تحميل رواية ولأنه موسى بقلم ماهي احمد pdf
بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
في كل رأس سنة، نقف للحظات نلقي نظرة على ما مضى من السنين، وكأنها قطار يعبر بنا المحطات بسرعة لا تمنحنا وقتًا كافيًا للتأمل. نحمل أمانينا للسنة القادمة، باحثين عن السعادة التي تبدو أحيانًا كوجهة نهائية، لكنها في الحقيقة تكمن في تفاصيل الرحلة نفسها. كان يجلس على المقعد يقلب حبات سبحته بين أصابعه يراقب زوجته تفتح الخزانة الخاصة بها تستعد لارتداء ملابسها الواسعة وقد طغى اللون الأسود على ردائها وقد بدا عليها وقار من هم في مثل عمرها، ربما أوشكت على الواحد والخمسين تقريبًا أو أزيد عامًا. استدارت ترمق ز...
رواية و لأنه موسى الفصل الأول 1 - بقلم ماهي احمد
في كل رأس سنة، نقف للحظات نلقي نظرة على ما مضى من السنين، وكأنها قطار يعبر بنا المحطات بسرعة لا تمنحنا وقتًا كافيًا للتأمل. نحمل أمانينا للسنة القادمة، باحثين عن السعادة التي تبدو أحيانًا كوجهة نهائية، لكنها في الحقيقة تكمن في تفاصيل الرحلة نفسها.
كان يجلس على المقعد يقلب حبات سبحته بين أصابعه يراقب زوجته تفتح الخزانة الخاصة بها تستعد لارتداء ملابسها الواسعة وقد طغى اللون الأسود على ردائها وقد بدا عليها وقار من هم في مثل عمرها، ربما أوشكت على الواحد والخمسين تقريبًا أو أزيد عامًا.
استدارت ترمق زوجها بنظرات ملامة فتجاهلها هو. ثم دست الأموال بداخل كيس النقود الخاص بها. مدت يدها على الطاولة تلتقط تلك الصورة الفوتوغرافية التي تجمع أعز ما تملك وهم أبناؤها الخمسة. وكان هبة الله الأولى لها "لقمان"، الابن الأكبر الحنون صاحب الثلاثين عامًا يقف بالمنتصف بين أشقائه بابتسامته الحانية ونظرته لهم تدل على حنانه اللامتناهي. أما عن البقية يجتمعون من حوله وتبدو على وجوههم السعادة الغامرة.
تنهدت بحرقة تهز رأسها في تأثر وانتقلت عيناها تراقب تعابير زوجها المتهكمة. ودون أن تشعر تركت البكاء يعرف طريقه نحو وجنتيها ثم قالت بصوتٍ باكٍ مستنكرًا مختنقًا بسبب العبرات:
ـ مش ناوي تيجي معايا المرة دي كمان يانصار؟
هز رأسه نافيًا وترك المكان وتحرك منه بخطوات شبه راكضة يلقي على مسامعها:
ـ قلت لأ يانعيمة يعني لأ.
تحدثت بألم:
ـ انتَ ما بقيتش تنزل من البيت خالص يانصار.
أدار ظهره وقال بصوتٍ يحمل في طياته مزيجًا من الحزن والحزم:
ـ عشان من وقت اللي حصل وأنا ما بقيتش أخرج من البيت، بقيت كاره الخروج بره بتخنق بحس إني مش قادر أتنفس. نظرات الناس ليا كل ما أطلع بحس إنهم عايزين ياكلوني بعنيهم. أسئلتهم بتنهش فيا وببقى مش عارف أرد أقولهم إيه.
قطعت خيط كلماته فجأة، إذ لاح لها في عينيه بريق الإصرار الذي لا يقاوم. بصوتٍ متزن، وكأنها تحاول أن تخفف ثقل الكلمات التي توشك أن تنطق بها، قالت وهي تمرر ظهر يدها برفق على البرواز الصغير الذي استقر بين كفيها، وكأنها تلامس ذكريات حية تسكن بداخله:
ـ خلاص، خلاص يا حج نصار. اللي تشوفه. هاروح لوحدي المرة دي بس لازم المرة الجاية تيجي معايا.
أوشكت عيناها على اختراق الصورة الفوتوغرافية، إذ اجتاحتها ذكريات كالطوفان، وقلب شارد لا يدري ما يصنع باضطرابه. عادت بذلك القلب إلى الوراء قليلًا، ثم اتكأت بجسدها الهلامي على حافة باب غرفته، غارقة في طيات الماضي.
حيث انتفضت ذاكرتها تحمل صورة ابنها الثاني، "نوح"، ذلك الشاب ذو العيون البندقية، حاملًا شقاوة تشيب الرؤوس. رمقت الحاسوب في غرفته الخاصة، وشرَدت بهدوء تام في ما كان، حينما كان ينزع سماعات الأذن عن أذنيه، ويخبرها:
ـ رايحة فين يانعناعة قلبي في الوقت ده؟ استني ماتنزليش، شوفي أنتِ عايزه إيه من تحت وأنا هجيبهولك. بس استني معايا كيكايه. هخلص كلام معاها في المكالمة دي وأفضالك يا جميل. الا بالحق قوليلي أخبار ام عبير إيه؟ لسه بطل ولا الزمن هد البطل؟
انتزعت الحذاء من قدميها ثم ألقته عليه وهي تقول:
ـ ما تلم نفسك يا ولا، أنتَ مش عاتق حد حتى أم عبير دي قد أمك.
فاقت من شرودها وهي مازالت تسمع بداخل أذنها تأوهاته من ضربتها بضحكات ساخرة. مسحت عبراتها من على وجنتيها تكمل طريقها للخارج بعدما عدلت من حجابها. أغلقت "نعيمة" الباب خلفها بأحكام بعدما تأكدت من محتويات حقيبتها بعناية. نزلت إلى الحارة بخطى متثاقلة، تحمل بين طياتها ثقل الذكريات.
لم يكن البيت الذي غادرته مجرد بناء من الحجارة والخشب، بل كان شاهدًا على أحلامهم، أفراحهم، وأوجاعهم. ذاك البيت الذي كُتب على واجهته بخطٍ عربيٍ متقن "آل موسى" كان يُعرف بين أهل الحارة، ليس فقط لأنه الأكبر أو الأكثر تميزًا، بل لأنه يحمل بين جدرانه تاريخًا عريقًا، وحكاياتٍ لا تُنسى.
وقفت على عتبة الطريق، ثم استدارت ببطءٍ لتلقي نظرة أخيرة على البيت وخاصةً اسم "آل موسى". ارتسم أمامها وكأنه يهمس لها بأسرار الماضي. امتلئت عينيها بحزنٍ عميق، لم يكن مجرد حزن فراق بيتٍ، بل فراق حياةٍ بأكملها.
وقفت تُحدّق في الطابق الأرضي، حيث النافذة ذات القضبان الحديدية التي كانت تشهد الكثير من الأحاديث بينها وبين تلك المرأة العجوز التي لطالما اعتبرتها كوالدتها. كانت تعيش بداخله. تطل من تلك النافذة. شردت بذاكرتها حين أوقفتها "نجاح" بصرامة:
ـ بت يانعيمة، نعيمة!
تقدمت نعيمة نحو تلك النافذة ذات القضبان الحديدية بتهكم:
ـ أنا مش قلتلك مية مرة ماتقوليش بت دي تاني ياما. لقمان خلاص على وش جواز وكام شهر ويخلف وهبقى جدة وأنتِ لسه بتقوليلي يابت. في وسط الحارة.
مالت على النافذة تقول بغيظ:
ـ أيوه بت وهتفضلي طول عمرك في نظري بت ومش هتكبري أبداً. وبعدين فين مقصوف الرقبة يحي بعتاه يجيبلي تمن حلاوة من أول امبارح وواقفه مستنياه لحد دلوقتي ومجاش. عايزه أفطر ياللي منكم لله.
ضحكت على قولها وهي تخبرها:
ـ من أول امبارح ولسه مستنياه. أنتِ ما بتتعلميش أبداً. قلتلك يحي لأ، يحي لأ. ماتديش يحي فلوس ولا تبعتيه يجيب حاجة أبداً.
كانت تقولها بنبرةٍ لا تخلو من مزاحٍ لطيفٍ. تلك اللحظات البسيطة التي لم تكن تعيرها اهتماماً حينها، باتت الآن أثقل الذكريات في قلبها.
عادت للواقع على يد جارتها المقربة لها تهزها ناطقة:
ـ نعيمة، كل سنة وأنتِ طيبة ياحبيبتي. أنا مش ناسيه وعارفة أن عيد ميلادك النهارده مع يوم رأس السنة. يجعل سنة 2025 سنة خير عليكي. ماتيجي تقضي راس السنة معانا النهارده زي ما كنا بنعمل زمان. ده الواد طه جايب تورتايه وحلويات كده على القد. قولتي إيه؟
تخلت عن الصمت وتحدثت رافضة:
ـ لا معلش، أنا بحب أقضيه مع العيال.
ابتسمت بحسرة وهي تسألها:
ـ أنتِ برضوا هاتروحيلهم بالليل كده؟
لم تتلق ردًا. هزت رأسها ببسمة حانية ثم تأملت النافذة من جديد لتجد النافذة خاويةً، موحشةً كحال قلبها. أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تحاول جمع شتات روحها، ثم استدارت مرة أخرى لتكمل طريقها تاركة خلفها جارتها "وداد" تهمس بداخلها:
ـ ياعيني عليكي يانعيمة. من وقت اللي حصل وأنتِ ما بقيتيش نعيمة اللي أعرفها.
كانت الحارة تموج بصخب الحياة، الأطفال يركضون بفرح بمناسبة دخول عام جديد، والباعة ينادون على بضائعهم. لكن "نعيمة" شعرت وكأنها تسير في وادٍ منفصلٍ عن العالم. خطواتها كانت تقودها بعيدًا، لكن عقلها ظل معلقًا هناك، عند ذلك البيت، وعند تلك النافذة.
خرجت من الحارة بخطوات مثقلة، وقلبها يئن تحت وطأة الحزن. كانت تمسح الدموع بصمت، وهي تمضي وسط الزحام تبحث عن أي وسيلة تنقلها بعيدًا عن هذا الضجيج الذي زاد وجعها.
الليل كان مكتظًا بالناس، الحركة لا تهدأ، والأصوات تعلو من كل اتجاه.
وقفت طويلًا على حافة الطريق، تترقب سيارة أجرة، لكن الزحام كان طاغيًا، والانتظار أطول من احتمالاتها. الناس يتدافعون، بعضهم يسرع الخطى، والبعض يصطدم بها عن غير قصد. ومع كل اصطدام بسيط، كانت تلتفت دون وعي، وكأنها تنتظر شيئًا أو أحدًا. لم يكن الاصطدام يؤلمها، لكن كل لمسة عابرة أعادت إلى ذهنها صورة وليدها "أدم" أصغر أبنائها وهو مصاب بمرض "هافييوفوبيا" الذي يجعل الشخص ينزعج أو يشعر بعدم الراحة الشديدة عند لمسه. هذا المرض يُعرف بـ "رهاب اللمس"، اضطراب نفسي نادر يتسم بالخوف المفرط أو النفور من اللمس الجسدي، حتى لو كان من قِبَل أشخاص مقربين.
تحدث "آدم" بصوت متقطع، كأنه يبحث عن الكلمات بين أنفاسه، وهو يعدل سماعة الرأس المثبتة دائمًا على رأسه كأنها جزء منه لم تفارقه أبدًا، وكأنها درعه الذي يحميه من العالم. يبقى حقيبته قريبة من جسده يضمها بيديه بحرص، يتجنب بحذر أي اقتراب أو لمس من الآخرين، وكأن لمسة عابرة قد تزلزل عالمه الصغير. كانت حركاته مدروسة، وخطواته محسوبة، وعيناه تراقب المسافة بينه وبين من حوله بحذر صامت.
يخبرها بقلق:
ـ أنا قلتلك، قلتلك ما بحبش أنزل. أنا في يوم راس السنة ده ما بحبش الزحمة، بكرهها.
حاولت أن تمسك بيده بابتسامة دافئة وهي تقول بلطف:
ـ بس إنت كنت بتحب نجيب الزينة بتاعت رأس السنة وإنت صغير فاكر يا آدم. كل سنة وانت طيب ياحبيبي النهارده رأس السنة.
سحب يده بسرعة يحتضن حقيبته من جديد وعيناه تملؤها القلق، يعدل نظارته بتوتر وهو يرد بصوت مضطرب:
ـ ما تلمسنيش... ما بحبش حد يلمسني.
استفاقت فجأة من ذكرياتها على صدمة خفيفة في كتفها. التفتت لتجد شخصًا مارًا قد اصطدم بها دون قصد. وعلى الرغم من أن الضربة لا تذكر ولكنها شعرت بذاك الشعور الذي يثقل الروح ويعيد الجراح القديمة. وكأن كل وجه غريب يحمل بين ملامحه طيفه، وكل خطوة تعيدها إلى ذكرى أبعد مما تحتمل.
تلك الليلة المزدحمة، حاولت أن تستعيد توازنها لكنها سمعت صوت امرأة خلفها تقول بتذمر:
ـ بسرعة شوية يا حاجة، شايفة الزحمة عاملة إزاي. كلنا عايزين نروح بيوتنا.
التفتت إليها وأومأت برأسها اعتذارًا، ثم أعادت نظرها إلى الأمام. وقبل أن تنتبه لما يحدث، وجدت نفسها وجهًا لوجه مع سيارة سوداء فاخرة، تسير نحوها بسرعة. لم تستطع التحرك أو التفكير. وفجأة صدمتها السيارة.
تجمع الناس حولها بسرعة، أصواتهم تتداخل بين القلق والغضب. نزل السائق من السيارة، شاب في منتصف العشرينات، يرتدي بدلة سوداء وقميصًا أبيض، ملامحه تعكس الاحترام والارتباك. ركض نحوها بسرعة وهو يقول بقلق:
ـ يا حاجة... إنتِ بخير؟ أنا آسف جدًا، ما خدتش بالي، بس إنتِ كمان ما كنتيش باصة قدام.
تعالت الأصوات من بين الحشد؛ قال أحدهم بسخرية:
ـ أيوه، هطلع الغلط عليها دلوقتي.
وردت امرأة أخرى بغضب:
ـ لما انتوا ما بتعرفوش تسوقوا، بتسوقوا ليه؟
نظر الشاب إليهم بحيرة، ثم قال رجل آخر بنبرة جادة:
ـ يا ابني سيبك من الكلام ده، خدها بسرعة على أقرب مستشفى.
أومأ الشاب برأسه وهو يقول بارتباك:
ـ حاضر، حاضر، أكيد.
اقترب منها وانحنى بجانبها ليسندها بحذر، ملامحه تنطق بالأسف وهو يقول:
ـ أنا آسف جدًا يا حاجة... والله ما كنت عايز ده يحصل. مش عارف إزاي حصل كده.
ساعدها على دخول السيارة وأغلق الباب برفق، ثم أسرع إلى مقعد السائق. وبينما يقود، التفت إليها وقال بقلق:
ـ طمنيني... إنتِ كويسة؟
لم يتلق ردًا. كانت جواره فأسرع يهتف بعيون راجية:
ـ لا بلاش تسكتي كده، لو في أي حاجة قوليلي طمنيني الله يخليكي.
وقبل أن تنطق رن هاتفه فجأة، وظهر على الشاشة اسم "البيت". ضغط على زر الرد وفتح المكبر يضع الهاتف أمامه وصوته يحمل توترًا واضحًا:
ـ ألو، أيوه يارحمة، الحقيني أنا عملت حادثة.
كانت "رحمة" زوجته منهمكة في إلباس طفلها، استعدادًا للخروج، عندما سمعت صوت "عمر" عبر الهاتف يخبرها بأنه قد تعرض لحادثة. سقطت الملابس التي كانت تحملها من يديها دون أن تشعر واتسعت عيناها بدهشة وصدمة، وملامحها التي كانت هادئة تحولت فجأة إلى مزيج من القلق والغضب.
هاتفه:
ـ يعني مش هنخرج؟
هنا في حي صغير بمحافظة "السويس" يدعى هذا الحي بـ "حي الكويت" وبشارع "جامع بلال بن رباح" بالأخص، توجد صيدلية تخدم الكثير والكثير من أصحاب هذا الحي البسطاء ومالكها هو وليدهم "الطبيب طه". ابن هذا الحي البسيط.
كان "طه" يقف خلف العداد، يتنقل بنظره بين الزبائن في صيدليته، وقد امتلأت نفسه بالضيق والملل. فكل يوم كان يحمل له مفاجآت جديدة، لكن ليس بالمعنى الجيد. فكلما دخل زبون جديد، يزداد الأمر تعقيدًا. البعض يطلب أدوية لم يسمع بها من قبل، وآخرون يصرون على وصفات لا تفهم من أين أتوا بها. كان قلبه يكاد يتوقف من شدة الضغط، وهو يبتسم ابتسامة باهتة محاولًا إرضاء الجميع رغم ما يعانيه في نفسه.
حتى أتت له والدته "وداد" تجلس على المقعد. رأى "طه" الحزن بعينيها فسألها باهتمام وهو يسير بجوارها يحضر طلب الزبائن:
ـ مالك يا أمي؟ حصل إيه؟
استدارت تطالعه وقالت بقهر:
ـ نعيمة برضوا عملت اللي في دماغها وراحت تحضر عيد ميلادها مع عيالها.
استدار وهو يطالعها بخيبة:
ـ أنا مش قلتلك يا أمي؟ قولي لها إنها هتحضر اليوم ده معانا وإني جايب تورته مخصوص عشانها.
أخبرته وهي تبرر:
ـ قلت لها والله بس أعمل إيه؟ مارضيتش وسابتني ومشيت. دي حتى ما ردتش عليا.
أردف بتهكم:
ـ طب والعمل؟ هنسيبها كده برضو؟
تنهدت قبل أن تضيف:
ـ العمل عمل ربنا يابني.
بتر حديثهم دخول فتاة صغيرة تطالبه مسرعة:
ـ دكتور طه، دكتور طه.
أخرج سبابته حين رأى الطفلة أمامه وأخرج صوتًا متهكمًا حينما رآها:
ـ ياختي! عايز إيه ياميرو؟ ما هي ناقصاكي على المسا. مافيش غيرك أنتِ عشان أختم بـ 2024.
طلبت منه باهتمام وبصوت طفولي والبراءة بعينيها:
ـ عندك رنجة؟
نطق مستنكرًا ما يقال:
ـ أنتي جعانة ياميرو!
أعادت تكرر طلبها:
ـ جعاناه إيه بس أنا عيانة مش جعانة. عايزة رنجة، رنجة.
أجابها "طه" وهو يشير لها:
ـ هتلاقيها عند الفسخاني في الشارع اللي ورانا ده.
هزت رأسها نافية وهي تصحح مسرعة:
ـ فسخاني إيه؟ أنا عايزة رنجة اللي بتتحط فيها الإبرة دي عشان آخد الحقنة.
قالتها بنبرة عالية هذه المرة وفهم هو مقصدها:
ـ ياختي، حسبي الله ونعم الوكيل. أنا قلت ما حد هيقصر عمري إلا طلباتك دي. اسمها سرنجة، سرنجة يا آخرت صبري.
بينما كان يحضر لها مطلبها أخرجت غطاءً ما من جيب بنطال لباس البيت المريح الذي ترتديه وبدت كأنها في عجلة من أمرها. تفاجأ طه من الغطاء سائلًا:
ـ إيه ده كمان؟
رفعت الغطاء باتجاهه تمد ذراعيها أكثر ناحيته:
ـ عايزة بقى المرهم بتاع الغطا ده.
التفت "طه" خلفه يطالع والدته بلوم وكأنه يلومها على دخوله هذه المهنة. مالت "وداد" إلى الأسفل تحاول إخفاء ضحكاتها التي أوشكت على الانطلاق بصوت عالٍ. أما عنه فتابع بعدم فهم:
ـ أعمل إيه أنا دلوقتي؟ أدوق الغطا بطرف لساني. حسبي الله ونعم الوكيل.
أمرته "والدته" بغضب:
ـ ما تخلص يا طه ادي البت اللي عايزاه خليها تمشي.
جذب "طه" الغطاء من الطفلة بعنف ثم قام بشمه مسترسلاً:
ـ خدي يا آخرة صبري، طلع مرهم فولتارين.
استرسلت "الطفلة" في طلبها تخبره:
ـ وكمان عايزة...
بتر حديثها بتهكم:
ـ أقسم بالله لو طلبتي حاجة تانية لأكون ضربك بالشبشب. أمشي يا أميرة.
هرولت الطفلة للخارج فقام بمناداتها كمن تذكر شيئًا:
ـ بت يا أميرة الفلوس.
أخبرته وهي تهرول للخارج:
ـ أمي بتقولك حطهم عالنوته.
حرك "طه" رأسه بعدم رضا وهو يقول:
ـ شايفة أهو نص الحارة على كده. كل ما أكلم حد يقولي خليها على النوته لحد ما النوته اشتكت.
تجاهلت "وداد" حديثه بقول:
ـ سيبك من النوته دلوقتي وخليك معايا. هنعمل إيه مع نعيمة دلوقتي؟
أخبرها "طه" مسرعًا بعد أن وجد حجته:
ـ ما تقلقيش، أنا هستناها ولو اتأخرت هاروح لها لحد عيالها.
كانت والدته على وشك أن تكمل حديثها معه، لكنها توقفت فجأة حينما دخلت امرأة إلى الصيدلية. كانت تبدو في منتصف الخمسينات تقريبًا، تمسك بيد طفل صغير، وتجذب الآخر خلفها. كان على وجهها تعبير يدل على العجلة والارتباك. توجهت نحو ابنها بخطوات سريعة وقالت بصوت فيه رجاء:
ـ بالله عليك يا دكتور، عايزة الدوا اللي باجي آخده منك كل مرة ده لما الواد يبقى سخن وتعبان.
سألها بحيرة:
ـ أخمن أنا بقى، اسمه إيه؟
صمتت لثواني ثم انفرجت شفتيها بضحكة بلهاء كمن تذكر شيئًا للتو:
ـ افتكرت، كان اسمه تقريبًا قطفلي الملوخية.
وقفت والدته مذهولة للحظة، خطوط الدهشة ارتسمت على وجهها وهي تحاول استيعاب ما قيل للتو. طالعت ابنها بعدم فهم سائلة باستغراب شديد:
ـ وإيه اللي بيقطفوله الملوخية ده كمان؟
رفع "طه" يدهُ ليسند بها رأسه على الفاترينة الزجاجية للأدوية، وعيناه تضيقان ببسمة سمجة قبل أن يرد:
ـ قصدها كتافلاي للسخونية.
ـ نزلني هنا يابني.
قالتها "نعيمة" برجاء واعترض عمر عليها بقول:
ـ أنزلك فين ياحجة، إحنا لسه ما وصلناش للمستشفى.
أشارت لهُ ناحية قدميها تحركها بتمكن:
ـ بص كده الخبطة خفيفة. أنا رجلي سليمة وزي الفل مش محتاجة مستشفى ولا حاجة.
حدثها بهدوء منافٍ تمامًا بما بداخله:
ـ أيوه بس برضوا لازم أطمن عليكي.
طقت بنفاذ صبر:
ـ اسمع كلامي يابني أنا لازم أروح أشوف عيالي عشان أنا كده اتأخرت عليهم.
فعرض عليها طالبًا:
ـ طيب قوليلي فين عيالك وأنا أوصلك لحد عندهم.
طالعته "نعيمة" بامتنان:
ـ مش عايزة أتعبك معايا السكة من هنا طويلة.
هز رأسه موافقًا وهو يقول باسمًا:
ـ تعب إيه بس ياحجة أنا زي ابنك، وبعدين أنا راضي بس المهم ماسيبكيش إلا أما أطمن عليكي وأسيبك وسط ولادك. هو أنتِ عيالك فين بالظبط؟
أشارت له برأسها للأمام تعلمه وجهتها وهي تقول:
ـ أطلع على قرية.
أوصلها "عمر" إلى وجهتها وبهت وجهه وعاد بنظراته إليها:
ـ إحنا بنعمل إيه في الترب هنا ياحجة بالليل كده؟
ابتسمت "نعيمة" تحمل حقيبتها بين يديها تهبط من السيارة شاكرة:
ـ تشكر يابني على توصيلتك ليا.
لم يكن في المكان سوى صمت ثقيل تخترقه نباح الكلاب البعيد، وقبور متناثرة تتحدى استواء الأرض، كأنها حكايات قديمة غاصت في الرمل ولم تجد من يقرأها. وقف يتأمل المشهد، وقد انتفض قلبه بخوف غامض حين رأى "نعيمة" تتقدم بخطى مثقلة نحو المدافن. كانت خطواتها كمن يسير فوق حافة الألم، كأن الأرض نفسها تتآمر لتثقلها أكثر.
تبعها دون أن يعي السبب، كأن ظله كان مشدودًا إليها بحبل من فضول وريبة. حين اقترب من المدفن الحديدي، أضاء مصباح هاتفه، لتقع عيناه على لوحة عُلقت على الباب، نُقش عليها بحروف داكنة "مدفن عائلة آل موسى". ازدادت حيرته، ففتح الباب بخفة ليجدها واقفة في الداخل، محاطة بخمسة قبور، كأنها جزء من تلك الوحدة المخيفة.
تقدم نحوها، محاولًا أن يفهم سر هذا اللقاء الغريب بين امرأة مسنة وبين صمت الموت. ركز ضوء الهاتف على القبر الأكبر في المنتصف، فرأى رخامًا أبيض نقيًا، محفوفًا بعمودين، ومنقوشًا عليه اسم "موسى ظهران" بلون أسود شديد الوضوح. كان القبر كأنه مركز الحكاية، بينما تحيط به أربعة قبور أصغر حجمًا، لكنها لا تقل حضورًا. قرأ الأسماء واحدة تلو الأخرى: "لقمان نصار"، ثم "يحيى نصار". قلبه صار يضرب كطبل أجوف، وكلما نقل الضوء إلى قبر جديد، كان شيء داخله ينكسر. هناك على اليسار، قرأ أسماء القبرين الآخرين:
- "آدم نصار" و "أنس نصار".
أصابه قشعريرة باردة حين تأمل التواريخ المنقوشة. كان الموت قد جمعهم جميعًا في يوم واحد، 31 ديسمبر. أما أكبرهم، لقمان، فقد توقفت حياته عند ثلاثين عامًا فقط، بينما توزعت بقية الأعمار بين عشرين والثامن والعشرين عامًا.
ارتبك، كأن أنفاسه تتعثر في صدره، لكنه نظر نحو تلك المرأة التي بدت كأنها تقف على حدود عالمين، لا تنتمي إلى الحياة تمامًا، ولا يغمرها الموت كليًا. لم تقل كلمة، لكن عيناها تحكيان قصة لا يستطيع فك شفرتها.
حينما اقترب منتصف الليل، أخرجت من حقيبتها قالب كعك، كأنه شيء مقدس. حملته بعناية كأم تحمل جنينها. وضعته برفق على قبر "موسى"، ثم أشعلت شمعة صغيرة وسط الظلام. لم تكن الابتسامة التي ارتسمت على وجهها فرحة، بل كانت مزيجًا من الحنين الموجع والشوق الذي ينهش القلب. نظرت إلى القبور بنظرة مشبعة بالشجن، وهمست بصوت يشبه الأغنيات الحزينة:
ـ ما قدرت أعدي يوم ميلادي من غيركم ياضي عيوني.
وحين دقت الساعة منتصف الليل، أطفأت الشمعة، كما لو أنها سلبت آخر ما تبقى في قلبها من نور. انهمرت دموعها بصمت، وكأنها تُطفئ نارًا عاشت طويلًا في صدرها. لم تكن تبكيهم فقط، بل تبكي نفسها، تبكي ذلك الجزء من حياتها الذي دفنته معهم.
تراجع "عمر" بضع خطوات إلى الوراء، تقرب إلى التسحب، عيناه مثبتتان على المشهد الذي أمامه، قلبه ينبض بقوة كأنما يريد أن يهرب من صدره. لم يجرؤ حتى على التفكير في السؤال الذي يتردد في عقله:
ـ يا ترى دول أولادها؟
لم يكن هناك حاجة للسؤال، الإجابة كانت واضحة، محفورة على ملامحها وهي تبتسم لهم برقة. أم تحتفل مع أبنائها، أبناؤها كانوا هم من اختارت أن تبدأ معهم عامًا جديدًا، أن تفتح لهم صفحة أخرى من حياتها.
ابتلع ريقه بصعوبة، وعيناه تهربان منها ومن الحقيقة التي طُرحت أمامه بلا رحمة. استدار بارتباك وسار نحو سيارته، خطواته متعثرة كأن الأرض تهتز تحت قدميه. فتح باب السيارة بعصبية، يداه ترتجفان كأنهما عاجزتان عن تنفيذ أبسط الحركات. أدخل المفتاح في المكان المخصص لهُ، لكن اهتزازه العنيف جعله يسقط من بين أصابعه إلى الأرض. انحنى بسرعة ليلتقطه، وصوت أنفاسه يعلو كأنه يحاول السيطرة على عاصفة تشتعل بداخله.
وفي تلك اللحظة، كسر صوت هاتفه رتابة الليل. وقف متجمدًا للحظة، ثم أخرج الهاتف من جيبه بيد مرتعشة. ما إن رأى اسم زوجته "رحمة"، حتى شعر بنوع من الطمأنينة، أو ربما نوع من الهروب. تنفس بعمق وضغط على زر الإجابة بصوت متوتر، يكاد يخفي ارتجافه:
ـ رحمة... أنتِ فين يا رحمة؟
جاء صوتها من الطرف الآخر، حادًا ممتزجًا بنبرة من العتاب:
ـ أنا برضوا اللي فين ياسي عمر؟ أنا اللي قاعدة لوحدي؟ دي آخرها؟ تعدي رأس السنة وتسيبني؟ أنا هخرب بيتك لما أشوفك!
حاول تهدئتها، رغم أنه بالكاد يستطيع تهدئة روحه. ارتبكت كلماته وهو يقول:
ـ اهدي... اهدي يا رحمة، أنا جاي حالًا. الطريق زحمة بس أنا في السكة.
بينما كان يتحدث، لمح زاوية شاشة هاتفه. البطارية كانت على وشك النفاد، 2% فقط تفصله عن الانقطاع التام. صوته أصبح أكثر توترًا، وأكمل:
ـ التليفون ممكن يفصل في أي لحظة، وأنا مش معايا شاحن بس أنا خلاص قربت، دقيقة وهكون عندك.
لكنه لم يكن يعرف أن "دقيقة" قد تتحول إلى أبدية. فجأة، انقطع الاتصال، الهاتف أطلق أنينه الأخير، ثم خفتت شاشته. حاول "عمر" أن يشغل الهاتف من جديد، لكن لا جدوى. وضع الجهاز بعصبية على لوحة القيادة، بينما تنفلت منه تنهيدة ثقيلة أشبه بصرخة مكتومة.
داس على دواسة البنزين بنية اللحاق بالوقت الذي يبدو أنه قرر معاقبته تلك الليلة. لكن القدر كان يحمل له مفاجأة أخرى. صوت انفجار مدوٍ صدم أذنيه، واهتزت السيارة بشدة. توقف على الفور، قلبه يخفق كأنه يحذر من شيء أسوأ. نزل ليتفقد الأمر، ليجد أحد إطارات السيارة وقد مزقته شظايا زجاج متناثرة على الأرض. انحنى على ركبتيه، يحدق في الضرر كأن عقله يرفض استيعاب ما يحدث.
وقف سانداً بظهره على باب السيارة ينظر إلى السماء التي لم يكن بها قمر تلك الليلة، فقط نجوم متباعدة، كأنها تشاهده من بعيد دون اقتراب. زفر بتنهيدة عميقة يتمتم من بين شفتيه:
ـ يارب، ده اختبار ده ولا عقاب؟
صرخ بغضب مكتوم، وصوت أقدامه يركل الحطام بعصبية. توجه إلى صندوق السيارة ليتفقد الإطار الاحتياطي، لكنه تذكر فجأة أنه أخرجه في وقت سابق ولم يعيده.
وقف هناك، في ظلام المدافن، محاطًا بصمت ثقيل وبرودة تلتف حوله كحبل مشنقة. لا هاتف، لا سيارة، ولا حتى سبيل للخروج من هذا المكان الذي بدا وكأنه حُكم عليه بالبقاء فيه وحيدًا، مع أفكاره التي تحاصره بلا رحمة.
قطع حبل أفكاره صوت نعيمة التي تقف خلفه سائلة بنبرة مبطنة بالدهشة:
ـ أنتَ لسه ماروحتش؟
انتفض جسده والتف مسرعًا إليها. زادت نبضات قلبه عند رؤيتها تكاد أن تسمعها من كثرة خفقانه. تستقبل صمته، أعادت سؤالها بحيرة:
ـ انتَ كويس يابني؟ مامشيتش ليه؟ إيه اللي موقفك هنا لوحدك؟
أسئلة سؤال تلو الآخر يستقبله بعينان تائهتان في ملامحها التي تحمل هدوءًا غريبًا وكأنها اعتادت على المكان وظروفه. حاول أن يبدو طبيعيًا وهو يقول بصوت متردد:
ـ أنا كنت مروح، بس كاوتش العربية فرقع، والتليفون الشحن خلص منه مش عارف أتصل بحد ييجي ياخدني.
رفعت حاجبها وهي تنظر إلى وجهه الذي صار شاحبًا، كأنه يحمل لون الموتى، وقالت بنبرة شبه مطمئنة:
ـ طيب، ومالك بتعرق كده ليه؟ ابتسمت ابتسامة حانية تسترسل: إحنا في ديسمبر، يعني الجو زي التلج. ولو على التليفون فانا معايا تليفون... سيباه هناك في الشنطة. اتصل بحد ييجي ياخدك بدل ما انت واقف كده، الدنيا ليل، زي ما انت شايف، والمقرئين والزوار مش هييجوا إلا الصبح.
أومأ برأسه بالموافقة وهو عاجز عن الرد. تحركت نحو المدفن الخاص بعائلتها، فتبعها بخطوات ثقيلة، كأنه يسير إلى مصير مجهول. دخلت هي إلى الداخل، لكنه ظل متجمداً عند عتبة الباب، لم يجرؤ على الاقتراب أكثر.
أخرجت الهاتف من حقيبتها، والتفتت لتنظر له لتجدهُ يقف خارج المدفن، عينيه معلقتان بها لكنه متجمد في مكانه. ابتسمت وقالت بنبرة تجمع بين الدعابة والحقيقة:
ـ أنا عارفة إنك خايف... بس يا ابني الخوف مش من الميتين... الخوف أكتر من الصاحيين.
