تحميل رواية «وهم الحياه» PDF
بقلم خديجه احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ وهم الحياه بقلم خديجه احمد.
رواية وهم الحياه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الحادي عشر
البارت الحداشر
فجر
مسكت الفون واتصلت بيعقوب.
لاني معرفتش اتصل بيه من زين اللي جه فجأه ….
اتفقنا على مكان نتقابل فيه.
قعدنا في كافيه هادي.
طلبت قهوة، وهو طلب قهوة زيي.
قعد قدامي، وأنا أخدت رشفة صغيرة واتنهدت، بحاول أرتّب أفكاري قبل ما أتكلم.
بس هدوئي كان مستفز له.
قال بعصبية مكبوتة:
— وبعدين؟!
عرفت إنها بتخوني… وبعد كده؟!
بصيت له، وسرحت لحظة، وبعدين سألته فجأة:
— هو… إنت حسيت بإيه لما عرفت إنها بتخونك؟
ضحك ضحكة قصيرة فيها سخرية ووجع:
— هكون حسيت بإيه يعني؟
حزن… وجع… غضب.
كنت حاسس إني عايز أحرق كل حاجة حواليا.
مكنتش متخيل أبداً إنها ممكن تعمل كده.
قلت بهدوء، وأنا راقبة تعبير وشه:
— كنت شايف إنها بتحبك؟
ولا… بتسلكلك وخلاص؟
بصلي باستغراب:
— بتسلكلي إزاي يعني؟
قربت الكوباية مني، وقلت بهدوء قاتل:
— يعني…
إنتوا اتخطبتوا عشان رغبة باباك،
عشان صاحب باباها قوي.
إنت وافقت…
بس عمرك سألت نفسك هي كانت موافقة؟
ولا اتغصبت؟
اتشد في قعدته وقال بحدة:
— أنا مش فاهم.
وبعدين… إنتِ عرفتي الكلام ده منين أصلاً؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت:
— يعقوب…
أنا ملكة اللعبة.
ينفع أدخل لعبة وأنا مش عارفة أحداثها؟
سكت.
وبصته اتغيّر.
في عينيه قلق… ريبة.
حسيت إنه ابتدى يخاف مني.
حاولت أهدّي الوضع، فقلت بهدوء:
— متخافش.
أنا لا يمكن أؤذيك ولا أعمل حاجة تضرك،
طول ما إنت مأذتنيش.
لكن بدل ما أطمنه…
واضح إني خوّفته أكتر.
قال بصوت متحشرج، محاول يبان ثابت:
— أنا مش بخاف…
بس أنا مش مستريحلك.
يعني فجر الرفاعي،
صاحبة أكبر شركات إنشاءات في الشرق الأوسط،
تسيب شغلها وكل اللي وراها
وتقرر تنتقم؟
بصيت له، وقلت بسخرية موجوعة:
— لما يكون الوجع سببه حد عزيز،
حد عمرك ما تخيلت
إنه في يوم من الأيام يعمل فيك كده…
ولما تتخان وتشوف الخيانة بعينك،
ساعتها…
مفيش حاجة بتسيطر عليك
غير روح الانتقام.
يعقوب سكت شوية.
كان باصص في فنجان القهوة كأنه بيحاول يلاقي فيه إجابة.
إيده كانت مشدودة، وأعصابه باينة رغم محاولته يبان ثابت.
رفع عينه وبصلي وقال بصوت واطي، بس حاسم:
— يعني إيه؟
لو دخلت اللعبة دي… مفيش رجوع، صح؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، مش فيها أي طمأنة:
— مفيش لعب من غير تمن.
بس في نهاية… يا إنت تطلع كسبان،
يا الحقيقة تطلع كاملة.
اتنهد، ومسح وشه بإيده، كأنه بيشيل حمل تقيل:
— أنا عمري ما كنت إنسان انتقامي…
بس اللي حصل ده كسرني.
وأنا مش قادر أكمّل وأنا أعمى.
سكت لحظة، وبعدين قال وهو بيرفع عينه ليّا:
— قولي هنعمل إيه…
وأنا معاكِ.
في اللحظة دي، حسيت إن القطعة الأخيرة دخلت مكانها.
مش حماس…
ولا غضب.
قرار.
قربت شوية وقلت بهدوء:
— أول قاعدة في لعبتنا…
إنك متحبّش، ومتصدقش، ومتواجهش.
رفع حاجبه وقال بسخرية مرّة:
— سهل الكلام… صعب التنفيذ.
ردّيت وأنا ببصله بثبات:
— عشان كده مش هتكون لوحدك.
بس من اللحظة دي…
إنت مش ضحية.
إنت لاعب.
هز راسه ببطء،
وقال:
— تمام…
خلّينا نلعب.
ردّيت عليه بهدوء، كأني بتكلم عن حاجة عادية:
— دلوقتي هقولك إيه الخطة.
قربت الكوباية مني، وكمّلت بصوت واطي:
— إنت هتكمّل طبيعي…
ولا كإنك عرفت حاجة،
ولا تغيّر كلمة، ولا نظرة.
رفع عينه وقال بقلق:
— يعني أمثّل؟
هزّيت راسي:
— لأ…
تعيش الحقيقة اللي هي فاكرة إنها ماشية.
سكت شوية فكمّلت:
— مفيش مواجهة،
ولا أسئلة مباشرة،
ولا انفعال.
أي غلطة منك
هتخلّيهم يقفلوا دايرة الخيانة،
وأنا عايزاها تفضل مفتوحة.
قلت بثبات، من غير ما أرفع صوتي:
— دورك إنك تسمع…
وتشوف…
وتعيشها في نعيم.
رفع حاجبه باستغراب، فكملت:
— تجيبلها هدايا،
تعامِلها أحسن معاملة،
تحسّسها إنها كسبت الدنيا كلها.
قربت شوية وقلت بهدوء تقيل:
— خليها تطمّن…
وتغلط وهي مرتاحة.
سكت، وبصلي نظرة طويلة،
واضح إنه فهم إن الوجع الحقيقي
مش في المواجهة…
الوجع في إنك تسيب اللي قدامك
يطمّن ويتمادى
وهو فاكر نفسه آمن.
اتنهد وقال:
— طب وإنتِ؟
ابتسمت ابتسامة هادية، فيها معنى أكتر ما فيها فرح:
— أنا دوري أقرّب…
وأضيّق الخناق واحدة واحدة،
من غير ما حد يحس.
سكت، وبعدين قال:
— يعني نهايتهم مش قريبة؟
بصّيت له بثقة:
— قريبة…
بس لازم تيجي في وقتها.
وساعتها…
لا حد هيقدر ينكر،
ولا حد هيطلع بريء.
_______________
نواره
اليوم كان خفيف ولطيف أوي.
اتعرفت على الشغل، وفهمت شويه حاجات فيه.
تميم ومنى ساعدوني كتير، وبسرعة حسّيت إننا بقينا صحاب.
بعد الشغل، اقترح تميم إننا نروح نتغدى كلنا مع بعض…
وبما إن قلبي كان مرتاح، ما اعترضتش.
روحنا، وقعدنا، وبدأنا ناكل مع بعض.
حسيت بسعادة بسيطة…
الضحك معاهم، الحضور الجميل، كل حاجة كانت مليانة دفء…
كنت مبسوطة أوي بقعدتهم، وعارفه قد إيه هم لطاف وحضورهم حلو.
بس فجأة… كل الفرح ده اتبدل لحزن.
اول ما لقيت Notification على الفون.
مسكته، وفجأة قلبت عيني على الاستوري…
الصدمة وقعت عليا:
__مراد… كاتب إنه خطوبته بعد يومين بالضبط!
قلبى اتقفل،
الإحساس بالسعادة اللي كنت حاسّاها قبل لحظات… ذابت في لمحة.
حسّيت برعشة في إيدي، وده كان أول ما خلاني أفكر: هو ده حقيقي؟
اتصدمت…
حسّيت وشي بيغيّر ألوانه من غير ما آخد بالي.
عيوني لمعت، والدموع بدأت تتجمع غصب عني.
مسكت شنطتي بسرعة وقومت، وقلت وأنا بحاول أطلع صوتي ثابت:
— أنا ماشيه… لما منى تخرج من الحمام عرفها إني تعبت فجأة وروحت.
بس هو ما سابنيش.
قام ورايا وقال بقلق:
— تعبانه؟ مالك بس؟ طب أوديكي المستشفى؟
ماكنتش سامعاه.
كنت ماشية بسرعة، وكأني بهرب…
بحارب دموعي، بحاول أتماسك، بحاول ما أبانش ضعيفة قدّام حد.
قربت من الطريق عشان أعدّي…
وفجأة—
نور العربية ضرب عيني، وصوت الفرامل شق وداني.
ثانية واحدة كانت كفيلة تخلص كل حاجة.
بس إيد شدتني فجأة،
قوية… مفاجئة…
رجعتني لورا قبل ما العربية تعدّي من قدامي بشبر.
شدّني بقوة…
واتلخبطت ووقعت عليه.
كان تميم.
حسّيت بنَفَسه السريع، وبإيده اللي ماسكاني وكأنها آخر حاجة واقفة بيني وبين الأرض.
صوته كان مهزوز وهو بيقول:
— كنتي هتموتي!
ماكنتش قادرة أرد… ولا حتى أقف على رجلي.
في اللحظة دي، حسّيت إني عاجزة بجد.
كل القوة اللي كنت متداريه وراها سابتني مرة واحدة.
دموعي نزلت…
مش واحدة ولا اتنين،
عيطت بهستيريا، كأني كنت مستنية اللحظة دي من زمان.
كل حصوني وقعت،
وكل اللي كنت مخبياه جوه صدري اتعرّى فجأة.
قومني بهدوء، مسكني من دراعي، وصوته حاول يكون مطمّن:
— خلاص… اهدي، متخافيش، انتي بخير.
بس مكنتش قادرة أهدى.
فضلت أعيّط.
وهو…
كان بيطبطب عليا في حيرة،
واقف مش عارف يعمل إيه،
غير إنه يفضل جنبي…
وكأنه خايف يسيبني أوقع تاني.
قعد جمبي، وصوته كان واطي وهادي بشكل غريب… كإنه بيحاول يلم شتاتي وقال:
__خدي نفس… واحدة واحدة، مفيش حاجة هتحصل، أنا ماسكك أهو.
الكلمة دي كسرتني.
“ماسكك” حسستني إني فعلًا كنت واقعة… ومش بس في الشارع، واقعة من جوايا.
حسيت بدراعه حواليا، مش ضاغط، مش متملك، مجرد أمان.
أمان كنت محتاجاه ومش عارفة أطلبه.
عيطت أكتر.
مكنتش بعيط ع العربية، ولا ع الخضة…
كنت بعيط ع خبر شوفته، ع وجع كنت فاكرة إني دفنته، ع اسم رجع فجأة كإنه لسه عايش جوا قلبي.
هو مكنش مستعجلني أهدى، ولا بيقولي “خلاص”،
سابني أطلع كل اللي كنت كاتماه
وقال بهدوء:
__إنتي قوية… بس حتى القوي بيضعف، ومش عيب.
قوتي؟
أنا اللي طول عمري بضحك وبقول تمام؟
أنا اللي فاكرة إن النسيان شفا؟
ساعتها فهمت…
إن الذاكرة ممكن تنسى الأشخاص،
بس القلب… عمره ما بينسى الوجع.
وبعدين أتكلم تاني صوته طلع واطي، هادي زيادة عن اللزوم:
— بصّي… خدي نفس كده، واحدة واحدة، أنا معاكي.
حاولت أعمل اللي قاله بس صدري كان مقفول.
قرب شوية، من غير ما يلمسني، كإنه خايف يضغط عليا أكتر، وكمل:
— مفيش حاجة مستاهلة تمشي لوحدك بالحالة دي… حتى الزعل محتاج حد يقف جنبه.
رفعت عيني ليه، دموعي كانت مغرقة وشي،
قلت بصوت متكسر:
— أنا تعبانة قوي.
هز راسه بهدوء وقال:
— باين… ومش غلط.
بس الغلط إنك تفضلي شايلة لوحدك.
الكلمة دي وجعتني وريحتني في نفس الوقت.
حسيت إني مش مطالبـة أشرح،
ولا أبرر،
ولا أبقى قوية.
واقف قدامي حد
مش بيحاول يضغط عليا،
ولا يسألني مالك؟
بس بيقولي:
انا فاهمك
خدني واكلني على آيس كريم كأنه بيحاول يخفف عني حاجة بسيطة…
بس بالنسبالي كانت حاجة كبيرة جدًا، كأنها لمسة أمان وسط كل الفوضى اللي جوايا.
وقفنا وإحنا بناكل الآيس كريم سوا.
بصلي بتساؤل بسيط:
— حلو؟
ابتسمت وقلت له بصدق:
— آه… أوي
.
بصلي برضا، وحسيت قلبي لسه بيعصره شوية الحزن اللي فات.
قلت وأنا ببصله:
— شكرا.
رد عليا بتساؤل، زي ما لو حابب يعرف سبب الابتسامة اللي ظهرت على وشي:
— عايزة تقولي شكرا… على إيه بالظبط؟
كل دا عشان آيس كريم؟
ضحكت بخفة، والابتسامة لسه على وشي:
— لأ… مش بس عشان الآيس كريم.
عشان إنك هنا… وعشان مضغطش عليا ومسألتش كتير.
ساعتها بصلي نظرة طويلة…
كأن صمته بيقول كل اللي مش قادر يقوله الكلام.
وفجأة، فونه رن
… بصيت له بسرعة وقلت:
— رد براحتك… أنا هقف بعيد هناك.
رد عليا بتسرع، كإنه خايف:
— لا… دي منى، بس متعصبة إننا سبناها ومشينا.
حطيت إيدي على وجهي، وقلت بصدمة:
— يلهوي… إحنا إزاي نسيناها؟ أكيد زعلت.
هو قرب مني، بصلي بهدوء وحاول يطمني:
— متقلقيش… أنا هعرف اتصرف.
وبص للساعه وقال:
— طيب… يلا، أوصلك عشان متروحيش لوحدك.
اتنهدت وهزيت راسي بهدوء ومشيت جمبه عشان نوصل للعربيه …
_______________
تميم
اتصلت بيها عشان أحاول أصالحها، لأنها كانت متعصبة جدًا.
سمعت صوتها غاضب وهي بتقول:
— بقى كده؟ يعني دي واحدة لسه جايه جديد تخرج معاها وتسيبني؟
رديت بهدوء، بحاول أهدّيها:
— يا ست منى… والله الموضوع مش زي ما أنتي فاهمة. كانت منهارة، فانا رحت وراها أعرف مالها.
ضحكت بسخرية وقالت:
— وعرفت مالها يا خفيف؟
تنهدت وزهقت وقلت:
— لا… محكيتش حاجة.
ردت بغضب:
— خليها تنفعك يا تميم، وأنا اللي صاحبتك بقالي قد كده… معملتش معايا زي ما عملت معاها!
نفد صبري وقلت:
— عملت معاها إيه يا بنتي؟
لكن ملقتش رد… سكتت. وقفل الفون في وشي.
ساعات كتير بحس إن منى بتحبني، مش حب أصدقاء… لا، الحب التاني ده.
بس كنت بكذب على نفسي… مش عايز أصدق عشان ما أخسرهاش، لأنها صاحبة غالية عليا جدًا.
