صعبة المراس و ما أصعب إرضاءها !! ، نظر لأخواته الاَّتي ينُظرن له ، و قال كمن يُحدث نفسه : مالي الا ارمي نفسي من السطح عشان ترضى و ترتااح !!!
*
استيقظ من نوم مُضطرب لم يُرحه كثيراً ، نظر حوله باستنكار من وضعه .. فهو يستلقي على الأريكة في الصالة .. و الجو حار جداً اذ انه نسي تشغيل التكييف قبل ان يغفو .. اذ انَّه غفى هنا دون ان يشعر ..و غفت طفلته على صدره ايضاً دون ان يشعر بها .. لا يتذكر متى نام و متى اراحتُه سارة من بُكاءها و غفت .. و لِم هو نائم في الصالة بهذا الشكل ؟
ارتفعت عينيه الى الساعة التي عانقت xxxxبها الساعة الثانية عشر ظُهراً .. اتسعت عينيه بصدمة !!
نهض من الأريكة باستعجال و بحركة سريعة غافلاً عن سارة النائمة على صدره .. أمسكها بحذر لكي لا تسقط و انطلق مُسرعاً نحو غُرفته .. و لكن سارة استيقظت بانزعاج من حركته السريعة و بدأت بالبُكاء الناعس البطيء و لكنه لم يأبه و القى بها في مهدها بعجلة .. ليُغير من ملابسه ليذهب الى عمله الذي تأخر عنه كثيراً .. هو مُلتزم بعملية جراحية في الثامنة صباحاً و قد تجاوزت الساعة الآن الثانية عشر !!!
و لا ينسى مشوار الطريق الذي يستغرق نصف ساعة من شقته الى هناك بالإضافة الى سارة الذي يجب عليه ان يأخذها الى منزل اخته .. و منزل اخته في طريق مُعاكس للمشفى الذي يعمل فيه ... تنهد بقهر و ماذا لو كانت الشوارع مُزدحمة ايضاً ؟
*
يقف أمام التسريحة ، يدهن ظاهر كفَّيه بالعود بينما حدقتا عينياه ترتكزان في المرآة ، لم يكن ينظر لانعكاسه فيها .. بل كان يحُدق في زوجته من خلال انعكاسها في المرآة ، يتابعها بعينين ضيقتين حيث كانت تجلس على السرير مُتكورة على نفسها بوجه مُكتئب ، شاحبة و عينيها غائرتين مُطفئتين ، لم يُميز ان كانت تبكي الآن ام لا .. لم تتبين له دموعها من خلال هذا الانعكاس .. و لكنها كانت ساكنة و لا يُسمع لا صوتاً .. أبعد عينيه عنها و قال بهدوء : مو حلوة حركتك لمّا تجاهلتي يسرى و هي جاية تسلم عليك .. ما بضرك شي لو جاملتيها و وقفتي لها .. السلام لله !!
ارجع نظره نحو المرآة ليُتابع انعكاسها ، كانت قد انزلت رأسها على رُكبتيها و تابعت صمتها ، فهم يوسف أنها كانت تبكي بصمت و الآن انزلت رأسها تُخفي دموعها و تتابع بُكاءها ببُكاء أمرّ .
هي تبكي لأنها لا تجد حلولاً لمشاكلها ، تبكي لأنها خسرت اختها و تزداد دموعها انهماراً كُلما تذكرت والدها و انكساره و مرضه .. ثُم تتذكر نور و حُزنها و لأنها لا تستطيع ان تفعل لها شيئاً فتبكي .. ثم تتذكر كلام اخيها الجارح لها هذا الصباح فتزداد لوعتها و تشهق وسط بُكاءها ثُم تتابع ذرف الدموع و هي تشعر بأن لا احد يرغب بها .. لا حماتُها و لا أخيها .. حتى يوسف بدأت تشعر به و كأنه قد مل و سأم .. تتذكر كلام الهنوف التي اخبرتها بانه قد يكون تأثر بكلام والدته او انه بدأ يسأم منها فتزداد بؤساً و خوفاً من ان يتركها يوماً .
تنهد يوسف بضيق من حالها و من بُكاءها الذي لا حد له ، و لكن بما انَّها زوجته و تعيش معه فلا مفَّر له من دموعها ، و ليس هو من يتجاهل بُكاء أنثى ، و خصوصاً ان كانت تلك الأنثى هي زوجته التي تُحبه .. يعلم جيداً انها مُتعلقة به و تُحبه .. لذلك لا يستطيع تجاهُلها و تجاهل كلام والدته الظالم في حقها .. هي لا تستحق منه الا كُل خير و هو لن يظلمها .. لقد قطع وعداً على نفسه بأنه لن يظلمها .. لن يظلمها كما ظلمها سابقاً .