تجاهل تعليقها ولم يعلق، فقد كان عقله مشغولًا بالتخلص من هذا الوضع الغريب. كل ما أراده هو الحصول على الهاتف والاتصال بشخص ينقذه. أمسك الهاتف واتصل بأحد أصدقائه، وبعد عدة محاولات اكتشف أن لا أحد يستطيع الوصول إليه قبل صباح الغد. الجميع تحدث عن زحمة الطرق وصعوبة التحرك. أغلق الهاتف وهو يتنهد بعمق، وكأن الأمل قد تبخر:
ـ مافيش فايدة.
التفتت نعيمة إليه وهي تبتسم ابتسامة هادئة، وكأنها تعرف مسبقًا ما حدث، وقالت:
ـ الظاهر إن لينا نصيب نقعد مع بعض كام ساعة كمان.
لم يرد عليها، لكنه نظر حوله كمن يحاول الهروب بعينيه من الواقع. بينما هي تحركت بهدوء نحو قبر "موسى". مدت كف يدها خلفه وأخرجت من جانبه "بابور" قديم و"براد" معدني، ومن حقيبتها الصغيرة زجاجة ماء وكيسًا يحتوي على السكر والشاي. بدا واضحًا أنها زائرة معتادة لهذا المكان، وكأنها تعتبره بيتًا آخر. شغلت الكانون ووضعته على الأرض، ثم ملأت البراد بالماء ووضعته فوق النار المشتعلة.
رفعت عينيها نحوه، وهي تمسك بالبراد تسأله بهدوء:
ـ أعملك معايا شاي، عشان تبلع بيه كيكة عيد ميلادي؟
بدت كلماتها عادية، لكنها حملت بين طياتها هدوءًا أربكه. حدّق فيها لبرهة، ملامحه كانت مرآة لخوفه، صامتًا كأنه يخشى أن يخطئ التقدير. أدركت ما يجول في داخله، فهمت تردده، فابتسمت بخفة وهي تحتسي أول رشفة من كوب الشاي، ثم مدت إليه كوبًا آخر وقالت بلطفه:
ـ ما تقلقش... ما حطيتلكش في حاجة.
تردد للحظة، لكنه أخذ الكوب في النهاية، وبمجرد أن لامست أصابعه دفء الكوب شعر بشيء من الطمأنينة. أخذ رشفة صغيرة وهو يراقبها بحذر.
قطعت قطعة من الكيك بجانبها، قطعت منها لقمة وأكلتها أمامه بابتسامة عفوية، ثم عرضت عليه:
ـ تاخد حتة كيك؟ ده أنا عملاها على طريقة أنس، ابني... هتعجبك قوي.
تلك الابتسامة، الهادئة كنسيم الفجر، جعلته يشعر بشيء مختلف. مد يده وأخذ قطعة صغيرة وحين تذوقها انطلق لسانه دون أن يدري:
ـ الله! حلوة قوي الكيكة دي... دي أول مرة آكل كيكة حلوة أوي بالشكل ده.
ابتسمت مجددًا، لكن هذه المرة كانت ابتسامتها مختلفة، مختلطة بحزن قديم سكن عينيها، وقالت بصوت يحمل الكثير من الذكريات:
ـ دي طريقة أنس، ابني... الله يرحمه. كان بيحب الطبخ زي عينيه. كان نفسه يبقى شيف مشهور، لكن الدنيا استكترت عليه فرحته وبقى زي ما أنت شايف كده قدامك.
تنهدت بعمق، وكأن أنفاسها كانت تحمل معها ثقل الحكاية. لم يستطع مقاومة فضوله، نظر إليها وقال بصوت حقيقي لأول مرة:
ـ إيه اللي حصل لأولادك؟
انقبض قلبها فجأة، وارتجفت يداها. دمعت عيناها دون استئذان، لكنها لم تنظر إليه مباشرةً قالت بصوت متقطع:
ـ دي حكاية طويلة، ما تتحكيش باختصار.
أصرّ، بصوت هادئ يحمل مزيجًا من الاهتمام والشفقة:
ـ طب احكي. الليل لسه طويل، وإحنا قاعدين ما ورانا حاجة لحد الصبح.
ترددها كان واضحًا، لكنها رأت في عينيه اهتمامًا صادقًا. ربما لأول مرة شعرت أن أحدهم يريد أن يسمعها، لا مجرد سماع كلماتها، بل سماع قلبها. حدّقت في النار الهادئة، ثم بدأت تحكي. صوتها يحمل وجع السنوات، وطريقتها في تحضير الكيك، واحتفالها مع أولادها الخمسة الذين أصبحوا الآن مجرد ذكرى.
كل تلك الصراعات كانت تثقل كاهلها، لكنها حملتها بصمتٍ غريب، كأنها تروي للعالم بصبرها:
أنا أقوى مما تظنون، وأضعف مما أظهر.
كانت عيناها مليئتين بحكايات لم تخرج إلى النور، مشاعر مكبوتة. تناستها مع الوقت، أو هكذا تظاهرت. وكأن كل دمعة لم تنزل كانت تعبر عن صرخة مكبوتة في قلبها، وكل ابتسامة منكسرة كانت تخبر الحياة: "لن تهزميني، مهما حاولتِ."
كانت تنظر إلى النار المتراقصة أمامها وكأنها ترى انعكاسًا لوجعها، وكأن الشرارة التي تشتعل وتخبو تمثل سنواتها التي احترقت ببطء دون أن ينطفئ وهج روحها. رغم الحزن الذي يلف ملامحها، كان فيها ثبات غريب، ثبات الأم التي فقدت، المرأة التي جُردت، والإنسانة التي اختارت أن تبقى واقفة حتى حينما كان السقوط أسهل.
بكلماتها البسيطة، بابتسامتها التي تحمل نقيضها، كانت كأنها تقول: "الحياة أخذت مني أغلى ما أملك، لكنها لم تأخذ مني إيماني بأنني سأبقى، ولو للحظة أخرى."
رواية و لأنه موسى الفصل الثاني 2 - بقلم ماهي احمد
رواية و لأنه موسى الفصل الثالث 3 - بقلم ماهي احمد
رواية و لأنه موسى الفصل الرابع 4 - بقلم ماهي احمد
تأرجح القدح للحظات كأنه يتردد بين السقوط والثبات نحو الأرضية، فانفجرت أجزاؤه كحبات المطر الهوجاء. لم يستمع أحد لتهشم تلك العضلة التي باتت تضخ الدم بداخله بانفعالية. اتكأ "طه" بجسده الهلامي على طرف طاولة الإفطار، يحدق في الفراغ بمحجريه الداميين.
أتت "وداد" من الداخل بخطوات سريعة كأنها تحاول اللحاق بشيء لا يُرى. تجمدت في مكانها للحظات، عيناها تمسحان المشهد أمامها: القدح المهشم، السائل المتسرب على الأرض، ووليدها الجالس في منتصف الفوضى، وجهه شاحب ونظراته معلقة بشيء بعيد لا تراه.
اقتربت منه بخطوات حذرة، والحيِرة مرسومة على ملامحها:
"مالك يا طه؟ وشك أصفر ليه كده؟"
لم يرد، كان ذهنه غارقاً في صدى آخر حديث دار بينه وبين "عمر". صوته لا يزال يتردد بداخله، مرتجفاً، هشاً:
"نعيمة لو فعلاً شكت فيا، فـ أنا مش هقدر أروح لها تاني... كل اللي عملناه راح يا طه."
نادت عليه مرة أخرى، هذه المرة بصوت أكثر قلقاً:
"طه، رد عليا، إيه اللي كسر الكوبايات كده؟"
انتفض كأنه انتشل من أعماق أفكاره. لم يلتفت إليها مباشرة، فقط أدرك صوت الأذان يعلو من بعيد، فتمتم بشرود:
"إيه... لا، أبداً يا أمي مافيش حاجة، أنا هاروح أصلي الجمعة."
نهض سريعاً واتجه نحو الباب، ووالدته تسير خلفه، تحاول اللحاق بخطواته المرتَبكة، تحاول انتزاع إجابة منه:
"فهمني مالك طيب، لونك مخطوف كده ليه؟"
قابل سؤالها بالصمت. دخل الحمام وأغلق الباب خلفه. شهقت "وداد" ليلجم لسانها حالما أطبق ابنها الباب في وجهها. استند "طه" للحظة على الحائط، ثم رفع رأسه لينظر في المرآة. حدق في انعكاسه بعينين مضطربتين، بالكاد تعرف عليهما. مرت لحظة، ثم همس لنفسه بصوت خافت، متردد:
"طيب... والعمل؟"
رفع يده إلى وجهه، أخذ نفساً عميقاً، يغمض عينيه، ثم فتحهما مجدداً وكأنه يطمئن نفسه:
"اهدى يا طه... فكر... كل حاجة وليها حل."
***
يسير "طه" بخطوات هادئة نحو المسجد. يغمر الحارة أجواء يوم الجمعة، بأصوات الأذان، والبيوت تتسلل منها رائحة البخور. الأطفال يلعبون في زوايا الحارة، يركضون بين الرجال المتجهين للصلاة، والباعة ينادون على بضائعهم بصوت منخفض احتراماً ليوم الجمعة، وكأن الحارة كلها تتنفس الجمعة في كل زاوية منها.
تردد صدى خطوات "طه" الخفيفة داخل المسجد، وهو ينزع حذاءه عند العتبة، ثم مضى بخطوات هادئة حتى استقر في زاوية بعيدة، مسنداً ظهره إلى الحائط البارد. ألقى نظرة على حلقات المصلين المتناثرة في أنحاء المكان، قبل أن يلفت انتباهه ذلك الجمع الصغير، حيث جلس الحاج "رحيم" في وسط دائرته المعتادة، يحيط به رجال في مثل سنه، وجوههم غارقة في تجاعيد الزمن وحكاياته.
تناهى إلى سمعه صوت أحدهم، يتحدث بلهجة يثقلها الحنين:
"فين أيامك يا حج نصار، من وقت اللي حصل والدنيا ما بقالهاش طعم من غيره."
تنهد "رحيم"، وتحرك في جلسته كأنما ضاقت به الأرض:
"بقالى فترة ما زرتهوش، ولما جيت أروح… الست نعيمة مارضيتش."
قلب رجل آخر بأصبعه حبات سبحته قبل أن يعلق بصوت متحشرج:
"رمضان السنة دي هييجي ومش هيبقى معانا زي كل سنة."
انعقد حاجبَا "رحيم"، وبدت على وجهه ملامح العزم وهو يقول بحزم:
"بس إحنا هنخليه ما بينا… هو اللي كان مجمعنا، ولازم نزوره المرة دي حتى من غير ما نعيمة تعرف."
نظر إليه أحد الجالسين باستغراب، قبل أن يسأله ببطء كأنه لا يصدق ما سمع:
"وده ييجي إزاي بقى؟"
أخفض "رحيم" عينيه، وهز رأسه بشرود، كأن الفكرة تدور بداخله بلا سبيل للخروج:
"مش عارف.. بس أكيد لازم نتصرف ونروحله."
كان "طه" يتابعهم بصمت، يشعر بثقل كلمتهم وهي تتسلل إليه دون استئذان. وكاد أن يتدخل، لكن قطع حيرته صوت الإمام وهو يبدأ بإلقاء السلام.
تفرق الجمع، وانسحب الجميع إلى أماكنهم، بينما ظل "طه" مسنداً رأسه، شارداً عن كل شيء حوله.
لم يسمع أولى كلمات الخطبة، ولا حتى وقع صوت الإمام، فقد كان عقله يجول في أزمنة بعيدة، في أروقة الذكريات التي لاحت عليه كلما وجد نفسه في مثل هذا الموقف. لم يكن جسده هنا تماماً، ولم تكن روحه تصغي لما يقال، بل انسلبت بعيداً، إلى ذلك الفجر البعيد، حيث كانت الرطوبة تملأ الهواء، وأصوات المؤذنين تتداخل في نسيج الصمت الذي يسبق انبلاج الصباح.
رأى نفسه يلهث من أثر اللعب، يضحك مع أبناء "نصار"، تشعل أعينهم الحماس حين قضوا الليل فوق سطوح المنزل، يتقاذفون الكرة تحت سماء مرصعة بالنجوم. وما إن انتهت المباراة الصامتة فوق ذلك السطح العالي، حتى تعاهدوا أن ينهوا ليلهم بصلاة الفجر، كما اعتادوا أن يفعلوا.
وما إن دلفوا إلى المسجد حتى انتظموا خلف "الحج نصار"، ذاك الرجل الذي كان بنيانه يشي بالعمر، لكن صوته ظل يحمل رهبة الأيام وثقلها. وقف بهم كما كان يفعل دائماً، بصوته العميق المطمئن، فكبر للصلاة، وانسابت الآيات من بين شفتيه كأنها تنبع من نهر قديم.
أغمض عينيه لبُرهة، كأنه يستحضر رائحة السجاد العتيق، وبرودة الماء حين غسل وجهه قبل الصلاة، وتلك السكينة التي تسللت إليه آنذاك، سكينة لم يعد يذوق مثلها اليوم.
وما أن سلم الحج "نصار" على الجانبين حتى نطق "موسى" بقول:
"حرمَا ياحج نصار."
التفت خلفه ليجد أبناءه الخمسة. ابتسم ابتسامة رضا إليهم وهو يراهم قائلاً:
"جمعاً إن شاء الله."
رمق "طه" الجالس بينهم بطرف عينيه، ثم ابتسم، والشوق لأيامه القديمة متغلغل في ملامحه. لم ينتظر طويلاً مرحباً:
"واحشني ياطه، فينكم وفين أيامكم؟ حي الكويت نورت برجوعكم."
رد له السلام بنفس الشوق والحنين:
"حي الكويت منورة دايمًا بناسها وأهلها ياحج."
سأله "نصار" بفضول:
"هاه، وناويين تقعدوا على طول؟ ولا لسه القاهرة ماسكة فيكم؟"
هز "طه" رأسه بابتسامة خفيفة، كأنما يسترجع سنوات الغربة في لحظة واحدة، ثم قال بهدوء:
"لا يا حج، خلاص… إحنا اللي بعدنا، والبعد وجع، بس الرجوع هو الصح. الجامعة كانت السبب، أمي مرضيتش تسيبني لوحدي، وفضلنا هناك… لكن دلوقتي، مفيش حاجة تستاهل نبعد تاني."
حرك "نصار" مسبحته بين أصابعه، وعيناه تلمعان بالرضا:
"عليك نور يا "طه"، خير ما فعلت يابني. وداد بتقول إنك ناوي تفتح محل أبوك القديم وتعمله صيدلية؟"
أومأ "طه" بالإيجاب، وكأن القرار استقر في قلبه أخيراً:
"فعلاً يا حج، أمي قدرت تدبر مبلغ، وهنحاول نجهزه من جديد."
بمجرد أن نهض "نصار"، تبعه الجميع تلقائياً، كأنها عادة راسخة بينهم. ثم وضع يده على كتف "طه" وربت عليه بحنو:
"لو احتجت أي حاجة، أنا موجود ومش محتاج أقولك إن أنا في مقام أبوك… مع إن "علام"، الله يرحمه، مفيش حد يعوّضه."
ارتسمت على شفتي "طه" ابتسامة امتنان صادقة:
"طبعًا ياحج، أنا ماليش غيركم، ربنا العالم."
تحرك "نصار"، وأولاده من خلفه، لكنه فجأة التفت كأنه تذكر شيئاً، ثم قال بحزم دافئ:
"آه، على فكرة، قول لأمك وأختك… الغدا عندنا النهارده، ومش عايز أسمع أعذار."
رفع "طه" يده معترضاً بلطف:
"لا يا حج، مالوش لزوم، ليه التعب ده؟"
اعترض "نصار" بمزاح فكاهي، وهو يلوح بيده:
"هو أنا بقولك عشان تقول الكلمتين دول؟ أنا بس ببلغك باللي هيحصل."
ابتسم الجميع، فتمتم "موسى" بمكر:
"خلاص بقى، الحج طالما قال كلمة، ما ينفعش نراجعه فيها."
جاء صوت "بشر"، متصنعاً الجدية وهو يضع يده على صدره:
"طب وأنا ياحج، المحشي من إيد الحاجة "نعيمة" وحشني، ولا لازم أقدم طلب رسمي؟"
لوح "نصار" بيده مازحاً:
"وهو أنت محتاج عزومة يابشر؟ ده أنت ناقص يضيفوك على بطاقة التموين."
ضحك الجميع، فتمتم "بشر" بآخر كلماته أثناء تحركه للأمام، وقد وجد يد "الحج نصار" تربت على كتفيه بحنو يخبره وقال بابتسامة دافئة:
"يا عبيط، هو أنت زعلت بجد؟ حد يزعل من هزار أبوه؟ مش أنا برضوا زي أبوك؟"
أومأ "بشر" بالإيجاب، يحاول أن يخفي ابتسامة صغيرة، لكنه فشل وهو يشيح بوجهه قائلاً بمزاح:
"آه طبعًا… بس يعني الواحد برده ليه كرامته."
ضحك "نصار" بخفة، وجذبه إليه في نصف عناق أبوي قائلاً:
"كرامتك محفوظة يا بني، أنت مش ضيف عشان تستنى عزومة، ده بيتك، وإنت في مقام ولادي، وإلا هزعل منك بجد."
نظر "بشر" إليه للحظة، ثم ابتسم أخيراً، كأن كلماته أزالت أي أثر للحظة العتاب، وقال بمشاغبة:
"طب خلاص، بس أنا بقولك من دلوقتي، هاخد حتة لحمة كبيرة، ومش عايز حد يبصلي فيها."
ضحك الحاضرون برضا، وهز "نصار" رأسه بمكر قائلاً:
"على ضمانتي يا واد، بس خلي بالك، أمك "نعيمة" مش هتسيبك في حالك."
***
وعلى الرغم من بساطة الحج "نصار" إلا أنه له هيبة يعبر بها أزقة الحارة بخطوات واثقة، تسبقها سمعته الطيبة وهيبته التي لا تخطئها عين.
يمر أهل الحارة عليه يومياً لإلقاء التحية أو لشراء الخبز، لكنه ليس مجرد صاحب فرن بالنسبة لهم، بل هو رمز للأصالة وجسر بين الحاضر والماضي. من حديثه، من وقفته، ومن طريقة تعامله، يتعلم الصغار قيمة التمسك بالجذور، فيما يراه الكبار شاهداً على أيام خلت.
سرت الحارة حياة نابضة، امتلأت بالمارة الذين يتنقلون بين دكاكينها الضيقة، وأصوات الباعة تتداخل مع ضحكات الأطفال وصوت المخبز الذي لم يهدأ منذ الفجر.
عند ركن مخصص له أمام الفرن، جلس الحج نصار بجلبابه الواسع، ومسبحته التي لم تفارق يده، يحيط به أهل الحارة، منهم من يشكو همّه، ومنهم من يطلب نصيحته، بينما كان أبناؤه في الداخل، منشغلين بالعجين والخبز.
عند مدخل الفرن، جلس "آدم" على كرسيه الخشبي المهترئ، يقلب بين أصابعه بطاقات الحساب، محاولاً ضبط ثمن الخبز للزبائن، لكنه كان شارد الذهن، تنزلق نظراته بين الوجوه بتوتر، ويداه تتردد في التقاط النقود.
ضرب إحدى الزبائن كفه في الهواء من كثرة الزحام، وأكثرهم كان من النساء، فهتف بضيق:
"مافيش واحدة فيكم بتعرف تخبز وتعجن؟ جايين تزاحموا الرجالة؟"
فأتى صوت "موسى" من الداخل قائلاً:
"وستا نانسي عجرم اللي عندك في البيت مابتعرفش تعجن وتخبز ليه؟ ولا عندها حفلة في دبي؟"
ضحك الجميع، بينما تفوهت سيدة وهي تزاحم الرجل في محاولة للتقدم:
"ونبي يا ابني، خليني أمشي، سايبة العيال لوحدهم في البيت، لسه ما فطروش."
تصاعدت أنفاس "آدم"، جف حلقه، وارتجفت يده حين حاول جمع الأموال، فتساقطت بعض العملات على الطاولة قبل أن يتمكن من تداركها. شعر بيد قوية تربت على كتفه، فانتفض في مكانه. التفت سريعاً ليجد "موسى" خلفه، يمد يده نحو السيدة قائلاً بهدوء وهو يلتقط الورقة من يدها:
"هاتي يا أمي، أنا هخلّصك بسرعة."
ناولته الورقة بحركة ممتنة، داعية له بصلاح الحال، بينما انحنى "موسى" قليلاً، يلتقط العملات التي سقطت، ثم مدها "لآدم" قائلاً بصوت خفيض لا يسمعه أحد سواهما:
"ماتقلقش، أنت مسيطر."
ابتلع "آدم" ريقه بصعوبة، يتمتم بارتباك وهو يحاول استعادة تركيزه:
"واحدة واحدة... كله هيمشي."
بينما داخل الفرن، كان الهواء مشبعاً برائحة الخبز الطازج، ممتزجاً بحرارة خانقة تجعل الجو دافئاً في منتصف شهر يناير. تراقصت ألسنة النار في جوف الفرن، تلتهب كلما انفتحت بابه المعدني الضخم، لينبعث منه وهج أصفر يلقي بظلاله على الجدران الحجرية العتيقة.
كان "لقمان" يقف أمام الصاج الساخن، يحرك الأرغفة بخفة ومهارة، تتبدل أصابعه بين الممسك بالخبز والممسك بالمكشطة المعدنية، يدير الرغيف قبل أن يلتهمه اللهب. نفخ في الهواء في ضجر:
"نوح تعالى قلب مكاني، حرارة الفرن هنا عالية وأنت عارف فرحي كمان شهرين."
نفخ "نوح" العرق عن جبهته دون أن يلمسها:
"على الأقل الحرارة هنا هتدفيك، بس الجواز هيولع فيك."
امتعض "لقمان" من رده. بينما "أنس"، فقد كان يخرج الأرغفة بسرعة خاطفة، يلقي بها فوق بعضها البعض. وعلى الرغم من تمرسه، لم يخلُ الأمر من لدغات خفيفة تحرق أطراف أصابعه، فينتفض بين الحين والآخر نافخاً يده وهو يتمتم بالسباب قائلاً:
"أنا مش فاهم، أقسم بالله ما فاهم، ما كل الناس بتعمل فرن آلي، مش معنى أبوك اللي مش عايز يجدد وعامله بلدي ويرحمنا من اللي احنا فيه ده."
أنهى "موسى" وضع العجين على الطاولة، والتفت إليه ينفض يديه من بقايا الدقيق، قائلاً بنبرة ساخرة:
"جرى إيه يا ولاد نصار؟ كبرتوا خلاص على شغلة الفرن، والخبيز بقى بيحرق إيديكم؟ إيش حال ما كنت تشتغل في المطافي ياسي أنس؟"
ترك "لقمان" مكانه، يدلك يديه ببعضهما ليزيل العجين الملتصق، ثم غرس كفه في الحوض، يعجن العجين بحماس وهو يرد مبتسماً:
"الحكاية مش كده ياموسى، إحنا عمرنا ما نكبر على أبونا أبداً، بس الحوار كله إن خلاص كل واحد منا شق طريقه. أنا بقيت مدرس وكابتن بالليل، وأنت بتسافر تشتغل، ما بقيتش فاضي، وأنس راجل مطافي، ونوح راجل عاطل قد الدنيا."
استقام "نوح" فجأة، نافضاً يديه عن ثوبه، رافعاً رأسه بفخر:
"ماسماهاش راجل عاطل، اسمها رجل بلا قيود، مستثمر في الفراغ، رائد أعمال في البطالة."
رفع "أنس" حاجبه بسخرية:
"آه يا فخر صناعة البطالة، المهم إنك عاطل برضه."
رفع "نوح" يده بإشارة استهانة، يرد بلا مبالاة وهو يميل على الطاولة:
"مش مهم المسميات، المهم الراحة النفسية."
لوح "أنس" بيده وهو يلتفت نحو "موسى" قائلاً:
"سيبك منه ياموسى وخليك معايا، إحنا بس عايزين أبونا يفهم إننا كبرنا وشغلة الفرن ليها صبيانها، أو ممكن نكبر الفرنة ونخليها زي الأفران بتاعت اليومين دول."
رد "لقمان"، متسائلاً، يسند يده على الطاولة:
"وده إزاي ده؟"
اعتدل "أنس" في وقفته، نفض الدقيق عن كمه، وقال بحماس:
"بصوا يا جدعان، إحنا في عصر السرعة، إحنا لازم نفكر بره الصندوق. إحنا نبعت العيش دليفري، مشروع الدليفري ده مشروع العصر."
طالع "موسى" يده على ذقنه، ثم أومأ بمبالغة قائلاً بجدية مصطنعة:
"تصدق صح، وكمان ممكن نوفر على الناس أكتر، نديهم الدقيق ويعجنوا في بيتهم أوفر."
رفع "نوح" حاجبيه بدهشة مستفزة:
"واللي يطلب عيش سخن نبعتله واحد مولع؟"
وضع "لقمان" يده الملطخة بالعجين على كتفي "أنس" قائلاً:
"والله فكرة، واهو لو العيش برد في الطريق نحط جواه كتالوج كيف تسخن رغيف بنفسك."
انفلتت ضحكة منه، بينما تراجع "أنس" إلى الخلف، مقطباً حاجبيه في إحباط، ثم رفع يده معترضاً:
"ده اللي انتوا فالحين فيه، اتريقوا، اتريقوا."
نفض "موسى" يده من الدقيق يطالع أنس بنظرة جانبية، محاولاً كبت ابتسامة كانت تتسلل إلى شفتيه وقال بنبرة مبطنة بالسخرية:
"تمام، بس قولي هنبعته إزاي؟ مع سواق ولا هنشحنه في البريد السريع؟"
رفع "أنس" حاجبه يتحدث بسخرية:
"لا هنحطه في مظروف ونبعت معاه جواب شكر للزبون ياخفيف."
ثم نظر إليهما بعينين يملؤهما الجد، هاتفاً بصوت يحمل يقينًا لا يقبل الجدل:
"انتوا عالة على صناعة المخبوزات ورب الكعبة."
كتم "لقمان" ضحكته، يمسح يديه بالمئزر، ونظر إليه بنظرة ساخرة، يخبره وهو يهز رأسه بتعجب:
"أنا مش عارف الحج نصار خلف الكائن ده إزاي."
رفع "أنس" حاجبه بثقة مفرطة، مسح بعض الدقيق عن كمه، ورد دون تردد:
"موهبة ربّانية."
ألقى "موسى" نظرة طويلة على شقيقه، وكأنه يحاول استيعاب منطقه، ثم قال وهو يهز رأسه بيأس:
"آه، ربّانية... بس محتاجة إعادة نظر. ده لو اتساب يعمل مشروع، هيطلعلنا بعيش قابل للنفخ، تحطه في جيبك يوصل لبيتك لوحده."
استدار "نوح" إليه ببطء، وكأنه لم يصدق ما سمع، ثم سأله بذهول:
"إنت إزاي مخك وصّلك لكده؟"
ابتسم "أنس" ابتسامة واثقة، فرد دون أن يرمش:
"استثمار للأفكار الغريبة... السوق محتاج إبداع."
ضحك "موسى" ثم أشار نحوه بمغزى:
"ده لو السوق قدّم أفكارك، هيحتاج معاش مبكر."
عاد الجميع إلى العمل، لكن الضحكات لم تغادر الوجوه. ففي أعماق هذا المكان، بين الجدران المشبعة برائحة الخبز والذكريات، كان هناك شيء آخر يولد... شيء يتجاوز الطحين والماء، شيء أشبه بالدفء المنبعث من قلب العائلة نفسها.
***
هما الآن بغرفة الطبخ، ذاك العالم الصغير الذي يحمل في زواياه أسرار البيوت وهموم النساء، حيث تمتزج رائحة البهارات بمرارة الحكايات، ويعبق الجو برائحة التوابل بالبخار المتصاعد من القدور.
جلست "وداد" و"نعيمة" على الأرضية، محاطتين بورق الكرنب الأخضر وخلطة المحشي التي تفوح برائحة الشبت والكزبرة. كانت أيديهما تتحرك بخفة ومهارة، تتابعان حديث طويل لا ينتهي.
سألت "وداد" وهي تضع إصبعًا جديدًا في القدر بجوار إخوته:
"وبعدين يا نعيمة، حصل إيه تاني ياختي؟"
رفعت "نعيمة" خصلة من شعرها التي انسدلت على وجهها، وزفرت بضيق:
"ولا قابلين، زي ما حكيتلك كده من ساعتها ولقمان ماسك في البت اللي اسمها شيماء دي، هي وأمها سماح. تكونش عملاله عمل من ساعة ما عرفها وهو ما داقش طعم الراحة، حبيب قلب أمه."
توقفت "وداد" لحظة، كأنها تبحث عن شيء، فسألتها "نعيمة":
"بتدوري على إيه يا وداد؟"
أدخلت "وداد" إصبعها في خلطة الأرز، تتذوق القليل منه قائلة:
"ياختي الملح كان هنا... الخلطة محتاجة شوية ملح."
مدت "نعيمة" كف يدها جوارها، تعطيه لها قائلة بابتسامة خفيفة:
"خدي، كان مستخبي ورايا."
تناولته "وداد" وهي تستنكر الأمر:
"بس قوليلي هي عملت إيه مخلياكي مش طايقاها كده هي ولا أمها؟"
ضربت "نعيمة" كفاً بكف، تخبرها بغيظ:
"بـــوريـــه، بـــوريـــه منها ومن أمها، قولي ما عملتش إيه، بيستغلوا الواد يا وداد، بيستغلوه أسوأ استغلال، الواد يا حبة عين أمه جاب الديب فريزر."
مدت "نعيمة" يدها تشير ناحية القدر:
"خدي، حطي صباع المحشي ده في القعر."
واصلت الحديث، بينما تعبر ملامحها عن استياء مكتوم:
"راح لقمان يا حبة عيني، كان عايز يعينه عندي هنا في الشقة، عشان شقته فوق كانت بتتوضب، خاف لا يقع عليه حاجة، وهو جايبه بالشيء الفلاني، إنتِ عارفة ياختي الأجهزة الكهربائية غالية إزاي دلوقتي."
اكتفت "وداد" بإمالة رأسها قليلاً، قبل أن ترد بسخرية:
"عارفة يا نعيمة عارفة، منه لله اللي في بالي، من ساعة ما مسكها والأسعار بقت نار."
تنهدت "نعيمة"، ومدت يدها إلى طبق الأرز، تلتقط منه حفنة، وقالت وهي تبسط ورقة جديدة بإتقان:
"شوفتي.. أديكي قولتي، تقوم اللي تنشك في قلبها تقوله، وإيه اللي يحط الديب فريزر في شقة أمك؟ هاتوه عندي، وأنا هشيله عندنا."
ضربت "نعيمة" كفها على ركبتها، قبل أن تعلق في انفعال:
"الواد محطش خوانه، يا عيني."
لم ترد "وداد"، بل أزاحت خصلة شعر أخرى عن وجه "نعيمة" قائلة:
"زيحي شعرك لا يقع في الرز، هــا كملي، وبعدين..."
عاد الغضب إلى ملامح "نعيمة" وهي تتابع الحديث، صوتها كان مشحوناً بالقهر:
"يرضيكي يا حبيبتي، الواد يروح عندهم يلاقي أمها فارشا الديب فريزر في شقتها، مشغلاه، وحاطة فيه الأكل بتاعها؟ ولما يسألها مش ده الديب فريزر بتاعنا، ترد بكل برود وتقوله اه ياحبيبي اصل تلاجة ماما باظت ولما زعلت قولتلها انك موافق تاخد الديب فريزر بدل التلاجة اللي باظت وتعتبره هدية عيد الأم."
أغمضت "وداد" عينيها للحظة، تحاول كبح انفعالها، قبل أن ترد بحدة:
"لا ياختي، ما يرضيش حد أبدًا، وبعدين لقمان عمل إيه؟"
تحركت "وداد" إلى الحوض، تنظف الدجاج، تطلق زفرة طويلة تعكس قلة حيلتها:
"زعل في الأول شوية يا عين أمه، بس بعدها سكت ما تكلمش، بنت المقشفة شيماء ادلعت عليه شوية، وشوية تقوله إنه بخيل، واستخسر حتة ديب فريزر في أمها، ورجع يحوش تاني عشان يجيب الديب فريزر.. قيسي بقى على كده كل حاجة في الجهاز."
أشارت "وداد" بعينيها إلى القدر الذي بدأ البخار يتصاعد منه:
"المية غليت، اتكلمي ببوقك، مش بأيديكي، اسقطي الفراخ، ما كانتش عزومة منيلة دي اللي عزومتنا لها."
اتسعت عيناها فجأة، كأنها تذكرت شيئاً:
"آه، طب وربنا نسيت، بنت سماح المقشفة خلتني تايهة، مش عارفة أنا بعمل إيه."
كانت "وداد" قد بدأت في تعديل الرصة بداخل القدر، لكنها التفتت إلى "نعيمة" فجأة وقالت بحزم:
"بس ما تزعليش مني يا نعيمة... لقمان غلطان إزاي يسكت على كده."
تناولت "نعيمة" السكين، وبدأت بتقطيع البصل، وعيناها لمعتا بالدموع، بسبب لسعته قبل أن تهمس بصوت مختنق:
"بيحـــبـها، بيحبها الموكوس، ياكش هو طيب حبتين، مش زي أخواته. عارفه، ده لو كان نوح ولا أنس، كنت قولت"أهي حلة ولاقت غطاها"، شبه بعض، أما لقمان... لقمان ده البكري، واخد طيبتي كلها، حبيب قلبي."
فتحت "وداد" دلفة المطبخ السفلى، تخرج زجاجة الزيت، وسكبت قليلاً منه على خلطة المحشي، ثم سألت دون أن ترفع رأسها:
"طب وبعدين، ما جبتوش الديب فريزر لحد دلوقتي؟"
أجابتها بما هو بعيداً عن سؤالها:
"بتحطي زيت ليه على الخلطة يا وداد؟"
فركت وداد بعض حبات الأرز بين أصابعها، قبل أن ترد بنبرة هادئة:
"حسيت الرز ناشف شوية وأنا بلفه في ورق المحشي، مالك يا نعيمة؟ ما تبقيش كده، قولت أحط شوية زيت يفلفله."