تميم
فضلت ماسك الفون ثواني بعد ما قفلت في وشي،
مبحبش الإحساس ده…
إحساس إنك عملت حاجة من غير ما تقصد تزعل حد،
وبرضه الزعل حصل.
تنهدت وأنا بحط الفون في جيبي،
وكلامها بيلف في دماغي.
«خليها تنفعك»
الكلمة كانت تقيلة… مش هزار، ومش عتاب خفيف.
ساعات كتير كنت بحس إن منى نظرتها ليا مختلفة،
اهتمامها زايد،
غيرتها مش بريئة قوي.
بس كنت دايمًا أضحك على نفسي وأقول:
دي صاحبتي،
عِشرة شغل،
أخوّة.
الحقيقة؟
كنت بخاف أواجه الفكرة.
مش عايز أصدق إن في مشاعر بالشكل ده،
لأني لو اعترفت بيها—even بيني وبين نفسي—
هخسرها… أو أجرحها.
رفعت عيني لنوارة،
كانت واقفة بعيد شوية،
ماسكة الآيس كريم وبتحاول تبتسم،
بس عيونها لسه متقلّمة.
في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة:
أنا مش غلطان إني وقفت جنب حد محتاج،
بس برضه…
مش كل القلوب بتستحمل تشوفك بتعمل كده مع غيرها.
وخدت نفس عميق،
وقلت في سري:
الدنيا معقدة أكتر مما كنت فاكر…
وأنا شكلي داخل على حاجات مش سهلة خالص.
________________
زين
روحت البيت ولقيت فجر قاعدة قدام التلفزيون، ماسكة السكينة وبتقشر فاكهة، ومش واخدة بالها مني.
حمحمت فابتسمت،
بس الابتسامة كانت مجهدة:
— حمدلله على السلامة… اتأخرت النهارده كده ليه؟
قعدت جمبها، نفسي أبان هادي… لكن قلبي كان بيخبط جامد، وكل تفكيري كان على نوارة.
قلت بهدوء:
— كان عندي ضغط شغل جامد أوي.
شربت كباية مية قدامي، بس حاسس إن كل حركة عيني عليها بتشدني أكتر.
وقولت بتساؤل :
— صحيح… أنا روحت الشركة عشان آخدك معايا، ملقتكيش… ولمحت نوارة هناك.
ردت كأن الموضوع عادي، بدون أي إحساس:
— آه… أصلها اتعينت النهارده فالشركة.
قلبي وقع فجأة… شعور غريب بين الغضب والغيرة.
قلت بصوت متحشرج وأنا بحاول اسيطر على نفسي:
— هتشتغل معاكي يعني؟
هزت راسها بكل برود… وأنا حسيت إن جوف قلبي اتجمد.
حاولت أبين إني عادي، لكن كل حرف خرج منّي كان مش قادر أخفي التوتر:
— غريبة… مقولتليش يعني؟
ردت بعدم فهم:
— هو أنا قبل كده كنت بقولك على كل حاجة؟
قلت بكل منطق، وقلبي بيتقطع:
— أيوة.
وبدا عليها الحزن وقالت:
— معلش… بجد… مكنتش أعرف انت عارف إني لسه مش فاكرة علاقتنا كانت عاملة إزاي.
هزيت راسي… مش عارف أصدقها ولا أكذبها.
عقلي كان بيصرخ: “هي فاكرة… أكيد فاكرة!”
بس قلبي كان متحجر من الغيرة، من الخوف، من شعور إن كل اللي خططتله ممكن يتغير بين يوم وليلة.
ومكنش في حاجة شاغلة بالي غير نوارة اللي هتشتغل فالشركة…
كده هيكوشوا على كل حاجة!
ومش بعيد تلعب ف دماغها من ناحيتي!
عمري ما حبيت نوارة… وعمرها ما نزلتلي من زور…
بس دلوقتي… وأنا شايفها جنب فجر، كل حاجه جوايا بتتقلب.
مش قادر أقبل إنها خلاص هتشتغل مع فجر…
وأنا… أنا اللي ممكن أتركن على الرف بسبب تجمع الأخوات دول!
قلبي كان بيتوجع، عيوني مش عارفه تمسك نفسها…
وإحساس الخوف والغضب والغيرة كله متجمع جوايا… وكأني داخل على معركة مش فاهم نهايتها.
فجأة دماغي صدعت…
صداع تقيل كأن حد بيضغط على مخي بإيده، والدوخة شدتني لتحت واحدة واحدة.
مش فاهم جايه منين… ولا ليه دلوقتي.
سمعت صوت فجر، صوتها كان قريب أوي، قلقان:
— حبيبي… إنت بخير؟
حاولت أرد…
لساني تقيل، صوتي محبوس جوه صدري.
الدنيا حواليا بدأت تتهز، الصورة بتطشّش، والأصوات بعيدة كأنها طالعة من آخر نفق.
وفجأة…
ضحكتها.
ضحكة واطية، مش عالية…
ضحكة ما بين الهزار والحاجة اللي تخوّف.
رفعت عيني بالعافية، وشوفتها واقفة…
في إيدها السكينة اللي كانت بتقشر بيها الفاكهة،
الضوء ضارب فيها، والملامح مش واضحة…
ولا أنا اللي عيني خانتني؟
قلبي وقع.
حاولت أتكلم، الصوت طلع متقطع، مهزوز:
— ف… فجر؟
— إنتي… إنتي هتعملي إيه؟
خطوة…
خطوة تانية قربت.
حاولت أرجع لورا، جسمي مكنش سامعلي.
رجلي خانتني، واتزحلقت…
وقعت على الأرض وأنا مش قادر أوازن نفسي،
ولا حتى أرفع إيدي.
الدنيا كانت بتلف،
ووشها قدامي بيتبدل…
مرة فجر اللي بعرفها،
ومرة ملامح غريبة، باردة، مش مطمّنة.
سمعت صوتها تاني، بس المرة دي أوضح شوية:
— اهدي يا زين…
— متخافش…
بس الخوف كان أكبر من أي كلمة.
نفسي بيتقطع، صدري مولّع،
وعقلي بيصرخ: في حاجة غلط… في حاجة غلط قوي!
وفجأة…
الدنيا ضلمت.
مش فاكر غير إحساس واحد بس
إني وقعت في حفرة
ومش عارف هطلع منها إزاي…
ولا حتى لو هطلع.
رواية وهم الحياه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الثاني عشر
البارت الاتناش
فجر
جبت الدكتور،
كنت واقفة جمبه وأنا من جوايا بضحك…
ضحك مكتوم على خوفه، على ارتباكه، على إن كل اللي كان فاكره ثابت ابتدى يتخلخل.
بعد شوية، حالته اتقلبت.
بقى يبص حواليه بقلق، عينه بتجري في المكان كأنه شايف حاجات محدش شايفها غيره.
نفسه بقى تقيل، وصوته مهزوز…
واضح إن عقله دخل في دوّامة هو مش فاهمها.
مش عارفة هو شاف إيه بالظبط،
بس اللي كنت متأكدة منه…
إنه مرعوب.
مرعوب بجد.
عدت دقائق،
وابتدى يفوق واحدة واحدة،
إيده ماسكة راسه كأنها هتنفجر.
أول ما عينه وقعت عليّ،
وشه جاب ألوان…
واتنفض من على السرير كأنه شاف شبح.
قربت منه خطوة،
ورسمت على وشي قلق متقن،
وقلت بصوت هادي:
— مالك بس؟
— وشك مخضوض كده ليه؟
بصّيت له وهو متكعبل في كلامه،
عينيه بتلف في المكان كأنه لسه مش واثق إن اللي حواليه حقيقي.
عرفت من نظرته…
هو شاف حاجة.
حاجة هتفضل معاه حتى لو حاول يقنع نفسه إنها وهم.
قال:
— مفيش… مفيش حاجة.
بس صوته فضحه.
كان مكسور، مهزوز، مش صوته اللي متعودة أسمعه.
قربت منه خطوة واحدة بس،
مش أكتر.
كنت عايزاه يحس بقربي،
يحس إن مفيش مهرب:
— زين…
قولتها بهدوء،
الهدوء اللي يخوّف أكتر من أي عصبية:
— إنت شكلك مرهق أوي.
— عينك مش ثابتة.
شافني،
وبسرعة رجع بعينيه بعيد،
كأنه خايف يبصلي زيادة.
قال وهو بيحاول يضحك:
— شوفت حاجه
بس اكيد ضغط شغل…
ضغط شغل.!
ابتسمت.
مش ابتسامة فرح…
ولا شفقة.
ابتسامة حد متأكد إن اللي حصل دخل جوّه دماغه ومش هيطلع.
قربت أكتر،
وحطيت إيدي على كتفه بخفة:
— مفيش حاجة تخوف، صح؟
— اللي شوفته… كان مجرد إحساس.
شد كتفه من تحت إيدي،
الحركة الصغيرة دي قالتلي كل حاجة.
عرفت إن الشك زرع،
وإنه من اللحظة دي
مش هيعرف يثق في نفسه،
ولا فيّ.
وساعتها،
وأنا باخد نفسي بهدوء،
قلت في سري:
دي بس البداية يا زين…
واللي جاي، هيخليك تتمنى إن اللي شوفته النهارده كان حلم وعدّى.
_______________
يعقوب
بدأت أنفّذ اللي اتقالّي عليه بالحرف.
جبت علبة هدايا كبيرة،
ورحت بيتها وأنا قلبي متقل ومشدود.
فتحلي والدها… راجل ذوق ومحترم،
بس للأسف معرفش يربي بنته صح.
دخلني وقعدت أستناها لحد ما خرجت.
أول ما شافتني،
وشها اتغير…
صدمة واضحة، كإنها مكنتش متوقعة تشوفني خالص.
قعدت قدامي وقالت باستغراب:
— مقولتش يعني إنك جاي؟
ابتسمت وقلت بهدوء متصنّع:
— حبيت أعملك مفاجأة.
وشاورت على البوكس الكبير:
— دي حاجة بسيطة.
بصّت للعلبة باستغراب،
نظرة واحدة حسستني إني عمري ما جبتلها هدية قبل كده، وقالت:
— بمناسبة إيه؟
ميلت بضهري شوية وقلت:
— ممكن تعتبرّيها عربون محبة.
ابتسمت…
بس ابتسامة متوترة،
ابتسامة واحدة مش واثقة،
ولا مطمّنة.
بصّيت في عينيها وسألت فجأة:
— مريم…
— إنتِ بتحبيني زي ما بحبك؟
سكتت لحظة،
وقالَت بنبرة ملهاش طعم:
— اشمعنى السؤال ده دلوقتي؟
قلت وأنا بحاول أبرر:
— عمري ما سألتك قبل كده…
— وحابب أعرف.
اتلخبطت،
وبعد تردد قالت:
— آه… أكيد يا يعقوب.
بصّيت لها كويس،
للملامح الهادية،
للشكل البريء اللي عمري ما تخيلت إنه ممكن يخون.
قلت وأنا موجوع:
— إنتِ عمرك ما دلعتيني.
ضحكت ضحكة مصطنعة،
واضح إنها بتحاول تلطف الجو:
— عايزني أدلعك يعني؟
— أقولك إيه؟
سكت.
مش قادر أكمّل.
ولا قادر أصدّق إن الوش ده ممكن يكون مليان كذب.
قومت فجأة وأنا بمسك فوني:
— لازم أمشي، ورايا شغل.
اتجهت للباب،
وهي جريت ورايا بسرعة:
— إنت ملحقتش تقعد!
ردّيت وأنا ماشي من غير ما أبصّ لها:
— معلش… تتعوّض.
ومشيت.
وسبتها ورايا.
أنا شخص ما بعرفش أخبي مشاعري،
ولو فضلت دقيقة كمان،
كنت هفضح نفسي،
وأفضح إحساسي بالخيانه…
من أقرب إنسانة لقلبي.
قفلت باب العربية بعنف أكتر مما كنت ناوي،
وشغّلت الموتور قبل ما أدي لنفسي فرصة أفكّر.
إيدي كانت بتترعش على الدريكسيون،
وصدرى كان تقيل كإن حد قاعد فوقه.
بصّيت قدامي… الطريق كان باين،
بس أنا مش شايف غير صورتها.
صورتها وهي بتبصلي،
وهي بتضحك ضحكة مش طالعة من القلب،
وهي بتقول أكيد
من غير ما تحس.
ضحكت بسخرية،
ضحكة مكسورة طلعت غصب عني:
— أكيد…
دست على البنزين، ..مش عارف أنا رايح فين ، ولا عايز أوصل لإيه.
كل اللي جوايا غضب، ..غضب ممزوج بوجع
وجرح مش راضي يتقفل
ضربت بإيدي على الدريكسيون:
— إزاي؟
— إزاي تعملي فيّا كده؟
افتكرت كلام فجر…
اسمع، شوف، متتسرعش.
كنت فاكر نفسي قوي،
بس الحقيقة؟
أنا كنت بتفتّت.
مسحت وشي بإيدي،
حاولت أتنفس،
أهدي النار اللي جوايا قبل ما تحرقني.
أنا مش همشي ورا قلبي،
ولا همواجه دلوقتي.
مش قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.
رفعت الفون وبصّيت على اسمها،
بس مقربتش ألمسه.
همست لنفسي:
— لسه بدري يا مريم…
— ولسه اللعبة مخلصتش.
وسقت.
سايق العربية،
بس في الحقيقة
كنت سايق نفسي على حافة وجع
لسه في أوله ..
_______________
نواره
من ساعة ما عرفت إن خطوبة مراد بعد يومين،
وقلبي مش ساكت.
وجع ثابت…
مش بيزيد،
بس مش بيروح.
سرحانة طول الوقت،
مش مركزة،
حاسّة إني تايهة في مكان مش مكاني.
كنت في الشركة، قاعدة على مكتبي،
بس الحقيقة إني مكنتش بشتغل.
قدامي شاشة،
وأفكاري في حتة تانية خالص.
دخلت فجر…
ومخدتش بالي بوجودها غير لما نادت على اسمي كذا مرة.
رفعت عيني وبصّتلها بتوهان.
محدش يعرف إنّي أنا وفجر أخوات.
أنا اللي طلبت كده.
مبحبش المعاملة الخاصة،
ولا المجاملات اللي بتيجي لمجرد إني “أخت فجر”.
ومحدش يعرف برضه إني شريكه ف الشركة دي.
بصّتلي…
نظرتها كانت حادة،
واضح الغضب فيها،
غضب حد شايف حد قدامه مش حاضر.
قالت ببرود:
— على مكتبي يا نواره.
وخرجت.
بصّيت لتميم ومنى،
نظراتهم كانت مليانة شفقة.
قالت منى:
— إحنا من الصبح بننادي عليك ونصفرلك…
— ولا هنا.
نزلت عيني بضيق،
وقمت من غير ما أرد.
خرجت بسرعة ألحق فجر،
وأنا عارفة كويس…
إنها المرة دي
مش هتسيبني في حالي.
قعدت قدامها،
ظهري مفرود بالعافية،
مستنية التوبيخ اللي كنت متأكدة إنه جاي.
وفعلًا…
انفجرت.
قالت بعصبية وهي ساندة بإيديها على المكتب:
— يعني إنتِ اللي قولتي عايزة تشتغلي،وأنا عينتك، ….وفي الآخر تقعدي سرحانة ومش مؤدية شغلك؟ يبقى بلاها أحسن.
بصّيت لها بصدمة.