جلس على طرف السرير بجانبها و يعلم جيداً ما هي مهمته الآن .. و ما الدور الذي سيقوم به الآن .. سيُجفف لها دُموعها كما يفعل دائماً .. و سيضطر لسماع شكواها المُكررة مُحاولاً ان لا يُظهر لها ملله و انه حفظ تلك الجُمل منها .
قال بهدوء و هو يُلامس كفها : ليلى ارفعي راسك
قالت بصوت مخنوق و هي لازالت تدفن وجهها : لا تكلمني عن امك و خواتك لأن مالي خلق .
يوسف بنبرة مُتعاطفة : ما بكلمك عنهم بس ارفعي راسك و استهدي بالله .. ما احب اسمعك تبكين .
رفعت رأسها لتنظر إليه و قد احمّر وجهها بسبب تمريغها له برُكبتيها ، ابتسم لها يوسف بتعاطُف ، قال برقة و هو ينظر في عينيها : اشتقت لضحكتك .
ابعدت عينيها عنه و هي تشعر بأن ابتسامته و كلماته مثل بلسم يُخفف من وطأة الحزن على قلبها .
فتح ذراعه نحوها و هو يُحاول إخفاء ملله .. ملله من ان يُطبطب عليها مُجدداً : تعالي .
صمتت تنظر اليه بذُبول .. قال بابتسامة و هو لازال يمد يده نحوها : تعالي .. وش فيك تطالعيني كذا ..تعالي
اقتربت منه كما أمرها و ارتمت في حضنه كما أراد ، و كأنه قد أعطاها الضوء الأخضر لتبكي على كتفه و تُفضفض له بشجن : نور ما تفهمني .. تفكر ان هالة ما تهمني .. انا مقهورة منها و ما اقدر اتحمل اشوفها .. انا اذا شفتها عادي ان اضربها و اهاوشها من القهر .. بس هي تقول لي لازم اروح لها .. انت وش رايك ؟
ابتلع الكلام الذي كان سيقوله لها بعد ان سمع اسم " هالة " .. ماذا يعني ذلك الاسم بالنسبة له ؟ سأل نفسه هذا السؤال و لم يجد له جواباً .. لقد كان مُتعلقاً بهذا الاسم و صاحبته بشكل غريب و لأسباب لا منطقية ، كانت كسحر مُستحوذ عليه .. كانت تُشكل له هوساً و صوتاً داخلياً يتردد على قلبه بلا منطقية .. ثم اختفى ذلك الصوت و انتهى ذلك الهوس .. انتهى لأنها اختفت !! كان يراها نجمة بعيدة تلمع و لم تُعد كذلك الآن .. لم تعُد تحوم حوله كالسابق .. لقد اختفت !!
قال بهُدوء و هو يمسح على شعرها : هالقرار لك .. انا مو من حقي اتدخل بينكم .. مهما سوَّت تظل اختك .. و هي حالياً وحيدة و تحتاجك .
قالت بذات الشجن : انت ما تفهمني .. انا مو قادرة اسامحها في داخلي .. كنت حاسة عليها من قبل و نصحتها .. قلت لها اذا فيه شي لا تخافي و خبريني انا بوقف معك .. بس تجاهلت و كملت في الغلط و هاذي النتيجة .. و الحين ما ينفع ندمها .. تخيل لو وحدة من خواتك غلطت مثلها .. كنت تقدر تسامحها ؟
قطب جبينه و لم يرُق له هذا التشبيه .. لا احد يرضى بأن توصف اخته بهذا الفعل .. و لا يُمكنه تصور احدى اخواته بهذه الطريقة البشعة .. حتى لو كان كلامُها مجرد افتراض .. و هي طلبت منه ان يفترض فقط و لم تقصد شيئاً .. الا ان حتى الإفتراض في مثل هذه الأمور الحساسة امر مُزعج .. و هو لا يستطيع ان يفترض مثل هذا الافتراض في حق اخواته ، ابعدها عنه مُمسكاً بذراعيها بهدوء ، قال بانزعاج : لا تخلطي الامور في بعضها .
ليلى : شفت كيف !! انت حتى مو قادر تتخيل وضعك و انت مكاني !! شفت صُعوبة الموقف الا انا فيه .
صمت و لم ينطق بكلمة و هو يُفكر بكلامها، و سؤاله له يتردد في عقله " ماذا لو ان ما حدث لهالة كان قد احدث لاحدى اخواته ؟ " ، رفع ناظريه نحو ليلى التي عاودت ذرف دموعها ، قال مُحاولاً تغيير الموضوع : وش صار مع نور ؟
قالت بصوتها الباكي : على حالها ما تغيَّر شي ..حتى ان حامد ماراح كلمه و تفاهم معه للحين !!