أومأت نعيمة برأسها، لكن عقلها كان مشغولاً بأمر آخر، فتذكرت سريعاً تُكمل بصوت ينضح بالغيظ:
"الولية أم مقصوفة الرقبة شيماء من بجاحتها، اتصلت عليا وبقت تتمنظر عليا بالديب فريزر بتاع ابني وتقولي، أنا جبت كذا وكذا وكذا لرمضان، محسساني إن إحنا معفنين وما بنجيبش حاجة في بيوتنا. ما إحنا بنجيب في بيوتنا يا وداد، وما بنتكلمش، بنت محدثة النعمة وتقولي أنا جايبة ٨٣ فرخة وعشرين ألف جناح، وفرشت نفسها عليا وأنا كان نفسي ألمها، بس أنا عارفاها، بوق وزياطة، وهي مش لاقية تاكل هي وبنتها."
سقط إصبع المحشي من يد "وداد" في القدر دون أن تشعر، وقالت بغضب مكتوم:
"ياختشي، إيه البجاحة دي، أما بجحة صحيح يعني؟ يبقى الجهاز جهاز ابننا وتتفشخر علينا بيه؟ ده أنا لو منك كنت جيبتها من شعرها."
ارتفع حاجبَا "نعيمة" وهي ترى "وداد" تشتعل غضباً، فحاولت تهدئتها:
"اهدي، اهدي يا وداد مش كده، إنتِ عيانة، يجيلك الضغط."
لم تهدأ، بل جذبت غطاء رأسها، تضعه عليها قائلة:
"اهدى إيه، تعالي نروح نجيب الولية دي من شعرها."
ضحكت "نعيمة" بمرارة، ثم جذبت الحجاب من يدها، تضعه أسفلها وهي جالسة، تخبرها بأسى:
"ياختي، ياريت بس أعمل إيه، خايفة على ابني لا أقهر قلبه، وهو ما يقدرش يعيش من غير بنت سماح فلتر المقشفة."
وبينما "وداد" تهم بالرد قطع حديثهما صوت خطوات "لقمان" يدخل المطبخ ووجه يشع بالفرح:
"أَمـــاه، اعملي حسابك، أنا أخدت إذن الحج، وعزمت شيماء وطنط سماح عندنا النهارده عشان يتغدوا معانا."
قبضت "نعيمة" على أسنانها في محاولة لكبح غضبها، التقط إشارتها فوراً واقترب منها يجلس القرفصاء بجانبها، أمسك يدها، يقبلها بحب، ثم قال بنبرة راجية:
"عشان خاطري، يا أمي، شيماء ومامتها جايين النهارده، مش عايزك تعامليها وحش. شيماء طيبة وبكرة إنتِ كمان تحبيها بعد ما نتجوز، بس لو بتحبيني، عامليها حلو."
رأت الرجاء بعينيه، لم تستطع الرفض، فقط نظرت إلى عينيه الممتلئتين بالفرح، قبل أن تهز رأسها بالموافقة. وحين استدار ليخرج، همست لوِداد:
"بالسم الهاري، هي وأمها."
سمع "لقمان" همساتها، فوقف بجوار الباب سائلاً:
"بتقولي حاجة يا أمي؟"
توترت للحظة قبل أن تبتسم مسرعة بقول:
"بقول بالهنا والشفا على قلبها."
***
كان المنزل يعج بالحركة والضجيج عقب صلاة الجمعة، الجميع اجتمعوا في الصالة، يتبادلون الأحاديث بينما كانت أطباق الطعام تُجهز على الأرضية. بينما "أنس" ظل جالساً في غرفته، متحصناً بين جدرانها، يرفض الخروج رغم أن الجميع كانوا بانتظاره. كان عقله مثقلاً بالأفكار، وقلبه يضرب بقوة في صدره، وكأن فكرة مواجهة "سمر" تثير بداخله مشاعر متضاربة.
بينما "أنس" غارق في أفكاره، انفتح باب الغرفة فجأة، ودخل نوح بخطوات ثابتة، تتجلى في ملامحه روح الأخ الأكبر الذي لا يقبل العزلة غير المبررة. ألقى نظرة على "أنس"، ثم سأله بنبرة تحمل شيئاً من الاستنكار:
"إيه يابني، مش هتتغدا معانا ولا إيه؟"
رفع "أنس" رأسه، وعيناه تحملان قلقاً غير معتاد، قبل أن يجيب بصوت متردد:
"أوري وشي لسمر إزاي دلوقتي أنا؟"
جلس "نوح" على السرير بجواره، مسنداً ظهره بارتياح، أجابه وهو يرسم على وجهه ابتسامة ساخرة:
"وهي شافتك فين يعني؟ ما عادي، كلنا بنلبي نداء الطبيعة، مش أنت بس."
لم يرَ "أنس" الأمر بهذه البساطة، فأطرق رأسه في ضيق:
"يا سلام! إيه السهولة دي؟"
لم يكن "نوح" من النوع الذي يسمح لأخيه بالغرق في دوامة القلق بلا داعٍ، فوقف واتجه نحو الخزانة، يفتش بين ملابسه بحثاً عن شيء يليق بالموقف:
"البس حاجة شيك، وذوق واقف قدامها عادي، ولا تحط في دماغك."
لكن الملابس لم تكن على مستوى التوقعات، فزفر "نوح" بضيق، وقال وهو يقلب القطع بين يديه:
"إيه الهدوم الزفت دي؟ ما عندكش غيرهم؟"
أشار "أنس" برأسه نافياً، وقال بلهجة اعتراف صريحة:
"لأ، هما دول بس، ما أنت عارف أخوك."
أمل "نوح" الموقف لثوانٍ، قبل أن تلمع في ذهنه فكرة، فرفع يده مشيراً "لأنس" بالصبر:
"طيب استنى، أنا شوفت موسى امبارح داخل بشنطة أكيد متروسة هدوم، هدخل أشقطلك منها طقم جامد، تكون إنت غسلت وشك كده وانجز عشان الحج صاحب البيت ما يقلش منا كلنا، انتَ عارف إنه بيحب نتجمع على الغدا يوم الجمعة."
أومأ "أنس" برأسه موافقاً، لكن شيئاً من الترقب بدأ يتسلل إلى نفسه، ربما لأن فكرة استعارة شيء من موسى لم تكن تخلو من المخاطرة.
حين دخل "نوح" غرفة "موسى"، كان المشهد أمامه مغرياً لأي شخص يعشق الأناقة. الحقيبة الجلدية كانت مفتوحة، بداخلها ملابس فاخرة من علامات تجارية عالمية، لا تزال بطاقاتها التجارية معلقة بها، وكأنها لم تُرتدَ من قبل. ابتسم بسعادة وهو يخرج منها سترة جلدية أنيقة، ارتداها فوق بنطاله، ثم وضع بضع قطرات من العطر على عنقه، ليكمل إطلالته الجديدة.
لكن ما جذب انتباهه أكثر كان تلك الخوذة السوداء اللامعة الموضوعة على الطاولة، وبجوارها مفاتيح الدراجة النارية الخاصة بموسى. لم يكن بحاجة إلى التفكير طويلاً، ما إن وقعت عيناه على المفاتيح حتى تسارعت نبضاته، وكأن قلبه قد قرر أن يحتفل بهذه الفرصة غير المتوقعة. ابتسم بخبث، التقط الخوذة والمفاتيح، ثم خرج من الغرفة بخفة، متسللاً دون أن يشعر به أحد.
استند "نوح" إلى دراجته النارية، وضع الخوذة على رأسه واستعد للانطلاق، لكنه فجأة، وقبل أن يدير المفتاح في المحرك، وقعت عيناه على مشهد أثار فضوله.
على الجانب الآخر من الشارع، كانت هناك فتاة تقف بمظهر لا يتناسب مع أجواء الحي الشعبي. ملابسها أنيقة، تحمل طابعاً راقياً، لكن نظراتها القلقة كانت تخون ثقتها الظاهرة. كانت عيناها تدوران في المكان وكأنها تبحث عن شيء مفقود، أو شخص تنتظره بفارغ الصبر.
الشباب في الحارة لم يكونوا بطيئي الفهم، كانوا يراقبونها بنظرات تطفل وريبة، يحاولون التحدث إليها، لكنها تجاهلتهم تماماً، وكأنهم غير موجودين. ومع ذلك، لم تكن تلك اللامبالاة كافية لإبعادهم، بل زادتهم فضولاً.
لم يكن "نوح" ممن يتجاهلون مثل هذه الأمور، فنادى على "آدم"، الذي كان في طريقه إلى المنزل، بصوت جاد:
"آدم، آدم، خد، عايزك."
لكن "آدم" كان في عجلة من أمره، فأجابه بغير اكتراث وهو يرفع كتفيه اعتراضاً:
"لأ، أنا هطلع عشان الحج عايزني."
"نوح" لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة، فاقترب منه قليلاً وقال بإصرار:
"استنى بس، هقولك حاجة."
مد يده وكأنه على وشك الإمساك به، لكن "آدم" تراجع فوراً، وكأن لمسه كان أمراً غير مقبول بالنسبة له، ثم قال بحده:
"ما تلمسنيش، ما بحبش حد يلمسني."
رفع "نوح" يديه في الهواء مستسلماً، لكنه أضاف بلهجة ماكرة:
"مش هلمسك، بس بشرط."
ثم أشار برأسه نحو الفتاة الواقفة بعيداً، وسأل بفضول لا يخفيه:
"تقولي البنت دي بتدور على إيه، وإيه أصلها وفصلها؟"
قبل أن يجد "آدم" فرصة للاعتراض، اقترب "نوح" منه، عاقداً ذراعيه على صدره بابتسامة جانبية، وقال بنبرة ساخرة لكنها تحمل تهديداً واضحاً:
"لو معرفتنيش دنيتها، مش هسيبك إلا وانت في حضني."
لم يكن أمام "آدم" سوى القبول. وقف يحدق بالفتاة قليلاً، مراقباً كل تفصيلة صغيرة في حركاتها، نظراتها، حتى وقفتها المترددة، ثم بدأ يتحدث بصوت منخفض لكنه واثق، وكأنه يقرأ أفكارها المكتومة:
"هقولك."
وقبل أن يتفوه بشيء وجد من يضع يدهُ على كتفيه دون الأكتراث إلى حالته فظلت صرخته تدوي في الأجواء تصم كل من يقترب منه.
رواية و لأنه موسى الفصل الخامس 5 - بقلم ماهي احمد
تجمدت الأجواء، كأن الحياة توقفت للحظة لا تتجاوز طرفة عين، ثم انفجر الصمت.
"ماتلمسنيش"
شق صوت آدم سكون الحارة كطلقة طائشة، حاملًا ذعرًا واضحًا في نبرته، وكأن الجميع شهد جريمة تتشكل أمامهم.
ارتجف للخلف كمن يهرب من قيوده الأخيرة، أنفاسه متقطعة، وجسده يرتجف، أصابعه انكمشت حتى غرزت أظافره في جلده. عيناه اتسعت كمن واجه كابوسًا مفاجئًا، ووميض ذكرى كرهها وتمرد عليها تلاحقه. كره اللمس، وخذلوه.
"لسه عبيط زي ما أنت يا أدم"
كان صوت سعد، جارهم المقيم بنفس الحي معهم، ممتزجًا بالسخرية. زحف فوق طبقات الفزع المتحلق حول آدم، نبرة وقحة تقطر تمتعًا بالهلع المنتشر في أوصال غريمه. التوى فمه بابتسامة جارحة، يمد يده مجددًا كأنه يهوى رؤية الصدمة في عيني آدم.
تدخل نوح يدافع عن شقيقه سائلًا:
"إيه ده، مالك يا كريزما في إيه"
ثم أشار نوح بأصابعه على جانب رأسه بحركات متتابعة كمن فقد السيطرة يسترسل:
"هي فرطت منك ياسعد ولا إيه"
هكذا علق نوح على حديثه، فسخر سعد منه بقول:
"فرطت من مين يلا، مني أنا، أنت اتجننت يا ابن الفران"
مد كفه يغرز أصابعه في كتف نوح مستمرًا في سخريته:
"ابلع ريقك يابا وروح اغسل إيدك من العجين الأول وابقى تعالى كلمني"
أشاح نوح كفه غاضبًا، هاتفًا بنبرة أشد حدة:
"هو إيه ده يا عم، أوعى إيدك ياسعد لا كسرهالك"
تجاهل تحذيره وكرر سعد حركته، وهذه المرة كانت أعنف، جعلت نوح يفقد توازنه يتراجع للخلف خطوات رغمًا عنه.
أقترب سعد خطوات متحديًا إياه:
"تصدق يا خويا أنا خفت لا تكسرلي إيدي وتعملي عاهة مستديمة ما بين صوابعي"
ثم رفع كف يده الممسك بلفافة تبغه يطالعها بسخرية وهو يكمل:
"ومعرفش أكمل بقيت سيجارتي"
التفت نوح خلفه ليجد الذعر داخل عيني شقيقه. حاول التماسك من أجله. فكرر بصوت أكثر حدة غامزًا:
"يسطا، أنت جاي تقول يا شر اشتر ولا إيه، مشي معايا الدنيا"
غمز له بطرف عينه يكمل:
"الدنيا لوحدها خنقة يسطا الله يكرمك"
أشار بيده على شقيقه حتى يرفق بحالته:
"أكيد أنت شايف"
نطقت إحدى السيدات الواقفة بالشرفة:
"ماتسيبه بقى ياسعد، الواد آدم هيموت من الرعب"
رفع سعد نظره يطالعها باحتقار:
"بس أنتِ يا أم حسونة ولا تحبي حسونة يبقى مكانه"
انتهز نوح الفرصة وأسرع باتجاه شقيقه. مد له كف يده في محاولة منه للنهوض به وهو يقول:
"آدم، قوم بسرعة اطلع فوق، نادي أخواتك واوعى تنزل من فوق أنت فاهم"
رفع آدم عيناه نحوه دون استجابة منه. لمح نوح هيئته المضطربة، شعر بخافقه يخفق باضطراب. لمح أنامله التي ترتجف يخرج أصوات كهمهمات من بين شفتيه المرتجفة بالصلاة على نبينا أشرف الخلق.
ضجر نوح بصوت خانق يحثه بقول:
"مش وقته يا آدم الصلاة على النبي دلوقتي، أنا عارف أنت بتمر بأيه بس ساعدني مافيش وقــ"
وقبل أن يكمل نوح جملته قام سعد بجذبه ناحيته بقوة ملقيًا به على الأرضية:
"تصدق يسطا أنت كده ماطلعتش تمام بتستنجد باخواتك بدل ما تقف قصادي راجل لراجل.. ولا أنت مش راجل"
نفض نوح يديه يستعد للوقوف قائلًا:
"أهوه ده الكلام اللي هخليني اخبأ منك"
قالها نوح بضجر ولم يعد به بعدها أي هدوء وكأن جنون أصابه أدى إلى انفعاله الشديد ولم يشعر بنفسه إلا وهو يسدد لكمة قوية إلى وجه سعد جعلته يقع أرضًا من قوتها قائلًا:
"اللي ييجي على أخويا هزعله"
شقيقه خلفه وأمامه سعد يمسح دماؤه بكف يده بعدما بصق دماءه من شفاه. أشار نوح بيده في حركة قامت باستفزازه كأنه يقول له أنا بانتظارك. وعلى دون غرة تلقى نوح لكمة على وجه، تراكمت الأجساد حول نوح، تتلاحق الركلات واللكلمات عليه من كل صوب بينما هو يتلوى على الأرض محاولًا حماية وجهه بكفيه، يلهث بين الضربات، ويركض بعينيه باحثًا عن خلاص.
فخرجت سبة نابية من بين شفتيه:
"بتتكاتروا عليا ياولاد الـ .... عشان بطولي"
تقدم بشر نحو الزحام بخطى متباطئة، يحاول أن يتسلل بنظره بين الأجساد المتحلقة ليرى من ذاك الذي ينهال عليه بالضرب، لكن الحشد الكثيف كان حاجزًا منيعًا. ابتسم بسمته البلهاء يقضم قطعة من الخيارة بيده:
"اللـه عـــركه"
وفي فجوة ضيقة بين الأرجل المتزاحمة، لمح نوح وجهًا مألوفًا كانت ملامحه واضحة. تلك الابتسامة البلهاء، وتلك اليد التي ترفع خياره نحو فمه بلا مبالاة:
"بــِشــــر"
نطقها نوح بصوت متهالك بالكاد خرجت من بين شفتيه يمد يده نحوه كمن يتشبث بطوق نجاة وسط غرق محتوم.
مال بشر بـجسده قليلًا، مد عنقه، أرهق عينيه بحثًا عن ملامح مألوفة، وفي يده بقيت قطعة الخيار، يقضمها دون اكتراث. وحين عجز بشر عن الرؤية، التفت إلى شقيقه الصغير الواقف بجواره وسأله بنبرة ساذجة، لا تخلو من ابتسامة بلهاء، وهو ينهي آخر قضمة:
"ولا ياهيما مين اللي بيتفرم تحت رجلين سعد وشلته"
سمع إبراهيم صوت مضغ طعام يتحطم من بين أسنانه وأيده بصوته الذي يتضح أن فمه محشو بالطعام، فأجابه دون أن يلتفت إليه، عيناه لا تزال معلقة بالمشهد:
"وأنا إيه اللي عرفني يا بشر، أنا لسه جاي حالاً من الدرس وعالابيض خالص، بس الواد ياعيني، إيه، مفروم على الأخر"
وصل نوح إلى أقصى درجات العجز، بين ألم جسده، وسخافة صديقه صرخ بأعلى صوته رغم ضعفه:
"أنا نوح يا حــمــار"
وصله نداءه أخيرًا، أقترب بشر منه وهو يزمجر بصوت قلق:
"ده الولا نــــوح، نهار أبوكم فُحلقي"
أشار بيده كالسهم بصوت متحشرج بعض الشيء:
"ولا ياهيما، اجري على بيت الحج نصار، نزل موسى واخواته"
هرول إبراهيم يفعل كما أمر به، وشق بشر الزحام يهرول إليه دون تفكير يلكم من يراه أمامه بهيئته الضخمة. انحنى نحو نوح في لحظة، مد ذراعه الضخمة، ورفعه عن الأرضية، وأوقفه على قدميه بجانبه في حركة واحدة. أشار بشر برأسه إلى نوح قائلًا كلماتهما المعتادة حين يخوضون أي شجار:
"عركة يازميلي"
مسح نوح بظهر يده الدماء المتناثرة على وجهه لاهثًا:
"عركة ياصديقي"
التقط نوح أنفاسه ثم التف للخلف صارخًا:
"بتتكاتروا عليا يا شوية خنازير عشان لوحدي، عليا الطلاق ياسعد ما هتبات فيها النهارده"
"حين يُهدى القلب طوعًا، تُصبح الحرية زيفًا، ويغدو الأسر شعورًا لا قيدًا، فـالإنسان يتنفس ما دام قلبه له، وما دام القلب خارج الجسد، صار نفسه موقوفًا على نبض من يحب"
"مالك بس ياشيماء لاوية بوزك ليه على الصبح"
ابتسامة صفراء صدرت منها إليه وقالت:
"ما أنت شايف بعينك يعني يالقمان، أمك مش مديني وش ولا أنا ولا أمي من ساعة ما جينا"
وقف أمامها يبرر بنبرة متوترة:
"هي الولية لحقت تديكي وشها ولا حتى قفاها يابنتي"
أشار بعينيه لوالدتها بالجلوس قائلًا:
"ما تقعدي ياحجة واقفه ليه"
جلست والدتها على مقربة منهم تصتنت بهدوء لما يحدث. شد لقمان على أزراره يكمل:
"ايه يا شيماء، ايه يا شيماء داخلة بزعابيبك ليه، ده أنت يادوبك لسه داخلة، أمي جت سلمت عليكي ودخلت عشان تغرف الغدا"
ناولته كيس الفاكهه بغيظ:
"بلا داخلة بزعابيبي، بلا داخلة بلهيبي، وأنا ياخويا لو كنت داخلة بزعابيبي كنت كلفت نفسي وجيبتلكم تلاته كيلو موز مرة واحدة"
وضع لقمان الكيس بجانبه على الأريكة بضيق:
"موز مرة واحدة، كتير علينا كده ياشيماء"
أثارت شيماء حنق نعيمة حين جاءت متأخرة كعادتها. أخرجت قدراً نحاسيًا، ثم طفقت تلقي به كومة أوراق الأكاسيا لنقعها وتركت ماء على الموقد لتسخينه.
"البت اللي معندهاش ريحة الدم، جايه قبل الغدا بخمس دقايق تاكل وتمشي"
تمتمت نعيمة بتذمر لا تزيح بصرها تقلب بين أدراج المؤونة بحثًا عن بعض الأعشاب لتحضير الشراب المفضل لدى موسى، وهو خليط من أعشاب متناثرة جمعها من بقاع الأرض، ولونها عند الغليان، أشبه بغروب الشمس. لا أحد يعرف مكونات هذا الشاي إلا هو، ولا يشربه إلا حين تختلط الوحدة بالحنين. وعلى الرغم من كره نعيمة لخلطة الأعشاب هذه إلا أنها تحضر منه القليل حين تشعر بالانزعاج الشديد.
شعرت وداد بتوترها. اقتربت منها ببطء شديد سائلة:
"مالك يانعيمة ياختي، طلعتي بره كنتي كويسة دخلتي زي القطر وعينك بطق شرار، وودانك شوية وتنفس دخان حصل إيه بره خلى زرابينك تطلع علينا كده مرة واحدة"
أجابت ولا تزال يداها تفتش هنا وهناك لربما وضعته في ركن ما ونسيت:
"مش شايفة ياختي، مش شايفة الموكوسة بنت الموكوسين بتيجي على أخر لحظة إزاي يا وداد كل مرة مابتجيش غير على الغدا"
أغلقت درج المؤونة بحدة:
"راح فين ياربي ده كمان أنا كنت بحطه هنا"
كانت هذه همستها لنفسها. ثم اقتربت منها وقد تجاوزت سمر الواقفة أمامها تشير بأصابعها للخارج:
"البت حتى مابتتحطش إيدها يا وداد معايا في حاجة بنت سماح، وأنا اللي بقول خلفتي كلها صبيان بكره تيجي اللي تعوضني بحنية البنات اللي اتحرمت منها يا وداد"
تحدثت السيدة وداد بنبرة متحيرة وعيناها تزوع أرضًا:
"ما تقفي يانعيمة خايلتيني.. رايحة جايه.. رايحة جايه في المطبخ لما دوخت، بدوري على إيه"
التوى ثغرها في زهد:
"يعني مش معنى ده اللي هلاقيه، هو بقى في حاجة بتتلاقى في البيت ده، عشان ألاقي شوية الشاي"
"طيب اهدي، اهدي وكل حاجة وليها حل، بلاش تاكلي في نفسك كده"
كان طلب السيدة وداد طلبًا وترجيًا أكثر من كونه استفهامًا للوضع.
"ماتقوليش اهدي يا وداد و جاموسة هانم اللي بره دي عاملة فيها هانم وهي ماتسواش تلاته أبيض، بس العيب مش عليها العيب على ابني، ابني أنا اللي مش مسيطر، خليها كده وخداه على حجرها ياريتني كنت خلفت دكر بط أولى"
هتفت بصوت مرتفع ليبلغ حديثها مسامعها، بينما اعترضت سمر على فعلها هذا حتى لا تفتعل مشكلة هما في غنى عنها:
"وطي صوتك يا طنط نعيمة بالله عليكي لا تسمعنا تبقى مصيبة"
تجاهلت حديثها كليًا تلتقط إحدى الصحون المزخرفة على الرف:
"وإيه يعني ماتسمعنا شيماء فلتر، ولا هتدخل تديني قلمين"
فلتت ضحكة من سمر رغمًا عنها على تسميتها لها بهذا الاسم. ثم سمعت شيماء صوت ضحكات فتاة بداخل المطبخ واستغربت حقًا حين رأت سمر تخرج من المطبخ حامِلة بين كفيها أطباق المحشي تضعهم على الأرضية. طالعت لقمان تخبره بتهكم:
"وايه اللي جاب ست سمر هنا كمان، انتوا عازمينها ولا إيه"
تنهد دون إجابة فعادت تكرر:
"ساكت ليه.. ماترد"
وقبل أن يجيب هتفت قائلة:
"أنا لو كنت أعرف إن سمر وأمها جايين أنا مكنتش جيت، وأنت عارف ده كويس أنا طول عمري مابطيقش البت دي"
صرحت بما لديها بنبرة صادقة وقد لمع الحزن بعينين لقمان سائلًا:
"ليه بس يابنت الناس هي عملتلك إيه"
كررت شيماء خلفه باستنكار:
"عملتلي إيه، معملتليش حاجة ياسي لقمان، وبعدين من غير ما تعملي أنا لسه هستنى لما تعملي، كفاية إنها طول عمرها من واحنا لسه صغيرين تقعد تتمحلس لامك وتيجي تروق معاها الشقة وتقعد معاها وهاتك يارغي هي ووداد أمها"
أشارت بكف يدها ناحية المطبخ واستمرت:
"واهيه، زي ما أنت شايف لسه فيها العادة الزفت دي، رايحة تساعد أمك وبتحط معاها الأكل عشان تكسب رضاها، يمكن ترضى عنها وتجوزها عيل من عيالها ولا حاجة"
سألها بحزم وفي نبرته شيء من الانزعاج:
"وم تعمليش زيها ليه"
كانت ستنطق ولكن بتر حديثها بقول:
"وقبل ما تتكلمي بكلامك اللي أنا حافظه، أنا ماقولتلكيش اخدميها بس على الأقل في عزومة زي دي ماتعمليش نفسك ضيفة ياشيماء ادخليها المطبخ اعرضي عليها مساعدتك، دي أقل حاجة يعني"
"قول كده بقى عايزني اشتغلكم خدامة اسمع بقى يالقمان، أنا من الأول قيلالك أنا مش هحط إيدي في أي حاجة في البيت عندكم أنا أه وافقت أتجوز في بيت عيلة بس شرطي الوحيد إني مش هدخل بيت أمك غير في المناسبات وبس.. وأنت عارف كده كويس تيجي دلوقتي تغير كلامك معايا"
مرر أصابعه بين خصلات شعره بعصبية، وكأنه يحاول ترتيب الفوضى بداخله. تنهد بعمق في محاولة منه لتهدئة نفسه. خرجت كلماته بصوت منخفض، يكاد يكون همسًا، كأنه يقولها لنفسه أكثر من قولها لها:
"ياميمه، ياميمه عشان خاطري بلاش كل ما تيجي زيارة عند أهلي نتخانق كده"
هبت والدة شيماء واقفة تبت ر حديثه:
"أنت بتقول الكلام ده لبنتي ما تروح شوف نعيمة ومقابلتها لينا"
أرجع بصره نحو والدتها بحزم:
"أقعُدي أنتِ ياحَجه، أقعدي أبوس دماغك"
جلست والدتها، وأخذ يلامس كتف خطيبته برفق، وكأنما كان يريد أن يخفف ثقل الأجواء بينهما. ثم همس بكلمات خافتة، وكأنها تأتي من أعماق نفسه التي تعبت من التوتر هاتفًا:
"أنا مابحبش أشوف غير ضحكتك يابت، بلاش بوز البومة اللي مصدراه من ساعة ما دخلتي عشان مش لايق على وشك المقطقط ده"
اجتاح نبرتها دفء خفي، كأن لطفًا مفاجئًا قد تسلل إلى حروفها، وابتسمت ابتسامة هادئة، ثم رفعت يدها برقة، تعيد له ضربته على كتفه بحنان خفيف، تخبره وعيونه لا تفارقها:
"لا ياشيخ، ما هو أنت كده كل ما تلاقي نفسك اتزنقت تاخدني في دوكة بقى وتقلب عليا الطرابيزه، ترمي كلمتين حنية يخلوا قلبي يرفرفلك تاني"
ألقى نظرة سريعة على ملابسها، ورد بجدية بما هو بعيدًا عن حديثها:
"بس إيه الچيبه اللي أنتِ لبساها دي"
تلتبستها الحيرة، تفحصت تنورتها بعينيها دون أن تفهم مقصده:
"مالها.. مش فاهمه"
أشار إليها بعينيه يقترب منها خطوة، وقال بصوت نصف هامس:
"لا أنتِ هتبطلي استعباط، وفاهمه ياشيماء"
نظرت مجددًا إلى التنورة تحاول أن تستكشف ما يقصده، وأجابت:
"طب وربنا ما فاهمه، ماتنطق يالقمان بقى، لا مالها الچيبه بجد، عشان مش فاهمه يعني"
تغيرت ملامحه فجأة، ودار بعينيه في المكان قبل أن يقترب من أذنها، وهمس لها بابتسامة واسعة:
"اكلت من جسمك حته"
فلتت ضحكة منها، تضربه بخفة على صدره وهي تقول بنبرة مبطنة بالفرح:
"خضتني اقسم بالله.. صدقتك وربي بقى.. ماتشتغلنيش تاني يالقمان"
أكد على حديثه غامزًا:
"لا بس جامدة عليكي"
غزت الحمرة وجهها وتحركت بخفة نحو المطبخ من تلقاء نفسها هاتفة:
"طيب اسكت بقى يالقمان"
طالعها لقمان يتبع خطاها بنظراته المهتمة قائلًا:
"أيه يابت القمر ده، يُخْرَب بيتك"
بان تأثير كلماته عليها حين لانت تقاسيمها، فأقترب أنس بنفاد صبر:
"بعد إذن جوزين الكناريا اللي شوية وهيعششوا في صالة بيتنا، ماشوفتوش الولا نوح، بقاله ساعة لاطعني في الأوضة وقالي استناه"
التفتت إليه شيماء قبل أن تدخل المطبخ، وأجابته بلا مبالاة:
"لـــؤه..."
وقفت والدة شيماء سائلة وهي تراها تبتعد عن ناظريها:
"رايحة فين ياشيماء"
رفع أنس صوته يوقفها:
"أقعدي أنتِ ياحجه، أنتِ إيه اللي وقفك، أنا مش بتكلم"
عادت تجلس في مقعدها ثم رفع أنس حاجبيه بتعجب، ورد مستنكرًا يطالب لقمان بالإجابة:
"يعني إيه لؤه دي يالقمان، رد عليا مش فاهم أنا.. إيه لؤه دي يسطا"
تلقى منه الصمت، عيونه معلقة بها وهي تمشي بخفة نحو الداخل، كأن الهواء نفسه أصبح ألين من خطاها.
سألها لقمان بهدوء، مبطن بالدهشة:
"رايحة فين يا بِت..."
التفتت له، وقد ارتسمت على ملامحها الرضا، وقالت:
"رايحة أساعد أمك في المطبخ"
فسألها بتعجب:
"غريبه.. وده عشان إيه"
أجابته بدلال:
"عشان خاطر ابنها"
ختمت حديثها تغمز له بعينيها بينما هو ابتسم، كأن الجملة ربتت على قلبه، قائلًا:
"حبيبي والله"
أتبعها بنظراته حتى أصبحت بداخل المطبخ كأن الضوء انسحب معها.
عاد صوت أنس فجأة، يوقظه من شروده:
"ايه يا عم.. ايه.. ركّز مع أمي هنا، الله يحرقك ويحرقها في ساعة واحدة، انجز، فين الولا نوح.."
فهبت والدة شيماء بانزعاج قائلة:
"بتقول على مين الله يحرقها يا أنس ماتحترم نفسك"
اختطف أنس نظرة نحو والدتها ثم نحو لقمان قائلًا:
"وقفتي تاني برضوا، أنا مش قيلالك اقعدي ياحجه"
ثم طالع لقمان بقول:
"ماتقعد حماتك يالقمان"
تبدلت ملامح لقمان، كأن شيئًا انطفأ في عينيه، وقال بصوت منزعج:
"ايه يسطا... ايه يسطا بتزعق ليه، وربنا ما شُفتُه يا عم"
سحب أنس نفسًا عميقًا، وتركه خلفه إلى غرفته يخلع ملابسه البيتية، يراقب الباب بين الحين والآخر ينتظر شقيقه الذي لم يأتي بعد. وقف أمام خزانته بحيرة يقلب بين قمصانه القديمة هامسًا بداخله:
"ألبس إيه أنا دلوقتي، ألبس إيه..."
وقعت عيناه على قميص من الجينز ثم قام بسحبه وارتداه على عجلة. اقترب من المرآة، يعدل ياقة القميص ويفرد كميه، قبل أن يتأمل وجهه قائلًا:
"المرة دي بقى يا ست سمر… مقابلتنا لازم تبقى مميزة"
ثم أردف بابتسامة جانبية يضع القليل من عطره المميز:
"هتشوفي أنس تاني خــالــص، مش زي المرة اللي فاتت"
أشار إلى نفسه وقد تملكه الغرور:
"أنا.. أنا تسيبني مرة واحدة كده وتعمليلي بلوكات من كل حتة … مكانش العشم ياسمر، بُكرة تندمي إنك سبتيني"
بدأ بتمشيط خصلات شعره الجانبية، وتحرك ناحية الخزانة يبحث عن بنطال يلائم قميصه.
"عــيــالي"
انتفض أنس سريعًا بسبب ذلك الصراخ والذي لم يكن سوى صراخ والدته. شعر بقبضة تقبض على قلبه بقوة، همس لنفسه:
"ده صوت نعيمة"
تسمر مكانه يحاول التقاط ما يقولونه بالخارج.
"حرام والله، ده آدم ده أغلب من الغلب، منك لله ياسعد كل ما تشوف الواد لازم ترازي فيه"
علم بما حدث، شعر بنبضاته المتسارعة تكاد تصم أذنه، هرول ناحية المطبخ وقبل أن يصل له وجد موسى يهرول ناحية لقمان قائلًا:
"الولا هيما تحت البيت، وبيقول إن سعد وقلاضيشه فارمين آدم ونوح على أول حي الكويت"
استوقفه أنس بذعر فسأل:
"فين بالظبط"
أتجه موسى مهرولًا مغادرًا المكان وهو يسمعه يقول بنبرة عالية:
"عند كشري شطه جنب المقله، انجز يا عم"
صرخت نعيمة صرخة مدوية وهي تقول:
"أنتوا لسه هتتسايروا، أجروا آدم معاه تحت، الحقوا أخواتكم"
وتابعت بقولها معاتبة:
"منك لله ياسعد، معرفش فيه إيه بينك وبين الواد"
هرول أنس خلف أشقائه، ينزل الدرج يغلق أزرار قميصه بعدما حاول بث الطمأنينة بداخل والدته. ركض في اتجاه التجمع دون أن يلقي بالًا لما يكسو نصفه السفلي… أو بالأحرى، لما لا يكسوه. لم يدرك في لحظته الطائشة أنه نسي ارتداء البنطال، وهَرع إلى قلب الحارة بشورت منزلي قصير، لا يصلح إلا للنوم… أو للنكبة.
تركضوا داخل الحارة والنفَس يتقطع في صدورهم، لم ينتبه أيٌ منهم لوقع أقدامه على الأرض، كانت أعينهم تفتش عن وجوه أشقائهم، عن طرف واحد يطمئنهم وسط الضجيج.