الحدة دي…
النبرة دي…
الثقة دي…
دي مش فجر اللي فاقدة الذاكرة.
دي فجر اللي حافظاها حرف حرف.
دي واحدة فاكرة…
فاكرة كل حاجة.
ضحكت ضحكة قصيرة، سخيفة، وقلت بسخرية:
— إنتِ مش ناسية يا فجر.
كل حاجة فيكي بتقول إنك فاكرة.
ابتسمت…
ابتسامة جانبية باردة، وقالت:
— إنتِ ذكية يا نوارة ….وأنا عارفة من أول لحظة رجعتلي فيها الذاكرة إنك حاسة.
بس كنتِ بتكدبي نفسك.
قمت من مكاني بعصبية،
قلبي كان بيدق بعنف،
وصوتي طلع أعلى منّي:
— طب ليه؟!
ليه مقولتيش؟
ليه مقولتيش ليا؟
قربت منها خطوة،
وعيني كانت مليانة وجع:
— ليه مقولتيش لماما؟
اللي بتبكي صبح وليل على حالك، وبتدعي لك في كل صلاة إن ربنا يرجّعلك ذاكرتك؟
صوتي اتكسر وأنا بكمل:
— ليه الأنانية دي كلها يا فجر؟
ليه تخبي حاجة زي دي؟
ليه؟
وسكت.
مستنية رد…
أو حتى ملامح ندم.
بس اللي شوفته في عينيها
خلاني أعرف
إن اللي جاي
أقسى بكتير.
سابتني أخلص كلامي…
وسكوتها كان أطول من الطبيعي.
طول لدرجة إن قلبي بدأ يدق بسرعة،
كإني داخلة امتحان وأنا مش مستعدة.
ولما اتكلمت
صوتها كان هادي…
النوع اللي يخوّف أكتر من العصبية:
— لأن ماما لو عرفت…
كانت هتخليني أرجع أضعف.
رفعت عينيها وبصّتلي بثبات:
— وأنا ضعفي مش اختيار دلوقتي.
الجملة دي خبّطت في صدري.
ضعف؟
هو الحضن ضعف؟
ولا الرجوع للبيت ضعف؟
ولا إنك تكوني بنت محتاجة أمها ضعف؟
قربت من المكتب شوية، وسندت بإيديها عليه:
— أنا عمري ما كنت أنانية،
أنا كنت دايمًا اللي بشيل،
اللي يسامح،
اللي يعدّي.
افتكرت كل المرات اللي كانت فعلًا كده.
افتكرت قد إيه كنت معتمدة عليها،
قد إيه كنت شايفاها الأقوى دايمًا.
بس لما صوتها علي سنة
من غير زعيق
عرفت إن الوجع عندها وصل لمرحلة أخطر.
صوتها علي سنة، بس من غير ما تزعق:
— بس لما افتكرت…افتكرت كل حاجة،
افتكرت الوجع، والخيانة، … والخذلان.
الكلمات دي دخلت في قلبي زي سكينة بطيئة.
كنت سامعة،
بس حاسة إني بتتسحب لجوه عالم مش بتاعي…
عالم فجر لوحدها.
بصّتلي بحدة وقالت:
— ساعتها عرفت إن الحقيقة مش لازم تتقال لكل الناس.
في حاجات لو خرجت بدري… بتبوّظ كل حاجة.
وقالت وهي راجعه تقعد مكانها:
— ماما بتحبني،
بس حبها عمره ما حماني.
ولما قالت
إن الحقيقة مش لازم تتقال لكل الناس
حسيت نفسي اتشالت من خانة أختها
واتحطّيت في خانة الناس.
دي أكتر حاجة وجعتني.
ولما ذكرت ماما
وقالت إن حبها ما حماهاش
حسيت دموعي قربت تنزل
بس كبّرتها جوايا.
ماما اللي أنا وفجر بنتخبّى في حضنها
طلعت فجأة
مش كفاية.!!
رفعت عينيها ليا تاني وقالت ببرود قاتل:
— اللي أنا بعمله دلوقتي…
ده مش أنانية يا نوارة.
ده بقاء.
عرفت إن النقاش خلص.
مش لأنها صح ولا لأني اقتنعت…
لكن لأنها قررت.
وسكتت.
وسابتني واقفة قدام أختي
بس مش فجر اللي كنت أعرفها.
واقفـة قدام واحدة
نجت…
بس خسرت اعز الناس ليها في الطريق.
بس صوتي مكنش صوتي.
كان مكسور، متشرخ،
كإنه طالع من صدري بالعافية.
قلت لها
وأنا حاسة إني بخسرها قدام عيني:
— الكلام معاكي ملهوش لازمة…
اعملي اللي يريحك يا فجر
الجملة دي وجعتني وأنا بقولها،
لأني عمري ما كنت في صف بعيد عنها.
بلعت ريقي بالعافية،
وكملت وأنا بحاول أبان ثابتة
بس رجلي كانت بترتعش:
— وأنا عن نفسي… هقول لماما كل حاجة.
مش هقدر أخبي… زي ما انتي خبيتي.
آخر كلمة خرجت
مش اتهام
قد ما هي اعتراف بعجزي.
أنا مش قوية زيها.
مش بعرف أعيش بنص حقيقة ولا بعرف أكمّل ..وأنا شايلة سر
بيوجّع حد بحبه.
وقفت قدامها مستنية أي رد…
غضب، صراخ، حتى إنكار.
بس اللي وجعني بجد إنها كانت هادية.
بصّيت لها…
والنظرة دي كانت تقيلة
تقيلة أوي.
خيبة أمل مش بس فيها،
في كل اللي حصل، وفي إن الأخت
ممكن تبقى أبعد من الغريب.
ما قلتش ولا كلمة …لأن أي كلمة زيادة كانت هتطلعني أضعف
أو أظلمها …وأنا مش عايزة أعمل ولا دي ولا دي.
لفّيت واديتها ضهري
وخرجت.
الهدوء اللي سيبته ورايا
كان خانق … هدوء يخوّف
كإن المكان نفسه ماسك في النفس.
كنت عارفة لو فضلت ثانية كمان
كنت هتخنق،
كنت هعيّط،
كنت هقع.
قفلت الباب ورايا
مش بقوة ولا بهدوء…
قفلتُه
زي اللي بيقفل على نفسه حاجة
مش عارف هيفتحها إمتى.
ومشيت وأنا لأول مرة حاسّة إن الأخت
ممكن تمشي
وتسيب وراها فراغ
أكتر من الوجع
___________
تميم
كنت قاعد بتابع شغلي،
وفجأة دخلت منى، قعدت قدامي وهي بتقول بانفعال:
— مش هتصدق إيه اللي حصل… ولا إيه اللي عرفته!
بصّتلها باستغراب وقلت:
— في إيه يا بنتي؟ اتكلمي.
قرّبت مني شوية، وصوتها واطي كأنها خايفة الحيطان نفسها تسمع:
— نوارة… طلعت أخت فجر!
رواية وهم الحياه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الثالث عشر
البارت التلتاشر
تميم
الكلام نزل عليّ زي الطوبة.
مش مجرد خبر…
لا، ده زلزال.
فضلت باصصلها ثانيتين من غير ما أنطق،
كأني بحاول أفهم الجملة
وأرتّبها جوا دماغي
وكل مرة تطلعلي بنفس السخافة.
قلت وأنا بضحك ضحكة ناشفة:
— نعم؟! أخت فجر إزاي يعني؟!
منى قرّبت أكتر، وصوتها واطي ومتوتر:
— والله زي ما بقولك،أختها من أمها وأبوها، وطلبوا محدش يعرف في الشغل.
حسّيت قلبي بيشد
مش وجع…
لا
قلق.
رجّعت ضهري على الكرسي، ومرّرت إيدي على وشي:
__عرفتي منين؟
هزّت راسها:
— صوتهم كان عالي وشكلهم كانوا بيتخانقوا مش عارفه ليه بس الموضوع باين إنه مش بسيط.
سكت.
وسكوتي كان مليان أسئلة.
نوارة أخت فجر؟
يعني وجودها في الشركة مش صدفة.
يعني كل نظرات فجر،
كل برودها،
كل سيطرتها وتعاملها مع نواراه…بقى ليه تفسير.
وأكتر حاجة ضايقتني
مش إنهم أخوات…
قد ما إني حسّيت …إني الوحيد
اللي واقف في النص
من غير أي أوراق.
رفعت عيني لمنى وقلت بهدوء مش شبه اللي جوايا:
— ماشي…
متتكلميش مع حد في الموضوع ده.
وقفت، وأنا حاسس إن الأرض مش ثابتة:
— واضح إن في حاجات بتحصل
وأنا آخر واحد بيعرف.
وأنا خارج من المكتب
كان في اسم واحد بس
بيزنّ في دماغي ..
نواره ..
وأنا خارج من المكتب شُفتها وهي بتطلع،
وشّها متشدّد ومليان عصبية.
ماوقفتهاش،
ولا حتى حاولت أسأل أو أستفسر.
الصدمة كانت أكبر من أي كلام…
إزاي قدرت تخبّي علينا حاجة زي دي؟
وكأننا ولا حاجة في حياتها.
________________
فجر
معرفش إذا اللي قولته ده كان المفروض أقوله ولا لأ.
معرفش إذا ده أنانية مني ولا لأ.
هل غلطت فعلاً إني مقولتش؟ ولا ده الصح أصلاً؟
كانت دماغي هتفرقع من التفكير.
وف وسط كل ده اتصل بيا يعقوب وقال إنه محتاج يقابلني ضروري.
وافقت، لأني كمان محتاجة أقوله أي خطوة جايه.
قومت وأنا بتنهد وركبت العربية عشان أقابله.
وصلت المكان ولقيته قاعد مستنيني.
قعدت ولقيته طلبلي القهوة اللي بشربها.
اتكلمت وأنا باخد الفنجان وقلت:
_قولت عايز تقابلني لعله خير.
رد عليا وهو بيبصلي بحزن وقال:
__غرقتها هدايا واهتمام وحب فوق حبي…
وبعدين؟ أنا مش هقدر أستمر أمثل كتير.
بيني وبينكم، مكنتش مركزة معاه.
كل اللي كان في بالي نواره، وإنها هتروح تحكي لماما إني رجعتلي الذاكرة.
هزيت راسي على كلامه، وأنا أصلاً مكنتش فاهمة هو قال إيه.
فوقت على صوته وهو بيطرقع صوابعه قدام وشي وقال:
__روحتي فين بكلمك؟
حمحمت وأنا بقول:
__معاك يا يعقوب…
معلش، عيد تاني كنت بتقول إيه؟
رد عليا وهو بيتنهد وقال:
__أقول إيه تاني… بس شكلك مش مركزة معايا خالص، ودماغك مشغولة.
فيه حاجة ولا إيه؟
ابتسمت بسخرية وقلت:
__متشتغلش بالك، خلينا في المهم.
وبدأت أحكيله عن الخطة خطوة خطوة.
وبعد ما خلصت كلامي…
لقيته بيبصلي بصدمه وقال:
__إنت جبتي التخطيط والشر ده كله منين؟
إنت إزاي كده؟
ابتسمت بسخرية صغيرة وقلت:
__مش معقول… ده كله مجرد خطة، ما تستغربش كده.
بص فيا بعينيه اللي مليانة استغراب وحزن، وقال:
__بس… إزاي دماغك بتشتغل كده؟ إزاي تقدري تحطي كل ده في بالك؟
حسيت قلبي بيتسارع، وكأن كلامه قرب قلبي.
قلتله بهدوء:
__يعقوب… ساعات الواحد بيضطر يكون أقوى من نفسه… عشان يحمي نفسه او حتى اللي بيحبهم.
سكتنا شوية…
العالم حواليه كأنه وقف، بس نظراته كانت بتكسر الصمت، مليانة دهشة وقلق، وأنا حسيت بنقطة ضعف صغيرة جوانا احنا الاتنين…
استأذنت، خدت شنطتي ومشيت.
كنت مرهقة من اليوم كله، ومحتاجة أروح أستريح شوية.
سيبت العربية مكانها، ماكانش ليّا نفس أسوق.
وكلامه كان لسه بيتردد في وداني:
“إنتي جبتي الشر ده كله منين؟”
للدرجة دي أنا شريرة؟
هو لما الواحد ياخد حقه يبقى كده شرير؟
ولما أبين كل واحد على حقيقته، وأواجهه بيها، أبقى وحشة؟
لازم أدوس على نفسي، وكرامتي، ومشاعري…
عشان أبان طيبة؟
عمر الطيبة ما كانت كده.
عمرها ما كانت ذل، ولا ضغط، ولا وجع.
الطيبة إنك تسامح…
وأنت قادر.
وأنا؟
أنا عمري ما هقدر أسامح على كسرة قلبي،
ولا على الوجع اللي زين كان سببه.
وفي وسط تفكيري، وقفني شخص عجوز…
باين على التجاعيد اللي في وشه الشقى.
مدّ إيده بوردة وقال:
“الورد للورد يا آنسة… تحبي تاخدي؟”
ابتسمت بسخرية، أخدت منه الوردة وقلت:
__أنا وردة دبلانة والله.
رد عليا بحنية أب:
__ليه كده بس يا بنتي؟ والله إنتِ قمر أهو.
بصيت له وأنا ببلع ريقي وقلت:
__من برّه يمكن… إنما من جوّه مش أحسن حاجة يا حج.
قال بهدوء وهو بيبصلي بنظرة فاهمة:
__شكلك شايلة كتير يا بنتي.
هزّيت راسي بابتسامة باهتة،
طلّعت من شنطتي مبلغ واديتهوله،
ودّعته ومشيت…
وهو بيدعيلي ويقول:
__ربنا يهوّن عليكي يا بنتي، ويخفف عنك.
قد إيه افتقدت إحساس الأب ده…
بابا مات من سنين،
وساب فراغ محدش قدر يملاه غير زين.
شوفت فيه بابا…
حنّيته، وطيبته، وأمانه.
شوفت فيه كل حاجة كنت مفتقداها.
بس كل ده اتبخر.
بقى ذكرى.
مبقتش أحس معاه نفس الإحساس،
ومبقتش أشوفه غير شخص خاين وبس.
نفسي بابا يكون موجود…
أحضنه،
وأحكيله قد إيه الدنيا جت عليا.
كنت عايزة أبكي في حضنه،
وأقوله إنه كان دهري،
ومن بعده مبقاش ليّا دهر.
كان عندي كلام كتير قوي أقوله،
كنت عايزة أشبع منه…
بس الوقت سبقني.
مسحت الدمعة اللي نزلت من عيني،
ومسكت الوردة من تاني…
ولقيت جواها رسالة مكتوبة:
الوجع مش بيضيع… ربنا شايف.”
ضمّيت الوردة على صدري،
وحسّيت إن الرسالة دي مش صدفة…
كأنها جاية في وقتها بالظبط.
قررت أروح لماما…
وأحكيلها كل حاجة، من غير لف ولا دوران.
قررت أواجه الحقيقة،
وأتصالح مع نواره،
اللي زعلت مني وبطّلت تيجي الشغل.
يمكن المواجهة توجع،
بس السكوت بيوجع أكتر.
وأنا تعبت من الهروب،
وجّه وقت أرجّع اللي اتكسر…
حتى لو اتكسر جوايا الأول.
وقفت قدام باب الشقه شوية قبل ما أخبط.