ضغط على ذراعيها و هو يُرجع بجسدها الى الوراء ليجعلها تستلقي بظهرها على السرير ، ارخى ذراعيه عنها بعد ان جعلها تستلقي ، اكملت ليلى شكواها : مادري وش فيه حامد متغير .. اللي صار أثَّر فيه كثير .. ماقدرت حتى اكلمه .
كان يستمع اليها و هو يُتابع تدفق الدموع من عينيها ، يُدقق النظر في عينيها اللتين تكاثرت الشُعيرات الحمراء داخلهما ، تتعلق الدموع في اهدابها للحظات ثم تتدحرج على وجنتيها و هكذا .. و كأن عينيها حصّالة دموع ، مد كفه ليمسح بأصابعه تلك الدموع المُزعجة .. و لكنه كان يمسح و هي بدورها تُعاود ذرف غيرها ، قالت بصوت خنقته الدموع : يوسف روح كلم منصور .. يمكن يسمع منك .
قال بشرود و هو مشغول بمسح دموعها التي لا تتوقف ، يمسحها و كأنه في تحدي معها ..يُحاول التغلب عليها بمسحها قبل ان ترسم خطَّاً على وجنتيها : بس المفروض حامد اللي يكلمه مو انا .
ليلى : حامد اخاف يماطل اكثر و اختي ما تتحمل تقعد اكثر على هالوضع .. هي متعلقة في بنتها كثير و ماتتحمل تبعد عنها كل هالمدة .. مابضرك شي يوسف اذا كلمته .
يوسف باستنكار : اكلمه وش اقول له ؟
ليلى : مادري بس انت تعرف كيف تصفف حكي مرتب و مناسب و تقول له .. انت ادرى مني بهالسوالف .
عقد حاجبيه و اجابها : ما ابي اتدخل بينهم و بيني و بينك انا هذا منصور من يومي ما اطيقه و ما احب احتك فيه .. شايف حاله و كريه و اذا تكلم تكلم من طرف خشمه .
ليلى برجاء : و اذا قلت لك عشاني !! صير واسطة خير
صمت للحظات و هو لازال في تحدٍ مع دموعها .. يمسحها لتنزلق مُجدداً .. و عندما قالت رجاءها ذاك زادت سُرعة الإنهمار .. قال باستسلام : و انا اقدر ارفض لك طلب .. خلاص بكلمه مو مشكلة .
هدأت و ارتاحت قليلاً .. قالت بهمس : مشكور .
ابتسم لها : خلاص وقفي حنفياتك .. قلت لك بكلمه هذا منصور و ان شاء الله يفيد كلامي معه .
استفزته دمعة سقطت من عينها اليُمنى و هو الذي ظن بأن دموعها توقفت أخيراً .. مسح تلك الدمعة بعُنف و هو يضغط على وجنتها بقسوة قائلاً بملل : خلاص عاد !!
تأوهت ليلى بألم من كفه التي ضغطت على وجنتها : آآه .. انت تمسح دموعي و الا تضربني !!!
ضحك بخفة و قد انتبه لنفسه ، سحب كفه من وجهها و هو يقول : قومي غسلي وجهك و تعالي .. و خلاص يكفي نكد و صياح .
قامت بهدوء من السرير و استلقى هو مكانها .. اغمض عينيه و ذلك السؤال لازال يتردد في ذهنه .. " ماذا لو ان ما حصل لهالة قد حصل لإحدى اخواته ؟ "
*
يستلقي على العُشب الأخضر بغير اكتراث بأن المكان الذي يجلس في مُتسخ ، القاذورات و النفايات حوله و بالطبع ان هناك حشرات تزحف على العشب جواره .. و لا عجب لو تسلقته تلك الحشرات و لسعته .. و لكنه لا يكترث .
هو في مُنتزه عمومي يطل على الخليج العربي ، و المكان مُتسخ بفعل الناس الذين يرتادون هذه الأماكن بكثرة .. و خصوصاً انَّها اجازة الصيف .. اذ ان هذه الأماكن تزدحم بالناس ليلاً و تفرغ منهم نهاراً بسبب اشعة الشمس الحارقة في مثل هذا الشهر من السنة .. ، لقد مكث وليد في هذا المكان مُنذ الفجر .. اشرقت الشمس و هو هُنا يُراقب شروقها و يُراجع احداث حياته المُتسخة بالذنوب و الخطايا التي يستصغرها .. يتذكر متى كانت أول خُطوة سلكها في هذا الطريق ؟ و متى سقطت أول قطرة خمر في فمه .. و كيف كان لقاءه الأول بخيال .. و كيف انتهت علاقته معها الآن .. انتهت بهذا الشكل المُثير للسخرية و الشفقة في آنٍ واحد .. لقد قيدته و احكمت اغلاق القيود عليه .. ضحكت عليه و جعلته يبدو كالأحمق .