كان هيما شقيق بشر الأصغر يسبقهم بخطوات قليلة، يشير بيده إلى نهاية الزقاق:
"أهم، هناك أهم ياموسى"
وهناك، كانت الفوضى تتكثف، حشد من الناس اصطف على جانبي الطريق، وبعضهم اعتلى السلالم، وآخرون تكدسوا في النوافذ، تتشابك العيون على مشهدٍ محتدم، الأنفاس مكتومة، والهمسات متقطعة.
كان نوح في المنتصف، ذراعه تندفع بقوة نحو أحد رجال سعد، يلكمه ثم يتلقى ضربة في المقابل، يتراجع قليلاً ثم يعاود الهجوم، يُدفع فيسقط، ينهض في لحظة وكأنه لم يقع قط.
بجانبه، كان بشر يتصدى لآخرين، وملامحه مشدودة، شفته السفلى تنزف، لكنه لا يشعر.
لم ينتظر موسى دفع نفسه إلى الداخل، جسده يشق الطريق، كتفه يصطدم بالأجساد دون أن يلتفت، وعيناه تمسكان بـسعد مباشرةً.
ومن خلفه كان لقمان يتحرك بثبات. لم ينطق، لكنه لمح موسى يومئ له، فهم الرسالة دون شرح، اتجه يسارًا ليمنع رجلين من الوصول إلى أنس.
في الركن الأيمن من الزقاق، انزوى آدم، جالسًا على الأرض، ذراعيه ملتفتين حول جسده، ظهره محني، وعيناه نصف مغلقتين كأنه يتحاشى كل شيء.
رآه أنس وسط الزحام، اتسعت عيناه، واندفع نحوه دون تردد. كان يلهث، وعلى ملامحه مزيج من الخوف والذنب. ركع أمامه ومد يده ليتحسس كتفه، وجسده يلتف حوله كدرع.
في وسط الضجيج، انقض موسى على سعد ودفعه بجسده دفعة واحدة جعلته يتراجع خطوة للخلف، قالها دون رفع صوته:
"لو جيت على إخواتي تاني… هتزعل يا سعد"
توقف الشجار وضحك سعد ساخرًا:
"في الأوقات اللي زي دي بحب أزعل"
ثم انقض عليه بلكمة سريعة في الفك، ارتد موسى قليلاً لكنه لم يسقط.
مسح الدماء التي انسدلت من شفاهه السفلية بظهر يده:
"أنا إزاي يلا ماشوفتش قبل كده إنك بالوسا**دي"
ثم ردها بأخرى، كل شيء بعد ذلك بدأ يتداخل. أصوات، اصطدام أجساد، صرخات تنفلت من هنا وهناك، ولقمان يشد أحد رجال سعد من قميصه ويلكمه في الصدر، بينما أنس ما يزال جالسًا أمام آدم يحميه بعينيه وظهره.
"عُقده في مَعِدة"
السيدة نعيمه منعتها من ابتلاع ريقها وشعرت بأن كل شيء الآن يثير غثيانها، فأثرت الصمت، حتى وإن لم تظهر ما تضمر فالجميع يرى رجفة يدها وخنصرها، اهتزاز مقلتيها وفرك كفيها أحدى علامات التوتر. تدور في أرجاء الغرفة الرئيسية بخطى قلقة، كأن المساحة تضيق عليها كلما تحركت يداها تعانقان بعضهما لحظة، ثم تنفران في ارتباك، نظراتها تائهة، لا تستقر على موضع، تمر على الباب والنوافذ والجدران.. كما لو أنها تبحث عن مهرب من فكرة تزداد ثقلًا كل لحظة.
لم تخف عن السيدة وداد تنهيدة نعيمة الثقيلة والتي لا تكون صادرة إلا عن شك يليه خوف. كانت تجلس على طرف المقعد، تراقبها بصمت ثقيل، ثم نطقت في محاولة يائسة لبعث السكينة:
"اهدي بس يا نعيمة... ماتقلقيش، خير إن شاء الله ياختي"
عقدت السيدة نعيمة حاجبيها وسحبت المقعد الذي احتك مع الأرضية الخشبية لتجلس وأمرت تلك الجالسة بجانبها بصوت يشوبه الخوف:
"ما تتصلي يا بت ياسمر على طه أخوكي، شوفيه فين... خليه يروح يشوف إيه اللي بيحصل على أول الشارع ويطمنّا"
أومأت سمر مسايرة حديثها وابتسامة دافئة تزين ثغرها، لتنسحب نحو المطبخ بغير راحة وقد شعرت بقلق طفيف:
"حاضر يا طنط... التليفون في المطبخ، هاروح اجيبه"
لم تنتظر وتحركت السيدة نعيمة ناحية الشرفة، لعلها تلمح أي شيء. دفعت الباب الزجاجي وخرجت، كما لو أن الهواء داخل البيت لم يعد يكفيها.
لحقتها السيدة وداد بهدوء، وقفت بجوارها، تتأمل الشارع الصامت، والقلق يتصاعد كضباب خفيف من صدريهما. شفتا نعيمة كانتا تتحركان دون صوت، ثم قالت، والدمعة محتقنة في صوتها:
"مش قادرة يا وداد... مش قادرة أقعد هنا ثانية واحدة"
نَبست شيماء بعد صمت، تتبعها والدتها، بصيغة ساخرة مواريًا نبرتها المتوترة، التي لا تليق بثقل اللحظة:
"أنا مش فاهمه يا طنط أنتِ قلقانه اوي كده ليه، هما يعني بيرضعوا في صوابعهم عشان تقلقي عليهم كده.. دول رجاله"
كانت نبرتها مليئة بالسخرية، لتقرصها والدتها على حين غرة، وكانت على وشك فعل المثل للمرة الثانية لذا ابتعدت شيماء صارخة:
"إيه يا أمي بتقرصيني كده ليه، هو أنا قولت إيه غلط"
وعند هذه الكلمة ابتسمت السيدة نعيمة بمكر وهتفت بحاجب مرفوع متكتفة تطالع مقلتيها بغيظ:
"مش أنتِ اللي هتعرفيني إن عيالي رجاله ياشيماء، ولا ياختي.. دست إبهامها داخل فمها بسخرية تسترسل: هما لا بيرضعوا في صوابعهم ولا عيال صغيرة.. دول رجالة الحج نصار يعني من ضهر راجل... أشارت بكف يدها على فؤادها بغيظ: بس اعمل إيه، قلبي حنين، مش قاسي مابتحملش عليهم الهوا، مش زي ناس"
ألقت السيدة وداد نظرة على كلاً منهما لتجدهم يتبادلون النظرات الخرساء فيما بينهم قررت حينها كسر الصمت وخرج صوتها صارمًا يخترق لحظة التوتر:
"بت يا سمر أخوكي رد عليكي ولا لسه"
ثم هتفت تشير بعينيها لـشيماء:
"نقطينا بسكاتك ياشيماء مش ناقصه هي، أنتِ شايفه حالتها حالة دلوقتي"
ظهرت سمر عند مدخل الشرفة، الهاتف في يدها، والقلق مطبوع على ملامحها:
"لا يا ماما... طه بيكنسل، مش عارفة بيكنسل ليه"
في لحظة، اندفعت نعيمة نحو الداخل، اتجهت مباشرةً إلى الأريكة، تلتقط حجابها الأسود، تلفه على رأسها بحركة معتادة، وهتفت دون نية للتراجع، وهي تمسك بمقبض الباب:
"وأنا ياختي هستنى سي طه بيه لما مايكنسلش ويرد أنا نازلة أشوف عيالي"
"استني بس يا نعيمة"
تبعها صوت وداد، لكنه ارتطم بالهواء... إذ لم تلتفت.
لمحت أنامل السيدة نجاح تقترب منها، تمسك بذراعها قرأت ما بداخل عينيها كأنها تنطق دون حديث بأنها لن تستطيع المكوث هنا وتنتظر عودتهما أما بخبر سيء أم جيد. تقدمت منها السيدة نجاح أكثر تبتسم ابتسامة دمثة قائلة:
"نزولك تحت وسط الرجاله هيقل منك، مش هيزيدك ياخايبه"
فتحت نعيمه فاهه لتعترض، ضغطت السيدة نجاح على ذراعها تكمل بلطف:
"ومش هيقل منك أنتِ بس لاء.. هيقل منك ومن الرجاله اللي معاكي"
تحركت السيدة نجاح ناحية الأريكة تجلس بحذر واضعة كف يدها أسفل ظهرها بألم:
"آه ياضهري، ضهري مفلوق نصين من ناحية العصوصه يابت يانعيمة بقاله يومين مش قادره.. عدلت من جلستها تجلس بأراحيه: لما عيالك الرجـــــاله تطلع وهما سالمين وعرفوا يجيبوا حق أخوهم، اوبقي وديني الاستباليه يابت عشان ضهري قافش عليا قفشة وحشة"
تباطئت قليلاً حين خرج من بين شفتيها كلمة "الرجاله" وكأنها تذكرها من هم أولاد نصار. تنهدت السيدة نعيمة تنهيدة حارقة تدل على فهمها لحديثها.
ضربت السيدة نجاح بكف يدها على الأريكة إلى جوارها، ضربة خفيفة، تشير إليها دون حديث أن تأتي.. كان الهواء ساكنًا، لكن يدها أحدثت رجفة صغيرة في قلب السيدة نعيمة ترددت بين قدميها وثقل الجسد، شيء كان يشدها للخلف. عينها على الأريكة، والعين الأخرى ناحية الباب.
"تعالي، تعالي بس يانعيمة… والله ما تقلقي .. شويه كده وهتلاقيهم جايين"
هتفت بها نجاح بصوت خافت، لكنه نطق كالوعد، حديث بدا وكأنه خرج من صدر لا يكذب.
جلست.. جلست بجوارها كأنها تستسلم، لا من الضعف، بل من رغبة مرهقة في التصديق.
"بجد يا ياما"
سؤالها لم يكن بحثًا عن إجابة، بل عن طمأنينة تُثبت نفسها داخل الملامح المرتعشة.
أشارت السيدة نجاح إلى نفسها ببطء، كأنها تُقسم:
"هو أنا قُلتلك حاجة قبل كده وطلعت غلط ياموكوسه"
هزت رأسها بالنفي فتابعت السيدة نجاح تميل برأسها ناحيه نعيمه هامسه:
"الست اللي بجد ماتحشرش نفسها بين الرجاله وتقف تزعق وتهلل وسطهم طالما رجالتها واقفه، وانتِ عارفه زي ما أنا عارفه إنهم مش قليلين"
ارتخت شفتا نعيمة في شيء يشبه الابتسامة وكأن الخوف خجل منها فاختبأ لحظة.
لمعة صغيرة في العين مزيج من الخوف والراحة، ظهر واختفى في طرفة. ثم أشارت السيدة نجاح برأسها نحو سمر:
"روحي يا سمر… روحي النهارده الجمعه ولعي شوية بخور، بخري البيت… خلّي الشيطان يبعد عننا"
ثم أزاحت ببصرها ناحية شيماء:
"روحي ساعديها ياشيماء"
لوت شيماء فمها دون رد، فأعادت طلبها بحدة:
"ما تروحي تساعديها يابت واقفه كده ليه"
تحركت ناحية المطبخ بضجر:
"رايحه اهوه"
كانت هذه همستها بينما سمعت نعيمة صوت أقدام تطرق درجات الطابق السفلي. لم تدرك السيدة نعيمة كيف انتفض جسدها بمجرد أن بلغها أصواتهم. شعرت بقلبها ينهض واقفًا قبلها. ابتسمت السيدة نجاح قائلة:
"اهم جم ياستي، أجري افتحلهم بقى"
هرولت تفتح الباب دون شعور منها ليقابلها وجه نوح بابتسامة منكسرة ووجه شاحب بالرغم من أن ابتسامة نوح لا يكسرها شيء.
أرغمت نفسها على نسج خيال ابتسامة من داخل كل شيء مدمر بها واقتربت منه:
"إيه يانوح، حصل إيه ياواد طمني، الولا سعد معلم على وشك كده إزاي.. ياولا انطق، طيب أخوك بخير، فين اخواتك"
اشتدت يدها على مقبض الباب تنتظر أجابته. تجاوزها يحاول كتم بسمته:
"ياستي ماتقلقيش طالعين مع الحج ورايا"
نَبس بجملته بعدما تجاوزها، بينما سمعت صوت ينادي بهمسا عليها خلف الباب:
"نَـعيـمه"
اقتربت بحذر لتتفاجأ بـ أنس يمط قميصه الجينز للأسفل ليخبيء ما يستطيع من شورت قصيراً يرتديه أسفل جسده بكفيه. عيناه تتلفتان في كل اتجاه، يعلم تمامًا من في المنزل. أشار إلى فخذه برجاء نابع من عينيه قبل لسانه:
"اما.. استري عليا ياشيخه، ادخلي بسرعه هاتيلي بنطلون.. انا بلبوص ياما"
شهقت من دون صوت لما رأت من حال ابنها، طالعها بندم وهو يشير لنفسه:
"ايه يانعناعه هتفضلي راشقة عينك في فخدتي كده كتير، مش ناويه تبدي أي ردة فعل للي شايفاه طيب"
أشارت نعيمه لفخذه مع ضحكات لم تستطع كبحها:
"ايه ياواد اللي معري فخدتك كده"
أجاب على سؤالها بحديث آخر:
"مش وقته دلوقتي يانعناعه هبقى أقولك بعدين"
انحنى يقبل كف يدها وهو يترجاها:
"بس ابوس ايدك.. ابوس ايدك وطي صوتك ماتفضحنيش، ادخلي بسرعه هاتيلي أي حاجة البسها"
ابتسمت نعيمه تنزع حجابها تلقيه بوجه تضم ذراعيها إلى صدرها:
"خد استر نفسك ياموكوس"
كانت ملامحه عابسة يشير لنفسه:
"ايه ده؟"
"لو مش عاجبك هاتها يامفضوح أنا مش فضيالك فين أخوك"
ابتسم بسمة مليئة بالضجر وهو يقوم بلفها على فخذيه بحنق يرد عليها بضيق:
"طالع ورايا"
أشار أنس لفخذه:
"طيب كنتِ هاتي طرحة طويلة شوية، عجبك كده، الشعب يشوف عورتي، اودي وشي من الشعب اللي جوه أنا فين دلوقتي"
ضحكت السيدة نعيمه على منظر ابنها فهي تعلم بمن يقصد بالشعب. أنهى حديثه وتركته وتحركت ناحية الخارج تنتظر صعود ادم بفارغ الصبر، بينما هو دخل إلى المنزل كلص ينظر يمينًا ويسارًا حتى يتبين إذا كان يتحرك سريعًا لاقرب غرفة منه يتلفت حوله بريبة يحمد الله في قلبه ان لا أحد بالداخل والجميع ينتظر بالشرفة، وبسرعة كبيرة اتجه إلى غرفته وقبل أن يصل إليها لمح شيماء تخرج من الشرفة ولم يجد سوى المطبخ ليحتمي اليه، ولم يكد يخطو بقدمه للداخل حتى شعر بطبق من الشوربة الساخنة يسقط عليه.
لم يشعر بالحرارة من كثرة شعوره بالخجل، تلاقت عيونه بـ سمر، واشتد الحرج. لا يعرف أين يخبئ نفسه، فابتلع ريقه كأن حنجرته قد ضاقت، وارتسمت على شفتيه ابتسامة بائسة، لا تخفي شيئًا من ارتباكه، بل تعلنه بصراحة.
مد يده إلى طرف القميص مرة أخرى، يشده كأنما يتّقي به نظراتها، ثم تمتم بنبرة مبحوحة:
"اوعي تبصي تحت ياسمر.. أنا بلبوص"
شهقت في مكانها، مذهولة من المشهد، لكن طرف فمها ارتجف، وكأن ضحكة صغيرة كانت تحاول أن تتسلل... ثم أدارت وجهها سريعًا، تُخفي احمرار خديها تاركة المطبخ، بينما هو ظل واقفًا هناك، كمن داهمه القدر بقميص طويل... وشورت قصير.
"في الَأزمَات، لاَ نُعد الوَقت… ولَا يَشغِلنا مِروره بَل فَقط نَرجو نِهايتُه، يَنتظر " أدم " بِمُنتصف المَنزل كأن الأرض تحت قدميه غريبة عنه... كأن الزمن متوقف، لا يتقدّم ولا يعود. عيناه معلّقتان بباب غرفة والده المغلق، شفاهه تتحرك همسًا بالصلاة على النبي، لا يكاد يسمعها أحد، كأنها رجاء يوشك أن يُقال ولا يُقال. أصابعه تتحرك بلا وعي، تفرك بعضها، كأن فيها شيئًا يحاول أن يخرج، توتره كان يفضح كل شيء، حتى الهَواء حَوله صَار أثقل، يضغط على صدره.
كانت السيدة نعيمة تقف بجانبه، تنظر إليه بعينين خائفتين، تحاول أن تفهم، تحاول أن تُطمئن لكنه لا يجيب، كأنه غارق في بحرٍ داخلي، أمواجه تتلاطم بلا صوت، لا يسمعها أحد سواه.
"أموت وأفهم ماله ابن الخرداتي بيك، كل ما يشوفك يترازل عليك، إيه اللي خلاه يقلب عليك كده، ده انتوا مكنتوش بتاكلوا غير من طبق واحد"
كالعاده، لم تتلقى رد، وفضل الصمت كان الحزن أثقل من أن يقال. ظلت عيناه معلقتين بذلك الباب.
حاولت السيدة نعيمة أن تجلسه على الأريكة، تلامس ذراعه بخفه لكنه انتفض كمن لسع. تراجع خطوة جسده كله يرتجف فأزالت يدها فورًا:
"ماتخافش يا آدم، حقك عليا يابني، مش هلمسك تاني ماتخافش"
تجاوزها دون رد يتجه ناحية غرفته يغلق بابه بإحكام، ثم انتقل إلى الفراش يحتضن وسادته بقوة والرعشة تعتلي كامل جسده.
كانت الغرفة مضاءة على نحو خافت، يجلس الحج نصار أسفل النافذة، تتدلى مسبحته منه تنزلق حباتها ببطء من بين أصابعه، يمرر عينيه على أولاده الواقفين أمامه ثم ينظر إلى مسبحته من جديد يستغفر. قلب موسى نظره إلى لقمان الواقف جواره وبادله لقمان نفس النظرة ينتظرون حديث والدهم. رفع الحج نصار عينيه إليهما أخيرًا، وجهه هادئ، لكن السكون فيه لم يكن طمأنينة، بل ما يسبق العاصفة.
"مين فيكم بقى الشبح اللي بـ100 راجل، وبدأ الخناقة مع سعد وعيلته"
تقدم موسى يمد يده خارج النافذة، تناول القلة، ورفعها إلى فمه كل رشفة بدت كأنها تزيح حملًا عن صدره، لكن بلعته الثقيلة فضحته.
تفاحة آدم في عنقه تحركت بحدة، ثم مسح فمه بظهر كفه وأعاد القلة إلى مكانها قال بهدوء:
"إنت تعرف عنّا كده يا حج، أحنا غلابه ياحج"
نظر إليه الحج نصار طويلًا، بعين من لا تنطلي عليه الإجابات الملتوية مرّ بعينيه على القلة وهو يقول:
"لا.. لا سمح الله أنا أعرف عنكم أبو كده وام كده كمان"
أنفلتت ضحكة من لقمان أثارت غضبه:
"بتضحك على خيبتك يالقمان، لما تبقوا رجالة كبار... المفروض تبقوا عارفين الصح من الغلط. جوز البهايم اللي بره دول ما بيعرفوش يفرّقوا. إنما إنتوا.. إنتوا تنزلوا الحارة وتضربوا وتتخانقوا، وتسيبوا الواد سايح في دمه كده وتكسرولوا دراعه بالمنظر ده"
جلس لقمان بجواره محاولًا التبرير، وكأنه يبحث عن ثغرة في الحرج:
"يا حج... الواد ده بقاله فترة حاطط آدم في دماغه، كل ما يشوفه، يترازل عليه، كل مرة بنتكلم معاه بالأدب..."
بتر موسى حديثه:
"ادب.. ادب إيه يالقمان ماتصلي على اللي هيشفع فيك يسطا هو اللي زي ده ينفع معاه الادب"
تحرك ناحية الأمام خطوة يستردف:
"وحياة ديني أنا لو كنت أعرف إنه بيضايق آدم بالشكل ده كنت بيّته في حجر أمه من أول مرة"
"وأنت عايز تعمل إيه أكتر من إنه راح يجبس دراعه في المستشفى ياموسى"
هتف بها الحاج نصار فأجابه دون تردد:
"ادشدشله دماغ امه قسماً بالله ما ياخد في ايدي غلوه"
وقف الحاج نصار، ببطء، خطواته ثقيلة لكنها واثقة، اقترب من موسى، بعينين تشبهان الصمت.
ابتلع لقمان ريقه يطالع شقيقه بنظرة لوم على ما قاله. رفع الحاج نصار ذراعه وبدا عليه الغضب ولكنه ربت على كتف موسى تعتلي ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مزيجًا من القسوة والرضا وقال بصوت يكاد يخفي الإعجاب خلف الجد:
"جدع يا لا تربيتي"
أطفأ آدم الأنارة ودثره نفسه جيدًا داخل الفراش. يشعر بالنوم، يشعر بالتعب لكن لا بوادر للنوم. حاول مرارًا وتكرارًا، كلما أغمض عينيه، زحف إليه الماضي كظل ثقيل. حاول أن يطرده، أن ينسى. لكن ذاكرته أبت، وسحبته إلى ذلك اليوم، اليوم الذي بدأ به كل شيء.
كان آدم وسعد يلعبان في الشارع الترابي، تحت شمس مائلة إلى الغروب. كان البلي موزعًا بدقة أمام سعد، بينما ركز نظره بعين واحدة مغلقة، والأخرى محدقة كالسهم، يستعد لإطلاق الضربة الحاسمة.
آدم يقف إلى جواره، يراقب باهتمام طفولي، يشجع صديقه بصوت حماسي:
"يلا يا سعد، تقدر تجيبها، مش بعيدة... عايزين ناخد منهم البلي كله."
وفي اللحظة التي كاد فيها سعد أن يقذف بالبلية بأطراف أصابعه، تقدمت خطوات ثقيلة. جاء والد سعد، عابرًا فوق البلي بلا مبالاة، فتناثرت الكرات الصغيرة هنا وهناك، وتبعثرت لحظة النصر قبل أن تولد.
تقدم سعد منه، بعين ممتلئة بالعتاب:
"مش تخلي بالك يا بُويا؟ كده هدّيت البلي بتاعنا، بعد ما كنت هكسب عيال الشارع كلهم."
جلس الأب على المقعد الخشبي أمام المخزن، بثوبه الصعيدي، مستندًا إلى عصاه الخشبية. ابتسم في فتور، وضع كفه على خده، وقال بصوت هادئ:
"بس كده يا سعد؟ حقك عليّا."
أدخل يده في جيب ثوبه، وأخرج بعض النقود، ناولها لابنه:
"خد، روح هات لوليتا ليك ولآدم."
ثم التفت نحو آدم، وبعينٍ ضيقة لا تخلو من نظرةٍ خفية، تطلع إلى جسده الصغير بنظرات غامضة، لا تُريح القلب. تقدم بخطوات ثقيلة، ومدّ يده على ظهر آدم، ثم قال بصوتٍ مغطّى باللين:
"إيه رأيك يا آدم؟ بتحب اللوليتا؟"
أومأ آدم برأسه مبتسمًا، بحماس طفل لا يفهم ما خلف الكلمات.
ثم التفت الأب من جديد إلى سعد، وقال:
"اجري يا سعد، روح هات لوليتا ليك ولآدم، بس هاتها من أوّل الشارع... عشان تبقى متلّجة، ما تبقاش ميّه."
ضحك سعد وقال:
"تعالى معايا يا آدم."
لكن الأب بادره سريعًا، بصوت آمر:
"ييجي معاك فين، يا وَلَا؟ يعني محتاج حد يحرسك؟ روح بسرعة وتعالى."
أومأ سعد بالموافقة، وهو يشير إلى آدم:
"ماشي... بس خليك هنا، يا آدم، أوعى تتحرك عشان نكمل لعب."
مضى سعد مهرولًا، واختفى عند آخر الشارع. حينها، اقترب والد سعد من آدم، وأجلسه على ساقه، وقال:
"بقولك إيه يا آدم... ما تدخل تجيبلي حاجة، الصفيحة اللي جوه في آخر المخزن، على إيدك الشمال... تعرفها؟"
ابتسم آدم بهدوء، ونزل عن رجله، واتجه نحو المخزن. وما إن دخل، حتى التفت الأب يمينًا ويسارًا... الشارع خالٍ، لا أحد يمر. لحس شفتيه بلسانه، ثم توارى داخل المخزن خلف آدم، خالعًا عباءته الثقيلة. مدّ يده نحو الباب، وأغلقه خلفه... في صمتٍ مريب، وابتسامةٍ تجرّ خلفها ظلالًا لا تُفصح.
ولم يكن آدم يعلم أن الباب الذي أُغلق خلفه لن يُفتح أبدًا على نفس البراءة.
كان ذلك اليوم... أول كسرة في روحه، وأقسى ما خبأه العمر في طيّاته. لم يُغلق على جسدٍ صغير... بل على طفولةٍ انتهت قبل أوانها.
رواية و لأنه موسى الفصل السادس 6 - بقلم ماهي احمد
رواية و لأنه موسى الفصل السادس 6 - بقلم ماهي احمد
الباب السادس| chapter six
شَهقت السَماء
أحيانًا هُناک وجوه تُترک كالحِبر
على الروح لا يُمكن أن تَمر مرور الكِرام
بَل تُصبح كَوشم وَهمِي لا يُبهت
مَهما تَمُر عَليه الفصُول
أغرقوا ال موسى بنجومكم ⋆
دَعمكم هو وقودي للأستمرار
⋆ ⋆ ⋆ ⋆
⋆ ⋆
⋆ ⋆ ⋆
ولأَنهُ موسَى
𝒜𝓃𝒹 𝒷𝑒𝒸𝒶𝓊𝓈𝑒 𝒽𝑒 𝒾𝓈 𝑀𝑜𝓊𝓈𝒶
. ------------------------------ .
---------------------
أهتَزت النَافذه بِفعل الريَاح الشَديده العَنيفه وقَد سَرت بِروده عَلى طول عمود " أدم " الفَقري فأتَخذ
وَضعية الجَنين يَشد الغِطاء أكثَر نَحوه ، مَدينة السويس تَصبح بَارده حِينما يَحل الشِتاء وَلطيفه بِموجَات حَارقه في فَصل الصَيف وكَأنها تُعطي لِكل فصلٍ حَقه ، شَعر بِباب الغُرفه يُفتح فَرفع رأْسُه
"ادم ، واد يا ادم "
لَقد كَانت السَيده "نعيمه " دَخلت الى حُجرتُه وصَكت البَاب فَشعرت بِبروده تَلفح جَسدها طَقس هَذه الأيَام بَارد لِلغايه ورُبَما يُنذر بِتساقُطات أشد مِن سَابقتها ، شَهقت السَيده " نعيمه " شَهقه مَكتومه واتَسعت عينَاها حينَ لَمحت النَافذه مُشرعه عَلى مِصرعيها والهَواء يَصفع السَتائر بِعُنف يَنتقل بِها مِن جَانب الى أخر ، مَدت كِلتا يَديها لأغلاقِها تَنبس بِبضع كلِماتٍ بِنبره مُلامه
" بقى كده يا أدم ، سايب البلكونه مفتوحه في عز البرد ده .. كده تبرد يابني "
" نِفسي أشوف التلج بينزل في السويس مره يا امي "
هَكذا نَبس " أدم " بِنبره هَادئه يُصاحبها أبتِسامه ، شَددت السَيده "نعيمه" الوشاح حَولها تَسير بِبطء نَحوه وجَلست بِالقرب مِنهُ بِبسمه بِها شىء مِن الرَاحه ، لِتقول بِنبره بِها بَعض مِن التَوتر
" باين عليك هديت يا ادم ، مش هتقولي بقى ايه اللي بينك وبين اللي مايتسماش سعد "
بَللت شَفتيها ، فَلمحتهُ يَقبض عَلى يَديه بِقوه حَتى أبيَضت بِراجمهُ
اختَفت أبتسَامتُه ، وأنقَبضت مَلامحُه وشَعر بِطعمٍ أجاج في حَلقُه ، رَأت هي تَخبُط مَلامِحُه وَكأنُه يَتخبط بَين شَيئين ، فأخذت تُلاعب طَرف كُمها بِتوتر تُغير الحَديث لِتردف
" تـ.. تلج ، تلج ايه ياولا اللي عايزه ينزل في السويس .. دي السويس دي عباره عن جبال محوطاها من كل حته ده يوم ماتمطر بيبقى عيد ، تقولي تنزل تلج "
فَتح ثَغرُه بأبتسامه ليُعقب
" ياماما بقولك نفسي ، نفسي "
أنحَرف ثِغرها في أبتِسامه ، واتَجهت نَاحيه الخِزانه تُفتش بَين الملابس عَلى القطع المُتسخه
"خلاص ، خلص انتَ امتحاناتك بتاعت نص السنه وانا هخليك تسافر عند خالتك عفاف في اسكندريه ، وابقى شوف التلج براحتك ياعم مبسوط كده "
ثُم تَمتمت هامسه مِن بَين شَفتيها تُزمجر
" شوف ، شوف الواد "انس " رامي هدومه الوسخه في قلب الدولاب ازاي ، الا ما هاين عليه حتى يحطها في الغسيل ، طيب وحياة أمك يا انس ما انا سيباك "
حَملت المَلابس بَين يَديها تَتجه بِها الى الخَارج وهَي تَخبرُه :
" قوم ، قوم يلا عشان نتغدا بره خالتك وداد خلاص بتحمر الفراخ وهنغرف "
تَحرك " أدم " عِند زاوية الفِراش يَسند وجهه بَين كَفيه سائلاً
" أنتِ عملالنا ايه النهارده "
تَراجعت تَنظر نَحوه بِحماس شَديد تُسايرهُ فَقالت
" عملالك حلة محشي كرنب تستاهل بوقك "
قَاطعهما دخول " أنس " الذي مَازال يَمط بقميصه
الى الأسفل قائلاً
" أيوه افضلي دلعي فيه أنتِ كده ، وانا لما اقولك روحي هاتيلي بنطلون تنفضيلي ولا تسألي فيا "
اتَسعت عيناها بِتفاجؤ حينَ وَجدته مَازال على حَالته
" لهو أنتَ لسه ماشي بفخادك ياموكوس ، كُنت فين كل ده ياولا "
اتَجه ناَحية الخِزانه يُغير لِباسه لِقميص أخر بُني فَاتر والذي يُشابه لَون عيِناه في عَسليتهُ يُقال أن هَذا يُميزهُ كَثيراً فِي مَنطقتُه ثُم أخرج بِنطال يُلائم قَميصُه قَائلاً
" فارقه معاكي اوي ياما كنت فين "
نَفض بِنطاله بِوجه السَيده "نعيمه " يُتابع
" كُنت في الحمام محبوس جوه الا اما حد فيكم جه عبرني "
تَراجعت خَطوه لِلخلف مع نَفضة بِنطاله ولم تَستطع كَتم ضِحكتها تَخبره
" والله يابني ما كنت فيقالك كان كل همي اطمن عليك أنتَ واخواتك "
أنخَفضَ بِجسدُه حتى تَسطح جَسده يَستند على طرف الفِراش يَرتدي بِنطاله
" واطمنتي يانعناعه ، فيها ايه يعني لو كنتِ جبتيلي اي بنطلون من جوه هيجرالك ايه يعني مش فاهم انا "
رَفعت بَصرها نَحوه وقَد تَوقفت عَن تَحريك الملابس بين يَديها
"الطم منك يعني يا انس ، ما خلاص ياولا في ايه ، قولتلك مكنتش فيقالك ، خلصنا ، ويلا انتَ وهو عشان ابوك مستنينا بره على الغدا "
همهم "ادم " بِصوت كالحَسيس
" أيوه يا أمي بس أنتِ عارفه اني ماليش أوي في المحشي "
أقتَربت مِنه أنشًا تَلقي بِالملابس عَلى الأرضيه تَخبرهُ بِحماس
" ودي برضوا تفوتني يا أدومه ، ده انا عملالك جنبها ملوخيه خضرا وشاهقه عليها حتة شهقه من اللي قلبك يحبها هتاكل صوابعك وراها "
أخفَض رأْسه قَليلاً يَدعي البراءه ليُعقب
" وعايز لحمه مش فراخ "
نَبست بأبتِسامه لَطيفه وأشَارت بأبهامها نَحو عينيها
" بس كده حبيب ماما ، عيني يابا ، عيني ، ده أنتَ تؤمر بس"
اقتربت "نعيمة" من "آدم" بِخفه دافئةٍ تعرف مَلامحُه كَما تَعرف خطوط يَديها هَمست له بِنبرة تَمنحُه الأمَان:
"تعالى ياحبيبي ، تعالى ده انا عملالك الأكل اللي انتَ بتحبه خَليك جنبي عشان أدلعك واكلك واعملك اللي نفسك فيه "
ابتسم "آدم"، تلك الابتسامة التي لا تأتي بسهولة، لكنها حين تأتي تُزهِر المكان ، وتَحرك ناحية البَاب ، ليَقطعه حَديث "أنس" قائلاً
"أيوه يابا ايوه .. مين يلاقي الدلع ده كله ومايدلعش "
ثُم دَحرج عينيه للسَيده "نعيمه " قائلاً
" مش معنى انا ، ده أنتِ يوم مادتيني صدر الفرخه كنتي عايزاني اعملك مقام ، مش ناويه تحني علينا وتدلعينا زي مابدلعيه بقى "
ضَربت على كَتفه بِخفه قَائله
"بس ياولا ، ادلع فيك ايه وانتَ شحط كبير اهوه "
حرّك " أدم " جَسده بِخطى هَادئة نَحو البَاب، ولَحقت بِه السَيده "نعيمة" تَسير خَلفه عَن قُرب تُغني لهُ بِصوتٍ مُنخفض كَأنها تُسقي قَلبه المَفطور بِالماء:
" أدلّعك يا أدومه .. يا حتّة م القلب يا دومي
أدلّعك يا نجمايّه .. يا حتّة فوق ف سمايا
أغنّيلك يا ضيّ عيوني .. وأحطّك ما بين جفوني "
انفَرجت ضِحكتُه أكثَر، دونَ أن يَلتفت، وكَأنها تَعرف طَريق الوصول إليِه دون أن تَنظر في وجَهه
مد "أدم " يده بخفة وهَو يَخطو خارجًا، ليَلمس الحَائط كأنُه يَمرّ بِيدُه عَلى ذِكريات قَديمة، ثُم أكمَل سَيرُه "
بَينما "أنس" ظَل واقفًا، ساكنًا يَتأملهم ، لم يَكن في عيِنيه سوى مودة خَالصه عيَناه تابعتا خَطوات "آدم"، وابتسامتُه، وحركة والدتُه خَلفه، ابتَسم بِتأثر ، تِلك الابتسامة التي لا تُطلب ولا تُفتعل، بَل تُنبع مِن مكانٍ نَقيّ ، وحيَن غابا عن عيِنيه ، بَقي واقفًا للحظةٍ، كَأن شيئًا دافئًا مرّ مِن قَلبه بِهدوء
⋆. . ⋆.