إيدي كانت بتترعش، ومعدتي معقودة…
مش خوف، قد ما هو ثِقَل الكلام اللي هيتقال.
أول ما فتحت، بصّتلي نظرة طويلة،
نظرة أم حاسة إن في بنتها حاجة تقيلة.
دخلت وقعدت قصادها من غير ما أتكلم.
قالت بهدوء:
__مالك يا فجر؟ شكلك بهتان كدا ليه؟
بلعت ريقي وقلت بصوت واطي:
__يا ماما… أنا تعبانة قوي.
قربت مني وسابتني أكمّل.
ولا سؤال زيادة… ولا ضغط.
حكيت عن الذاكرة اللي رجعت،
عن اللخبطة،
عن الوجع اللي مش راضي يهدى،
من غير ما أجيب سيرة زين…
ولا الخيانة.
قلت إني تايهة،
وإني حاسة إني لوحدي،
وإني محتاجة أهدى شوية.
ماما مسكت إيدي وقالت:
__مش لازم كل حاجة تتقال،
بس اللي جواكي تقيل…
وأنا حاسة بيه.
حضنتني،
حضن أم مش محتاج تفاصيل.
قالت وهي بتمسح على شعري:
__خدي وقتك يا فجر،
واللي مش قادرة تقوليه دلوقتي…
قوليّه لما قلبك يستحمل
طلعت من عندها وأنا لسه شايلة الوجع،
بس على الأقل…
ماكنتش شايلاه لوحدي.
قربت من باب أوضة نواره وخبطت،
وقلبي كان بيدق بسرعة غريبة…
مش خوف، قد ما هو إحساس إني داخلة معركة وأنا مش عايزة أكسبها، عايزة بس أطلع منها سليمة.
سمعت صوتها من جوه، بارد:
__ادخلي يا فجر.
فتحت الباب،
لقيتها قاعدة على السرير، ماسكة الموبايل،
عينيها معلّقة في الشاشة كأنها بتستمد منها القوة اللي بتتجاهلني بيها.
قعدت جنبها، والمسافة اللي بينا كانت أقصر من كده بكتير…
بس الإحساس كان أوسع من أوضة كاملة.
قلت وأنا بحاول أتماسك:
__يعني كنتِ عارفة إني موجودة… ومخرجتيش؟
ما ردّتش.
ولا حتى رفعت عينها.
التجاهل وجع أكتر من أي كلمة.
مدّيت إيدي وأخدت منها الموبايل.
نفخت بضيق، وبصّتلي بنظرة مليانة تحدّي وقالت:
__فجر، أنا مش صغيرة عشان تعملي معايا الحركات دي.
لو سمحتي هاتي الموبايل.
رجّعت الموبايل وحطّيته جنبها،
وبصّيت لها بهدوء مقصود، الهدوء اللي وراه تعب مش باين.
قلت:
__هفضل شايفاكي بنتي يا نواره…
مش أختي.
وأنا جاية النهارده مش أعاتبك… جاية أصالحك.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية،
وبصّتلي وقالت:
__تصالحيني؟
رديت عليها وأنا بهز راسي بهدوء، وقلبي بيتقطع كل مرة أفكر فيها باللي حصل:
__انا عارفة… مكنش المفروض أخبي،
بس كل ده كان غصب عني.
حاولت أتماسك، وكملت وقولت بصوت مكسور:
__نواره… لو عرفتي اللي أنا عرفته وحصللي…
هتعذريني؟
قربت مني، وبنظرة مليانة سخرية، كأنها مش مصدقة، وقالت:
__وايه اللي حصللك يا فجر؟
قلبي اتزنق، وحسيت بضيق في صدري…
كأن الكلام اللي عايزة أقوله مكتوم،
والضحكة اللي خرجت من نواره جواها… بتجرح أكتر من أي صراحة كنت هاقولها.
كنت خايفة…
بس في نفس الوقت، حاسة بقوة غريبة جوايا…
جرأة إنّي أواجهها، وإنّي أفتح قلبي… حتى لو هتوجع أكتر
اتكلمت، وصوتي كان تقيل كأني بسحبه من جوا صدري:
__في رقم غريب بعتلي صورة لزين…
هو والسكرتيرة بتاعته.
بلعت ريقي وكملت، وأنا بحاول أفتكر إحساسي ساعتها:
__ما صدقتش.
ولا حتى اهتميت.
أنا شخصية معروفة، وقلت أكيد في حد عايز يوقع بيني وبين جوزي.
رفعت عيني ليها وقلت بمرارة:
__ما شكّتش ولا لحظة…
ولا حاولت حتى أتأكد من الصور.
لحد ما شوفته بعيني.
صوتي وِطي، بس الوجع كان أعلى:
__شوفته وهو قريب منها قوي…
قرب مكنش محتاج تفسير.
حسّيت جسمي كله بيخونّي وأنا بحكي:
__ما قدرتش أتماسك…
الدنيا لفت بيا، ووقعت مغمى عليّا ….
وده كان السبب إني أدخل في الغيبوبة…
وأفقد ذاكرتي.
__________________
نواره
أول ما سمعت الكلام منها، اتصدمت.
قلبي دق بسرعة، والخوف سيطر عليّا مرة واحدة،
وكأن الأرض اتحركت من تحت رجلي.
من غير ما أحس، انفجرت في العياط.
صوتي طلع متقطع وأنا بقول:
__أنا… أنا اللي بعت الصورة.
بصّتلي بعدم فهم،
أو يمكن كانت بتحاول تكذّب اللي عقلها استوعبه، وقالت:
__صورة إيه؟
صورة زين ومريم؟
هزّيت راسي، ودموعي كانت بتنزل بغزارة،
فكمّلت هي بصوت مكسور وغضبان في نفس الوقت:
__ومقولتليش ليه؟
ليه سيبتيني أكتشف ده لوحدي؟
ردّيت وأنا بحاول أبرر، وكأن الخوف بيتكلم مكاني:
__خوفت…
خوفت ما تصدقيش.
خوفت تفتكري إني بعمل كده عشان أوقع بينكم،
زي اللي حصل زمان.
بصّيتلها وكمّلت بوجع:
__نسيتيه يا فجر؟
لما زين قالك إني بقصد أوقع بينكم،
وإنك تاخدي بالك مني بعد كده؟
لما اتخانقتي معايا،
وقعدنا سنة كاملة ما بنتكلمش؟
صوتي واطي، بس الكلمة كانت تقيلة:
__مكنتش عايزة الموضوع يتكرر.
بعتلك الصورة على أمل إنك تفهمي…
لكن حتى بعد ده كله،
لا بعدتي عنه،
ولا مشيتي.
سكتّت.
وسكوتها كان تقيل، كأنها بتحاول تجمع قطع الصورة اللي اتكسرت فجأة قدامها.
بصّتلي شوية…
نظرة تايهة، مليانة تفكير،
يمكن بتدور جواها على كلام ما يجرحش أكتر،
ولا يكسر اللي فاضل.
وبعد لحظة صمت، اتكلمت بصوت واطي، صادق، ومليان تعب:
__يمكن فعلًا حبي لزين عمّاني.
بلعت ريقها وكملت، كأن كل كلمة __بتطلع بتاخد معاها حتة من قلبها:
يمكن خسرت حاجات كتير بسببه…
ولسه بخسر.
عينيها دمعت، بس حاولت تسيطر على نفسها، وقالت وهي باصة في الأرض:
__بس أنا مش جاهزة خالص…
ولا عايزة أخسر أختي،
وبنتي الوحيدة.
الكلمة الأخيرة خرجت مكسورة…
بس فيها تمسّك،
وفيها خوف من خسارة ما ينفعش تتعوّض.
رفعت عيني عليّها
ونظره المرة دي كانت مختلفة…
مش دفاع،
مش هجوم،
نظرة واحدة بتحاول تمسك اللي بيقع منها.
اتكلمت، وصوتي كان أهدى من وجعي:
__أنا عارفة إني غلطت…
وعارفة إن طريقتي كانت غلط.
تنهدت، وكأن النفس اللي طلع شال حمل سنين:
__مكنتش قادرة أواجهك بالحقيقة في وشك…
خفت أوجعك،
وخفت أكتر تخسريني زي زمان.
قربت خطوة، وقولت بصدق موجع:
__افتكرت إن الصورة هتخليكي تشوفي لوحدك…
من غير ما أكون أنا السبب المباشر في كسرة قلبك.
صوتي اتكسر وانا بكمّل:
__بس الظاهر إن السكوت وجع أكتر من الكلام ….
أنا آسفة يا فجر…
مش لأني وريتك الحقيقة،
لكن لأني سيبتك تواجهّيها لوحدك.
والكلام لما خلص،
فضل الوجع واقف في الأوضة…
بس المرة دي،
ماكانش وجع بيبعد،
كان وجع بيقرّب.
فتحتلي حضنها… وانا اترميت فيه من غير أي مقاومة.
قعدت تحضني جامد… وكنت حاسة كل ده بيوصلني من قلبها.
سمعت صوتها متكسّر، مليان صدق وندم:
__أنا آسفة يا نواره… آسفة إني حبي عمّاني عن الحقيقة…
حسيت قلبي بيتوجع… بس حضنها كان بيهديني، وبيطمني…
خرجت من حضنها بعد شوية… وبصّتلي بجدية وحنية:
__أوعي تزعلي…
ولا تشيلي مني تاني… فاهمة؟
هزيت راسي بابتسامة صغيرة… حاسة بشوية راحة بعد حضنها وكلامها…
بس بعد ثواني، رنّ الفون برسالة.
مسكت الفون وأنا قلبي بيدق بسرعة…
حسيت بشعور غريب، بين الفضول والقلق، وفتحت الرسالة…
والصدمة كانت كالصاعقة.
اللي بعتهالي… مراد!
قفلت نفسي للحظة… مش مصدقة…
إزاي؟ و ليه هو بعتلي دلوقتي؟
كل حاجة حسيت إنها ابتدت تهدى، اتلخبطت تاني في ثانية واحدة…
قلبي اتجمد، وعقلي بدأ يلف ويدور…
مراد؟! بعد كل اللي حصل… ليه دلوقتي؟
يتبععع
يا ترى مراد عايز منها اي؟
<img role="presentation" src="data:;base64, ” width=”18″ height=”18″ />
<img role="presentation" src="data:;base64, ” width=”18″ height=”18″ />
كل التفاعلات:
١٤٨١٤٨
٣٢
أعجبني
تعليق
مشاركة
رواية وهم الحياه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الرابع عشر
البارت الاربعتاشر
نواره
فتحت الرسالة وأنا قلبي مش مرتاح…
أول ما عيني وقعت على اسمه، حسّيت قلبي اتقبض.
قريت:
__عايزك تكوني موجودة في يوم زي ده…
يوم خطوبتي.
وجودك هيفرق معايا.
إيدي رعشت وأنا بمسك الفون.
حسّيت الدنيا بتلف بيا…
خطوبته؟!
وكمان عايزني أكون موجودة؟
مش عارفة أزعل…
ولا أستغرب…
ولا أضحك بسخرية على قد إيه الدنيا غريبة.
جوايا إحساس تقيل…
إحساس حد بيشدني لورا وأنا أصلاً لسه بحاول أطلع من وجع قديم.
ليه دلوقتي؟
ليه بعد ما حاولت أقفل صفحة؟
قفلت الفون وأنا بتنفس بالعافية،
وبصّيت لفجر…
كنت لسه في حضن الأمان،
وفجأة الماضي خبط على الباب من غير استئذان.
وفي اللحظة دي بس فهمت…
إن في جروح، مهما حاولنا نغطيها،
بتستنى الوقت الصح
عشان توجعنا تاني.
فجر لاحظت توتري والحزن اللي ملّى وشي…
هي دايمًا كانت بتقرا وجعي من غير ما أتكلم، كأن ملامحي بتفضحني قدّامها.
قالت بصوتها الحنون اللي دايمًا بيهدي:
__مالك؟ وشّك قلب كده ليه؟
اتكلمت وأنا بضحك ضحكة مكسورة، سخريتها طالعة من الوجع:
__تخيّلي مراد باعتلي…
بيعزمني على خطوبته.
شفتي بجاحة أكتر من كده؟
بصّتلي باستغراب، وبصوت هادي سألت:
__هتروحي؟
هزّيت راسي بسرعة، وصوتي كان حاسم بس موجوع:
__لا طبعًا مش هروح.
أنا مش هستحمل…
ليه أروح وأوجّع نفسي بإيدي؟
قربت مني، ومسكت إيدي بإيدها، دفّيها وصل لقلبي قبل جلدي، وقالت بثبات وحنية في نفس الوقت:
__روحي…
روحي وانتي رافعة راسك.
روحي عافية، مش عشان هو،
عشان نفسك.
كملت وهي باصة في عيني:
__روحي وإنتي بتقولي من غير كلام إنك اتخطّيتي،
وإنه مش فارق معاكي،
وإن الحياة ما بتقفش على حد…
فاهمة؟
كلامها هزّني…
بين خوفي من الوجع،
ورغبتي إني أثبت لنفسي قبل أي حد
إني أقوى مما كنت فاكرة.
بصّتلي فجر بعمق… النظرة اللي بتحضنك قبل الإيدين.
سابَت إيدي ثواني، وبعدين قربت أكتر وقالت بصوت واطي، ثابت، مليان احتواء:
__عارفة…
وعشان كده بقولك روحي مش عشان تثبتي له حاجة،
روحي عشان تعترفي لنفسك بالحقيقة.
وقفت قدامي، ومسكت وشي بين إيديها، وكملت وهي باصة في عيني من غير ما تهرب:
__إنك لسه موجوعة مش ضعف،
وإنك مش قادرة تتخطي دلوقتي ده طبيعي،
الوجع مش زرار نطفيه.
تنهدت وقالت بحنية موجعة:
__بس الهروب مش هيشيل الوجع يا نواره…
هو بس بيأجله.
وأنتي متستاهليش تفضلي واقفة مكانك
عشان حد قرر يكمل حياته.
قربتني لحضنها تاني وهمست:
__الكلام اللي جواكي مش لازم يطلع كله،
مش لازم تشرحي ولا تبرري،
كفاية إنك تعيشي… يوم ورا يوم…
لحد ما الوجع يتعب ويمشي لوحده.
__وأنا هنا…
مش همشي،
ولا هسيبك تغرقي لوحدك،
حتى لو الغرق طول.
كلامها دخل قلبي وحرك حاجة كنت فاكرة إنها ماتت…
حاجة اسمها الرغبة في الوقوف تاني.
فجر عندها قدرة غريبة على الإقناع، مش بالكلام قد ما بالإحساس…
تحس إن وجودها لوحده بيقولك: انتي أقوى مما فاكرة.
وفعلًا… قررت.
بصّتلها وقلت بقوة حاولت أجمعها من بين كسري:
__هروح
ابتسمت ابتسامة رضا، الابتسامة اللي بتحسسك إنك خدت القرار الصح،
ومسكت إيدي وقالت بحماس خفيف:
__يلا بقى… نروح نجيب فستان حلو كده.
اعترضت بسرعة، كأنّي بخاف أرجع خطوة:
__أنا عندي فساتين كتير.
وقفت، بصّتلي بنظرة حاسمة، وقالت بصوت مفيهوش نقاش:
__لا.
إنتي لازم تكوني أحلى واحدة في الخطوبة دي… فاهمة؟
الكلمة دخلت قلبي ضربة واحدة.