شعر بقطرات من الماء تُبلل جانبه الأيمن .. استدار ليجد عامل نظافة هندي .. يسقي العُشب و يلتقط القاذورات .. قال العامل بلهجته الركيكة : بسم الله الرحمن الرحيم .. ليش انت فيه نوم هنا .. مجنون .
نهض ببرود ، وقف على رجليه مُتجاهلاً كلام ذلك العامل .. ليس في وضع يسمح له بالتواقح و رد الكلام .. " مجنون " .. تلك الكلمة التي تفوه بها العامل تُناسبه كثيراً .. لو لم يكُن مجنوناً لما تورط مع امرأة خطيرة مثل خيال .. لما اقحم نفسه في مُشكلة كان يستطيع تجُنبها .. كان يستطيع ان يحتفظ بتلك المعلومات السرية التي تخُصها لنفسه .. و لكنه بسُخرية تحدث أمامها ليُخبرها بأنه يعلم بكُل شيء ..فقط لأنه اواد ان يسخر و يشمت و يتذاكى عليها ... و قد دفع نتيجة ذلك الجنون بأن أقحمته خيال في جنون أعظم !!
في يومٍ ما ساقته شهواته اليها ،و هو بإرادته قرر ان يمضي في هذا الطريق المشبوه ، و بكامل قُوَاه العقلية رضي ان يتخبط في عُتمة المسير ، ان يُغمض عينيه عن كُل قناعاته السابقة ، ان يُكمل توهانه في هذه الدُنيا ، ليُصبح مُكبلاً بذنوب اقترفها في حق نفسه ، كان يسير مُغمض العينين الى ان سقط في حُفرة حفرتها ذنوبه له ، فاستفاق من غفلته مصدوماً ، تائهاً ، و قد فات الأوان ، و في هذه الحُفرة انقلبت به أحوالُه لا يدري أين المَناص ؟ و لا يدري كيف يتسلق عمُق حفرةٍ حفرها بلا مُبالاته .
امتطى سيارته و اسند رأسه على الكُرسي بتعب ..يشعر بأنه اصبح محموماً بسبب اشعة الشمس الحارقة التي تعرض اليها مُباشرةً و لفترة طويلة نسبياً .. ولكن تلك الحرارة لا تُضاهي حرارة القهر التي يشعر بها داخله .. امسك بهاتفه و هو يُريد ان يسمع صوتها .. ذلك الصوت اللطيف المُريح لمسمعيه .. يحتاج صوتُها الآن .. يحتاج صوتها و هو الذي اعتاد ان يُطفئ اشتياقه لها عن طريق سماعها دون رؤيتها .. عن طريق تلك الموجات الصوتية التي تصله منها عبر الهاتف .. قد تكون نائمة الآن اذ انّه اول النهار .. و يعلم انَّها تُطيل السهر في ايام الإجازة .. لم يأبه بذلك و طلب رقمها .. وضع هاتفه المحمول على أذنه ينتظر سماع صوتها .
*
تجلس نور في غرفتها تقابل جدرانها الأربع ، قررت بأنها لن تبقى مكتوفة اليدين و لن تستسلم لواقعها الذي يفرض عليها المعاناة .. لن تبقى مكتوفة اليدين تنتظر شيئاً قد يحدث او رُبما لا .. قررت بأنها ستذهب لزيارة هالة في هذا اليوم .. فهي أولى بأن تُفكر بها الآن .. و لا احد يستطيع منعها من ذلك .. فقد طلقها منصور و لم يعد له سلطة عليها بعد الآن .. ستذهب للمشفى و لن تُبالي بأحد.. و ان التقت عينيها بعيني منصور هناك فلن تأبه ..
*
{ التمس لاخيك سبعين عذرا فأن لم تجد له عذرا ًفقل له عذرا ً}
اعتذر على التأخير بس لأن جزئية كبيرة من البارت انحذف مني و انا انسخها من الجوال عشان كذا تأخرت عليكم .. عوضت الجزئية المحذوفة بس باقي منها كثير و هالفصل مو كامل للأسف عشان كذا مو كل الشخصيات ظهرت فيه :(
حدي مقهورة على تعبي اللي راح اتمنى تعذروني :(
انتهى
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!