لَمحت " سمر " بِطرف عينيها والدتها " وداد " تَقف أمَام المَوقد تُحمر قِطع الدَجاج المُتبقيه لِلغداء ، أقتَربت مِنها بِهدوء ولَم تَتردد بأخبَار والدتَها عَما حَدث مُنذ قَليل ، فـ " وداد " ليسَت فَقط بِمثابة الأم لَديها بَل هَي صَديقتها الوَحيده كَذلك ، طَالعتها " وداد " لِلحظات وبمُجرد رؤيتها عَلمت بِأن هُناك خطبٍ مَا بِأبنتها ، دَحرجت عينيها نَاحية الطَبق النحاسي تُقلب بَين قِطع الدُجاج المَغموره بالزيت السَاخن عَلى المَوقد
"خير يا أخرة صبري ، عايزه تقولي ايه "
هَتفت " سمر " بِما لَديها ، لا تَزيح بَصرها مِن عَلى الطَبق النِحاسي وَهي تَضحك تُكاد تَختنق مِن كَثرة الضَحك تُخبرها بِنبره مُتقطعه
" والله زي ما حكيتلك كده يا أمي ، ببص لاقيت انس داخل عليا بيتسحب بالشورت الابيض البفته على قميص چينز ، وشغال يُمط فيه ، يُمط فيه ، ولا لما شافني ياخرابي شويه وكان هايروح فيها "
"وأنتِ بقى عملتي أيه لما لاقتيه داخل عليكي يافالحه "
كَانت السَيده " وداد " تَتحدث بِسخط بَينما " سمر"
أجابتها بِصوتٍ هَامس
" وربنا شويه وكنت هموت من الكسفه يا امي ، ووشي ده كان شويه وهيقلب بتنجاني ، مايغركيش اني بضحك دلوقتي ومش قادره امسك نفسي من كتر الضحك بس كل اما افتكر شكله وهو بالشورت البفته مابقدرش ماضحكشي ، بس وقتها كنت هموت من الكسفه بجد "
قَلبت السَيده " وداد " نَظرها نَحو الجَانب الأيمَن حيثُ الرفوف الخَشبيه ، قَطبت حَاجبيها وشَردت لِلحظات مِما جَعل صَمتها المُريب هذا يَثير قَلق أبنتها ، تَفرقت شَفتي " سمر " بِتأثر حينَ سألتها
" سرحتي في ايه يا امي مره واحده "
وَضعت السَيده " وداد " اصَابعها عَلى شَفتها السُفلى بِتفكير
" ينيلك يانعيمه لاهو أنتِ لسه لحد دلوقتي بتلبسي العيال الشرات البفته "
أقتَربت "سمر " مِنها في شَىء مِن الحِيره
" هو ده كل اللي شاغلك ياوليه ، الشورت البفته "
نَظرت لهَا "وداد" بِابتسَامة، ورفَعت قِطعة الدجَاج مِن الزيِت السَاخن، ووضَعتها جانبًا
" بصراحه اه .. اصل انا ونعيمه كنا على طول وانتوا صغيرين بنلبسكم زي بعض "
سَألت بِلهفه دونَ سَابق أنذار مُسبق
" يادي الفضايح ، وانا كمان ياماما كنتي بتلبسيني شرات بفته "
نَبست بِأبتسامه مُتكلفه وسَخط
" ومالها يابت الشرات البفته دي حتى كانت بتتحمل وبتشرب كتير "
مَسحت " سمر " على شَعر والدتها وكَانت تَقف خَلفها تُخبرها بِأبتسامه زائفه
" لا ياحبيبتي مالهاش ، الحمدلله اني كبرت "
استدَارت نَحوها بِنظره حَانيه لُتنزل "سمر " يَديها
ولا زَالت تُطالعها بِنفس الأبتِسامه
"ادلعي ياختي ادلعي هو انتوا بتعرفوا تلبسوا الايام دي أشي أوت فته واشي ابصر ايه ناسيه اسمه المستر البتاع ده اللي بتحطوا على وشكم وحالتكم حاله"
تَحدثت "سمر " بِأبتسامه مَليئه بِالمشَاعر لِتربت عَلى كَتف والدتها وكَانت على وَشك أن تَضع يَديها الثَانيه عَلى الكَتف الأُخرى قَائله
" ياماما ياحبيبتي اسمه out fit مش فته والتاني اسمه mostrizer وبعدين ايه اللي جاب ال out fit للشرات البافته بس "
ضَربت "وداد " يَدها بِخفه مُبتعده عَنها
" ياختي اوعي ايدك كده هو انا حملك "
وَعند هَذه الكَلمه أبتَسمت " وداد " بِمكر تُعيد الحَديث وكَأنها تَذكرت شيئًا
" بس تعرفي يابت ياسمر الواد انس ده طول عمره مفضوح مش جديده عليه يعني
فاكره لما كنتوا عيال صغيرين وكان بييجي ياخدك الصبح عشان تروحوا المدرسه سوا "
قَطبت " سمر " حاجِبيها تُحاول التَذكر
" أمتى ده "
أقبَلت نَحو الأطبَاق مِن جَديد لِتوزيع الطَعام عَلى الأطباق الخَزفيه
" يابت لما كنتوا في ابتدائي في مدرسه ١٥ مايو اللي في مساكن شل انتِ نسيتي ولا ايه "
أومَأت مُسايره حَديثها
" اه ، اه افتكرت لما كان أول ما يشوفني يتلبخ ويقع في الطين، وطنط نعيمه تصوت من البلكونه وتقولوا اطلع ياموكوس، ده أنا لسه محمياك"
أومَأت السَيده "وداد بِجديه مُزيفه
"عليكي نور ، اديكي افتكرتي اهوه "
وَهنا ابتَسمت "سمر" بأستِمتاع ، لأنَها تَدرك جَيداً صِحة ما تَقوله والدتِها وأصبَح وجهها يَحمر شيئًا فشيئًا.
"آه، تصدقي ، نسيت دي خالص"
"ايه اللي نستيته خالص ده يابت ياسمر "
هَتفت بِها السَيده " نعيمه " حينَ دَخلت الى المَطبخ فَجأه بِصوتٍ مُرتفع ليَبلغ حَديثها مَسامعهُم بَينما وَجدت السَيده " وداد " تُتابع قَلي الدَجاج
تنَاثرت قَطرات الزيِت في كُل مَكان، فَأصاب بَعضها المَوقد وأجَزاء مِن المَطبخ فَحثتها السَيده "نعيمه " بِقول
"وطي إيدك في الزيت يا وداد عشان الفراخ ماطرطش علينا ، المهم كنتوا بتقولوا إيه "
مَنحتها "وداد" أبتِسامه دَمثه تُعقب بِتؤده وهي تَضع قِطعة الدُجاج جَانبًا :
"بعدين يانعيمة، هبقى أحكيلك... المهم ولعي على الشوربة لحسن بردت"
التَفتت السَيده "نعيمة" تَبحث عَن عود ثِقاب بِداخل الدُرج وأخرَجت عُلبة الكبريت ، ثُم أشعَلت عودًا تَدير زِر المَوقد وَهي تَقول
"تعبتك معايا يا وداد "
أخَذت السَيده " وداد" تَبحث بِعينيها عَن الطَبق، ثُم التَفتت إلى "سمر" تَشير بِرأسها نَحو الأعلَى.
"بت يا سمر، انتي طويلة، مدي إيدك هاتي الطبق اللي فوق ده"
ثُم أرجَعت عينَاها نَحو السَيده " نعيمة " ، تَومأ تَشير بالشوكه نَحوها مُبتَسمه
"ما إيه الجديد يعني يانعيمة ، ما طول عمرك قرفاني معاكي، جت على النهارده يعني"
وَضعت السَيده "نعيمة " قَدر الشوربه الَكبير فَوق الموقد، ثُم علّقت وهي تَضحك:
"شوفي الوليه ، تصدقي أنا غلطانة إني بقولك كلمة حلوه ... والله ما تستاهليها "
ابتَسمت تَمد كَف يَدها لِتأخُذ مَكانها بالرغم عَنها
"هاتي، هاتي، أكمّل أنا تطليع الفراخ ياوداد"
أَزاحت السَيده " وداد " كَف يَدها تَشير بِعينيها الى ذاك المُبرد مُقابلها
"تطليع إيه ياوليه ، خلاص دي آخر حتة... روحي انتي هاتي المخلل من التلاجة وزوّدي الجزر عشان بحبه"
أومَأت بِأنصيَاع تَتجه الى المُبرد تَفعل ما طُلب مِنها :
"ماشي، بس بسرعه شويه ياوداد ، لحسن خلاص العيال عصافير بطنهم جعرت"
خَرجت "نعيمه " تَحمل الوعَاء المَعدني الكَبير المُخصص لِلمحشي وكَان الجَميع جالسًا عَلى الأرضيه بِأنتظَارها ، نَاولتها لـ "نوح"
"خد يا نوح، حط الصينية دي في النص يا ولا"
ألتَقطها " نوح " بِسهوله يَتسائل وَهو يَضعها بِالمُنتصف
"إيه يا أمي، كل ده ، وبعدين ناكل الصينية فاضية ولا ايه مش فاهم يعني ، فين المحشي يانعناعه انا بطني شويه وتنعرلي "
أخبَرتُه وَهي تَضع مَلعقه لِكُل فَرد :
"همّك على بطنك إنت ، استنى، هجيب حلة المحشي من جوه وأقلبها فيها"
التفتَ نَظرها الى "سَماح" والدة " شيماء" فَرأتها لا تَزال جَالسة عَلى المَقعد الخَشبي دونَ حِراك فَطلبت مِنها بِود
"ما تقعدي على الأرض يا سماح ، مستنية إيه هو انتِ محتاجة عزومة ياختي"
نَفت " شيماء " رأْسها لِتجيب بدلاً عَن والدتِها، بصوتٍ فيه سِمة التعالِ:
"معلش يا طنط، أصل احنا ما بنعرفش نقعد ناكل على الأرض ممكن تحضرلنا صينية ناكل لوحدنا أنا وماما على الترابيزة"
طَالعتها السَيده "نعيمة" بِغيظ، وبَدت وكَأنها عَلى وَشك أن تَشُق ثيَابها مِن شدة الغَضب
"ليه يا حبيبتي هو على رجليكي نقش الحنّة واحنا مش عارفين"
تَركتها مُتجهه نَحو المَطبخ تَعود أدراجها ومَا أن تَركَتهُم التَقطت أوذناها صَوت ضَحكات مِن غُرفة الحَج " نصار " وأولاده الأثنين حَيثُ خَرج " نَصار" مِن غُرفته يَتبعهُ أولاده فردّ عَليها وهو يُربّع قَدميه:
" بُصي يا بنتي... احنا لما بنعزم، ما بنعزمش علشان ناكل وخلاص، الأكل عمره ما كان غاية، ده مجرد سبب
يعني احنا بنعزم علشان اللمه، علشان الدفا اللي بيطلع من قعدتنا سوا ، من طبق واحد، من لقمة تتقسم، من ضحكة تطلع فجأة
انتِ يمكن متعودة على الكراسي والترابيزات في بيتكم ، بس احنا هنا لينا طريقتنا... لما نقعد كلنا في دايرة، نحس إن الدنيا لسه بخير، وإن مافيش حاجه فرّقتنا
فاللمه دي عندنا مش نظام... دي روح وحياه
فلو مكانش هيضايقك ومعذره منك وسعيلنا قلبك شويه ، واقعدي معانا، وهتدوقي طعم تاني خالص... طعم الحبايب"
ضَغط "لقمان" عَلى كوب المَاء الَذي بَين يَديه سريعًا وهو يَغمزها في ذِراعها مُعتذرًا لأبِيه
"معذرة إيه يا حج بس ، شيماء ما تقصدش حاجة من غير معذرة، هي هتقعد معانا في الأرض وناكل كلنا سوا، صح يا شيماء"
أمَالت "شيماء" شَفتيها بِعدم رِضا ، ثُم طالعت السَقف في صَمتٍ
انَتظر "نصار" مِنها ردًا، لَكنها لَم تَنبس بِحرف غَمزها "لُقمان" مَرة أُخرى يَضغط علَى كَف يَدها:
"صح يا شيماء ولا لاء ما تنطقي يا حبيبتي، انتِ مش سامعاني "
جَلست "شيماء" أخيرًا عَلى الأرضيه الخَشبيه إلى جوار "والدتها" ، تَخبرهُ بِنفاذ صَبرٍ:
"صح يا لقمان"
جَلس "لُقمان " إلى جوارِها يَمسح على عُنقه شَعر بِأن شَيئًا يُخنقه مِن حَركتها السَفيهه تِلك فَهو بِرغم حُبه الشَديد لَها لا يَتحمل أن يَتحدث أي شَخصٍ مَهما كان مَع والدُه بِنبره شِبه مَكروهه كَنبرتها تِلك
اقتَرب "موسى" ليَجلس بِجوار "والده" ، لَكنه وجَد مَكانُه لَم يَعُد شَاغرًا
"وسع شوية يا نوح، انت قاعد مكاني"
كَانت هَذه هَمستُه بَينما طالعهُ "نوح " يَرفع رأْسُه إليِه مُستنكرًا:
"كنت كاتب البلاطة دي باسمك يعني ولا إيه مش فاهم"
رَد "موسى" مؤكدًا يَشير بِرأسُه:
"آه، مسجلها في الشهر العقاري يا خفيف وسع بقى، وقوم اقلع الجاكيت بتاعي، كفاية مرمطة خناقة الصبح ، الا صحيح إنت إيه اللي خلاك تاخده أصلًا "
أنتَزع" نوح" سُترتهُ عَلى الفَور يَلقيها بِجواره عَلى الأريكه ، ثُم ابتَسم بِوداعة يَفسح لهُ المَكان ويَضرب الأرضيه بيَده بِخفة:
"حبيبي يا موسى، عايز تقعد هنا مكاني لو حابب، أقوم لك خالص والله"
جَلس "موسى" مُبتسمًا، وقَال مُمازحًا:
"ناس تخاف ما تختشيش."
ابتَسم "موسى " حينما دَاعب أنفُه رائحة حِساء البَصل بِشكل مُكثف يُحب هَذا الحِساء كَثيراً
دَخلت السَيده " نعيمه" وَهي تَحمل قَدر المَحشي بِكلتا يَديها ، والبُخار يَتصاعد مِنهُ بِكثافه ، يَتكسر في الهَواء البَارد ويَبدأ في التَلاشي بِبُطء ومَا أن وَصلت اليهُم مَد " موسى " يَديه التَقط القَدر مِنها
" عنك انتِ يا أمي "
نَاولتهُ القَدر وأعطَتهُ المَنشفه فَقامت بِتَحذيرُه :
"امسكها بالفوطة يا موسى، لحسن سخنة مولعة، تحرق إيدك يا بني خَلّي بالك."
لَكنُه لَم يَنتصت لهَا يَفرغ مَا بالوعاء بيَديه العَاريتين
"سبيها على الله ياحجه "
"يلا يا وداد، الأكل هيبرد"
دَخلت السَيده " وداد" بِخُطى هادئة، تَتبعها "سمر" وتكوّن بينهم تلقائيًا شكلٌ دائريّ، بَدا كَأنه امتِداد لِدائرة الطَعام ، البُخار المُتصاعد مِن القَدر امتَلأ بِه المكَان، لم يَكن غَزيراً، لَكنهُ كَان كافيًا ليُغيّر شيئًا في البرودة التَي تَسكُن الأجسَاد ، صَار الهَواء أقرب، واللحَظة أهدأ.
مدّ "نوح" كَف يَدُه سَريعًا، الجوع يَتقدمُه، لَكنهُ تَراجع فورًا ، حَرارة المَحشي كَانت أقوَى مِن تَوقه، فَسقطت القِطعة مِن بَين أصَابعه
"أح، سخنة أوي"
هَتف والدُه وهَو يُتابع حَركته:
"اصبر شوية لما يبرد "
رَفع " آدم " بَصرُه نَحو مِكبص المَروحه الكهربَائيه بِعين مُترددة
"حد يقوم يولّع المروحة"
رَفعت السَيده "نعيمه " رأْسَها عَلى الفَور، وكَأن الفِكرة مُستحيلة:
"مروحة إيه في عز ديسمبر ، انتوا هتشلّوني، الأكل كده هيبرد"
رَد "نوح" مُبتسمًا، وقد بَدأ في التِهام قِطعة مِن البَاذنجان:
"ما هو ده المطلوب يا نعيمة... عايزين الأكل يبرد"
تَدخل " موسى" وهَو يَختار لهُ قِطعة أُخرى:
"بس أنا بقى ما بعرفش آكله غير وهو سخن"
فَتش الحج "نصار " بِعينيه حَوله، لَم يَجد "أنس " فاستغرب:
"الله ، أومّال فين أنس؟ مش قاعد معانا ليه"
دَخل " أنس " بِخطوات مُسرعة، وجَلس إلى جِوار والدتهُ:
"أنا جيت أهو يا حج، معلش كنت بغيّر هدومي."
نظَرت إليِه "سمر"، ومَا إن وَقعت عيَناها عَليه حَتى فَلتت مِنها ضِحكة خَفيفة، شَحب وجه " أنس "، يَخفض نَظرُه الى الجِهة الأُخرى.
مَال الحَج "نصار" قليلًا نَحو "نوح" ، وسَأله بِنبرة شِبه هامِسه :
"أومّال فين بشر يا نوح ، هو مش قالك إنه جاي يتغدى معانا"
أجابُه "نوح" يَرفع قِطعة إلى فَمه:
"اتصل بيا وقال إنه جاله توصيله على التروسيكل بتاعه، هيطلع له منها قرش كويس، فمعرفش ييجي"
أدَار الحَاج نَظره إلى "نعيمة" :
"شيلي لبشر منابه يا نعيمة ما تنسيش .. وانا لسه مكلم طه قالي انه جاي على اول الشارع "
أومَأت بِرأسها دونَ أن تَنظر إليِه:
"عنيا يا حج"
" السلام عليكم "
ألقى "طه " السَلام فاتَجهت كل ألأنظار اليِه يَردوا لُه التحيه بِصوتٍ واحد ابتَعد "موسى " يَشير لُه بِكفه للجلوس بِجانبه ، تَقدم "طه" بُخطى ثابته فأخبرهُ "موسى"
"ابن حلال لسه الحج كان بيجيب في سيرتك ، تعالى اقعد بقى "
جَلس " طه " بِجواره ، يَلتقط قِطعه مِن المَحشي ولا زَالت عينيه مُعلقه عَلى البَاب
"سايبين الباب مفتوح كده على طول اي حد يدخل من غير استأذان "
أجَابه الحَج "نصار" بِنيه صَافيه
"وماله يابني ، اللي يقصدنا بابنا مفتوحله في اي وقت ، وبعدين اهل الحاره كلهم اهلنا وحبايبنا "
شَرعت السَيده "نعيمة" بِتقطّيع الدَجاج بيديها ، ترفَعه وتَضعه أمامهم واحدٍ تلو الأخر ومَا أن أنتَهت حَتى جَاء دور الحج " نصار "
"خُد يا حج نابك اهوه ، دي عشانك"
ثُم أنتَزعت قِطعه صَغيره مِن الجَانب تَدسها بِفمها بأبتسامة رضا
" وانا هاخد الحته دي عشان بحبها "
تَذوقت قِطعه الدجَاج تَخبرهُ بِتلذذ
" الله ، عملهالك بالخلطه اللي أنتَ بِتحبها ياحج والله "
قَطب حَاجبيه بِبعض التَفاجؤ مِن كَبر قِطعه الدَجاج المُخصصه لُه
"إيه ده يا نعيمة ، مش كتير كده عليا"
أعَاد يَدها وقَال بِهدوء:
"هاتي حتة صغيرة، علشان الكل ياخد"
لَكنها أصرّت، وَضعت القِطعة أمَامهُ، وقَالت بإصرارها المُعتاد:
"تعدّمني لو ما أخدتها، وبعدين مين قالك إني مش عاملة حساب الكل ، كُل انت بس بالهنا والشفا"
مَال " أنس" عَليها يَخبرها بِصوتٍ هامس
"أمي ، أنا ما أخدتش "
تَجاهلته السَيده "نعيمه " لِتجد الحج "نصار" يمسَك كَف يَدها يُقبله بُحب يُطالع عيِناها بِبعض الحِنو
" بعد الشر عنك يانعيمه ، تسلملي الايدين الحلوه دي ياست الستات "
أبتَلعت الطَعام المَحشو داخِل فَمها تِوزع نظَراتها بَين الجَميع بحُب
" شايفين ياعيال جوزي بيدلعني أزاي قدامكم "
هَز " أنس " رأْسه بِالأيجَاب يَهمس بِأذُنيها
" أنا شايف ان أنتِ اللي مش شايفه ان انا ما اخدتش "
لَم توليه أهتِمام ، ففَلتت ضِحكه مِن الجَميع بَينما أكد الحَج " نصار " عَلى حَديثها بِقول
" طبعاً اومال لو مدلعتكيش يانعميه هدلع مين "
أنتَشلت السَيده " نعيمه " قِطعه مِن الصَدر بَين أناملها تَضعها فِي فَمه
" طب والله العظيم الحته دي ما هاتروح في حته غير بوقك ياحج "
لَم يَرمش " أنس " لِثانيه وَعيناه ظَلت تَطالع تِلك القِطعه بَين أنامِلها ، أبتَلع ريُقه بَينما يَمضغ الحج "نصار" قطعة الدَجاج بَين أسَنانه سأله "أنس"
" ايه ياحج حلوه "
أغمَض الحَج " نصار " عيِنيه يَجيبه بأبتسامه جَانبيه وقَد خَيم الصَمت على الجَميع يَنتظرون ردة فِعله
" الله يانعناعه قلبي ، سكر كده سكر اكيد عشان حطيتي ايدك فيها "
أطلَقت ضِحكه مُرتَعشه وقَد تَحدثت بِنبره مُتمايله
" ده عشان بعملهالك بكل حب ياحج "
مَال " موسى " يُتمتم بِهمس " للقمان " الجَالس جِواره
" الحج والحاجه مالهم النهارده "
امتَدت أنَامل " لقمان " يُحك أرنبة أنفه يَخبره بصوتٍ شِبه هَامس
" مش عارف ، باين عليهم ضاربين حجرين ومزودنها شويه "
قَلبت "سمر " عَيناها عَلى حَديث السَيده " نعيمه "
تَبتسم بُحب تَنهدت وقد جَرت قَدماها بِبعض الثُقل أوقَفتها السَيده " نعيمه " بِقول
" رايحه فين ياسمر أنتِ ما أكلتيش حاجه الطبق لسه مليان قدامك اهوه"
هَتفت السَيده "وداد " خَلفها بَدلاً عَنها
"دي كده كلت ، أُطع الريچيم واللي عايزينه ، كانت قمر وهي تختوخه من وقت ما اتقرت فتحتها وهي بقت تعمل ريچيم وعايزه تبقى رُفع البوصه "
تَبسم " أنس " نِصف ابتِسامه بَاهته وأردف
"أنتِ اتخَطبتي ياسمر "
مَنحتهُ ابتِسامه لَطيفه وقَالت
" اه عقبالك يا أنس "
أبتَلع ريُقه وشعر بِدبيب في صَدره ، سَحب نَظرُه نَحو النَافذه ، الافكَار تَتناوب سَريعًا عَلى عَقله ولَم يَعد بِمقدوره التَوقف عَن وَضع تَصورات تَرهقُه ، طَالعُه " نوح " وقد عَلم ما الذي يَشعر بِه شَقيقُه لِلتو ، لحظة صَمت لَم يَكسر جَدار هَذه اللحظه سوى صَوت السَيده " نعيمه " وهي تَقول
" أخس عليكي أخس ياوداد كده سمر تتخطب وماتقولناش "
نَبس " طه " بِنبره هَادئه وهو يُعدل مِن وَضع نظارته بِطرف أبهامه
" والله ياطنط نعيمه احنا لسه معملناش خطوبه بمعنى خطوبه هو المعيد بتاعها في الجامعه وجاتله بعثه في امريكا وقبل ما يسافر قرا فاتحه مش اكتر ، بس احنا اتفقنا معاه أن الاتفاق ومعاد الفرح ده كله مش هيتم الا بوجود الحج نصار ، هو مكان المرحوم ابوها ، وهو وافق وان شاء الله لما يرجع هييجي ونتفق على كل شىء "
اعتَلت ابتسامه مَاكره عَلى شَفتي "شيماء "قائله
"امريكا مره واحده ... وعلى كده بقى هياخدك معاه لما يرجع ولا اكيد هيقعدك هنا "
تَنهدت بِنبره هَادئه
" لا .. اكيد طبعًا هياخدني معاه "
تَنبهت حواس "أنس" لِحديثها بَينما أصدَرت السَيده " نعيمه " زغاريط الفَرح تُهنىء "سمر" ووالدتها " تهنئه مِن القلب
"الف .. الف مبروك ياوداد ياختي سمر بنت حلال وتستاهل كل خير "
هَبت "شيماء" مِن مَجلسها بِغيظ مِما أثار فِضول الجَميع لقَد كَانت تَستمتع بِطعامها مُنذ قَليل ، بَللت شَفتيها وبَدا التَوتر واضحًا عَليها وقَد بَدا أن هُناك بَعض الكَلمات تَتحير في شَدقيها
" أنا شبعت .. هاروح اغسل ايدي واطلع فوق اشوف توضيب الشقه وصل لحد فين "
عَقد " لُقمان " حاجبِيه طَالبًا
" استني طيب ياشيماء هاكل على طول ونطلع سوا "
تَجاهلت تَعليقُه وسَارت تَتجاوزه تُشير بيَدها اليُمنه
"لا ، انا طالعه "
بَينما تَسير تَتقدم الى الأمَام نَطقت السَيده
" نجاح" تَشير بِكف يَدها اليها
" بركه انها طلعت "
ضَحك الجَميع يُتابعون خطواتها بأستثناء والدتها وبالطبع ذاك الذي يَعشقها تَتهافت الاسئله بِداخلُه
لِم يَسعون التَخلص مِنها ؟ الأ يَعلمون أنها قَد تَكون عَالمًا كَاملاً لٌشخصٍ ما
الكُل عَلى يَقين بِأن "شيماء " هي العَالم الذي يَعيشُه " لُقمان " وأن غَادرتُه فَلن يوجد عَلى الأرض قَلب أضعف مِن قَلبُه ، سَتختفي أحلامُه البَسيطه وسَيحل مكَانها الكوابيس ، وسَيموت الأمل الذي بِداخلُه شِيئًا فَشيئًا
همَّ " لُقمان" خَلفها، تَحرّك نِصف حَركه لَكن يَد
" موسى" استَقرّت عَلى سَاقُه مَرر " لُقمان " بَصره
عَليه لَكنُه اسَتقر عِند مَوضع يَده ، هَمس " موسى"
بِنبره خَفيضه فَضغط عَلى سَاق شَقيقه قَائلاً
" اقرا ما بين السطور يخويا "
انكمش وجه "لقمان"، عضّ على شفته، وكأن شيئاً داخله انهار بِصمت وبدلاً مِن أن يَنهض، هَوى بِجَسده إلى الخَلف، في جلوسٍ بائس لَم يَقل شيئًا، لَكن الصَمت الذي تَبعه ك كَان كافياً.
نظر إليه "موسى" بِشبه ابِتِسامه وَقد تنفّس قَلبُه أخيرًا حِين أطَاعُه شَقيقُه
⋆ ⋆. ⋆. ⋆.
.⋆ ⋆. ⋆. ⋆. ⋆.
.⋆
⋆. ⋆.
فَترة بَعد الغَداء ليلة الجُمعه هي الدقَائق المَعدوده التي يَسرقها عَائله ال " موسى " مِن الزَمن كَحق مُكتسب ، يَتشاورون بِها ، يَخرجون مَا بِصدورهم
دونَ حِساب لِلحديث ، اجتَمع الجَميع بِغرفة المَعيشه بَعدما استأذنت والدة شَيماء لِلرحيل في وقتٍ مُبكر كَالعاده كَان الجَميع يَتخذ مَجلسًا ، سَارت "نعيمه " نَحو المَطبخ مِن جَديد لِتوزيع الشَاي عَلى كؤوس الزَخف بِثقل بَينما "نوح " يُحدثها وبَين يَديه صَحن الأرز بِلبن المُخصص لِهذا اليَوم الجَميل
" ها ، قولتي ايه يانعناعه هاتجيبي الخمسمية لحلوح اللي قولتلك عليهم ولا هتعملي زي كل مره"
تَحركت خَطوه يَمينًا تَتجاهلهُ قائله
"ابعد عني يانوح احسنلك ، خمسميه ايه ياولا اللي عايزهم ، خمسمية عفريت لما ينططوك"
فَوقف مُقابلها يَهتف بِتَذمُر لاَ يَزيح بَصرُه عَنها
" أنت بتعملي كده ليه يانعيمه هو انا مش ابنك ياولي
أخبَرتهُ تؤكد عَلى حَديثه
" لاء مش ابني احنا لاقيناك جنب باب جامع "
تَحدث بِسأم يَضع صَحن الأُرز بِلبن عَلى طَاولة المَطبخ
"يـــُـووه يا أمي بقى ، عارف .. عارف لقتوني جنب الجامع حتى بالأماره جنب كيس شيبسي "
رَفعت حاجبِها الأيسَر
" ومش اي كيس شيبسي ياولا ده كان بالجبنه المتبله"
قَلد نَبرتها وَحركة يَديها
" كمان بالجبنه المتبله ، افرح انا ولا اعيط ولا اعمل ايه انا دلوقتي "
أشَارت بِرأسها عَلى صَحن الأرز بِاللبن بِجانبها
" تشيل صنيه الرز بلبن دي تطلعها بره وتسيبني اطلع يابني اروح اودي الشاي اللي في ايدي لابوك واخواتك لا يبرد ، يَا اما قسمً عَظمًا انادي لابوك وهو يَعرف شُغله معاك "
أَشَار " نوح " بِيديه بِأستِسلام
" لا وعلى ايه يا ام لقمان الطيب احسن "
تَجاوزته السَيده "نعيمه " واقتَربت مِن غُرفة المَعيشه ، كَان الجَميع يَتخذ مَجلسًا حول شَاشة التِلفاز القَديمه والحج "نَصار " يُكاد يَختنق مِن كَثرة الضِحك بِوجهً مُحمر زيَاده عَن اللزوم ، يَنبعث
صَوت فيلم قَديم بِالأبيض والأسود يَظهر فيه "اسماعيل يس" بِوجهه المُتحرك ، سَريع التَعبير وَحركاتُه المَألوفه تَتردد فِي أرجَاء الغُرفه فَتوقظ البَسمه حَتى على الوجوه المُرهقه
أَقتَربت السَيده " نعيمه " مُثنيه قوامها تُقدم الشَاي السَاخن لِلجميع فيما بَينهم الحَج "نصار" رَفع كَف يَدهُ يأخذ مِنها الكَوب شاكراً
"من يد مانعدمها يانعيمه "
أرتَفع ثِغرها في أبتِسامه رَاضيه ، جَلست بِجواره ومَا أن تَذوق الشَاي حَتى أخبَرهم بِأرتيَاح
" عارفين ياولاد ، اهوه انا بقالي ٣٢ سنه متجوز امكم عُمري ما عرفت اشرب كوباية شاي غير من ايديها "
لَطالما أمَنت السَيده " نعيمه " أن الكَلمَات مثل سَهمٍ ذو طَرف لَين وأَخر حَاد ، ولَكن مَا نَبس بِه الحَاج " نصار " قَد أحدَث حُبٍ عَميقًا في دَاخِلها
أرتَبكت لِلحظه لأحمرار وجهها تَعدل حِجابها مِن الخَلف وَهي تَقول
" يالـــهوي عَلى كَلامك الحلو يالــــهوي "
دَحرج " موسى " مِقلتيه ليَضحك يَلتقط طَبق الأُرز بِلبن بِجواره ليَجد " أنس " يَلتهم خاصتُه لَم يَتغير لَديه بئر ولَيس مِعده ، بَينما لاَحظ صَمت
" ادم " المُخيف مُنذ بِداية الجَلسه ، دَس الطعام بِفمه ، يَشير لهُ بِالملعقه سائلاً
" ساكت ليه ياعم ادم من ساعة الخناقه ومحدش سامعلك صوت ، روق كده مافيش حاجه تستاهل ولا حد يقدر يزعلك بعد كده "
أَردف " نوح " في عَجب يَصب جَل تَركيزه عَما تَفوه بِه شَقيقه
" أنتَ بتسأله هو عن حاله الا ما حد عبرني حتى ولا بص في وشي ، انا اللي كنت بَنضرب الصبح يا استاذ مش هو ، هو محدش لمسه ، لاء وكل ما قرب منه واقوله يروح يناديكم الاقيه شغال يصلي على النبي وهو قاعد ونازلين فيا طحن بذمتك هو ده وقته "
احتَرق " أدم " لِما قَاله وقَد القى عَليه عُلبة الخياطه الفَارغه
" انا كنت بصلي على النبي عشانك على فكره ، عشان كنت خايف عليك ، كنت بصلي على النبي بنيه ان مايحصلكش اي اذى "
لَم يَقتنع " نوح " كَثيراً بِما قَاله ، فنَبست السَيده
" نجاح " بِتنهيده أكثَر ثُقلاً مِن حِمل زُبر الحَديد دُفعه واحده
" انتَ ياواد يايحي مش مِصدق ، إن كثرة الصلاة عَلى النَبي بتلبي الحاجه وبتستهتر بكلامه ، طيب ايه قولك بقى ، انا هقولك حاجه حصلت معايا انا شخصياً من ييجي تسع سنين وماقولتهاش لحد قبل كده يمكن دي اول مره هقولها "
أعَترض " نوح " يُصحح لَها
" ياستي اسمي نوح ، نوح ، نــــوح بلاش يحي دي بتعصبني "
تَجاهلتهُ ونَبست تَجلس أمَامُه تُحرك طَبقها بِرفق ، ليَنتبه لَها الجَميع يُطالعها بِنظرات مُختَلفه رُبما نَظرات تملؤها الفضول ، لاَحت شَفتاها تَبتسم لِوهله
" من تسع سنين طَبعاً كلكم عارفين اني كنت في الشارع لا كان ليا اهل ولا عزوه ابني رماني عشان خاطر مراته والمصاريف تقلت عليه ، رماني علشان مايدفعليش حق دوايا بتاع كل شهر "
فَرت ضِحكه خَافته مِنها تَنفي بَرأْسها تَرتشف مِن المَاء لَرُبما تَخفي ألاَمها
" بس انا ، انا برضوا عذراه ما هو برضوا ياولا الدنيا صعبه وهو يعني هيجيب منين ، دوايا و..