مش عشان الغيرة…
ولا عشان الاستعراض…
لكن عشان أول مرة من وقت طويل
حد شايفني مش مكسورة…
شايفني واقفة، جميلة، ومستحقة.
وساعتها حسّيت إن الخطوبة دي
مش امتحان وجع…
دي معركة كرامة.
خرجنا برّه، كانت ماما قاعدة على الكنبة، ماسكة المصحف وبتقرأ فيه،
وشّها منوّر بهدوء وطمأنينة تخليك تحس إن الدنيا لسه فيها خير.
أول ما شافتنا، رفعت عينيها وابتسمت الابتسامة اللي بتريح القلب، وقالت بدعاء طالع من قلبها:
__ربنا يخليكوا لبعض.
قربت فجر منها، باست إيديها باحترام وحب، وقالت:
__ويخليكي لينا يا رب.
قربت أنا كمان، حضنتها الحضن اللي فيه أمان الدنيا كلها، وقلت بدلع:
__إحنا خارجين شوية يا ستّ الكل.
طبطبت عليا بحنية الأم اللي تشيل هم الدنيا عن ولادها، وقالت:
__خدوا بالكوا من بعض…
وترجعوا بالسلامة.
دعوتها دخلت قلبي قبل وداني،
وحسّيت إن مهما الطريق كان صعب،
في دعوة أم بتسبقنا
وتحاوطنا من أي وجع.
_______________
مريم
كنت قاعدة ماسكة الفون وبقلب فيه بزهق،
النت فاصل، ومفروض أكلم السوبر ماركت يجددوا،
بس مفيش نفس… ولا مزاج لأي حاجة.
وأنا بقلب كده، عيني وقعت على App غريب ..
أيقونته مش مألوفة…
واسمه عمري ما شوفته قبل كده.
اتلخبطت.
أنا متأكدة إن الفون ده بإيدي طول الوقت…
مين نزّل ده؟
وإمتى؟
فتحته.
لقيت شاشتين موبايل قدامي ..
واحدة منهم…
شاشتي أنا.
قلبي دق جامد.
قفلته وفتحته تاني، يمكن أكون بتخيل بس لأ…
هو هو.
مفهمتش أي حاجة،
الخوف بدأ يزحف جوا صدري بهدوء تقيل.
دخلت أسأل شات GPT،
كتبتله وأنا إيدي بتترعش:
*“هو app فيه شاشتين موبايل ده إيه؟”*
والرد نزل عليّا زي القاضية:*“ده App تجسس.”*
حسّيت الدم نشف في عروقي.
يعني إيه تجسس؟
يعني حد شايفني؟
سامعني؟
عارف أنا بعمل إيه وبكلم مين؟
قفلت الفون فجأة،
وضمّيته على صدري كأني بحاول أستخبى منه.
وفي اللحظة دي،
سؤال واحد كان بيخبط في دماغي بعنف:
مين؟
ومستفيد إيه؟
وأنا اتراقبت قد إيه من غير ما أحس؟
ولو اللي شوفته ده حقيقي…
يبقى في أسرار ومصيبه داخله عليا
___________
زين
مريم كانت قاعدة قدامي،
وشّها شاحب، عينيها واسعة أكتر من الطبيعي،
الرعب مرسوم في ملامحها كأنها شايفة كابوس وهي صاحية.
كنت بحاول أهوّن عليها، بصوت هادي يمكن أكتر من اللازم:
__امسحي التطبيق وخلاص يا مريم…
مش مستاهلة كل القلق ده.
بس فجأة، خبطت بإيديها على المكتب خَبطة جامدة خلتني انتبه،
وصوتها طلع عالي ومهزوز في نفس الوقت:
__إنت مدرك إنت بتقول إيه؟
بقولك كنت بتراقَب!
يعني حد مهكّر فوني!
يعني ممكن ياخد صور شخصية ليا ويهددني!
إنت ليه شايف الموضوع بسيط أوي كده؟!
اتنفست بعمق،
حسّيت إن انفعالها زيادة عن اللزوم،
وقلت وأنا بحاول أسيطر على نبرة صوتي:
__عشان هو فعلًا بسيط.
كملت وأنا باين عليّا الهدوء:
__مش إنتي لسه واخدة بالك من الـApp دلوقتي؟
يبقى احتمال يكون متنزّل من زمان وإنتي ما خدتيش بالك برضه.
رفعت كتافي شوية وقلت:
__ولو كان في حد ناوي يأذيكي بجد،
كان أذاكي من زمان مش دلوقتي.
قربت شوية وقلت بنبرة قاطعة:
__امسحي التطبيق،
وكل حاجة هتبقى كويسة.
بصّتلي بصدمة، كأن كلامي معدّاش ودانها أصلًا،
وعينيها لمعت بدموع مكبوتة وهي بتقول بصوت عالي شوية:
__لا مش بسيط…
ولا عمري هشوفه بسيط!
وقفت من مكانها فجأة، والكرسي عمل صوت وراها،
وقالت وهي بتحرك إيديها بعصبية:
__إنت مش فاهم يعني إيه حد يكون شايفك من غير ما تحس!
يعني إيه كل حركة، كل رسالة، كل صورة
ممكن تكون اتسجلت؟!
قربت مني خطوة، وصوتها كان بيرتعش بين الغضب والخوف:
__إنت بتقولي لو كان هيأذيني كان أذاني من زمان؟
هو لازم يستنى اللحظة اللي تناسبه يا زين!
يمكن لسه ما قررش…
يمكن لسه بيجمع!
مسحت دمعة نزلت غصب عنها وكملت بوجع:
__أنا مش مطمّنة…
ولا هعرف أنام وأنا حاسة إني مكشوفة.
وبصّتلي نظرة طويلة، فيها شك أكتر ما فيها خوف، وقالت بهدوء مرعب:
__والموضوع ده بالذات…
مينفعش يتاخد باستخفاف.
وسكتت.
بس سكوتها كان أعلى من أي صريخ.
___________________
مريم
قرب مني بهدوء ومسَك إيدي بين إيديه…
حاول يطمني، بس إيدي كانت ساقعة، وجسمي كله مشدود.
قال وهو باصصلي بثبات:
__أنا مش قاصد أقلّل من اللي بتقوليه خالص…
أنا بس مش عايز أقلقك.
متخافيش، أنا جنبك،
وطول ما أنا جنبك محدش هيقدر يقربلك… فاهمة؟
كلامه كان المفروض يريحني…
بس قلبي ما ارتاحش.
بصّيت لإيده اللي ماسكة إيدي،
وحسّيت تناقض غريب…
جزء مني عايز يصدّق،
وجزء تاني بيصرخ جوايا إن الخوف ده مش وهم.
سحبت إيدي بهدوء، مش بعنف،
وقلت بصوت واطي بس مليان تعب:
__أنا مش خايفة عشان إنت مش جنبي…
أنا خايفة عشان في حاجة بتحصل من ورايا
وأنا مش فاهمها.
رفعت عيني وبصّيتله،
نظرة مليانة قلق وشك:
__الأمان مش إن حد يقولي متخافيش…
الأمان إني أفهم
وأحس إني مسيطرة،
مش متراقَبة.
وسكت.
بس جوايا كان في إحساس واحد واضح:
الخوف ده لسه مراحش…
والموضوع أكبر
من مجرد تطبيق اتمسح.
________________
فجر
كنا في محل الفساتين وبنختار لنور فستان.
مسكت فستان أحمر وقالت بانبهار:
– ده هيبقى تحفة عليكي!
بصت لي بصدمة وقالت:
– تحفة عليا إيه؟ أنا مستحيل ألبس اللون الفاقع ده، شوفيلي حاجة أهدى شوية.
سبت الفستان وأنا مش مقتنعة، وبدأت أدور على فستان تاني.
مسكت واحد وقلت:
– أهو ده بقى جميل أوي، وهيبقى أجمل عليكي.
ردت وهي بتهز رأسها بالنفي:
– ده مش هيليق على بشرتي خالص، شوفي حاجة تانية.
بصتلها بانزعاج وقلت:
– بقولك إيه، امشي ورايا بس وهتكسبي.
سبت الفستان تنفيذاً لرغبتها وبدأت أدور على غيره.
وفجأة، لفت انتباهي فستان أسود شكله تحفة.
قرت عليه بلهفة وقلت:
– هو ده، يلا ادخلي قيسيه!
دخلت نواره عشان تجرب الفستان الأسود، ولما شافته على جسمها، عيونها اتسعت بالصدمة.
همست بدهشة:
– ده… ده مفتوح أوي!
حسيت شوية توتر وخجل على وشها، وحاولت تمسك على نفسها وتضحك.
أنا ابتسمت بخفة، عارفه إنها محتاجة طمأنة:
– اه بس بصي قدام المراية، حلو قوي عليكي… ولو سيبتي شعرك لقدام شوية، مش كله هيبان.
وقفت قدام المراية، نظرتها مترددة بين الإعجاب والحرج كان باين ع وشها ….
قلبها كان بيدق بسرعة، وعرفت إنها معجبة لكن خايفة تقول.
أنا حسيت بمزيج من الفرح والانتصار الصغير، كأن اللحظة دي كانت مكافأة لكل البحث والتعب اللي عملته عشان ألاقي الفستان المناسب.
أخدنا الفستان بعد ما أقنعتها، وخرجنا من المحل.
ركبت العربية وهي كانت جمبي، وطلعت من التابلوه المكياج.
هي مكانتش مركزة معايا، وشكلها كانت مشغولة بحاجة تانية.
اتكلمت وقولت:
– قربي.
بصت لي بعلامات استفهام واضحة على وشها:
– هو المكياج ده ليّا أنا؟
رديت وأنا ببتسم بحماس:
– أمال ليك أنا؟ ليكي طبعًا، عشان تروحي الخطوبة دي وإنتي أجمل واحدة فيها.
ردت باعتراض، وحسيت شوية تردد وخجل في صوتها:
– لا لا، إنتي عارفة إني مش بحب أحط الحاجات دي يا فجر، أرجوكِ.
بصيت لها بحزم، بس مع لمسة حنية في عيوني:
– قولتلك تسمعي كلامي، وأنا هخليكي الكل يتكلم عن جمالك في الخطوبة دي… ثقي فيا.
شوفت في عينيها التوتر، بس كمان حسيت إنها قررت تثق فيا وتسيب نفسها بين إيدي.
قعدت أحط لها شوية ميكب خفيف، يبرز جمالها أكتر، كل حركة كنت بحاول أخليها طبيعية وناعمة، وحسيتها بدأت تسترخي شوية.
_________________
فجر قالت إنها هتيجي معايا بعد ما أختار الفستان…زبعد طبعت م قعدت ازن عليها عشان تيجي معايه
حسّيت بثقة غريبة لما فكرت فيها جمبي،
حسّيت إن ليا ضهر، وإن لو حد ضايقني في الخطوبة دي،
هي هتدافع عني زي ما دايمًا بتعمل.
بس استغربت جدًا لما وقفت قدام الشركة وهي بتنزل من العربية.
بصّيت لها بعدم فهم وقلت:
__رايحة فين كده؟
بصّت لي من شباك العربية، ونبرة صوتها هادية… لكن فيها جدية:
__بصراحة يا نوني…
أنا عندي شغل قد كده ومش هقدر أجي معاكي.
حسيت بخيبة أمل ضربت قلبي…
قلت وأنا مش قادر أخفي وجعي:
__فجر… لا بجد… متعمليش كده.
ابتسمت برقة، لكن ابتسامتها كانت مليانة حكمة، وقالت:
__متخافيش… أنا هخلي حد تاني يجي معاكي.
مكنتش فاهمة هي بتفكر في إيه بالظبط…
لكن فهمت كل حاجة لما بصيت وشوفتها بتبص لتميم، اللي واقف قدام الشركة ولبس بدلة رمادي.
حدفتله مفتاح العربية بحدة، ونبرة صوتها فيها حرص وحزم:
__خد بالك منها.
وبعدين دخلت هي الشركة…
وسابتني واقفة هناك… بين شعور بالأمان اللي كانت بتديني إياه…
وبين خيبة أمل كبيرة عشان مش هتكون جمبي.
تميم قرب من العربية وفتح الباب وقعد جمبي…
قلبي بدأ يدق أسرع من كده… التوتر مسيطر عليا من أول لحظة شفت فيها فجر دخلت الشركة.
بصيت له بارتباك وحاولت أتحكم في صوتي:
__معرفش بجد… هي عملت كده ليه؟
ابتسم بحنية، وعيونه فيها ضحكة صغيرة، وقال:
__شكلها بتحبك أوي.
حسيت وشي سخن… حاولت أخفي ارتباكي، وقلت بصوت منخفض:
__مدام فجر؟ آه… شديدة شويه… بس طيبة… وبتحب تساعد غيرها.
ابتسم وتمتم لنفسه وهو بيدور بالعربية…
مش فاهمة إيه اللي بيضحك!
بصّيت له باستغراب وسألته:
__بتضحك على إيه؟
بصّلي بنظرة فيها دهشة واكتشاف… وقال وهو مبتسم بطريقة غريبة:
__أنا عرفت… إن فجر تبقى أختك!
قفلت بؤي على الصدمة… قلبى بقى يدق بسرعة، ومش قادرة أصدق اللي سمعته.
رديت وأنا بحاول أبرر، قلبي لسه بيدق بسرعة:
__تميم… أنا مكنتش أقصد… مقولكش.
رد بهدوء، صوته ثابت لكن فيه حزم:
__عارف… فجر فهمتني كل حاجة.
رفعت حاجبي بتساؤل وقلت:
__أفهم من كده إن هي اللي قالتلك؟
هز راسه وهو بيقول بعدم اهتمام، نبرة صوته كأن الموضوع بسيط بالنسبة له:
__مش مهم مين اللي قالي… المهم إني عرفت.
حاولت أفهم أكتر، وقلت وأنا بحاول أخفي توتري:
__وعرفت برضه… إنت جي معايا ليه وفين؟
هز راسه بتأكيد على كلامي…
وفي اللحظة دي حسيت بمزيج من الصدمة والارتباك، قلبي مش قادر يستوعب كل التفاصيل…
بس كان في إحساس غريب بالأمان لوجوده جمبي… رغم كل الحيرة والوجع اللي جوايا.
وصلنا قدّام القاعة اللي معمول فيها الخطوبة.
تميم نزل الأول، ولف وفتحلي باب العربية.
نزلت…
وأول ما وقفت قدّام المكان، قلبي اتقبض.
الإضاءة، الناس، الأصوات اللي طالعة من جوّه…
كل حاجة كانت بتفكّرني إني داخلة مواجهة،
مش مناسبة فرح.
الخوف مسيطر عليّا،
حسّيت نفسي صغيرة قدّام الباب الكبير ده،
كأني على وشك أفتح صفحة أنا مش مستعدة ليها.
بصّلي تميم وابتسم ابتسامة هادية، وقال:
__شكلك حلو على فكرة.
حسّيت خدودي سخنوا،
ابتسمت بحرج ورجّعت خصلة من شعري ورا وداني، وقلت:
__وإنت كمان.
ضحك بخفة وقال:
__طب إيه؟ مش هندخل؟
بلعت ريقي، وهزّيت راسي بتردد،
وصوتي طلع واطي بس مصمّم:
__هندخل…
هندخل.
وأنا بخطو أول خطوة ناحية الباب،
كنت حاسة إن قلبي سابقني،
بس في نفس الوقت…
كان في حاجة جوايا بتقولي
إن الرجوع مش خيار،
وإن المواجهة، مهما كانت موجعة،
أهون من الهروب.