تَباطىء حَديثها والجَميع يَستمع لَها بِتأثُر ، لِتَزيح ملاَمح القَلق مِن عَلى وَجهها
" وده غير أكلي وشربي ، وهو ياحبة عيني كان بييجي يجيبلي كده ييجي كل عيد هدمه اعيد بيها "
أشَارت تَنفي بِأصبِعها
" مكانش بخيل أبداً "
مَسحت دموعها تُحاول رَسم البَسمه على شَفتيها بِالأجبار
" بس يعمل ايه برضوا مراته وعياله أولى بي ، لحد ما في يوم قالي تعالي ياما هخرجك شويه ، وقتها ماصدقتش روحي ده انا كان بقالي سنين وسنين مخرجتش من البيت ، قولتله
تَنهيده حَاره خَرجت مِنها التَقطها مَسامع الجَميع كَرعشه مُره حينَما ذَكرت
" قولتله بالله عليك، بالله عليك يامحما هتخرجني قالي وهو مبسوط ايوه يا اما هخرجك ، ناولني ايده وقومني من على الكنبه وسندت عليه ماهو السند اللي كنت شيلاه من الدنيا ، وروحت معاه ، وخرجت بره شقتي ، وقعدني شويه في الجنينه ، وجابلي ايس كريم "
طَالعها الجَميع بِأعين زُجاجيه تُبادلهم بِأبتِسامه ضَيقه تَعكس ما بِداخل صَدرها الضَامر الذي لَم يَعد يَتسع للكَثير تَهتف
" الأيس كريم كان بالشيكولاته اصل هو عارف اني بحب الايس كريم اللي بالشيكولاته ومن فوقيه السوداني المتكسر ده
" اتكلمنا اليوم ده كتير ، كتير اوي في كل حاجه وفي اي حاجه كنت مــبســــوطــه
مبسوطه اوي ياواد يايحي ، ونسيت اي قسوه شوفتها منه ومن مراته لمجرد انه خرجني وفضل يتكلم معايا ، وباس ايدي وبصلي وقالي راضيه عني ياما بصيتله وقولتله من قلبي روح يابني ربنا يراضيك دنيا واخره وروحت مدياه البطاقه ، اصلنا كنا اول الشهر وقولتله خد المعاش بتاع ابوك انزل روح اشولنا فرخه وهات لمراتك اللي نفسها فيه مسح دموعه وقالي حاضر ياما خليكي في الجنينه هنا مش هتأخر ساعة زمن واجيلك "
كَتفت ذِراعها واكتَنفت بِنفسها وأطلَقت العنَان لِدموعها بَعدما حَبستها لِسنين
" بس الساعه عدت اتنين والساعتين جروا يومين وانا قاعده في الجنينه مش قادره اقوم بتحرك بالعافيه وعنيا كالتها دموعي لا معايا تليفون ولا حتى حافظه رقمه لحد ما ولاد الحلال روحوني ولما روحت لاقيته باع حتة الشقه اللي ابوه سايبهالي بالتوكيل اللي كنت عملاهوله حتى البطاقه بتاعت المعاش خدها وتليفونه اتقفل معرفتلهوش طريق والناس اللي اشتروه الشقه طردوني ومارضيوش يخلوني ادخل شقتي ، اللي عيشت فيها وربيته فيها
فضلت بالأيام في الشوارع انام على الارصفه والغُرب يحنوا عليا ببق مايه ورغيف عيش ، وقتها فضلت اصلي على النبي كتير ، طول ما انا قاعده اصلي على النبي بنيه الفرج والكرب اللي كنت فيه وانه ربنا يرزقني ببيت اعيش فيه لحد ما يييجي الأجل وربنا ياخد أمانته ، وزي ما يكون ربنا استجاب لدعايا ومن بهدلتي في الشوارع لما جالي موسى وشافني وانا مرميه واخدني في حضنه وطبطب عليا ، وانتوا فتحتولي بيتكم ونعيمه اعتبرتني امها ومابقيتش تقولي غير ياما وانا بقيت بالنسبالكم ستكم ، اه ربنا بعدني عن ابني بس كرمني بعيله واحفاد وبيت وبقى ليا شقه مخصوص تحت
كل ده بفضل الصلاه على النبي وبفضل ربنا انه يبعتلي موسى عشان ينجدني من اللي انا فيه "
مَسحت دمُوعها بِحجابها الاسوَد فَوق راْسها تُحاول الأبتِسام رَغمًا عَنها قَائله
"وبعد كده ياولا يايحي جاي تقول ان فضل الصلاه على النبي ما بينجيش من المهالك تبقى حمار "
لَم يَتوقع أحد أن يَكون لكَلماتها هَذا التَأثير عَليهُم
فَبعض الكَلِمات أمَا أن تَكون كَالغيمه تَحملنا نَحو السَماء السَابعه ، أو تَكون كالمَطرقه تَلصقنَا أرضًا
تَوقف الحَديث فِي حَلق الجَميع وَهي لَم تَنتظر مِنهُم جَوابًا ، ابتَلع "موسى" ريُقه بِتوتر لِتتحرك تُفاحة أدم خَاصتهُ بِبطء لِيختَار سياقاً أخر لِلحديث يَشق بِه صَمت الجَميع
" ما خلاص بقى يانجاح ، انسي بقى اللي حصل زمان وعيشي "
التَف الجَميع حَولها بُحب فَنبس " طه " بِتأثر
" من النهارده اتمنى ياحجه نجاح تعتبرني انا كمان زي موسى ولقمان لو تسمحيلي انتِ من النهارده بقيتي ستي "
وَضعت " وداد " كَتفها حول ذِراعها بِابتسامه
" وانا من النهارده زي بنتك نعيمه واكتر كمان "
ابتَسمت السَيده " نَجاح " تَلقي نَظره على الجَميع
مِن حولها ، فأردف " موسى " مَازحاً
" ما خلاص بقي ياست نجوحه امسحي دموعك دي ، دموعك غاليه علينا اوي "
رُبما هو مُحق .. فَلقد أكتَفت مِن البُكاء في كُل مَره
تَأتي سيرة ولدَها فالأمر لَيس بِيدها فَهي تَفتقدُه ، تَفتقد تواجُدها معُه ، عَلى الرَغم مِما فَعله سَيظل فَلذه كَبدها
لاحظ "موسى" شرودها أثنى رُكبتيه وجلسَ أمَامها يُطبطب عَلى كَفيها بِطبطبه خَفيفه فَشعرت بِأنه يُطبطب عَلى جَرح قَلبها الأن فأردَف
" وبعدين بقى ده من حظي وقتها اني شوفتك ده من يوم ما دخلتي البيت والبركه حلت عليه مش كده ياحج "
وَجه حَديثه لوالده ، لِكي يَؤكد عَلى حَديثه
" طبعاً يابني وهي دي عايزه كلام من يوم ما الست نجاح دخلت البيت وانا بعتبرها زي امي واكتر "
رَفعت السَيده " نجاح " رأْسها عَن كِتفها التي أثقَلتهُ الحَياه ، تَبتسم لهُ لِتزداد التجَاعيد عَلى وجنَتيها فَنهضت بِمشاعر مُختلفه ، مشَاعر طَازجه كَانت تُكاد أن تَموت مُعترضه
" أمك ، امك ده ايه يا نصار ، ده انا لسه صغيره موعاش اجيبك "
ضَحك الجَميع فَلقد عَادت لطَبيعتها الأن ، بَينما دَافع الحَج " نصار " عنَ حَالته
" ياوليه ، ياوليه اتقي الله ده انا لما روحت اعملك البطاقه لاقيتك انتِ مواليد اتنين واربعين وانا مواليد واحد وستين يعني تجبيني ونص كمان "
كَانت نَبرتُه سَاخره وضَحكا هؤلاء الأناس البُسطاء
وضحك الحنين معهم، كأن لَمّتهم وحدها كانت كافية تمحي وجع سنين.
. ⋆ ⋆
.
⋆
❄︎.
⋆ . ⋆
⋆. ⋆ . .
.
❄︎. .
⋆. ⋆
شَعرت "شيماء" بِبرودةٍ مُفاجئة تسلّلت من فَتحة البَاب وكأنَها صَفعة ليلٍ نَسيتها، رَفعت طَرف مَعطِفها اللَيلي واحتضَنته حَول جَسدها الهَش، وقَد كَانت خَطوات "لُقمان" المُتثاقلة سَبب هَذا التَيار البَارد، دَخل يَنفُض عَن كَتفيِه صَمتًا ثَقيلاً
تَقدّمت نَحوه بِسُرعة مُحمّلة بِالغَضب، وكَأن انتظَارها عَلى الشُرفة طيلة هَذه السَاعات لَم يَكن كافيًا ليَجعل الدقَائق الأخيِرة أخفّ وَطأه
" أنتَ لسه فاكر تطلع ياسي لُقمان أنتَ عارف انا مستنياك بقالي قد ايه في شقتنا ورنيت عليك كام مره وانت مابتردش"
دَس كِلتا يَديه في جِيوبه ، وارتَفع كَتفاه في أعتِدال يَتنهد بِثُقل مِن الأعمَاق
" ماسمعتش ياشيماء "
رَمقَتها عيِنيه بِحذر، لَكنها كَانت بِالفعل تُبعد نَظرها، تُطالع بَاب المَسكن ، كأنها تُفتش فيِه عَن سَبب لِتأخرُه
" مالك يالقمان ، هو انت موسى قالك ماتجيش ورايا صح كده ، عشان كده ماطلعتش وبترد على قد الكلمه ، اكيد هو طالع دلوقتي وراك "
تَوقفت عَن البَحث ، لِترفع أنظَارها نَحوه وقَد ألجَمها بِنظراتُه التَي أختَرقت جِدار جَسدها
" ايه اللي مقعدك هنا لحد دلوقتي ، مش خلاص ، شوفتي الشقه ، وعرفتي وصلنا فيها لغاية ايه ، مستنيه ايه "
" مستنياك "
كان الردّ أقرب لاعتراف مكتوم، تَقطّب جبينه، لا لأنه لم يفهم، بل لأنه أراد أن يسمع أكثر
" انا عارفه طبعاً انك زعلان مني ، بس الحق ليا انا يالقمان اني ازعل مش انت "
ظلّ صامتًا، يُشدّ على طرف قميصه القرمزيّ، وكأن قبضته عليه تُمسك بما تبقّى من حيلته، لكنه لم يقتنع.
" انت ماشوفتش بنت وداد وهي بتقول انها اتخطبت لمعيد في امريكا ، انت عارف هي قالت كده ليه ، عشان تفرسني ، عايزه تكيدني ، طول عمرها بتكرهني ومابتحبنيش ، عايزه تقولي انها اخدت معيد وهيسفرها امريكا وانتِ واخده ...
شَعر بِأن جَسدُه فَجأه بَات ثَقيلاً ، شيء ما في جُملتها جعله يتوقف عن الدفاع، لكنه أومأ أخيرًا، كمن يُسلّم نفسه للحوار.
" تقصدي ايه ياشيماء كملي ، انتِ ليه محسساني انك واخده واحد عاطل انا مدرس ثانوي انجليزي
وبكافح في حياتي وبشتغل كوتش في صالة تدريب بالليل ، عايزاني اعمل ايه اكتر من كده ، انا مش ساكت ياشيماء ولسه الحياه قدامي ، بجهز نفسي وبسعى اني ابقى حاجه في يوم "
مدّ ذراعه فجأة، وقَبض عَلى مِعصمها بِقوة، لَم تَكُن قَسوة، بَل مُحاولة يَائسة للتَشبُث بِما تَبقى.
" كل ده عشان ايه ما عشانك ياشيماء ، عشان البيلك طلباتك اللي مابتخلصش وبالرغم من كده انا مش ساكت انا بحاول "
أنتَزعت يَدها مِن قَبضه يَده المُتشبثه بِذراعها بِقوه
وَتراجعت نِصف خَطوه
" وهتفضل تحاول لغاية امتى يالقمان ، انا زهقت انت حتى مابتديش دروس عدله زي بقية الخلق ، اللي زيك مدرس ثانويه عامه كان زمانه بياكل الشهد من كتر الدروس وبقينا في حته تانيه خالص
كَان قَلبه يَهوي مَع كلِماتها، لَكنهُ لَم يُقاطعها.
روح شوف المدرسين اللي في السناتر عاملين ازاي والطلبه عندهم قد ايه ، اقل مدرس دلوقتي بقى مليونير ، وانت واقف محلك سر ، يافرحتي بشغل الكوتش والملاليم اللي بتاخدها من المدرسه ، تفتكر شويه الملاليم دول هيخلونا نعيش زي ما انا بحلم
كَانت أنفاسُها تتسَارع، وَعيونها تَلمع مِن أثَر قَهر قَديِم.
أنتَ نسيت وعدك ليا لما قعدتني من شغل الكوافير بحجة اني ماينفعش اروح بيوت الناس واعملهم ميكب وشعر مع ان دي حاجه كانت بدخلي فلوس حلوه وانا وافقت ورضيت عشان انتَ وعدتني انك هتبقى احسن وخلتني اشتغل كول سنتر باخد في ملاليم عشان خاطرك
أثَارت جُملتها الأَخيره أنفِعاله فَهتف يَبِثها غَضبُه هو الأَخر
" أنتِ كنتِ عايزاني ارضا أن خطيبتي اللي هتبقى ام عيالي ، تفضل تترقص على التيك توك وتحط
فـ ميكب اب وده يبص لعيونها وده يبص على شفايفها وشكلها ، وتقعدي تعملي فيديوهات وتطلعي في تريندات ياهانم ، مافيش راجل عنده كرامه وحر يرضا بده ، انا خيرتك وانتِ رضيتي "
صَرخت فِي وَجهه، بِكلمة وَاحدة هزّت كَيانهُ:
" عـشــانك "
وَرد لَها هَذا بِقوله :
" لاء مش عشاني أنتِ وافقتي لما قولتلك ان مقابل انك تقعدي اني هشيل كل حاجه في الجهاز حتى شنطة هدومك هجيبها وبالرغم من كده كل حاجه هتتكتب في القايمه "
وَرغم ذهولَها وصَدمتها مِما قَاله ، ولَكنها قَالت بِحده :
" أنتَ هَتذلني يالقمان "
بَلع مَا في حَلقُه يَومأ في قِلة حيله يُجَادلها بِسُخريه مَجروحه
" مش انا خالص اللي اذلك ياشيماء ، لا عشت ولا كنت ، انا بس بفهمك اني بحاول عشانك ، عشان انفذلك كل اللي نفسك فيه ورغم ده كله انا بقالي فتره كنت مقدم اني اشتغل في مدرسه انترناشونال ، مدرسه سانت فاطيما اللي فتحت في السلام اكيد عرفاهه "
قَلبت نَظرها نَحوه تَعتلي شَفتيها الأبتِسامه
" طبعاً عرفاهه ، دي أغلى مدرسه في السويس كلها مابيدرسش فيها غير ولاد الاغنيا وبس "
اقَتربت مِنهُ بِلهفه تَلمع نظرَاتها بِالأمل سَائله
" وهما قبلوك فيها "
استَطاع تَمييز الرَاحه في نَبرتها حينَ عَلمت بِالأمر ، ليَبتسم بِهدوء ، أقتَربت مِنهُ ، مَسحت عَلى شَعرُه ، رَغم فَرق الطول بَينهما وَقد عَاد شَىء مِن الأَمل الى ملامِحهَا
" ماجاوبتنيش بقولك قبلوك ولا لسه "
هَدأ تَنفسُه وأستكَانت حواسه استَدار نَحوها بِنظره حَانيه يُطالعها بِأبتسامه فِيها مِن الطَمأنينه مَا يَكفيها لأيامٍ وَرد
" أيوه قبلوني ورايح نص الشهر اعمل الانترفيو "
ضَربتهُ عَلى كَتفِه بِرفق، تُعاتبهُ عَلى كِتمانهُ ، هَامِسه بِنبرة أقرَب إلى العِتاب اللطِيف:
" وما قولتليش ليه يالقمان مش عايز تفرحني يعني "
كَان يَتحدث بِأبتسامه مَليئه بِالمشَاعر ليَقرص وجنَتيها عَلى حينَ غَره
" كنت هقولك عشان افرحك بس كنت مستني اخر انترفيو لأن كان متقدم كتير جداً للوظيفه دي ، وفضلوا يعملوا اختبارات ويصفوا في المدرسين لحد ما اتبقيت انا واتنين كمان وهيختاروا مننا واحد ، مكنتش عايز اقولك علشان لو مكنتش انا اللي هيختاروني ماتتعشميش على الفا..
وَضعت أصبِعها عَلى شِفاهه
" ان شاء الله هيقبلوك ، وبكره تقول شيماء قالت "
وَعند هَذه الكَلمه ابتَسمت تَستدير نَحوه
" يــــاه يالقمان لو قبلوك ، ده انا هعمل كل حاجه ، انا بسمع ان المدرسه دي بتدي مرتبات حلوه اوي ولا لو اديت كمان حد من الطلبه درس خصوصي بيدفعوا حلو اوي اوي وحياتنا تتغير بقى ، وهبطس الأرض بتاعت شقتنا ، وهنجيب احسن عفش ، وعربيه ، واجيب الدهب اللي نفسي فيه ...
اومَأ مُساير حَديثها
" ياحبيبتي انا عايش في الدنيا دي بس عشان اعملك اللي نفسك فيه ، وعايزك تعرفي اني بحاول عشانك ياشيماء "
ابتَسم يَغمز لهَا بِعيونه السوداء تِلك لِتدرك أنهُ عَاد لِشخصيتُه
" وهنبطس الأرض ياستي ، مبسوطه "
أومأت تَهز رأْسها بِأمتِنان
" أوي ، اوي يالقمان ، ربنا يخليك ليا يارب "
تَجاوزها يَتحرك نَحو البَاب
" طيب يلا بقى عشان اروحك أنتِ اتأخرتي أوي "
ومَا أن تَحركت خَطوه للامام حَتى دَق هاتفها تَوترت لِلحظات وَهي تَنظر لِلشاشه
" طيب بقولك ايه يالقمان ، انزل انت هبص على حاجه في الشقه وهاجي وراك على طول "
هَز رأْسه موافِقًا
" ماشي بس ما تتأخريش هستناكي تحت
رَحل وصَوته تَلاشى شيئًا فشيئًا مَع خُطاه ، وَقفت مَكانها لثوانٍ، قَضمت وجنتَاها في استياء غَلفها ، تُمشط خَطواتها نَاحية الدَاخل ، ردّت بِصوتٍ خَافِت:
ايوه " ياسمير ، مش قولتلك ماتكلمنيش يوم الجمعه ده خالص "
صمتت لِثواني ،وقَالت بِنبرة غَاضبة هَامسة:
" انا منبهه عليك ، انت ايه ما بتفهمش "
انصَتت لَما يُقال في الطَرف الآخر، ثُم انفَرجت شَفتاها فَجأة عَن ابتِسامة واسِعة، كَأن مَا سَمعتهُ أطرَبها:
" ونبي صحيح ، قالك انه معجب بيا وعايز رقمي ،
بس يارب ما يكونش زي اللي قبله "
اومَأت بِرأسَها بِالأيجاب مَا زَالت تَبتسم
" خلاص تمام اديله رقمي "
أستَدارت تَضع هَاتفِها بِداخل حَقيبتها ، لتِصطَدم بِجسد " موسى " أنحَرف ثَغره في أبتِسامه.. داكِنه وبَارده جِداً
خَرجت أنفاسها مُرتَجفه ونَبضاتها تُكاد تَصم أُذناها فَور رؤيَتُه ، فَتخصرت تَرفع يَدها تَمسح عَلى عُنقها بِقوه ، خَرجت حروفها مِن بِين شفتَاها مُرتعشه
" موسى ، مش تقول أنك هنا .. غريبه ماحستش بيك خالص "
تَبسم "موسى " يَدس يُسراه فِي جَيبه وقَد كَانت مَلامحهُ هادئه وقَويه ، أعطَتهُ ظَهرها في مُحاوله مِنها لُكي تُلملم شِتات نَفسها
" على فكره نظرتك دي بتقول انك فهمت حاجه غلط ، انا كنت بكلم واحده صحبتي ، انا كنت بقولها بس ان كان في واحد "
تَمتمت جِواره تَستردف
" كان في واحد بس ، كان عاوز ...
استَشعرت أُذناها صَوت خَطوات وئيده وكأنُ صَاحبها يَتثنَى وأُخرى هَادئه .. خَطوه تَليها خَطوه
التَفتت لِتجدُه يُغادر دونَ ان يَنبس ولو بِحرفٍ ، مَدت خَطواتِها لِأيقَافه
" موسى.. استنى .. أنتَ رايح فين "
لَمح لَمعت خَوف شَديد لا زَوال لهُ بِعينيها ، دَاهمها رُعب لا يُعدلهُ حَجم ، شَعرت بِأرتخَاء عَضلات يَديها ، دَحرجت عِيناها نَحو مَلامحهُ ، فَوجدتُه يُمرر بَصرُه عَليها وَكأنهُ يَبحث عَن شَىء وَقد كَان هَادئًا .. هَادئًا بِشكل لا يَليق بِالموقف الَذي هُما فِيه
طَالعتهُ بِصمت تَتنفس الصَعداء بِصعوبه تَنتظر مِنهُ أي رَد ولَم يَتفوه بِكلمه واحده سَوى
" اتنفسي "
قَالها وتَركها وَرحل .. تُراقب رَحيلهُ بِصمت ، أحيانًا ثمّة لحظات، لا يُرهبنا فيِها انكِشاف الخَطأ، بَل يُرعبنا الصمت الذي يليه ، فَحين يُخطئ المَرء، يُتوق بشيٍء مِن الغَرابة إلى العِتاب، إلَى أن يُلام، يُصرخ في وَجهه، حَتى إن ضُرب، ليَشعُر وقتَها أن الأَمر انتَهى، وأن الألم قَد قَال كِلمته ومَضى.
لكنّ ذَلك السُكون الخَانق... هو أشدّ أنواع العِقاب.
لأنَك لا تَدري أهو غَضب أم خَيبة ، أتَراه يُخطط للِثأر أم أنُه يَحفُر بيَده قَبراً مِن الأفكَار تُدفَن فيِه طَمأنينَتك
هَو لا يُظهر شَيئًا... لَكنهُ يَعرف جَيدًا كَيف يَترُكك وَحدك تَغرق في بَحر الظنون، تَتخبط في مَوج القَلق، يَنهشك الخَوف مِن كُل احتِمال.
إنُه لا يَحتاج إلى رَفع صَوته، لا حَاجة لهُ أن يُعنفك،
يَكفيه أن يَصمت.
فَهو يُتقن فَن الانهيَار البَطيء... ويُجيد أن يُفقدك النَوم، دونَ أن يَلمسك
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
أدم ....
كَان مُنهك مِن التَفكير ، مَن النَوم ، مِن الاختِباء ، مِن أفكَارُه مِن كُل شَيء
مُنذ شِجارُه مَع ذَاك المُتَحذلِق "سعد" ، لَم يَقوَ عَلى النَبس بِحَرف أو تَحريك سَاكن ، أكتَفى بِالجلوس في غُرفَته ، دَس نَفسُه بَين وِسادات كَثيره وأغطَيه قُطنيه وَقد فَتح نَافذة غُرفَتُه لِتلفحُه البروده مَع دِفىء الأغطَيه ، حَمل كِتابُه الدِراسي مِن جَانبُه وَثبت بَصرُه عَلى أسطُره كأنّه يُطارد فكرة أخرى، لَكن عَقله كَان قَد سَبق عيِنيه... إلى المَاضي، إلى مَا جَرى."
وَقف "آدم" دَاخل المَخزن مُمسكًا بِطرف الصَفيحة، يَدهُ الصَغيرة تَجُرّها بِحذر، يُحاول أن يُتمّم ما طُلب منهُ ..لَكن الخَطوات خَلفهُ كَانت ثَقيلة... بَاردة... أقرَب لظلٍّ يَبتلع الضَوء مِن حَوله.
اقتَرب الصَوت...واقتَرب النَفس الحَارّ عِند رَقبتُه.
"آدم، تعالى... خليك هنا شويه رايح فين "
استَدار بِبُطء، ووَجد نَفسه بيَن ذِراعين،
وابتِسامة بَاهتة فَوق وَجه كَبير، لَم يَعد يَراهُ كَأب لِصاحبُه... بَل كَشيء غَريب يُرعبه.
اقتَرب أكثَر، ولَمس كَتفه بِرفقٍ مُريب،
ثُم مرّت يدٌ ثَقيلة فَوق ظَهرُه، كَأنها تَبحث، أو تُمهّد... لا يَدري.
تَجمّد في مَكانهُ، عَيناه مُتسعتان، لا يَفهم، لَكن جَسدُه بَدأ يَرتعش بِهدوء.
هَمس بِصوت صَغير مُرتَجف:
"أنا... جيبت الصفيحه ياعمو ..."
لَكن اليَد امتَدت أكثَر
" حُطها جنبك هنا دلوقتي "
وَضعها بِجواره ومَازالت يَد الرجُل تَمُر عَلى أمَاكن لا يَعلم " أدم " إن كَان يُفترض أن تُلمس،
ضاق صدره، وغصّ حلقه، وبَحثت عَيناه عَن البَاب... عبثًا.
فتَح فَاههُ لِلحديث ...او ليَصرُخ رُبما، لَكن لَم يَخرُج صَوته ، وضَع يَدُه عَلى فَمه بِنفسه، غَريزيًا، يَمنع صَرخة لا يَعرف إن كَانت مَسموحة.
عَيناه امتلأتا دموعًا، والرَائحة... رائَحة العَرق المُختلط بِالغُبار... التَصقت بِأنفاسهُ
كُل شَيء أصبح بعيدًا ، "سعد"، اللعبة ..الشارع..
فِي تِلك اللَحظة، لَم يَكن يَعرف ما يَحدث، فِي تِلك اللَحظه شَهقت السَماء مِن الخَوف
انقَطع خَيط شروده حينَ سَمع صَوتٍ خَافت يَأتي مِن الخَارج ، صَوت خَطوات تَقترب مِن بَابُه .. المِقْبَضِ المَعدنيِّ يَدُور بِبُطءٍ، وصَرِير الأُوكرَة القَدِيمَة يَتَسَلل كالوَخز فِي أُذُنهِ.
اتسَعَ الشَّق فِي البَابِ قَلِيلًا... ضَوء بَاهِت اندَفَع مِن الخَارِجِ، وَارتَطمَ بِوَجهِه
فِي لَحظَةٍ، ارْتَبكَ نَبضُه...
كَأَن جَسَدَه استَيقَظ مِن غَيبُوبةٍ، وَقَلبَهُ مَا زَالَ غَارِقًا فِيهَا.
امتَدت يَدُهُ سَرِيعًا، كَأَنهَا تَسبِق وَعيَهُ، لِتَمسَحَ الدمُوع العَالِقَةَ عِندَ زَاوِيةِ عَينِهِ، حَاوَلَ أَنْ يَدفِنَ مَا تَبَقى مِنَ الِارتِعَاشِ فِي صَدرِهِ ، وَضَبَطَ صَوتهُ فِي حَلْقِهِ كَيْ لَا يَنكَسِرَ.
رَسَمَ ابتِسَامَة صَغِيرَة عَلَى وَجهِهِ، لَيجد "نوح " يَرمي بِجسده عَلى سَريرُه بِجواره ، لَم يَبدُ " نوح " أي مَلامح مُستَغربه عِند رؤيه أخَاه ، رُبَما ظَن أن شَقيقه يُطالع كِتابُه لَيس ألا ، وَعلى شَقيقه أن يَبدو طَبيعياً معُه عَليه نِسيان ذَلك الرَجل لِبعض الوَقت أعتَدل " نوح " فِي جَلستُه سَائلاً
" بقولك ايه يا ادم ماشوفتش موسى "
وَضع " ادم " كِتابُه أسفَل وِسادتُه
" ايوه ، شوفته نزل بعد ما لقمان ما مشي هو وشيماء بس معرفش راح فين "
نَهض يُسَارع بِخطوَاته نَحو المَكتب الخَشبي المُتهالك يَلتقط هَاتفه بَعدمَا قَام بِفصلُه عَن بطاريتُه يَبعث برِسَاله عَن طَريق تَطبيق الوَاتساب ليَجدهُ مُتصل
"موسى فينك ، معاكش خمسميه جنيه "
وَلم يَمضي ثواني حَتى أتَاه الرد
" انا بره انت اللي فينك "
بَعث " نوح " بِرساله يَجيب على سؤالُه
"في البيت ، ايه ماشوفتش انا قولت ايه بعد كده "
أخفَض "نوح" الهَاتف لِلحظة، يَرمُق شَاشتُه بِنظرة فَاترة، وقَبل أن يُعاود الكِتابة، التَفت تِلقائيًا نَحو البَاب ليَجد " موسى " أمَامُه قَائلاً
"بتاعت معاكش 500 جنيه "
هَز " نوح " رأسُه بِالموافقه
اه ..
أشَار " موسى " يَهز رأْسُه نَافيًا
لا ماشوفتش
دَلف "أنس" إلَى الغُرفة بِخطواتٍ كَسولة، وألقَى بِجسده عَلى طَرف السِرير ، أطَلق تَنهيدة طَويلة وهَو يَفرُك كَفيه بِبعضُهما
"يــــاه، الله يكون في عون الحريم يا أخي ... وعهد الله ما في أوحش من غسيل المواعين"
لَم يَكد يُنهي جُملته حَتى ظَهر "لقمان" يَتقدّم بِخُطى هَادئة، يَتجه نحو السريِر ذَاته ومَا إن اقتَرب حَتى حرّك " أنس" جَسدُه قليلًا ليَفسح لهُ مكانًا لِلجلوس
ابتَسم "لُقمان" وَهو يَجلس، ليُبادر بِسؤاله
"إيه نعيّمة دبستك في المواعين"
أومَأ "أنس" بِرأسه فِي استِسلام
"حصل يا سطا ، حصل والله... مابتقدرش عليكم فابتتشطر عليا انا "
كَان "نوح" جالسًا يُتابعهم بِنظرة مَشوبة بالتَذمّر، نَظر إليهُم واحدًا تِلو الآخر وكأنّ في صَدرُه ضيقًا يُفتش عَن مَخرج، ثُم قَال بِصوتٍ يَعلو تَدريجيًا:
"يعني خلاص مفيش حد منكم هيديني خمسميايه يارجاله "
مَدّ "أنس" يَده إلى جَيبهُ الخَلفي، وأخرَج مَحفظته المُهترئة، قَلبها بَين يَديه ورفَعها نَحو "نوح" ليَراها
"يا سطا بص... لا يوجد سحتوتاً في المحفظه .. ناشفه اهيه ، مافيهاش بريزه حتى تطري عليها "
انفَلتت ضَحكة قَصيرة مِن "لُقمان"، ثُم أسنَد ظَهره إلى رأْس السَرير وأخَذ يَتنهد قَائلاً بِنبرة مُتعبة مَمزوجة بِالسُخرية:
"يابني إحنا في آخر الشهر... بنحكّ في الأسفلت، لأول الشهر تيجي انت تقولي خمسميه جنيه ، انتَ عايش في ماية اللفت ولا ايه "
ألقَى "موسى" سُترته عَلى السرير بِإهمال، يُمرّر يَدهُ بَين خُصلات شَعره ، أزَاح ذِراعُه واضِعاً أياها عَلى جَبينُه هامساً بِصوتٍ رَتيب
"يا مساء الضنك والتقشف... مساءٌ ملبد بالغيوم، مع احتمال سقوط ألفاظ رعدية ولكمات خفيفة على خدودكم واحد تلو الواحد دلوقتي
وأنا اللي كنت بقول نلم من بعض وننزل نتعشّى عند عم جوجل"
انحَنى "نوح" قَليلًا، يُفتّش في جِيوبه، يُخرجها فَارغة كأنّه يُقدّم دليلًا عَلى إفلاسُه
"منين يا حسرة .. إنا مفلس يا بني"
تَذمر " موسى " بِصوتٍ مُتمرد يَبتسم لـ "نوح" بِسُخريه :
"مفلس مين ياسيدنا ، ده انتَ الجنيه بيخرج من جيبك مربي دقنه "
أجَاب " نوح " بِنبره قَاطعه مَع ابتِسامه ضئيله
"والله ظالمني يا جدعان.. والله ظالمني.. ده أنا لسه كنت بشحت من دقيقتين"
وَقف " انس " يَخطو لِلخارج ومَا كَادت قَدمُه أن توضَع خَارجًا حَتى أنتَقلت أنظَار الجَميع نَحوه فَنطق
"لا طالما كده، أروح أشوف في إيه في التلاجة... لحسن حنشي بيجعّر لي "
أشَار عَلى مِعدتُه
"وانا مش قد الحنش اللي جوه "
غَادر "أنس" تَحت أنظَار الجَميع، بَينما التَفت "موسى" نَاحية "لُقمان" وسَألُه رافعًا حاجِبهُ بِاستغرَاب:
"أومال كنت فين كل ده يسطا ، كل ده بتوصّل شيماء"
هزّ " لُقمان" رأْسهُ نافيًا، وارتَسمت علَى ثِغرُه ابتِسامة هَادئِة، وقَال:
"لا ياسطا ... شيماء ايه دلوقت ، الساعه داخلة على واحدة بالليل ، أنا روّحتها من بدري، وبعدها طلعت على صالة الچيم، خطفتلي فيها كام ساعه كده، وجيت على طول"
أطلَق "موسى" تَنهيدة طَويلة وَهو يُربّت بِرفق عَلى سَاق "لقمان"
"قد الدنيا ياسيدنا "
اسَتدار "موسى" نَحو "نوح"، وَهو يَخرج لِفافه تَبغُه مِن دَاخل جَيبُه كَانت شِبه مَطوية، مَدّ "موسى" كفَ يَدهُ طَالبًا
"هات سيجارة يسطا"
دَس "نوح " الِفافه عَلى شَفتيه يُفتش في جِيوبه عَن شُعله ، يَرفض طَلبُه
"طلعت آخر سيجارة يسطا... معييش غيرها"
اختَطف " موسى " لِفافة تَبغُه مِن فَمه، يَضعها بَين شَفتيِه
"ايه ده "
نَبس بِها "نوح " بَينما " موسى" يَشعلها بَين شفَتيه قائلاً
"هولعهالك ياسيدنا ، ما تقلقش"
ألقَى "نوح" بعُلبة الكَبريت الفَارغة مِن جَيبه نَحو سَلة القِمامة القَريبة، لَكنَها ارتَطمت بالأرضيِه تَسقُط بِجوارها ، التَفت "نوح" بِاتجاه "آدم" المُتدثر بِداخل غَطاؤه طَالبًا:
"ما تروح يسطا تحطها جوه السله ، مش عايزين كلام من نعيمة عالمسا "
أبتَسم "ادم " بِسُخريه وأشَاح بِمُقلتيه بَعيداً لِكي لاَ يَلمح استصغَارُه لِطلبه قَائلاً
"لا... أنا سقعان مش قادر أقوم، روح إنت "
دعَم "لُقمان" حَديثُه وَهو يَومأ بِرأسُه
"أيوه صح، ما تروح إنت... هو شغال عند اللي خلفوك"
كَانت نَبرة " نوح " حَازِمه بِتَرجي
"هو جبران الخاطر ما عدّاش على اهاليكم خالص "
مَد "نوح" كَف يَده نَحو "موسى"قائلاً بِنفاد صَبر:
"ما تجيب يسطا السيجارة، إنت بتولّعها ولا بتشفطها "
أخرَج "لقُمان" عُلبه ومدّ واحدة إلى "نوح" وَهو يَشير لـ "موسى" قائلاً:
"خد يسطا... سيجارة، إدّهاله، ده عيل رِمّة."
أخَذها " موسى " وأشعَلها مِن بَقايا سيجَارتُه القَديمة، يَجلس القرفُصاء على الأرض، وأسَند ظَهره للحَائط، يَنفث لِفافة تَبغه يَتأمل العَليا :
"لا بس الواد سعد رَوّق عليك جامد النهارده الصبح يا "نوح"
ارتَبك "نوح" فَجأة، وعدّل جَلستُه، وقَال
"علّم عليّا أنا.. إنت بتقول إيه يا سطا.. ده عيل ابن .... مالوش فيها بجنيه ، إنتوا لو ما كنتوش جيتوا، كنت زماني معلم عليه، أقسم بالله "
ظَهرت ابتِسامة سَاخرة عَلى وَجه "ادم "، بَينما كَان بَاقي الشَباب يُبادلون النَظرات بِصمت
فَهم "نوح" مِن تعَابير وجوهِهم أنَهم لا يصَدقونه ، فَنهض واقفًا وقَد اشتَعلت الحَماسة في نَبرتُه، يُدافع عَن نَفسُه:
"يا جدعان... إنتوا مش مصدقيني، معاكم حق ما انتوا ماشفتونيش وانا واقف بطولي طيب إيه ببص يسطا منك لي ، لاقيت سبعة داخلين عليّا من نوع الحيتان ، والحيتان دي مش أي حيتان... ده الكلام جاي عالباي والتراي، ومش أي باي ولا تراي... لاء"
رَفع ذِراعه، وأشَار إلى عَضلة سَاعدُه:
"ده الچيم بتاعهم من عند أبو حفيظة اللي واقف عند ميدان الجيزة يسطا"
ابتَسم "لُقمان" وهَو يَنظُر إلى "موسى"، الذي تَظاهر بِالتصديق، ملوّحًا بِلفافة تَبغُه :
"ها، كمل... وبعدين ياسيدنا حصل ايه "
تَابع "نوح" بِانفعال تَمثيلي:
"لقيتهم مقبلين عليا يسطا وجايين عليا ، روحت مشاور لواحد فيهم بإيدي كده وقلتله اللي هيقرب مني... هعمل من وشه دمبل"
تَراجع " نوح" خَطوة، مُمثلًا لَحظة التَهديد، وأكمَل بِنبرة حَماس:
"الواد خاف بقى .. وشه جاب ألوان، يسطا ، بص حواليه وقالهم ، أنا عايز أعيش وسابهم ومشي "
تَوقّف لَحظة، وأضَاف يُلوّح بِكفّيه:
"لقيت اتنين داخلين عليا بالجوز بقى المرة دي مش واحد بس زي المره اللي فاتت ... رفعت كف إيدي، سَدّغت سنانهم الاتنين سوا بكف واحد ، ببص لاقيت وشوشهم جابت شاشة... والواد من دول عمل وشـــشـــش "
ضَحك "موسى" وهو يُلوّح بِسيجارتُه يُمنة ويُسرة:
"والشاشة كانت ابيض واسود ولا الوان ياسيدنا عشان تفرق يسطا "
أومَأ "نوح" بِرأسه، مؤكّدًا بِثقة
"لا طالما تفرق معاك ، تُبقى الوان ياسطا "
انحَنى قَليلًا إلى الأمَام، مُشيرًا بيِدُه نَحو الأرضيِة
"العيال بقت مرمية في الشارع، مش قادرة تقوم أنا برأتلهم بس... لاقيتلك العيال وقعت من برئه"
قطّب "لُقمان" حَاجبيه:
"من إيه يانوح "
أجَابه "نوح" عَلى الفَور:
"من برئه يسطا... من تبريئة يعني"
لَم يَتمالك "آدم" نَفسُه، فَاختَرقت الضِحكة صَمته، واضَطر أن يُغطي وَجهه بِيده ليَخفي ابتِسامتُه. التَفت "نوح" إليِه، وقَد عَلا وجَهه الغَيظ
" انتوا لسه مش مصدقاني ... حتى بالأمارة، في واحد منهم قام وقاللي
إيه ده إيه ده إيه ده، يسطا إنت إزاي كده ، الواد كان مرعوب، قولتله عايز تنجى بحياتك اجري على اللي فاتك"
أخَذ نَفسًا تَمثيليًا عَميقًا، وأكمَل بِنبرة سَاخرة مُقلدًا:
"الواد بعد كده بص لسعد وقاله طيب سلام... أنا بقى ... عشان رايح أجيب إندومي"
رَفع "موسى" حَاجبُه بِدهشة عَامره بالضَحِكات :
"إن ايه "
هَز "نوح" رأْسه مؤكدًا
"اندونمي حتى بالاماره كان باللحمه "
وَهنا، انفَجر "لُقمان" ضَاحكًا حَتى انقَلب عَلى جَانبُه ، وتَعالت ضَحكاتُه في أنحَاء الغُرفة "آدم" لَم يَعُد يَقوى عَلى تَمالُك نَفسُه، وَقد دَفن وَجهه في الوسَادة مِن فَرط الضِحك ، أمَا "موسى"، فَامتلأت عيِناه بِالدموع وَهو يَهمس ضَاحكاً
"انزل يسطا من على المسرح... مش قادر"
كَانت الضَحكات تَتعالى مِن الغُرفة في موجَات مُتقطّعة، يَهدأون تَاره وَيعودون للضَحكات بِلا سَبب واضِح إلا دِفء الصُحبة
دَخل "أنس" بِخطوات بَطيئة، وَعيناه في أنحَاء الغُرفة، أغلَق البَاب خَلفه بِهدوء، وقَال بِنبرة شِبه جَاده
"ما تبس يا بني إنت وهو ، أبوكوا لو صحي، هيقوم ينفخنا... إيه الضحك ده كله "
رَفع "نوح" نَظرُه نَاحيتُه، وابتَسم ابتِسامة شِبه سَاخره ، ثُم نَظر إلى يَديه ليَجدها فَارغه
"يا سطّا... لاقيت حاجة تتاكل"
هَز "أنس" رأْسُه بِتأكيد بَاهت، ثَم تَنهد:
"آه طبعًا... لاقيت نص ليمونة معطّبة في باب التلاجة، وحتة جبنة عبور لاند مفتوحة من قبل ما أبوك يتعرف أمك باين."
طالعُه "لُقمان" يَشير بيَده لِلفراغ :
"ليه يسطا فين المحشي بتاع الصبح "
رَفع "أنس" حَاجِبُه بِاستغراب قَائلاً
" أنتَ قد اللي انتَ قولته ده "
طالعُه " لُقمان" بِعدم فِهم
"ليه يسطا انا شتمتك بأمك ولا ايه "
لَطم "أنس" عَلى وجنَتيه بِخفه
" ده نعيمه مشمعه الحله جوه وحاطه عليها قفل عشان المفروض ان ده غدا بكره .. لو دكر روح قرب من حلة المحشي اللي جوه "
دَحرج " لُقمان " مِقلتاه نَحوه طَالباً
"طيب روح سخن لنا رغيفين وتعالا... وهات حتة الجبنه مش هنعتق أبوها برضو"
طَالع "موسى" وَجه "انس" بِاهتمام صَادق، وسَألُه بِنبرة خَفيضه
"مالك يا أنس... حاسس إنك مش مظبوط النهارده فيك حاجه ولا ايه "
وقَبل أن يُجيب، قَفز "نوح" كَعادتُه، ضَاحكًا:
"أنا عارف ماله ، البت سمر كرفتله وطلعت مخطوبة "
راقبُه "موسى" وهو يَتنفس بِبُطء، ثُم رفع عِينيه كَمن ي يَبتلع شيئًا ثَقيلًا
" تاني ياسيدنا حوار سمر ده ، ده عدى عليه اكتر من عشر سنين وبعدين دي اخت طه صاحبنا يعني ماينفعش يسطا الكلام ده "
نَظرات الجَميع كَانت نَحوه الكُل يَنتظر مَا سَيقول ، لِذا أخذت أنَاملُه تَفرُك النَاتىء الخَشبي يَستدعى الهِدوء بَعد أن صَوب نَظرُه عَلى "موسى" الَذي يُطالبهُ بِتَفسير
"ما ينفعش ليه يسطا؟... هو أنا راضع على طه وانا معرفش وبعدين انا كنت ناوي اطلبها في الحلال يعني ، بس يلا... مالهاش في العبدلله نصيب"
هَمس بِها ثُم تَحرك في اتِجاه البَاب دونَ الَنظر إليِهم خَطواته كَانت بَطيئة، كأنّه لا يَعرف إن كَان يُريد الخروج فِعلًا، أم فَقط الهروب مِن تِلك اللَحظه
أوقَفه "موسى" بِصوت خَفيف:
"رايح فين يا بني "
تَوقّف "أنس" لَحظة، ثُم قَال
"رايح أشوف في ايه في التلاجة... يمكن ألاقي فيها حاجة عدلة المره دي"
ضَحك "موسى"، وأشَار بِرأسه ساخرًا:
"وإنت يعني لما تفتحها تاني، هتطلعلك قفطة ما هي هي حتة الجبنه يسطّا"
ثُم طَالع الأخَرين ، ورَفع صَوته كأنُه يُحاول سَحبُهم جميعًا مِن هَذا المَزاج:
"يلا... يلا، البس يا بائس منك له"
غمز بعينه، وابتسم:
" هعشيكم النهارده بره ... على حسابي يك يطمر بس "
كأنّ الكَلمات كانت مفتاحًا غير مرئي فجأة، عاد الصخب والقهقهات ارتفعت، والحركة دبّت في الأجساد نَسى " أنس " أمر " سمر " تَمامًا وأخَذ يُكبر ويُهلل يُصفق بِكفيه
" الله اكبر .. الله اكبر هنتعشا بره النهارده الله اكبر"
فَتح " موسى " فاهُه لِلحديث ثُم أغلَقه حينَ رأى رَنين هَاتفهُ يَعلم المُتصل جَيداً وبَدا عَليه الأنزِعاج حينَ رأى أسمُه قَرر عَدم الأجَابه يَضع هاتِفه بِجيب بِنطالُه الأمامي مُنبِهاً
" أنا نازل هستناكم تحت خمس دقايق لو ماحدش نزل هسيبكوا وامشي "
هَرول الجميع هُنا وَهُناك، يَبحثون عن قُمصانٍ وهوُديّاتٍ مبعثَرة، كُلٌّ يُقلّب فِي ما يَجِده كأنّ الوقت يَجري أسرع مِن أن يُدرَك. في ذات اللحظة، كان "موسى" يَهبط الدَّرج على عَجل، يُزرّر أزرار قميصه بخِفّةٍ بينما يُحاول السَيطرة على نَفَسه المُتسارع.
بمُجرّد ما انتهى، ارتدى سُترته الجِلديه السَوداء وأغلق سحّابها بحركةٍ سريعة، ثُمّ مدّ قَدمه على دَوّاسة البنزين يُسخّن دَراجته البُخارية
ألقَى نَظرة جانبيّة نَحو هاتفُه الَذي بَدأ يَرنّ للمَرة الثَانية زَفر بِِملل، ومَرّر أصَابعُه ما بَين خُصلاته الليليّة، ثُمّ أغلق الهَاتف بالكَامل ودَسّه في جَيب سُترته
لَم يَطل انتظارُه، إذ بدأ أشِقائُه فِي الظهور واحدًا تِلو الآخر
وقَف "لُقمان" يُحدّق في الدّراجة، حَاجِباه مَرفوعان باستِنكارٍ خَفيف
"احنا كلنا هنركب هنا ازاي"
رَكب "موسى" وسَحب جسده للأمام، وَقال دونَ أن يَلتفت
"على بعض يلا بسرعه مافيش وقت"
رَفع "لقمان" قَدمُه وَجلس خَلفه، بَينما "نوح" ألقَى بِلفافة تَبغُه ، وسَحقها بِطرف حِذائُه ثُمّ نَظر إلى "أنس" وقال
"والله ما يحصل اركب انت الاول انا هركب وراك."
رَكب "أنس" مُحاولًا أن يُوسّع مكانًا ضَيّقًا خَلفه، ثُمّ قَال بنَبرةٍ نافِدة
"اركَب وخلصنا ياسي زِفت "
رَفع "نوح " قَدمُه وَبدأ يَصعد، ثُم أشار بيَدُه للأمَام كأنّه يُرتّب المكَان بصريًّا، وَقال بِنبرةٍ خَفيفة:
"ياجماعه لو سمحتوا نستحمل بعض لحد ما القيامه تقوم مش اكتر."
رَكب الجَميع، ما عَدا "آدم" الّذي كَان يَقف جانبًا، يُراقب المشهد بِنفورٍ واضح لَم يُحبّ التّزاحم، ولا الاحتِكاك القَريب فَقال بِصوتٍ خَافت مُبطن بِالحَرج :
"خلاص بقى ياموسى مش مهم أنا"
فَهمه "موسى" بِدون شَرْح، بَحث بعينيه على الأرض، يَبحث عَن حَل وبَينما هو يُمسك مقوَد الدرَاجة، لَمح كَرتونة فَارغة قُرب الجِدار، هَز رأْسُه يَشير أليَها
"هات الكرتونه دي"
تَفاجىء "آدم" بِاستغراب مِن طَلبُه ، فكرّر "موسى" الطّلب بحدّةٍ خفيفة
"بقولك هات الكرتونه دي ما تنحش ياسيدنا ."
انحَنى "آدم"، والتَقط الكَرتونة دُون أن يَفهم لِماذا، وما إن ناولها له، حتى قَال "موسى"
"حطها فاصل، حطها فاصل ما بيني وما بينك"
رَجع قَليلًا لِلخلف لِيُفسِح لهُ المَكان، لَكن تَحرّكُه المُفاجئ كاد يُسقط "نوح"، الّذي انتفض صارخًا:
"ياعم حاسب في بهايم ورا."
ضَحك "آدم" بخفّة، ووَضع الكَرتونة بَينه وبَين "موسى"، ثُم جَلس ، استَدار "نوح" ورَأى "هيما"، شَقيق "بشر"، يَمُرّ من بَعيد ، نَادى عَليه بِصوتٍ عالٍ
لِكي يَصل الِيه صَوته
"ولا ياهيما قول لبشر ينط على التروسيكل وييجي ورانا على مكانا يلا"
أشَار "هيما" بالموَافقة، وَتحرّك "موسى" بِدراجتهُ بِسرعةٍ خَفيفة، تَتزاحم خَلفه أصوَات الضَحك، وموجَات مِن الحَياة لَم تَكُن تَخلو مِن عَبثٍ دَافئ.
.
* . .
.
❄︎•
*
•
•.
❄︎.
.
❄︎
.• ❄︎
كَنسل الشُغله شطب الـ دي
أصلي ع الـأمه أشــغـالـي كِـتـير
جَــــاي وبِيــكـارك قُـــمت مِـــــديِــــه
أنَـتَ فَـكـسَان شَـــبــاب مَا بتجِيش
كَانت أنغَام "المهرجَان" تَنبض مِن مُكبّر صَوت الدرَاجه البُخاريه كأنّها تَسري في عِظام المَدينة ، تَردّد الصَدى في الأزقّة الضيّقة، كَأنَها تَوقظ الحَي بِأكملُه ، بَينما وَقف "نوح " عَلى مَتن الدرَاجه يَصرُخ بِكلمات الأُغنيه
والحَماس يُلون مَلامحُه
انطَلقوا خَارج أزَقة الحَاره، والمَكان يَتّسع لهم كما لو أنّ الليل نفسه يُفسِح الطَريق احترامًا لِصخبَهُم وكأنّ المَدينة أفسَحت لَهُم طَريقًا خاصًا
ضَغط "موسى " عَلى مِقبض السُرعة حَتى ازدَاد هَدير المُحرك ..وأخَرج خَوذة صَغيرة مِن أسفَل المَقعد، ووضَعها عَلى رَأْس "آدم" الذي جَلس أمَامُه
ثَبّت الخوذة بِإحكَام كأنّه يَحفظ بِه أمانُه الغَالي ،
اقتربَ من أُذنِ "آدم"، يُحاول أن يتجاوز صَخبَ الأغنية والرياح ، تقدّم بجسده قليلًا، والهواء يُجلجلُ مِن حَوله، كأنّه سَيلٌ يَحاول أن يَبتلع كلماته، لكنّه صَرخ بِها، بِصوتٍ مُرتفعٍ مائلٍ لِلحُريه:
"مبسوط "
اخَترقت الكَلمة ضَوضاء اللَيل، ارتدّت في أُذن "آدم" كأنّها تَطفو فَوق صَوت المَهرجان، فَوق ريَاح البَحر، كأنّها وَحدَها كَانت مَسموعة.
لم يُجب "أدم " ، فَقط التَفت قَليلًا بِرأسُه، وابتِسامة كَبيرة تُوسّع وجَهه أسفَل الخوذة، عَيناه تُجيب بفرحةٍ لم يَعرف كَيف يُعبّر عنها، لَكنُه كَان يَعلم أن "موسى" شعر بها
انطَلقت ضَحكة "لُقمان" مع لفحة البرد التي لَسعت وجهه ، الهَواء بَارد، رَطب، كأنّ البَحر يَتنفّس فَوق وجوهَهم
الكورنيش كَان شِبه خالٍ، سَوى مِن مصَابيحٍ صَفراء بَاهتة، والأشجَار عَلى الجَانبين تَتمايل بِخفة مَع النَسيم، أمّا البَحر فَكان أسود كَالحبر، يتلألأ فَوقه ضَوء القَمر كأنّه سُكِبَ فضّة
بَينما الهَواء يَتغلغل بَين خُصلات شَعر "موسى " ، يَنثُرها عَلى جَانبِيه كَأنهُ يُشاركُه الفَرحة ،
ضَحكته كانت واسعة، صافية، وتفاحة آدم في عنقه ترتجف بمرور ضحكاته، ترتفع وتنخفض مع كل قهقهةٍ يَختنق بها من فرط الانبساط.
عَيناه تشعّان بحياةٍ نادرة، والهواء يَجري على بشرته كأنّه يعانقه، يُباركه بلحظةٍ لا تتكرّر
تمايل بالدراجة جهة اليسار، ثم عاد لليمين، كأنّه يرقص بها على أنغام الشارع والريح و"آنس" خلفه يَتشبث بخوفٍ ممزوجٍ بالنشوة، بَينما "نوح" يرفع يديه فوق رأسه، وهو يصرخ:
"أيوه كده يـاخــويـــا"
نَقَر " لُقمان " على ظهر "موسى"
"بالراحة شوية يا موسى... أنا عايز أجيب عيال "
ابتسم "موسى"، وعينيه في الطريق، ثم من فرط النشوة، وقف وهو يرَفع كَفيه مِن عَلى مَقود الدراجة البُخاريه ، وكأنّ الجاذبية لم تعُد تُمسكه تَبعه، "أنس" و"نوح" كان واقفًا سلفًا ، ضَحكاتهم انفجرت صرخ لُقمان بِصوتٍ عالٍ
" يالهـــوي ، عايز اتجوز يابن المجانين "
تماهوا مع صوت الأغنية، وجسَد "موسى" تَراقص، كأنّه تحرّر من أي حِمل
انفجرت ضَحكاتهم، وراحوا يُردّدون الأغنية بصوتٍ أعلى، متناغمين كأنّهم فِرقة شارع لا تعرف الحزن.
بَسط "أنس" ذراعيه للريح، وصفّق على إيقاع الأغنية:
"أسيّح الكِبده... أحطه في الطاسه... أُشوّح الكِبده"
أمامهم، كانت المدينة صامتة، لا تنبض إلّا بهم
لاحظ "نوح" وجود تروسيكل "بشر" مِن بعيد، و"طه" يَقف خلفه يُصفّق صرخ "نوح"وَهو يَشير بيديه خَلفه
"وقف يا موسى، وقف الولا بشر هناك اهوه "
خفض "موسى" السرعة قليلاً، واقترب "بشر" منهم. مدّ "طه" يده من التروسيكل، فقفز "نوح" كمن ينتقل بين عالمين، واستقرّ بِجوار "طه"، وراح يُرقصه الهواء والموسيقى و كأنّ الجنون له جناحان.
العربات بدأت تُبطئ، تُشارك الضحك والرقص، بعضها يُزمّر، وبعضها يُخرج الهواتف يُسجّل تلك اللحظة الحُرة.
ركن "موسى" دراجته ، وتبعه الآخرون نزلوا جميعًا، والتفّوا حول بعضهم، يرقصون بلا تَكلّف ، أحضر "بشر" كُرسيًا خشبيًّا من التروسيكل، اعتلاه "نوح"، وبدأ يرقص بحماسة، يُشير بيديه ويهتف، والموسيقى تَعلو ، ضَحك " ادم " وهو يُراقب "نوح" يرقص على الكرسي الخشبي بِحركاتُه البهلوانيه يُشجعه " أنس " عَلى فِعل المَزيد بِالتصفيق
سيارة تلو أخرى توقّفت، بعضهم نزل، بعضهم صَفّق، والبعض بدأ يُشاركهم الرقص كأنّهم يعرفونهم ، لا أحد يعرف الآخر... لكنّ الفرح، كان جامعًا فرح بسيط، صادق، لا يُطلب منه إذن، ولا ينتظر مُناسبة
التفت " انس " فرأى مجموعه من الشبابٍ يمرّون من الجهة المقابلة أشار إليهم، وضحك وهو يُنادي:
"تعالوا يا كباتن ، مستنيين إيه"
وبدون تردد قَطعوا الطريق وهم يُصفّقون، ودخلوا الدائرة بلا سؤال
توقف الزمن قليلًا... طالعهم " موسى " يَبتسم بِثقه وفي عينيه شيءٌ من الحنين،
ضوء المصابيح يَلمع على جلده، وعينيه تَتوهجان كأنّ الليل نَقش فيهما ذكرى لا تُمحى
كأنّه يرى سعادته تركض أمامه ثم نفث دخانًا طويلًا، ابتسم بخفة، وهو يراهم سُعداء هَكذا
البارتين دول انا تعبت فيهم جدا والله اتمنى يعجبوكم واتمنى الاقي تفاعلكم عليهم انك تدوسي على اللاف والله مش هيقلل منك ومش هياخد منك وقت بس هحس بأن تعبي ماراحش على الفاضي
ان شاء الله البارت اللي جاي هينزل يوم الجمعه الساعه عشره فأرجوكي شجعيني بتعليقك واللاف ببقى سعيده اوي وانا بقرأ تعليقاتكم
تصبحوا على خير ♥️
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية و لأنه موسى الفصل السابع 7 - بقلم ماهي احمد
ماذا لو أتت لك الفرصة لفعل شيء كنت تنتظره منذ سنين؟
ماذا لو تركت مشاعرك تقودك، فسلمت لها زمام الأمور، ومضيت خلفها دون رجعة؟
ماذا لو وجدت نفسك تحدق في عيون لا تعرفها، لكنها بدت مألوفة... كأنك رأيتها قبل أن تولد؟
هل ستصدق الإحساس؟ أم تتهم قلبك بالجنون؟
أغلقت السيدة نعيمة صنبور الماء ورفعت ذقنها مغمضة عينيها تنشف ماء وجهها وأدركت في تلك اللحظة أن المنزل هادئ من ضوضاء الشباب. دخلت إلى غرفتهم وتأكدت ظنونها بأنهم قد غادروا المنزل في وقت متأخر كهذا. مدت خطواتها إلى غرفتها تفتح الباب بتذمر.
"شوفت، شوفت عيالك يا نصار."
انتفض الحاج نصار من نومه بفزع، تدور عيناه يمنى ويسرى قائلاً بنبرة تشوبها القلق.
"ايه في ايه... العيال جرالهم حاجة؟"
ألقت المنشفة من على كتفها على المقعد الخشبي.
"قوم، قوم يا راجل شوف عيالك الساعة داخلة على اتنين بعد نص الليل وعيالك مش فيه يا نصار."
قالتها وهي تجلس على المقعد والقلق ينهشها من الداخل.
أطلق تنهيدة مرتاحة وسوداويته تعاتبها من خلف نظارته التي قد ارتداها للتو.
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
أشار بيديه على السرير بجواره.
"تعالي نامي يا نعيمة، تعالي نامي ربنا يهديكي."
رفعت رأسها أثر ندائه ليسقط بصرها على هدوئه.
اقتربت منه والغيط يعتليها بسبب نبرته الهادئة تلك.
"أنام!!"
"انت ياراجل أنت ما بتخافش على عيالك، بقولك عيالك مش في البيت تقولي تعالي نامي."
عقد حاجبيه لغرابة ما تقوله رافعاً الغطاء من عليه بتذمر واضح على ملامحه، نزل من على فراشه يتجاوزها، وأوقفته هي بحديثها.
"خد ياراجل أنا مش بكلمك."
توقف يضرب يده بيديه الأخرى. التفت إليها يقترب منها مدلكاً صدغيه.
"عايزاني أعمل إيه؟ أروح أمسك مكروفون وأمشي في الشارع وأقول ياناس يا خلق، عندي خمس عيال شحطة قد دلفة الباب، أصغر عيل فيهم ييجي ٢٢ سنة، خرجوا كلهم سوا من البيت ولسه مارجعوش."
وجه سؤاله نحوها وهو يتوقع إجابتها، يعلم ما ستقوله أو ربما ما ستفعله فهو يحفظ جميع أفعالها عن ظهر قلب.
"اتريق، اتريق... اتريق ياخويا اتريق... ماهو ده اللي أنت فالح فيه."
أشارت بأصابعها على فؤادها.
"ما أنا أقول إيه، قلبك حجر مش بياكلك على عيالك."
طالعها وهي تستند بجانب النافذة ونسيم الهواء يبعثر تصفيفة شعرها. أتى بحجابها الذي وجده بجواره يمد كف يده بقول.
"خدي ماتقفيش في الشباك بشعرك."
إذ تبسمت بخفة وهي تأخذه منه، وكأنها تسخر من شيء ما.
"شعر إيه ياراجل هو أنا عاد فيا شعر."
التقطت منه الإيشارب تربطه على رأسها.
"ما خلاص كله راح والشعر الأبيض اتنطور في كل حتة."
جلست على المقعد أسفلها تشير إلى أسفل ظهرها.
"فين، فين أيام ما شعري ده كان لحد هنا، وتقيل وسايح ونايح."
تنهدت بحسرة على ما مضى.
"بس الزمن بقى يلا، هنقول إيه كله راح."
اقترب يجلس في المقعد المجاور لها وحدقيه تطالعها باستمتاع.
"هو إيه ده اللي راح يا أم لقمان، إيه رأيك بقى إنك كل ما تكبري كل ما تحلّي في عيني زيادة."
ضحكت بخفة ضربته على كتفه مداعبة.
"ياراجل ما خلاص بقى، أنت لسه فيك حيل للكلام الحلو."
فتح الدرج القريب منه بانسيابية هادئة يخرج منه علبة مغلفة بكيس أسود، تطلع إليها ثم مد يده بها نحوها.
قطبت السيدة نعيمة حاجبيها تتصنع الفضول والدهشة.
"إيه دي."
وضع العلبة في حجرها بحركة يعرف أنها ستفهمها، ثم نظر إليها نظرة من اعتاد ألا تنطلي عليه الحيل الصغيرة.
"أيوه، أيوه... استعبطي، استعبطي، ما إنتِ عارفة يانعناعة إيه دي."
ابتسمت كأنها طفلة تمسك بهدية طال انتظارها، وبدأت تفتحها بشغف ظاهر على ملامح وجهها.
"والله أنا قلت نسيت السنة دي... حتى تلاقيني ما عرفتش أنام."
أومأ برأسه ببطء، وصوته يقطر حنانًا.
"أيوه قولي بقى إنك ما عرفتيش تنامي قبل ما أديكي هديتك مش عشان العيال مش في البيت."
أصدرت صوتًا بجانب فمها بدلال.
"لأ ما هو أصل..."
بتر حديثها بازدياد قربه منها.
"لأ أصل ولا فصل وأنا أقدر بردُه يانعيمة ماجبلكيش هدية عيد ميلادك... كل سنة وإنتِ طيبة يا ست الستات."
حين لمحت زجاجة العطر التي تعرفها جيدًا، ازداد بريق عينيها.
وضعت القليل منه على يدها، ورشت بفرحة لم تحاول كتمانها.
"طيب والله... ده أجمل عيد ميلاد عدى عليا يا نصار... ربنا ما يحرمني منك أبدًا... ولا من دخلتك عليا."
وضعت الهدية بجانبها، ثم توجهت نحو خزانتها، أخرجت أسورة ذهبية وارتدتها كأنها تحيي ذكرى.
"بص... بص موسى جابلي إيه عشان عيد ميلادي."
كانت عيناها تلمعان بفخر لا يخلو من حنان الأم.
"عمره ما نسي عيد ميلادي أبدًا، حتى لو مسافر بيبعتلي هديتي مع ابن عمه."
انقبض صدره فجأة، وحاول أن يخفي ما راوده، لكن تعبير وجهه خانها.
اقتربت منه وجلست، تسأله بهدوء.
"مالك يا نصار، أنا قلت حاجة ضايقتك."
رد بصوت خافت، وكأن الكلمة تخرج من مكان بعيد.
"أنا عارف إني بقالي كام سنة ما بجيبلكيش هديه دهب زي زمان."
قاطعت كلماته بإشارة من يدها، وعيناها تلمع بصدق لا يشترى.
"ما تكملش، ما تكملش يا نصار... دهب إيه وزفت إيه.. ده أنت عندي بكنوز الدنيا وما فيها، يا جوزي وراجل عمري وأخويا وسندي."
ثم رفعت زجاجة العطر أمامه، تبتسم كأنها تصدق كل كلمة.
"والإزازة دي عندي أحسن من ألف أسورة وغويشة... اخس عليك يا نصار، أنا أبص لدهب وكلام فاضي زي ده."
ضحك، أخيرًا، تلك الضحكة التي يعرف أنها تخصها وحدها.
"أصيلة... طول عمرك أصيلة وبنت أصول يا نعيمة."
....
مجلس تحوطه المياه من كل جانب يقع جوار أحد الجسور بمنطقة حوض الدرس. الساعات الأولى من الصباح ساعة الشروق والهواء يحرك الأشجار هنا وهناك. شعروا به يحركهم معه. يقفون في دائرة صغيرة، وكل واحد منهم يمسك بكوب شاي بلاستيكي بين يديه. الجو بارد، والأنفاس تخرج من أفواههم على هيئة بخار خفيف، يظهر ويتلاشى بسرعة مع نسمات الصباح. فرك نوح كفيه ببعضهما البعض حتى يستمد منهما الدفء قائلاً.
"هو ده ياسى موسى اللي هعشيكوا في عم جوجل وبتاع.. اخرنا نقف على الكوبري بكباية شاي."
ضم موسى سترته على صدره، وارتشف من كوبه بملل يشير إليه برأسه.
"مش ذنبي ياسيدنا، مش أنت اللي فضلت ترقص على الكرسي ساعتين، وكل أما أقولك يلا يا نوح عم جوجل هيقفل تقولي استنى شوية لحد ما قفل."
أخرج طه كعكة صغيرة من جيبه ليخرس صراخ معدته، ووسط فتحه لها نَبس نحو نوح الذي يستمر بتبادل نظرات لاذعة صوب موسى الذي يزفر بانزعاج.
"ما خلاص بقى يلا مالك، واخدها على صدرك كده ليه، المهم قضينا شوية وقت حلوين سوا."
مد أنس كف يده إليه طالبًا.
"ما تجيب حتة مولتو ياض ياطه."
اقتطع طه جزء صغير من خاصته يعطيه له قائلاً.
"فاكرين يارجالة لما كنا بنيجي هنا واحنا صغيرين ونقعد نتنطط على الجسر ده وفاكرينه بحر."
اعترض لقمان قائلاً.
"ياعم ماتفكرناش بقى كانت أيام زبالة زيكم."
ابتسم أنس وسط مضغه للكعكة بفم مفتوح.
"ط.. طب فاكر يلا أنت وهو، لما كنا بنبقى عايزين ننزل في المايه يلا والواد بشر قلع هدومه وكان عايز ينط."
اشمأز لقمان من طريقة حديثه هكذا.
"ابلع يلا الأكل اللي في بوقك تك الرف، شوفنا البلعوم."
فتح أنس فمه أكثر نحو لقمان.
"اكشفلي على بلعومي يسطا."
ليثير استفزاز لقمان أكثر قائلاً.
"يسطا ماتخلنيش أمد إيدي عليك، هضربك وربنا."
ليلفت بشر انتباههم بحديثه.
"اعمل لابوكم إيه، ما إنتوا عارفين عمري ما روحت مصيف وببقى عايز أبلبط، حرمت يعني ولا حرمت."
رن هاتف نوح فجأة، فأخرجه من جيب بنطاله بنفاد صبر، وما إن علم هوية المتصل حتى عبس وجهه.