دخلنا القاعة…
وأول ما خطوت جواها، عيني بدأت تدوّر عليه لوحدها،
كأن قلبي حافظ مكانه قبل ما عقلي يستوعب.
لقيته واقف، بيتكلم مع حد،
لابس بدلة خلت شكله…
مؤلم.
جميل أوي بالطريقة اللي بتوجع،
الطريقة اللي تفتّح جرح كنت فاكرة إني غطّيته.
قلبي وجعني فجأة، وجع حاد،
حاسّة بيه في صدري وكأني مخنوقة،
مكنتش قادرة أسيطر على نفسي ولا على نظراتي اللي اتعلّقت بيه.
وفجأة…
حسّيت بإيد دافية مسكت إيدي.
بصّيت لتميم،
لقيته باصصلي بثقة، نظرة ثابتة، كأنها بتقولي: انتي مش لوحدك.
هزّيت راسي بخفة…
فهمت هو قاصد إيه من غير ولا كلمة.
شدّيت نفسي، فردت ضهري،
رفعت راسي، وخدت نفس طويل،
وبدأنا نمشي ناحية مراد عشان أسلّم عليه.
كل خطوة كانت بتوجع…
بس كل خطوة كانت كمان
بتعلّمني
إني لسه واقفة.
قربت منه…
وكان واقف جنب بنت قمورة أوي، ملامحها هادية وناعمة،
من غير ما حد يقول، كنت عارفة إنها خطيبته.
أول ما عينه جت في عيني،
وشّه اتخطف…
الصدمة باينة، كأنه عمره ما توقّع إني أظهر هنا.
مدّيت إيدي ليه،
اتلخبط لحظة، كان واضح إنه بيحاول يستوعب وجودي،
وبعد ثواني مدّ إيده هو كمان.
ابتسمت، ابتسامة متعبة بس متماسكة، وقلت:
__ألف مبروك يا مراد…
مصدّقتش بصراحة لما عرفت إنك اتخطبت.
قبل ما يرد،
سمعت صوت حاد جمبي.
بصّيت ناحية البنت اللي كانت واقفة جنبه،
وقالت بنبرة فيها سخرية واضحة:
__ومصدّقتيش ليه يعني؟
ردّيت بابتسامة مستفزّة وقلت:
__مكنتش أعرف إن مراد بيعرف يشيل مسؤولية… ده شايل مسؤولية نفسه بالعافية.
كانت لسه هترد عليّا، لكن صوت مراد قطعها وهو بيبص لتميم بنظرة مستغربة:
__مين حضرتك؟
ابتسم تميم ومدّ إيده بثبات وقال:
__أنا تميم، صاحب نوّارة.
ضحك مراد بسخرية وقال:
__صاحب؟ من إمتى نوّارة بتصاحب ولاد؟
شدّ تميم على إيدي وهو بيرد عليه بنبرة هادية بس حادة:
__هي فعلًا مكنتش بتعمل كده لما كنت إنت في حياتها، لأنها كانت بتحترمك.
لكن دلوقتي؟ إنت برا الصورة… فليه لأ؟
قرّبني منه وحاوطني بإيده، وبصّلي في عيني وقال:
__وكمان أنا ونوّارة هيبقى في حاجة قريبة بينا… صح يا نوري؟
كلام تميم وقع عليّا زي الصدمة…
قلبي خبّط خبطة واحدة قوية، وعقلي اتشل للحظة.
في حاجة بينا؟
هو قالها بسهولة مخيفة… كأنها حقيقة متقالتش غير دلوقتي.
بصّيت له وأنا تايهة، بحاول أفهم هو عايز يوصل لإيه،
بس نظرة عينيه كانت ثابتة، واثقة،
نظرة حد قرر يلعب الدور للنهاية.
هزّيت راسي بتوتر،
مش عشان متأكدة،
لكن عشان مش عايزة أدي لمراد فرصة يشوف ضعفي.
رجّعت عيني على مراد…
وشه كان متشدّد، فكه مقفول،
واضح إنه بيحاول يسيطر على غضبه،
بس النار كانت طالعة من عينيه.
حسّيت بإيد تميم حواليا،
إحساس غريب بين الأمان والارتباك،
بس في اللحظة دي، وجوده جمبي كان الدرع الوحيد اللي واقف بيني
وبين انكسار كنت على وشك أعيشه قدّامهم.
مراد سكت…
وسكوته كان أعلى من أي كلام.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة:
مش كل اللي بيغضبنا لسه فارق معانا،
بس في ناس
وجعهم لينا
بيفضل عايش شوية
قبل ما يموت.
وأنا واقفة هناك،
راسي مرفوعة،
قلبى موجوع…
بس مش مهزوم.
رواية وهم الحياه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الخامس عشر
لبارت الخمستاشر
فجر
بدأت الخطة اللي كنت عاملاها قبل ما أروح الشغل.
اتصلت بهنيّة وطلبت منها تيجي تجهّز الدنيا، علشان عاملين حفلة في البيت بمناسبة الصفقة الجديدة.
جهزت نفسي، لبست فستان لونه لبني، بأكتاف، وسيبت شعري القصير زي ما هو.
حطيت ميكب هادي، ورشة بيرفيوم…
وكده بقيت جاهزة.
نزلت لقيت هنيّة مخلّصة كل حاجة.
ابتسمت لها وقلت بإعجاب:
__تسلم إيدك يا هنيّة، بجد البيت بقى تحفة.
ردّت بابتسامة صافية:
__تسلمي يا ست هانم، ده من ذوقك… أنا عنيا ليكي.
هزّيت راسي برضا،
وبصّيت على الساعة اللي على الحيطة.
المفروض في الوقت ده المعازيم يبدأوا يوصلوا.
استنيت خمس دقايق…
وبالفعل، الجرس بدأ يرن.
واحد ورا التاني.
صحابي.
موظفين من الشركة.
والبيت ابتدى يتملي دوشة وضحك…
بس أنا كنت عارفه إن اللي جاي أكتر من مجرد حفلة.
وثواني وكان الباب خبط تاني،
المرة دي فتحت أنا بنفسي.
يعقوب ومريم كانوا واقفين جنب بعض.
ابتسمت أول ما شوفتها،
لكن هي اتصدمت…
نظرتها اتجمّدت وكأنها مش مصدقة اللي قدامها.
مريم كانت واقفه مكانها مش عارفه تنطق
وعيونها بتلف عليا من فوق لتحت كأنها بتتأكد إني حقيقي مش خيال
يعقوب قطع الصمت وهو بيقول:
__إحنا… مش متأخرين؟
ابتسمت وأنا بفتح الباب أكتر وقلت:
__لا طبعًا، اتفضلوا
دخلوا
ومريم لسه متلخبطه
واضح إن وجودها هنا مكنش ف الحسبان خالص
قربت منها وقلت بهدوء:
__وحشتيني يا مريم
بلعت ريقها وقالت بصوت واطي:
إنتي… إنتي اللي عامله الحفله؟
هزيت راسي بابتسامه:
__أيوه
رد يعقوب باستغراب وهو بيقول:
__إيه ده؟ هو إنتوا تعرفوا بعض؟
هزيت راسي بهدوء وقلت:
__دي مريم… سكرتيرة زين جوزي
اللي حكيتلك عنه قبل كده.
هز راسه ببطء، ونظرة عينيه قالتلي إنه فاهم كويس أنا بعمل إيه
وزي ما هو فاهمني…
كان عارف بالظبط هو المفروض يعمل إيه في اللحظة دي.
بص يعقوب لمريم تاني بنظره أطول شوية
نظره فهم… مش استغراب
قال بهدوء مقصود:
__آه… كدا الموضوع وضح
مريم شدّت إيديها على بعض بتوتر، وصوتها حاولت تطلعه ثابت:
__أنا… أنا مكنتش أعرف إن البيت دا بيتك انتي ومستر زين
ابتسمت ابتسامة خفيفة، من النوع اللي بيخبي حاجات كتير:
__الدنيا صغيرة يا مريوم، أكتر مما إحنا فاكرين
وحاولت متوترهاش أكتر من كده، عشان التوتر الحقيقي لسه جاي.
اديتها عصير، وشربت، وعيونها كانت بتلف ف كل حتة حواليها…
بعد شوية ركّزت نظرها عليا وقالت بصوت واطي لكن فيه فضول:
__يعني مستر زين مش هيحضر ولا إيه؟
ابتسمت لها وقلت بهدوء:
__هيجي حالا… هو بس قالي إن وراه شغل وهيتأخر شوية.
بصّت لي بصدمه، حاولت تخفيها وقالت:
__يعني مستر زين عارف إن حضرتك عاملة حفلة؟
عرفت إنها متغاظة شوية إنه محكلهاش، فقلت لها بابتسامة خفيفة:
__طبعا يا روحي…
وضفت في سرّي لنفسي:
_هو ولا طبعا ولا حاجة!
زين ميعرفش أصلا، بس حبيت أخليها مفاجأة ليه… وليها كمان.
_________________
يعقوب
وزي ما اتفقت أنا وفجر، ما سيبتش مريم لحظة…
عرفت إنها لو لقت فرصة تبلغ زين، ساعتها مش هيجي.
حاولت تتجنب كتير، تتحرك بعيد أو تشرد،
بس أنا كنت دايمًا حريص إنها تفضل جوه نظري،
ما تقدرش تختفي عني.
كل حركة منها كنت بتابعها، كل كلمة كانت بتطلع من عندها كنت سامعها…
عشان اللحظة دي محتاجة كل حاجة تكون تحت السيطرة
شفت الباب بيتفتح…
عرفت اللحظة اللي كنت مستنيها.
زين دخل، لابِس بدلة أنيقة، شكله واثق،
بس حسيت فورًا إن الجو اتغير حواليه.
مريم اتحجرت في مكانها، واضحة الصدمة على وشها…
وفجر واقفة قدامها، عيونها مركّزة عليه، بس فيه هدوء مخفي وراحة ثقة.
أقدر أحس كل حاجة…
النظرات، التوتر، القلوب اللي بتدق بسرعة.
زين مش واخد باله مني ولا من وجودي، بس أنا شايف كل تفصيلة فيه…
حركة إيده، طريقة وقوفه، الابتسامة اللي تحاول تخبي أي مشاعر.
في اللحظة دي، حسّيت إن كل حاجة حواليّا صارت بطيئة…
والوقت بقى واقف،
________________
نواره
مراد خدني بعيد عن العيون، بعيد عن خطيبته وعن الزحمة،
كأن المكان فجأة بقى أضيق علينا الاتنين.
بصلي وقال بنبرة فيها شك وغيرة حاول يخبيهم:
__انتي…
انتي فعلًا بينك وبين البني آدم ده حاجة؟
رفعت عيني ليه،
وأول مرة أكلمه بالقسوة دي، قسوة طالعة من وجع مش من غضب:
__أظن ده ما يفرقش معاك يا مراد،
إنت دلوقتي خاطب
اتنهد، وعينيه كانت مليانة أسف متأخر،
وقال بصوت مهزوز:
__نواره… أنا لسه بحبك.
ضحكت ضحكة سخريّة،
ضحكة وأنا بحاول ألم دموعي قبل ما تقع قدامه:
__إنت ما بتحبنيش يا مراد،
إنت حبيت حُبّي ليك… مش أكتر.
وفي خلال شهر واحد بس،
كنت خاطب واحدة غيري.
صوتي واطي، مكسور،
بس الوجع كان واضح:
__كنت دايمًا تقول إنك مش معاك نتجوز،
وإن اللي جاي على قد اللي رايح…
وأنا صدّقتك.
رفعت عيني للقاعه، للزينة، للدهب اللي لابساه خطيبته،
ورجعت أبصله وأنا بكمل:
__بس بعد ما شوفت القاعة،
وشوفت الدهب اللي جايبه لها…
فهمت.
مش حكاية فلوس ولا ظروف يا مراد،
الحكاية إنك كنت مستخصر فيّ،
مستخصر عشان شوفت ان عيشتي مرتاحة.
سكتّ.
كلامي نزل عليه زي السكاكين.
شاف نفسه قدامي عريان من أي مبرر،
وعيونه اتكسرت… بس متأخر أوي.
قرب خطوة وهو بيحاول يمسك إيدي،
سحبتها بسرعة، كأني لمست نار.
قال بصوت واطي مهزوز:
__مش مستخصر… والله ما كنت مستخصر،
أنا كنت خايف… خايف أقصّر، خايف أظلمك معايا.
ضحكت ضحكة قصيرة طالعة من وجع مش من ضحك:
__تظلمني؟
لا يا مراد…
الظلم الحقيقي إنك سيبتني أستنى،
وأحلم،
وأبررلك،
وفي الآخر ألاقيك واقف هنا…
مع غيري، …وبتقولّي بحبك.
سكت لحظة،
وحسّيت قلبي هو اللي بيتكلم مش لساني:
__أكتر حاجة وجعتني مش إنك اتخطبت…
اللي وجعني إني كنت هقبل بالقليل عشانك،
وأنت اخترت تدّي غيري الكتير
وانا حتى ما استاهلتش الحقيقة.
عيونه دمعت،
بس دموعه ما حرّكتش فيّ حاجة.
الوجع اللي جوايا كان أقدم وأتقل من أي ندم متأخر.
قربت منه شوية، مش ضعف…
قوة.
قلت بهدوء قاتل:
__حبك جه متأخر،
واعترافك جه بعد ما كل حاجة خلصت.
أنا موجوعة آه…
بس مش مكسورة زي ما أنت فاكر.
لفّيت وشي ومشيت،
وسيبت ورايا مراد
واقف في نص القاعة…
خاطب،
وخاسر.
وخرجت من القاعة،
سايبة ورايا كل حاجة…
الدوشة، الضحك، النور،
وسايبة الإنسان الوحيد اللي حبيته بجد.
كنت بهرب…منه، ومن نفسي، ومن دموعي اللي خرجت عن سيطرتي خلاص.
الهواء برّه كان تقيل، ..ونفسي مخنوق، …وعيني مش شايفة قدامي من كتر العياط.
سمعت صوت خطوات ورايا،
عرفت من غير ما ألف…
تميم
سرّعت خطوتي،
مش عايزة حد يشوف ضعفي،
ولا يسمع قلبي وهو بيتكسر.
بس الكعب خانّي رجلي لفت،
وكنت هقع…
في ثانية،
إيدين مسكوني قبل ما الأرض تلمسني.
صوته جه قلقان، قريب أوي:
__انتي كويسة؟
ما قدرتش أرد.
ولا حتى أرفع عيني.
كل اللي عملته إني هزّيت راسي بـ لا.
قلعت الكعب بإيد مرتعشة،
ورميته جوه العربية من غير ما أبص،
كأني برمي معاه وجع سنين.
مشيت خطوتين،
وبعدين رجلي ما شالتنيش.
قعدت على الرصيف، ضمّيت نفسي،
وانهارت.
بكيت…
بكيت بحرقة،
بكيت على حب صدّقته،
وعلى عمر ضاع في انتظار حد
ما كانش ناوي يختارني.
وتميم؟
وقف قدامي ساكت،
مش بيضغط،
ولا بيقاطع وجعي…
قعد جمبي على الرصيف،
وقرّب شوية من غير ما يزاحم وجعي، إيده كانت بتطبطب على ضهري بحنية هادية
كأنها بتقول أنا هنا من غير كلام.
قال بصوت واطي، دافي:
__بتحبيه أوي كدا؟
ما رديتش ….كنت منهارة،
العياط كان ماسكني من جوايا،
وكأني لو فتحت بوقي هانهار أكتر.
سمعته وهو بيقول، بنبرة أهدى:
__اتكلمي يا نواره…
طول ما انتي كاتمة جواكي مش هترتاحي ..جربي تفتحي قلبك،وصدقيني…لا هاحكم عليكي،
ولا عليه حتى.
بصيت له بتردد،
عيني كانت محمرة وبتحرق، وقلبي بيدق بخوف …بس في اللحظة دي كنت محتاجة أتكلم،
أطلع الوجع اللي خانق صدري.
رفعت عيني وبصيت له،
وصوتي طلع مكسور وأنا بقول:
__مراد…
مراد دا الإنسان الوحيد
اللي حبيته بجد.
الكلمة خرجت تقيلة،
كأنها اعتراف متأخر،
ومعها خرج جزء من وجعي
كنت مخبياه عن الدنيا كلها.
كمّلت وأنا بشهق،
الهواء كان تقيل في صدري وكأن نفسي مش راضي يطلع:
«كل حاجة ادمرت من يوم ما سيبته…»
مسحت دموعي بإيدي،
يمكن كنت بحاول أمسح الوجع مش بس الدموع،
وكملت وصوتي بيرتعش:
__أنا عارفة إني اللي اخترت البُعد،
بس كل دا كان بسببه
أول ما شوفته في الكوشة قلبي اتقبض…
وجعني وجع عمري ما حسّيته قبل كدا.
سكتّ لحظة،
وبعدين سألت نفسي بصوت طالع من جوّه النار:
__هو أنا اتنسي بالسرعة دي؟
يعني كل اللي كان بينا…
يتنسي في شهر؟
سمعت صوته هادي وهو بيسألني:
__والإجابة كانت إيه؟
ضحكت ضحكة مكسورة،
فيها قهر أكتر ما فيها صوت،
وقلت بوجع:
__ملقيتش إجابة…
لحد دلوقتي.
شدّيت نفسي وكملت،
وكل كلمة كانت بتجرّ اللي بعدها جرح:
__ولما شوفته عاملها خطوبة في قاعة
وجايبلها دهب قد كدا…
صعبت عليّ نفسي قوي.
أنا مجابليش غير دبلة لما كنا مخطوبين،
وأنا والله ما اعترضتش،
ولا زعلت…
طول ما دا على قد مقدرته.
نفسي اتقطع وأنا بختم:
__بس كل دا…
اتبخّر،
كأني مكنتش حاجة بالنسباله …
سكتّ،
والصمت كان أوجع من الكلام.
صدري كان بيطلع وينزل بسرعة،
وكأني لسه طالعة من معركة خسرتها لوحدي.
تميم فضل ساكت شوية،
سابني أطلع اللي جوايا على مهلي،
وبعدين قال بصوت واطي، هادي، فيه ثِقل الرجولة مش شفقة:
__اللي يسيب حد شبهك…
ميبقاش كسب حاجة.
هزّيت راسي بنفي،
ضحكة صغيرة هربت مني من كتر الوجع:
__متقولش كدا…
يمكن أنا اللي كنت قليلة،
يمكن حبي كان أكتر من اللازم.
قاطعني بسرعة،
نبرته بقت حاسمة لأول مرة:
__لا إنتي كنتي صادقة…
ودي مش قلة، دي قوة.
بس مش كل الناس تعرف تشيل القوة دي.
بصّيت له،
أول مرة أحس إن في حد شايفني مش ضعيفة،
شايفني مكسورة… بس لسه واقفة.
قال وهو بيبص قدامه:
__مراد اختار السهل،
والسهل دايمًا يبان مغري…
بس عمره ما بيبقى صح.
بلعت ريقي،
وسألت السؤال اللي كان واكل قلبي:
__طب ليه لسه بيوجع؟
ليه حاسّة إني واقفة مكاني وهو كمل؟
بصّلي بهدوء،
والإجابة كانت أبسط وأصدق ما سمعت:
__عشان إنتي حبيتي بجد…
واللي بيحب بجد،
بياخد وقت عشان يقوم.
مدّ إيده بهدوء وقال:
__بس هيقوم…
وأنا متأكد إن اليوم اللي هتقومي فيه،
هتستغربي إزاي كنتي فاكرة إنك قليلة.
ساعتها…
مكنتش جاهزة أرد،
بس لأول مرة من زمان،
الوجع وجعه أقل شوية.
رواية وهم الحياه الفصل السادس عشر 16 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل السادس عشر
البارت الستاشر
فجر
شوفت عينه أول ما وقعت على يعقوب ومريم…
اتخطف وشّه لحظة، نظرة سريعة ما لحقش يخبّيها،
وبعدها لبس وشّ الجمود اللي حافظه كويس،
وسلّم عليهم وكأن مفيش حاجة حصلت.
اتكلمت وأنا بعرفهم على بعض وقلت:
__يعقوب زين…
زين يعقوب.
يعقوب ابتسم وهو بيمد إيده لزين وقال:
__اتشرفت بمعرفتك يا زين باشا.
زين ابتسم ابتسامة باهتة ورد:
__الشرف ليا.
بعدها لفّ لمريم،
سلّم عليها…
وهي واقفة متوترة، كتافها مشدودة،
وعينيها بتلف كأنها بتدور على مخرج.
رجع زين بصّلي.
نظرة واحدة كانت كفاية أفهم منها ألف سؤال:
ليه الحفلة؟
وليه من غير ما أقوله؟
إيه علاقة يعقوب بيا؟
وإيه اللي جاب مريم هنا أصلًا؟
وما استناش كتير.
مسكني من إيدي بهدوء وسحبني على جنب،
وسألني كل الأسئلة دي بعصبية مكتومة.
بصّيت له بهدوء وأنا بمسك إيده،
حسّيت برجفته الخفيفة تحت صوابعي،
وقلت بنبرة واطية مطمّنة:
__هفهمك كل حاجة لما يمشوا…
بس دلوقتي لازم نرجع عشان الضيوف يا زينو.
سابني ثواني،
نفسه كان تقيل،
بس في الآخر هز راسه وسكت…
يمكن لأنه حس إن في حاجة أكبر جاية،
وحاسس إنها مش هتعدّي بالساهل.
رجعنا تاني ووقفنا جنب مريم ويعقوب،
وأنا اتكلمت بنبرة هادية…
بس كل كلمة كانت محسوبة ومتقصودة:
__يعقوب اتعاقد معانا،
وبقى جزء من الشركة بتاعتي.
الصدمة كانت فورية.
وشوش اتخطفِت من غير استئذان.
مريم…
وزين.
ولا واحد فيهم عرف يخبّي.
لمحت زين وهو بيشد فكه،
ومريم عنيها وسعت للحظة قبل ما تنزلها بسرعة.
سمعت مريم وهي بتقرب من يعقوب وتقول بصوت واطي،
بس نبرته مشدودة:
__مقولتليش إنك اتعاقدت مع شركة كبيرة زي شركة مدام فجر…
ليه؟
يعقوب ابتسم بهدوء،
وطبطب على إيدها كأنه بيحاول يثبّت موقفه،
وقال بثقة:
__حبيت أعملهالك مفاجأة.
مفاجأة حلوة… مش كدا؟
مريم ابتسمت ابتسامة باهتة،
مشدودة أكتر ما هي فرحانة،
وقالت:
__آه طبعًا.
بس عينيها كانت بتقول العكس…
والجو كله كان متكهرب،
كأن كل حد فيهم حسّ إن اللعبة اتقلبت،
وإن اللي جاي مش في صالحهم.
اتكلمت وأنا بقاطع أي كلام حواليهم،
وبوجه كلامي مباشرة لزين:
__بجد يعقوب ممتاز ف الشغل،
وهيضيف للشركة كتير…
وأنا ممتنة إنك بقيت من ضمن التيم بتاعنا.
يعقوب ابتسم لي بابتسامة واثقة،
وقال بمجاملة واحترام:
__الشرف ليا… وإن شاء الله نعمل شغل يكسر الدنيا.
_________________
تميم
كانت عيونها سرحانة ولسه فيها أثر العياط،
اتنهدت ببطء وأنا بطبط عليها برفق، وبقول:
__كفاية عياط بقى…
رفعت راسي وبصيتلي بعينيها الحمر،
والحزن فيها كان تقيل على قلبي،
وهي بتشاور على قلبها وقالت بصوت واطي:
__واجعني…
وقتها حسّيت بالوجع اللي جواها،
كأن كل كلمة خرجت من قلبها بتخبط قلبي أنا كمان.
سكت شوية، حسيت بالسكينة في صمتها،
بس نفس الوقت الوجع كان ماسكها جامد.
مسكت إيديها بهدوء، ضمّيت إيديها بين إيدي،
وبصوت واطي ومليان حنية، قلت لها:
__عارف… عارف الوجع اللي جوه قلبك…
بس مش لوحدك… أنا جمبك، وكل اللي تحبيه وأنتِ محتاجاه هاحميه.
قلبها ارتجف تحت لمستي،
وهي بتمسح دمعة هربت من عينها،
ولحظة صغيرة…
حست إنها لسه ممكن تلاقي حد يفهمها ويحميها من الألم.
سكتنا سوا، بس الصمت كان أهدى شويه
بعد لحظات حسيت إنها سقعت،
وزي أي جنتل مان، خلعت جاكيت البدلة،
وحطيته على كتافها بحنية.
ابتسمت وقالت بهدوء:
__شكراً…
رديت وانا بابتسامة صغيرة:
__طب اي، مش هنروح؟
هزّت راسها موافقة وقامت،
فتحتلها باب العربية ودخلت،
وقعدت جمبها ماسك الدريكسيون،
والجو كله هادي، بس مليان إحساس بالأمان اللي كان محتاجه كل واحد فينا.
قعدنا ساكتين شوية،
الشارع نور خفيف بيعدي على وشها،
وهي بتبص من الشباك بعينيها المحمرة ولسه فيها أثر العياط.
__________________
نواره
وصلت البيت، شكرت تميم على إنه جه معايا ووقف جنبي،
وبعدها طلعت للبيت.
لقيت ماما مستنِّياني، عيونها مليانة حنية وقلق في نفس الوقت،
وبسؤال بسيط بس مليان فهم قالت:
__عملتي اي؟
قربت منها وبوست إيديها، وانا بوطي ليها بصوت واطي:
__اليوم كان حلو… وانبسطت أوي.
بصيت لها شوية، كأنها عارفة كل اللي جوه قلبي من غير ما أتكلم،
وقالت بهدوء وحنية:
__ي نور عيني… أنا عارفة إنك تعبانه، عيونك باينه فيها الوجع يا نواره…
بس زي ما إحنا متفقين، لما بنسيب حاجة… عمرنا ما بنرجع ناخدها تاني… صح؟
رديت بابتسامة مهزوزة، وانا بهز راسي، وقلت:
__صح… أنا عارفة.
عشان كدا اديتله الكلمتين اللي نهيت بيهم أي حاجة كانت بينا…
وهعمله بلوك من كل حتة عشان قلبي يستريح.
سكتت لحظة… مسكت إيدي برقة، وابتسامتها كانت دافية كنسمة في يوم شتوي.
قالت بهدوء، كأنها بتستكشف:
__قوليلي… جاكيت مين دا؟
بصيت على اللي بتشاور عليه، وقلبي اتوقف لحظة… جاكيت تميم!
حطيت إيدي على رأسي وأنا أقول، بصوت متلعثم شويّة:
__دا… بتاع تميم… نسيت أديهولوا.
ابتسمت لي، عيونها مليانة فضول وحنية، وقالت بتساؤل، خفيف على لسانيها:
__مين تميم؟
ضحكت من قلبي، وقلت بحمحمة:
__زميلي فالشغل… جه معايا الخطوبة بس.
بصت لي وهي بتغمز، صوتها كان شبه همسة:
__زميلك بس؟
رفعّت أكتافي، وقلت وأنا أتهرب بخفة:
“أيوا… بس… أنا هروح أغير هدومي وأنام.”
بوستها بسرعة، وقلت وأنا أبتسم:
__تصبحي على خير.
ودخلت، والجو كله مليان حس لطيف بالحرج والدفء… كأن اللحظة عايزة تتجمد فيها.
__________________
فجر
المعازيم كلهم بدأوا يمشوا واحد ورا واحد،
ولما البيت بقى فاضي، ما فضلش غيري أنا وزين وهنيه،
اللي كانت بتنضف الدنيا بعد ما المعازيم مشيوا.
طلعت وقعدت قدام التسريحة وأنا بمسح الميكب،
وف وسط ما أنا بمسحه، لقيت زين داخل عليا…
وشه مليان علامات الغضب، وقعد على السرير وقال بصوت متحشرج:
__أنا مش فاهم…
اي اللي جاي يعقوب لشغلك؟
وليه ما قولتليش عن حاجة زي دي؟
وليه معرفتنيش إن فيه ضيوف عندنا!
حسيت بالضغط والتوتر مالي الجو حواليه،
وعيونه كانت مركزه ع كل تفصيلة صغيرة…
كنت محتاجة أهدّي نفسي قبل ما أرد عليه.
بصيتله وقالت بهدوء لكن بنبرة حازمة:
__زين… كل اللي حصل ده كان مفاجأة…
كنت عايزة أفاجئك…
ومعازيمك ما كانوش جزء من الخطة أصلاً… أنا بس حاولت أخلي كل حاجة منظمة.
زين شَدّ نفسه وعيونه متقلقة، بس بدأ يتنفّس بهدوء شويه،
قلتله وأنا بمسك إيديه:
__اعرف إن يعقوب جزء من الفريق بتاعي… وده شغل… بس مش قصدي أخبي عنك حاجة…
أنت أهم حد عندي، وعشان كده كل خطوة لازم تعرف عنها.
زين بص لي بعينين مليانة حيرة وعدم تصديق، بس شوية من الغضب اتحول لدهشة…
ابتسمت له بابتسامة صغيرة، وقلبي بدأ يهدّى شوية،
سحب إيده من إيدي وقال وهو بيحاول يمسك أعصابه:
__أنا خارج.
ما سألتوش … كنت عارفة إنه خارج رايح فين!
أكيد هيروح يقابل مريم، لأنه بدأ يشك شوية…
بس مش مهم… كل اللي محتاجاه دلوقتي خطوه واحدة.
خطوة واحدة… وهطربق الدنيا،
على دماغه… وعلى دماغها وعلى كل حاجة حواليهم
رواية وهم الحياه الفصل السابع عشر 17 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل السابع عشر
البارت السبعتاشر
فجر
بعد ما خرج، غيرت هدومي
ولبست بيجامة مريحة، وقعدت على السرير.
مسكت الفون واتصلت بتميم…
رد بعد دقايق.
بدأت كلامي وأنا بسأله بهدوء:
__نواره بقت كويسة؟
رد بصوت هادي:
__أنا عملت كل اللي أقدر عليه،
وهي شكلها اقتنعت بكلامي
وهتفتح صفحة جديدة مع نفسها.
هزّيت راسي برضا وأنا بقول:
__كويس جدًا…
كان اختياري صح لما خليتك تروح معاها.