جذب موسى السيجارة من فم نوح، أخذ نفسًا طويلًا وحين أخرجها من بين شفتيه، تطاير الدخان في الهواء، وقال يلوح بسيجارته.
"ماترد ياسيدنا، ماتصدعناش، دي عاشر مرة التليفون يرن."
تجاهل نوح حديثه وهو يشيح بوجهه لبشر.
"خد يسطا، قولها أي حاجة."
رفض بشر، سائلاً.
"مين فيهم دي يسطا."
أشار نوح بيده وقال دون رغبة في الحديث.
"هتفرق معاك إنه فيهم، يلا انجز."
هز بشر رأسه رافضًا، ورفع كفه في الهواء.
"لا يا عم، ماليش في."
ناول نوح الهاتف إلى آدم، الذي بدا عليه التردد، ممسكًا بالهاتف بنظرات حائرة.
"آه بس، أقولها إيه."
دس نوح الهاتف في يده.
"ياعم قولها أي حاجة، أقولك، قولها إني مت."
فتح آدم الاتصال بصمت، والأنظار كلها مثبتة عليه، انتظارًا لرد فعله.
ابتسم بخجل وهو يومئ برأسه، وقد ظهر عليه الارتباك، ثم قال بصوت خفيض.
"الو..."
وانتظر لثواني حتى يجيب.
"لأ... أنا، أنا مش نوح."
استمع لسؤال الجانب الآخر ثم أضاف.
"هو بيقولك إن... إنّه هو مات."
انفجر الجميع في ضحك مكتوم، ورمقه نوح بدهشة غير مصدق.
ناوله آدم الهاتف بخجل، وهمس وهو يشيح بوجهه.
"مش عارف أنا... مش بعرف أقولها إيه."
تقدم موسى، وأخذ الهاتف منه وهو يطفئ السيجارة تحت قدمه. ثم قرب الهاتف من أذنه وقال بنبرة هادئة.
"أيوه يا بنتي..."
صمت قليلًا كأنه يستمع.
"أيوه للأسف، الخبر فعلاً صحيح... إحنا بندفنه دلوقتي."
تبدلت نبرته، ثم أضاف بلا تردد.
"أنا مين؟ أنا... أنا أمه."
انفجر الجميع في ضحك هستيري، حتى نوح لم يستطع تمالك نفسه، غير قادر على التوقف من كثرة الضحك.
....
هذه الأمسية ليست لطيفة للبعض فهناك من يجاريه النوم. تأخرت شيماء اليوم في موعد الرقاد بسبب تفكيرها الزائد فيما حدث. تتقلب عن يمينها ويسارها على الفراش. زفرت شقيقتها فاطمة بنعاس واضح بنبرتها.
"يــــــوه، ما تتهدي بقى ياشيماء مش عارفة أنام."
لتجدها تنظر لساعة رسغها توجه حديثها لها.
"قومي يافاطمة بقى الله يكرمك، خلاص الساعة بقت خمسة الفجر، يادوبك عشان تروحي شغلك."
قابلت شقيقتها طلبها باعتراض.
"شغل إيه ده ياشيماء اللي هصحاله الفجر حرام عليكي، اقفلي الستاير دي عايزة أخمدلي شوية بفضل واقفة في المحل طول النهار على رجلي عايزة أرتاح."
لجأت شيماء للصمت أثر شعورها بالإنهاك الفكري طوال الليل. لاحظت شقيقتها مدى حيرتها. أعتدلت بجلستها تدحرج بصرها سائلة.
"مالك ياشيماء، فيكي إيه من وقت أما جيتي أنتِ ولقمان وانتِ ساكتة، حصل حاجة هناك."
طالعتها بنظرات ملامة.
"تاوك لما افتكرتي تسأليني ياختي."
تنهدت فاطمة بملل تدعك عينيها بثقل.
"ما أنا لو كنت سألتك أول ما جيتي ياشيماء مكنتيش هتقوليلي، وهتقوليلي مافيش.. زي كل مرة، سيبتك لما تجيبي آخرك خالص، وتبقي حاسة إنك عايزة تحكي، ويلا بقى احكي بدل والله أسيبك وأنام."
دحرجت مقلتيها في اغتياظ من سخريتها حتى في مثل هذه الأوقات وهي لا طاقة لها بمجادلتها.
فقالت دفعة واحدة.
"موسى سمعني النهارده وأنا بكلم سمير وبقوله على الواد اللي عجب بيا في الفرح بتاع آخر زبونة ويديله رقمي ويا ريت ما يبقاش زي آخر واحد."
شهقت شقيقتها بصدمة تضرب بيديها على صدرها بفزع.
"يانهار أبوكي مش فايت وبعدين عمل إيه لما سمع كده."
أرادت النهوض لولا إمساك شقيقتها بذراعها الحرة تسألها وسط شعورها بالاحتراق والانزعاج.
"تعالي هنا رايحة فين، ماتنطقي موسى عمل إيه لما عرف، قال للُقمان ولا حصل إيه، ماتفهميني."
أزاحت ذراعها عنها بعدما نزلت من على الفراش بعيون مشبعة بالقلق.
"المصيبة يافاطمة إنه ما قالش ولا فتح بوقه، أنا اللي اتدلقت وخرّيت بكل حاجة زي الجردل، حسسته إني عاملة عملة."
جلست على المقعد مقابلها بغيظ تضرب بكف يدها على ساقها بقوة تضيف.
"عارفة، عارفة لو كان قالي مثلاً، أنتِ إزاي تعملي كده، أو حتى غضب، صوته بقى عالي عليا."
لكن هذا ما فيش يابت.
"طب حتى يروح يقول للُقمان، يعمل أي حاجة يافاطمة، أي حاجة، كنت هرتاح لكن ده سكت بصلي حتة بصه، اللي ينشك في عيونه الواسعة دي وسابني ومشير."
رفعت إبهامها تستردف.
"ماقالش غير كلمة واحدة بس."
قطبت فاطمة حاجبيها بفضول.
"إيه هي."
قضمت شيماء شفتيها بغيظ ساخرة من نبرته.
"قال إيه، اتنفسي... إيه اتنفس دي."
ابتلعت ريقها بخنقة.
"ما أنا برضوا الغلطانة يافاطمة أنا اللي أول ما شفته زي ما يكون شفت عفريت، ركبني الرعب ومبقتش قادرة أقف على رجلي وسابني أضرب أخماس في أسداس، وكل دقيقة أبص في الموبايل أشوف لقمان باعتلي حاجة، طيب ياترى هيقوله إيه."
وضعت كفيها على رأسها بتذمر.
"بولـــيكه، بولـيكه يابت في دماغي قد كده أهوه، تفتكري يافاطمة هيقوله."
أنهت حديثها وبقيت تحدق بشقيقتها تنتظر أن تنبس بأي شيء تطمئنها به. صمتت فاطمة لثواني تقضم شفتيها تحاول التركيز قائلة.
"تؤ، ما افتكرش، موسى أذكى من كده."
اقتربت منها وفضولها يسبقها.
"ليه..؟"
جلست فاطمة على طرف الفراش.
"هقولك ليه مش هيقوله، أولاً موسى عارف ومتأكد لقمان بيحبك قد إيه، وهو شخص هادي وراسي بيفكر في الحاجة قبل ما يعملها."
أشارت شيماء برأسها بالإيجاب.
"أيوه أنتِ صح مش متهور لاء."
ضربت فاطمة بكف يديها الاثنتين.
"شوفتي بقى يعني لو كان زعق أو حتى نادى على لقمان، عارفك بجحة وكنتي وقتها هتتحججي بأي حاجة وهتكذبيه وهتقولي إنه كداب وبيكدب ومحصلش، وإنه بيعمل كده عشان هو بيكرهك ومش عايز جوازك من لقمان يكمل، وعشان عارف لقمان بيحبك قد إيه فكان ممكن يخسره قصادك وهو لا يمكن يخسر لقمان مهما حصل."
"يابنت اللعيبة تصدقي صح كلمته قصاد كلمتي، وأنا لساني طويل مكنتش هسكت."
قالتها شيماء بنبرة هادئة تناقض زعزعتها من الداخل، أردفت وفوضى من المشاعر تخالجها.
"طيب والعمل، ما هو برضوا مش معقول يافاطمة هيسمعني وأنا بدي رقمي لواحد تاني وهيسمع أكيد يعني هيعمل حاجة، ماتعرفيش هيعمل إيه."
طالعت شيماء وهي تذم شفتيها والضيق يتفشى بها، لتقرر مراوغتها قليلاً.
"طيب وانتِ مالك قلقانة كده ليه، ما يعمل اللي يعمله أنتِ مش بتقولي إنك عايزة حد غير لقمان، يتحكم، ويؤمر، وينهي، ويبقى معاه فلوس."
أومأت شيماء وقد أدركت صحة كلامها للتو، أردفت وهي توجه خطواتها نحو الفراش بنبرة منكسرة.
"أنا مش هقدر أنكر إني نفسي بجد في واحد يبقى هو الأمر الناهي في حياتي."
تغيرت نبرتها بحدة.
"بس الأهم من ده كله إنه يبقى معاه فلوس، عربيات بقى وفساتين، وسهرات ونطلع من أم حي الكويت اللي عايشين فيها دي."
تنهدت حين ذكرت.
"بس برضوا اللي عمله لقمان معايا ما يتنسيش أنا بحب لقمان، ولقمان لي فضل عليا كتير، وياما وقف معايا وسندني، بس مش عايزة أعيش في الفقر فهماني، فاهمه عايزة أوصلك إيه."
أشارت فاطمة برأسها نافية.
"لأ ياشيماء أنتِ ما بتحبوهوش، اللي بيحب حد بيخاف يجرحه وأنتِ معندكيش أي مشكلة إنك تجرحي لقمان، أول بس ما تلاقي عريس غني يرضى بيكي مش أكتر، هتسبيه وهتسيبي دنيتك وأهلك وناسك عشان حلمك اللي زيك ما بيحبش غير نفسه وبس، لو بتحبيه بجد مكنتيش دورتي على غيره وتروحي أفراح عشان واحد يشوفك ويعجب بيكي وياخد رقمك وتوقعيه زي ما بقالك أكتر من سنة بتعملي كده ومافيش نتيجة."
"لأ وكمان بتشتغلي من وراه في الكوافيرات ومفهماه إنك شغالة في كول سنتر، مافيش حد بيحب حد بيعمل كده ياشيماء، فوقي ياما."
نَبست ويدها تعبث بخصالات شعرها.
"يـــــوه، أنتِ هتديني خطبة أنتِ كمان، سيبك من ده كله دلوقتي، تفتكري موسى هيعمل إيه في ليلتي الهباب دي."
نَبست فاطمة وهي تتابع الفراغ وكأنها ترتب أفكارها.
"مــــم، مش عارفة بس اللي أعرفه خللي بالك من خطواتك اليومين اللي جايين دول."
تنهدت شيماء بانزعاج.
"ربنا يستر."
....
حلو أوي شوية الهوا دول مع شروق الشمس، لاء جو رومانتيكي، رومانتيكي يعني.
نَبس بها نوح منهكاً وهو بالكاد يستطيع تحريك عضلة لسانه ينظر للسماء أمامه، بينما أشار أنس بيديه على مقهى مفتوح قائلاً.
"دي كافتيريا 'كنكه' فاتحة هناك أهيه ماتيجي نجيب لِنا سندوتشين ولا حاجة."
رطب لقمان حلقه لجفاء نبرته ونبس بنبرة ثابتة.
"إنت مجنون يلا، إنت عارف كوباية الشاي في كافيه كنكه بكام بـ ١٥٠ جنيه."
طرف عين موسى باستغراب.
"ليه الشاي بالكاتل ولا إيه."
ابتسامة آدم كانت تتسع شيئًا فشيئًا مع كل كلمة تخرج منهم يذكرهم بما مضى.
"فاكرين لما كنا بنيجي هنا زمان وكنا كلنا، كلنا بنحلم إن يبقى عندنا كافيه زي كافيه كنكه كده، وكلنا نشتغل فيه وأنا أفتح ركن فيه للكتب عشان اللي بيحب القراءة."
هز الجميع برأسهم إيجابًا، أطلق أنس تنهيدة مرّة تخرج من بين رئتيه وقد غمره الحنين.
"وأنا كنت بقول هطلع طباخ، وهبقى الشيف بتاع الكافيه وهعمل كل الأصناف الجديدة اللي ممكن حد يفكر فيها."
تحركوا معًا، خطواتهم تسير على نفس النسق، حتى قال بشر ضاحكًا.
"لأ، وأنا كمان حلمت معاكم إني هبقى الجرسون اللي بيقدم الطلبات، والله كانت أيام حلوة يا جدع."
التفت موسى إلى لقمان وقال له.
"وإنت يا لقمان، فاكر كان نفسك تشتغل إيه في الكافيه اللي كنا بنحلم نفتحه."
ابتسم لقمان بشرود، كأن الذكرى تحاوره داخله.
"فاكر.. إلا فاكر يا بني.. أنا كنت هفتح جزء منه لصالة الجيم، علشان اللي يطلع من الجيم يروح يشرب حاجة ويقعد في الكافيه بتاعنا."
قاطع نوح شروده.
"وأنا كنت هبقى بتاع الحسابات، المسؤول الوحيد الأوحد، وكنت هظبط المكان حتة تظبيطة."
نَبس طه، وهو يشير إلى نفسه.
"أنا الوحيد اللي مكنش ليا مكان في حلمكم ده، عشان كان نفسي أطلع دكتور، ورسيت على مجموع صيدلة في الآخر."
أشار أنس بيديه وهو يقول.
"يا عم احمد ربنا، إنت الوحيد اللي قربت من حلمك، على الأقل... بص كلنا بقينا فين دلوقتي، ومحدش منا حقق حاجة."
قادتهم أقدامهم دون قصد، وفجأة وقفوا أمام المقهى الذي طالما حلموا بشرائه، وقلوبهم تخفق بالحنين، كأنهم صغار بأحلامهم البريئة.
نظر موسى إليهم، وهم يحدقون في حلمهم المشترك، فقال لقمان بهدوء.
"الظاهر إن في حد اشترى الكافيه اللي جنب كافيه 'كنكه' ده بعد ما كان مقفول من سنين."
تقدم موسى خطوة، وقد اختلطت في ملامحه لمعة الذكرى برغبة جامحة في الهروب من الصمت. ثم قال، يخاطبهم كمن ينفخ في جمر خامد.
"حد لسه فاكر الأغنية اللي كنا بنقولها لما كنا بنيجي هنا."
جاء الرد كسهم، واحدًا موحدًا.
"لأ مش ناقصة خالص."
تعالت الأصوات فجأة، كأن التعب قرر أن ينطق بلسان الجميع.
"أنا عايز أروح، مش قادر، هموت وأنام."
وقف موسى أمامهم، كمن يستجدي لحظة حياة من تحت الركام.
"ياسيدنا كلنا هننام والله، بس عشان خاطري... كنا بنغني نقول إيه بقى."
كان الهواء قد ازداد برودة، لمح لقمان نظرة موسى، ورأى في عينيه وميض الحنين. أخرج يده من جيب سترته، وبدأ يصفق ببطء، ثم تمتم، وقد سكن الملل صوته.
"أرش الماية على الحيطة... تطلع كتاكيت وفراخ بيضا... أبقى أنا كداب."
التفت بشر، وقد لمح لوحًا خشبيًا ملقيًا على الأرض. اثنى جسده، أخرج عود ثقاب من جيبه، وأشعله.
أحاطوا جميعًا بذلك اللهب الصغير، يشكلون دائرة كأنها مأوى لحلم قديم.
صفق آدم أولًا، وحده، ثم نطق كمن يوقظ الطفولة.
"اللاء، اللاء..."
شجعهم موسى، يصفق ويضحك.
"يلا، يالا إنت وهو."
ردوا بصوت واحد، لكنه متثاقل.
"اللاء، لاء."
ردد لقمان، وصوته هذه المرة أقل ترددًا.
"أبقى أنا فشار."
أجاب الجميع، كأن الكلمات بدأت تخرجهم من صقيع النسيان.
"اللاء، اللاء."
رفع أنس يده، وابتسم كمن دخل في حالة كان قد نسيها.
"أحمد مظهر قبل ما يظهر، كان شغال عندنا في الأزهر... أبقى أنا كداب."
رد الجميع، والتصفيق يعلو.
"اللاء، لاء.."
"أبقى أنا فشار."
تسارعت النبضات، وارتفع التصفيق أكثر، قال طه بصوته الذي كاد يخنقه الضحك.
"طب فاتن حمامة وهي علامة، كانت شغالة عندنا خدامة... أبقى أنا كداب."
اشتعلت الضحكات، واختلطت التصفيقات بهتاف حماسي.
"اللاء، لاء."
"أبقى أنا فشار."
غمز له أنس بطرف عينيه ممازحًا وسط أصوات التصفيق العالي.
"ياواد يابتاع فاتن حمامة إنت."
بينما في نفس اللحظة يردد أشقاؤه خلفه.
"اللاء، لاء."
التفتوا جميعًا نحو آدم، كان الدور قد وصل إليه. نظر حوله، شعر بارتباك صغير، لكنه نطق بها، وابتسامة بريئة ترتسم على شفتيه.
"محمود المليجي قبل ما ييجي، كان شغال عندنا ميكانيكي."
ضحك معهم، نظر إليهم واحدًا تلو الآخر، ثم اقترب منه موسى، وضع يده على رأسه بمودة، ثم ابتعد سريعًا. هتفوا كلهم في نغمة واحدة.
"اللاء، اللاء."
نهض نوح بحماسه الطفولي، وهو يصفق ويحرك جسده كمن عاد لمرحه القديم.
"وأنا أبويا حارب الهكسوس، وهو راكب على الجاموس..."
"أبقى أنا كداب."
تعالت الضحكات، وعَلت الأصوات.
"اللاء، اللاء."
وأشار نوح إلى نفسه بفخر.
"أبقى أنا فشار."
أشار الجميع برؤوسهم بالإيجاب.
"اهـــا، اهــــا."
ضحك الجميع في آن واحد معًا، طالعهم نوح يتوعد لهم.
وفي لحظة واحدة، سكنت العيون على موسى. كان الدور له، لف الكوفية حول عنقه، ونظر أمامه، عيناه تستقر على المقهى القديم، ثم بدأ يصفق عاليًا يتمتم.
"انا شوفت في مرة عيال شقيانة، تتمنى يوم تبات شبعانه.."
كان الصمت قد بدأ ينسل بين ضحكاتهم، والدفء الخفيف الذي صنعته الأغنية القديمة بدأ يخفت، حين خطا موسى خطوة إلى الأمام، وابتسامة غامضة ترتسم على ملامحه وهو يكمل بصوت فيه حنين بعيد، كأنما يخرج من زمن آخر.
" ابقى انا كداب."
توقفت الأيدي عن التصفيق للحظة، التفت الجميع إليه بدهشة غامضة، لا يفهمون ما يقصد، لكنهم، كما لو أن الألفة وحدها تقودهم، ردوا بصوت واحد.
"اللّا، اللّا..."
ثم تابع، بنفس الإيقاع، لكن بصوت أكثر دفئًا.
"كنا صغار... نحلم بكافيه.
بنرسم خطّ... ونمشي عليه.. ابقى انا كداب."
أشار بيده على صدره كأنه يسألهم، لا يغني فقط.
" ابقى انا فشار."
تبادلوا النظرات في حيرة، بينما ظل موسى واقفًا مكانه، عيناه تلمعان بنور من نوع خاص. سكنت اللحظة فجأة، خفتت الضحكات، توقف التصفيق، كأن الزمن كله قرر أن يتوقف لينصت.
توقف موسى عن التصفيق، ونظر إليهم نظرة غامرة بالحنين، كأب يهمس بسر لِمن كبروا أمامه، وكأنّه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد.
ثم قال بهدوء شديد، فيه شيء من الفخر، وشيء أكبر من الحب.
"سافرت بلاد... وشقيت سنين.
واتحقق الحلم .. اللي شاورتوا عليه."
ومع كلماته الأخيرة، أشار بيده إلى المقهى الذي كان يقف خلفهم، ذاك المكان الذي لطالما حملوه جميعًا في خيالهم، كصورة بعيدة، كحلم لا يأتي.
نظروا حيث أشار، ثم إليه، ثم إلى بعضهم البعض، وكل شيء فيهم تغير.
صمت كثيف غلف الهواء، كأن الزمن نفسه قد تجمد، يخشى أن يفسد تلك اللحظة بكلمة زائدة.
تحدث لقمان بصوت مبحوح من فرط التأثر، وعيناه تلمعان بدمعة ثقيلة.
"لّا... لّا .. أنتَ تقصد إيه يسطا عشان مش فاهمين."
خطا أنس خطوة أخرى، يتأمل وجه شقيقه، وأردف بنبرة هامسة، تكابر الانفعال.
"يعني إيه، بتشاور على الكافيه ليه يسطا... مش فاهمك وربنا."
لم يجب موسى في الحال. تجمد في مكانه للحظات، كأن داخله طفلًا صغيرًا يقف على حافة الحلم، يتردد أن يخطو إليه خوفًا من أن ينهار تحت قدميه.
عيناه دارت على وجوههم واحدة تلو الأخرى... لم يرهم كما هم، بل كما كانوا، أطفالًا بملابس مهترئة، يركضون بين عربات الشاي، يحلمون بالمقهى الخاص بهم، يرسمونه بالكلمات والضحك...
وضع يده ببطء في جيبه.
كان الجيب صغيرًا، لكن ما بداخله بدا ثقيلًا، كأنه يحمل كل سنين الغربة، وكل ليل اشتعل فيه الأمل دون ضوء.
تنهد بابتسامة دافئة، صامتة، شقت طريقها إلى وجهه، وقال بصوت خفيض، لكنه كان كافيًا ليوقظ قلوبهم.
"الحلم اتحقق أخيرًا يا وَلَاد نصار."
أخرج المفتاح من جيبه، رفعه ببطء، انفجرت الأصوات من حوله، أشبه بانفجار ضوء في نهاية نفق.
تعالت الضحكات، امتزجت بالدموع، وانطلقت الهتافات، لم يكن أحد منهم يملك الكلمات المناسبة، لكن الفرح وحده كان أبلغ من أي حديث.
رفعوه على أكتافهم كما لو أنه الحلم مجسدًا، ثم فجأة، بدأوا يلقونه في الهواء كالأطفال حين ينتصرون، يعلو ويهبط على أيديهم، ووجهه يضحك رغم الدهشة.
صرخ موسى وهو يضحك.
"نزلوني يا وَلَاد ال... هقَع."
لكنهم لم يسمعوه، أو ربما لم يريدوا أن يسمعوا.
ظلوا يرفعونه ويعيدون التقاطه، تتعالى ضحكاتهم، والسعادة تفيض من وجوههم، كما لو أنهم لا يمسكون به... بل يمسكون بزمن كامل عاد فجأة، زمن كانوا يظنونه انتهى، كانوا يحملونه... وكان هو الحلم نفسه.
انتشل نوح منه المفتاح، كانت يده ترتجف قليلًا، ربما من الإرهاق، وربما من امتلاء القلب بما لا يحتمل.
دفع الباب ببطء... صدر عنه صرير خافت، كأنه شهقة زمن طويل انتظر هذا الفتح.
دلفوا للداخل، خطواتهم كانت هادئة، لكنها ثقيلة بالمعنى.
التراب لا يزال يعلو الكراسي، النوافذ مطفأة، والهواء ساكن.
لكن أعينهم لم تر ذلك.
رأوا الطاولات الخشبية تلمع، والكراسي منجدة بجلد أحمر كما كانت من قبل، تخيلوا الأكواب المصفوفة، والقائمة المعلقة، والزائرين يدخلون.
رأوا الحلم... لا المكان.
وقفوا جميعًا في المنتصف، يتلفتون حولهم كمن يفيق من حلم جميل، ليكتشف أنه لم يكن يحلم، بل كان يصحو.
قال آدم بصوت مبحوح، مبلل بالدهشة.
"أنا هعمل ركن للكتب هنا.."
لم يجبه أحد.
لم يكن الصمت عجزًا، بل امتلاءً... كأن القلوب امتلأت حتى فاضت، ولم تترك للسان مجالًا للنطق.
كان الحلم قد تحقق.
ليس فقط لأن بابًا قد فتح، أو لأن مفتاحًا وُضع بين يد ويد... بل لأن ما ظنوه ماضيًا عابرًا، اتخذ شكله أخيرًا، وبقي حيًا بينهم.
....
إنه الاتصال الألف بعد المئة الذي وصله اليوم.
فتح موسى تطبيق الواتساب، فوجد سيلًا من الرسائل، أدرك حينها أن الوقت قد نفد، ولم يكن بيده حيلة سوى الاعتذار من أشقائه، والمغادرة على الفور.
ورغم اعتراض بعضهم على رحيله، كان دعم لقمان له كافيًا ليدفعه للمضي قدمًا في طريقه.
ترك المقهى في عهدته، ووضع أمانته بين يديه حتى يعود.
ارتدى خوذته السوداء التي تقطع ظلامها خطوط حمراء دقيقة في الأمام، وأخرج قفازاته، يرتديها ليحمي كفيه من البرد القارس الذي ينتظره بعد لحظات قليلة.
والنتيجة هو هنا الآن، يقود دراجته البخارية على الطريق الصحراوي، بأقصى ما يمكن من سرعة.
وكأنه في سباق، لا متسابقين فيه... سوى نفسه.
تسلل الضوء من خلف الغيم، يطرد آخر بقايا الليل في خجل بطيء.
أعمدة الإنارة على جانبي الطريق انطفأت واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الفجر يوقظها من نوبة حراسة طويلة.
الهواء مشبع ببرد كثيف، رطب، يتسلل عبر الملابس ويلتف حول العظام.
شبورة خفيفة تغلف الأفق، تموه الرؤية وتغرق العالم في ضباب رمادي، وكأن كل ما حوله مشهد لم يكتمل.
ضغط موسى على المقبض، تتسارع الدراجة، وأطلقت صوتًا عميقًا يتردد بين الصخور الصامتة والسماء ملبدة بسحب رمادية توحي بأن المطر بات قريبًا. لكن موسى لم يبالِ، لم يتوقف، لم يرفع عينيه طويلًا.
كان الطريق فارغًا، لا شيء على جانبيه سوى الصحراء تمتد بلا نهاية، والرمال تتناثر مع الهواء كأشباح ناعمة.
لمح ضوء المؤشر الأحمر يومض على عداد الوقود، تنبه فجأة.
ضرب بيده على مقود الدراجة بضيق، وهو يغمغم لنفسه.
"نسيت أزود بنزين..."
ضغط على المقبض أكثر، فتضاعفت السرعة حتى صارت الدراجة تحك بالأرض كأنها تحفرها.
انطلقت العجلات تطلق شررًا خفيفًا، والرياح تصفع جسده من كل الجهات.
بدأ يميل بدراجته يسارًا ويمينًا، يتجاوز السيارات كأنه يطير لا يسير.
أضواء السيارات تتراجع أمامه، حتى ظهرت أمامه أخيرًا محطة بنزين وحيدة على الطريق، كواحة وسط تيه لا ينتهي.
ابتسم دون وعي، ثم اقترب منها بثبات.
أوقف دراجته أمام المضخة، أنزل قدمه بثقل، ثبّتها، ثم التقط فوهة المضخة وثبّتها في خزان الوقود.
توجه إلى محل المحطة، ليُروي ظمأه، خرج من الباب يتجرع من زجاجته، بينما كانت قطرات الماء تنحدر على شفتيه، تنزلق على عنقه، وتتحرك "تفاحة آدم" في حركتها الجاذبة مع كل جرعة.
رفع عينيه حين لمح سيارة سوداء تقف بجوار دراجته.
نزل السائق، لف حولها بهدوء، وتوقف أمام المضخة الثانية.
لكن موسى لم يلتفت للسائق، بل جذب انتباهه شيء آخر...
يد خرجت من النافذة الخلفية، يد أنثوية، ناعمة، تمددت بهدوء على هيكل دراجته.
لم تظهر صاحبتها، لم ينبس أحدهم بكلمة، فقط يد تمررت فوق المعدن، تنساب أصابعها فوق الأحرف والأرقام التي نقشها موسى على جانب موتووره، كأنها تقرأها بصمت...
تجمد موسى في مكانه.
قطرات الماء لا تزال تنحدر، وزجاجته بين يديه.
ضاق ما بين حاجبيه، نظراته انشدت نحوها باستغراب ممزوج بفضول غامر.
تحركت السيارة وتحرك هو يستكمل طريقه.
كان البرد قاسيًا، ينهش أطرافه رغم القفازات.
رفع عينيه إلى السماء، وقد بدأت تفرغ أولى غيومها، والمطر ينهمر بغير تمهيد، كأن الصباح قد قرر أن يبدأ على نغمة الماء. قطراته تلامس الطريق، تحدث فيه لمعة متقطعة تحت ضوء رمادي خافت، وموسى يقود دراجته البخارية كمن يهرب من شيء لا يقال.
لمح نفس السيارة أمامه لم تكن تسير بسرعة، وكأنها تنتظره.
ثم حدث ذلك من جديد.
يد أنثى ناعمة، بيضاء، يلفها كم أبيض مطرز بدقة.
كأنها لا تنتمي للطريق، ولا للعاصفة.
كأنها خرجت من عالم آخر، وخصلة سوداء انزلقت مع يدها إلى الخارج، تتمايل مع الريح، والمطر يتساقط على الذراع الممتدة في بلل خفيف.
شد موسى قبضته على المقود اقترب أكثر فأصبحت الدراجة بمحاذاة السيارة.
وذلك الكفّ... كف رفيع، ساكن، تبلله قطرات المطر دون أن ينسحب أو يختبئ.
تباطأ دون أن يشعر، اقترب أكثر، والعالم حوله صار أهدأ. نقرت أصابعها على الباب بخفة.
ضربات قصيرة، كأنها تدق على باب داخلي.
مدت كفها قليلًا... فردت الأصابع.
يد لا تبحث عن شيء، لكنها لا تخشى شيئًا أيضًا.
ودون تفكير، رفع موسى يده من المقود ومدها، ببطء، كأن الهواء أصبح أكثر كثافة.
تلامس الكفان لم تكن لمسة طويلة ولا واضحة.
لكنها كانت كافية.
ما إن لامست أطراف أصابعه أطراف يدها، حتى انكمشت يدها فجأة، كأنها فوجئت بجرأته.
رفعت رأسها في حركة حذرة، وببطء... أخرجت وجهها قليلًا من النافذة، ونظرت إليه.
رآها أخيرًا.
وجه ناعم، مضيء رغم ظل السيارة، عينان عسليتان واسعتان، ونصف عبوس غير واضح، كأنها لم تقرر بعد هل تغضب، أم تستغرب، أم تبتسم.
طالعها عبر الخوذة، التي لم تُظهر من ملامحه سوى عيونه الكابولتيه، المائلة للغمقان، تطلان من خلف زجاج مضاد للضوء.
عيناه فقط هما من تحدثا.
ضاقت قليلاً، ففهمت أنها ابتسامة.
ومع تلك الغمزة الصامتة، أرجعت يدها سريعًا إلى داخل السيارة، بان في نظرتها أنها انزعجت، وكأنها لم تتوقع جرأته.
شعرت بشيء من الارتباك، وشيء من الفضول.
خفف موسى من سرعته، وكأنه يحترم انسحابها.
فجأة، انطلقت السيارة أمامه، سبقته، ثم تباطأت قليلاً... ورأسها خرج من النافذة مرة أخرى، تطل عليه من فوق كتفها، بعينين حادتين هذه المرة، ووجه لا يخفي ضيقه.
"Du bist ein Tier."
قالتها واختفت سيارتها وسط الزحام.
توقف موسى قليلًا، وهو ينظر خلفها وهي تبتعد.
لم يشعر بالإهانة، على العكس، ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه، تسللت إلى عينيه.
رن هاتفه في تلك اللحظة.
مد يده لجيبه الداخلي، وقبل أن يخرجه، شعر بشيء صغير يلامس معصمه.
أنزل بصره.. ليجد سوار ناعم، مخرّم بخيوط ذهبية دقيقة، كان عالقًا في كم سترته الجلدية.
تأمله لحظة... ثم ابتسم.
خلع القفاز عن يده، سحب السوار برفق، ووضعه في جيب سترته بهدوء كمن يخبئ سرًا، ثم أنزل زجاج الخوذة، وأدار المقبض.
انطلقت الدراجة مجددًا، تخترق الضباب والمطر،
لكن شيئًا فيها أصبح مختلفًا..
....
هناك أوقات يجب عليك فيها معرفة الحقيقة، حقيقته هو. دلف موسى إلى داخل قصر أبيه.
حراس بكل مكان هنا وهناك على الجانبين. تقدم موسى إلى الداخل يلتف بماتوره حول النافورة الضخمة بالمُنتصف. ركن دراجته فأتى أحد الحراس مسرعًا يأخذها منه، ولكنّه رد رافضًا.
"مافيش داعي سيبها هنا، أنا ماشي على طول."
تقدم ناحية القصر بخطى ثقيلة وكأنه يمنع نفسه من الدخول ولكنّه مجبور على ذلك. ومنذ لحظة وصوله وجد من ارتَمى بداخل أحضانه. ضمه بذراعيه يحتضنها بقوة وهو يقول.
"وحشتيني ياحبيبه، وحشتيني أوي."
كانت ستنطق بلهفة مشتاق، ولكن بتر حديثها صوت غليظ يعلمه هو جيدًا.
"لو كانت أختك وحشتك بجد يااستاذ موسى كنت تنزل على هنا قبل ما تروح لحد تاني."
اعتذر بأدب وهو يبرر.
"أنا اسف، بس كان لازم أزور أمي وأخواتي خصوصاً إني بقالي."
اقترب والده منه والغضب لمع بعينيه حين نطق كلماته الأخيرة قائلاً.
"انت عارف كويس أوي إن اللي هناك دي مش أمك ولا اللي هناك دول أخواتك، أمك قاعدة فوق مريضة بين الحياة والموت وأختك واقفة جنبك وأبوك هو اللي بيكلمك، فاهم ياموسى، فاهم."
لم يجبه موسى فقط نظر إليه بعينين قاتمتين، كأنهما تخفيان كل الردود.
ثم قال بهدوء.
"أنا مش ناسي... وعمري ما نسيت وعارف كويس أوي إن نعيمة مش أمي."
رواية و لأنه موسى الفصل الثامن 8 - بقلم ماهي احمد
لم يُجبه " موسى " فقط نظر إليه بعينين قاتمتين، كأنهما تخفيان كل الردود.
ثم قال بهدوء...
"أنا مش ناسي... وعمري ما نسيت وعارف كويس اوي ان نعيمه مش امي "