سكت لحظة وبعدين سألني بتساؤل:
«طب حضرتك متصلتيش ليه عليها
واطمنتي بنفسك بدل ما تسأليني أنا؟»
ردّيت بثبات وثقة:
__أنا عارفة إنها دلوقتي محتاجة تقعد مع نفسها
وترتب أفكارها،
وعشان كده محبتش أشوّش عليها.
وسكت ثانية،
وبعدين كملت بحدّة خفيفة مقصودة:
__وبعدين…الأسئلة الكتير، ..بالذات معايا، …مش في صالحك… فبلاش.
وختمت بهدوء:
__يلا سلام.
وقفلت.
__________________
زين
كنت قاعد على الكنبة، ومريم قدّامي رايحة جاية،
لفّاتها في الأوضة كانت مستفزّة،
وصوتها وهو بيعلو ويهبط كان بيخبط في دماغي.
وهي بتقول بعصبية:
__اكيد دي مش صدفة…
أكيد كل اللي حصل ده متخطط له.
مش طبيعي كل ده يحصل،
وتفهمني إنها لسه فاقدة الذاكرة!»
أعصابي فلتت.
حسّيت دماغي هتنفجر، فقومت زعقت بصوت عالي:
__إنتِ وترتيني!
اتزفّتي اقعدي عشان أعرف أفكّر!»
وقفت فجأة وبصّتلي بنظرة عمرها ما بصّتها قبل كده،
نظرة فيها خوف وغضب وعتاب،
وقالت بنبرة جدّية تقيلة:
__إنت جايب البرود كله ده منين؟
زين…
أنا خونت خطيبي عشانك،
وبيعت الدنيا كلها عشان أبقى معاك.
صوتها اتكسر وهي بتكمل:
__بس أنا مش مستعده اخسر عيلتي.
بابا لو عرف اللي بينا…
هيدبحني.
سكتت.
والكلمة الأخيرة نزلت تقيلة في الأوضة،
وأنا لأول مرة حسّيت إن الموضوع خرج من إيدي…
وإن اللي كنت فاكره لعبة،
بقى خطر حقيقي.
بصّيت لها وقلت بصوت متحفّز، حاولت أطلع فيه ثابت:
__مريم… إنتِ عملتي ده بإرادتك.
أنا ما ضربتكِش على إيدك،
كل حاجة حصلت كانت بموافقتك.
فمتجيش في الآخر وتشيليني الذنب كله.
عيونها لمعت، وصوتها طلع مخنوق وهي بترد:
__عندك حق…
بس أنا عملت كل ده عشانك،
عشان بحبك ومقدرش أعيش من غيرك.
تنهدت، وحاولت أهدّي الموقف وأنا بقول:
__وعشان كده أنا معاكي، متخافيش.
أنا هتصرف،
وهحاول أوقعها في الكلام عشان أتأكد
هي فاكرة ولا لأ.
بصّتلي بتساؤل وقالت:
__هو مش إنت بتديها الدوا اللي بيخلّي تفكيرها يتأخر؟
هزّيت راسي وقلت:
__أيوه،
بس مش متأكد…
يمكن ما جابش مفعول،
أو يمكن أصلاً ما خدتوش.
وقفت شوية قبل ما أكمل:
__هي من الأول ما كانتش واثقة فيّا،
فجايز فعلاً تكون مخدتوش…
وساعتها،
لأول مرة،
الشك دخل دماغي بجد.
رجعت البيت وكان الهدوء مالي المكان.
طلعت أوضتنا، لقيتها قاعده ماسكه الفون، وأول ما دخلت ابتسمت وقالت:
— كنت فين؟
بصّيت لها شوية، وقعدت على السرير وأنا بقلع الجزمة، وقلت:
— كنت مع واحد صاحبي.
هزّت راسها بفهم، فلفّيت لها وقلت:
— هو إنتِ من ساعة ما خرجتي من المستشفى، مفتكرتيش أي حاجة؟
هزت راسها ب “لا”
بصّيت في عيونها، بحاول ألقط أي توتر أو خوف…
لكن كانت ثابتة، زي عادتها دايمًا.
كمّلت وأنا بسأل:
— وبتاخدي الدوا في مواعيده؟
هزّت راسها مرة تانية، وفتحت درج الكومودينو وطلّعت منه علبة الدوا:
— أهو… قربت أخلصه.
هزّيت راسي برضا،
بس رغم كده…
الشك كان لسه مالي قلبي.
مدّيت إيدي أخد علبة الدوا منها، قلّبتها بين صوابعي وبصّيت على تاريخها.
كل حاجة باينة مظبوطة… بس قلبي لأ.
رفعت عيني عليها وقلت بهدوء زيادة عن اللزوم:
— حاسّة بتحسّن؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادية قوي، وقالت:
— أيوه… الصداع خف، وبقيت أنام أحسن.
الإجابة كانت جاهزة، محفوظة…
ودي أكتر حاجة قلقتني.
حطّيت العلبة مكانها وقولت وأنا بسند ضهري على السرير:
— غريبة… دكتور قال إن التحسّن بياخد وقت.
ردّت بسرعة من غير ما تفكّر:
— يمكن عشان أنا قوية شوية.
ضحكت ضحكة خفيفة، بس جوايا كان في حاجة بتشدّني.
الهدوء ده مش طبيعي…
ولا نظرتها وهي بتبصلي كإنها بتقيس كل كلمة بقولها.
قربت مني وحطّت إيديها على كتفي وقالت بنبرة ناعمة:
— إنت تعبان ليه كده؟ شكلك متوتر.
اتنهدت وقلت:
— شغل… بس.
سحبت إيديها بهدوء وقومت،
وانا رايح ناحية الحمّام قلت من غير ما ألف:
— نامي… بكرة يوم طويل.
وأنا واقف قدام المراية،
كنت متأكد من حاجة واحدة بس:
هي مش بريئة زي ما باين.
يا إمّا فاكرة كل حاجة…
يا إمّا بتمثّل تمثيل يخوّف.
واللي جاي…
هيكشف مين فينا اللي هيسبق التاني.
__________________
فجر
دخل الحمّام ياخد دُش.
كانت كل كلمة طالعة مني مقصودة،
وكل حركة، وكل نفس… كنت قاصداها.
قصدي أشككه فيّا،
أخليه مش واثق،
مهزوز، متوتر،
خايف طول الوقت.
ده بالظبط اللي أنا عايزاه.
فاكر إني باخد الدوا،
لكن الحقيقة إني لا باخده
ولا حتى بحطه في بُقي.
وعارفة كويس إنه عايزني أفضل ناسية،
بس أنا مش هديه اللي هو عايزه.
هخليه فاكر إني ناسية…
بس مش هيفضل مطمّن على طول.
خرج من الحمّام، نشّف شعره،
وقعد جنبي.
وفجأة قرب مني، وحط راسه عليّا،
وحضني من غير ولا كلمة.
جسمي كله ارتعش.
بحبه…
أيوه بحبه،
بعد كل اللي عمله.
اللي بينا مش قليل،
بس هو داس على كل ده.
وأنا غرقانة في تفكيري،
سمعته بيهمس بصوت واطي:
— بتحبيني؟
رفعت إيدي بهدوء وحطيتها على ضهره،
مسحت بإيديا على شعره ببطء،
وبصوت واطي قلت:
— بتحب الأسئلة الصعبة ليه قبل النوم؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة،
وكملت وأنا مغمضة عيني:
— لو مكنتش مهتمة…
مكنتش هفضل هنا أصلًا.
سكت شوية،
وسيبت الجملة معلّقة،
لا تأكيد كامل
ولا نفي يخوّفه.
وحسّيت بنَفَسه هدي شوية،
بس الشك…
لسه جوّه.
قرب أكتر، وحضني بشدّة كإنه بيحاول يلاقي إجابة جوّه الحضن نفسه
مش في الكلام.
سكت شوية وبعدين قال بصوت مكسور:
— أنا حاسس إنك بعيدة… مع إنك قريبة.
اتنفست بعمق،
وسيبت نفسي بين إيديه من غير ما أهرب ولا أقاوم
وقولت بهدوء محسوب:
— البُعد مش دايمًا مسافات يا زين…
أحيانًا بيبقى خوف.
شدّ على إيديا أكتر:
— خوف من إيه؟
لفّيت وشي ناحيته،
بصّيت في عينه بثبات
وقولت بنبرة صادقة نصها حقيقي ونصها تمثيل:
— من إن اللي اتكسر مايرجعش زي الأول.
سكت،
واضح إنه اتوجع
بس مقدرش يمسك عليّا حاجة.
قرب جبينه من جبيني وهمس:
— أنا مش عايز أخسرك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة مالهاش طعم
وقولت:
— محدش ضامن حاجة يا زين…
بس طول ما إحنا بنحاول
يبقى لسه فيه أمل.
غمّض عينه وهو لسه حضني
وأنا جوايا كنت عارفة
إنه دلوقتي …لا مطمّن
ولا شاكك للآخر
وده بالظبط
المكان اللي أنا عايزاه فيه.
صحيت تاني يوم ملقتوش جنبي،
عرفت على طول إنه راح الشغل.
قومت بهدوء، جهزت نفسي،
وخرجت وأنا عقلي شغال بكل اللي جاي.
ركبت العربية ولسه بدوّر الموتور
لقيت تليفوني بيرن…
يعقوب.
ردّيت بهدوء مصطنع،
فقال بنبرة قلق:
— إيه النظام؟
إحنا دخلنا الشك فيهم…
هنعمل إيه بعد كده؟
اتنهدت وأنا بسوق،
وقلت بثبات:
— إنت مش هتعمل حاجة.
أنا اللي هعمل كل حاجة.
سكت لحظة،
وكملت بنبرة واثقة:
— خلاص، كل حاجة هتتكشف النهارده.
هكلمك وأقولك على الميعاد والمكان.
قفلت معاه وأنا شغّالة دماغي على الآخر
كل تفصيلة محسوبة
كل خطوة ليها توقيتها.
وصلت الشركة،
دخلت مكتبي وطلبت السكرتارية:
— محدش يدخل عليّا غير لما أطلب.
قعدت على الكرسي،
فتحت اللابتوب
وبعت مسدچ ليعقوب بس لرقم محفوظ من غير اسم
قفلت الموبايل
وسندت ضهري
وقلت بيني وبين نفسي:
— يا إما كله يبان…
يا إما كله يولّع.
وف وسط الدوامة اللي أنا فيها،
دخلت عليّ نواره فجأة!
لكنها كانت مختلفة…
لابسة لبس عمرها ما لبسته قبل كده،
شعرها مفروش لأول مرة، ومرسوم عليه ميكب خفيف
خلاها كأنها نسخة أقوى من نفسها، واثقة وجميلة.
ابتسمت لي وقالت بهدوء:
— ممكن أقعد؟
هزيت راسي وأنا أبادلها الابتسامة،
فكملت وهي بتبص لي بعينين صادقتين:
— أنا جيت عشان حسيت إني محتاجة أبدأ من الأول،
وأتعلم منك الشغل… لو مش هأخرك طبعا
ابتسمت لها برضا وقلت:
— طبعًا، تعالي اقعدي، مفيش أي حاجة هتزعلنا.
قعدت جمبي، وحسيت بطاقة مختلفة في حضورها… قوة وثقة أنا كنت عايزه أشوفها من زمان.
نظرتلي بعينين مليانين حماس وقالت:
— بصراحة، أنا عايزة أتعلم منك كل حاجة… مش عايزة أضيع وقت تاني، ولا أكرر أي غلطات.
ابتسمت وقلت:
— تمام… يبقى نبدأ خطوة خطوة، ومفيش أي استعجال، كل حاجة هتتعلميها صح.
حسيت إن الجو بينا اتغير… نواره دي اللي أنا عارفها، بس أقوى وأجمل من أي وقت فات.
رواية وهم الحياه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل الثامن عشر
البارت التمنتاشر
نواره
قعدت ساعات مع فجر، وفهمتني حاجات كتير عن الشغل… مش كل حاجة، بس الحاجات اللي لازم أي حد يعرفها عشان يقدر يساعد صح.
قالتلي: “روحي باشري الشغل وراقبي الموظفين كويس.”
ففعلاً، روحت.
كنت لابسة بدلة سودا وشعري مربوط ديل حصان… حسيت إني شبه فجر أوي.
قعدت أمشي وأراقب، أشيك على كل حاجة… وبصراحة، الكل كان عامل اللي عليه وزيادة.
وفجأة، سمعت صوت بيناديني باسمي!
تميم.
قرب مني وهو مبتسم وقال:
— دا انتي شكلك بقيتي مديرة بحق وحقيقي بقى.
ضحكت وأنا باسلم عليه وقلت:
— مش أوي كده يعني.
ابتسم تميم وهو مكمّل بنبرة هزار خفيفة:
— لا لا، أوّي كده، الوقفة واللبس والحضور… كله بيقول إنك اتغيّرتي.
ابتسامتي وسعت شوية، وقلت وأنا بحاول أبان عادي:
— يمكن عشان قررت أبقى نفسي بقى، من غير خوف ولا تردد.
بصلي بنظرة فهمت منها إنه فاهم
أكتر ما بيقول، وقال بهدوء:
— وده أحسن قرار ممكن تاخديه.
سكتنا لحظة، وبعدين سألني:
— عاملة إيه؟ أقصد… بجد.
اتنفست بعمق قبل ما أرد:
— أحسن. مش تمام قوي، بس أحسن من قبل.
هز راسه بابتسامة مطمّنة:
— المهم إنك ماشيه لقدّام، والباقي هييجي لوحده.
في اللحظة دي حسيت إني واقفة على أرض ثابتة لأول مرة من زمان…
مش محتاجة أهرب، ولا أبرر، ولا أستنى حد ينقذني.
أنا هنا… وببتدي من جديد.
قاطعنا صوت منى وهي بتقرب علينا،
علامات الغضب كانت باينة على وشها بوضوح.
وقفت قدامي، وابتسمت ابتسامة صفرا وقالت:
— إزيك يا أستاذة نواره؟
ابتسمت بتوتر وقلت:
— أستاذة إيه بس يا منى؟ أنا نواره عادي.
بصّتلي من فوق لتحت بنظرة مليانة معنى، وقالت:
— مش كان أولى تقوليلنا إنك أخت مدام ليل بدل اللفة دي كلها؟
اتكلمت بسرعة وأنا بحاول أبرر:
— أنا… أنا مقولتش عشان مكنتش عايزة حد يتعامل معايا بالشوكة والسكينة لمجرد إني أختها.
حبيت أكون على طبيعتي، من غير مجاملات ولا معاملة خاصة.
ردت ببرود واضح وقالت:
— هعمل نفسي مصدقاكي.
وبعدين لفّت بنظرها لتميم، اللي كان واقف بيراقب الموقف بذهول، وقالت بنبرة آمرة:
— اتفضل، ورانا شغل كتير.
اتحركت منى قدامنا بخطوات سريعة،
واضح إنها قاصدة تسيب وراها توتر في الهوا.
بصيت لتميم بسرعة، لقيته بيبصلي بنظرة فهمت منها إنه مستغرب بس ساكت.
قرب مني خطوة وقال بصوت واطي:
— متركزيش… هي بس بتبقى صعبه ف الشغل مش أكتر
هزّيت راسي وأنا باخد نفس عميق،
مش وقت ضعف، ولا وقت إحساس زيادة.
كملت لفّتي في المكان،
وأنا بحاول أركز في كل تفصيلة:
الشغل ماشي إزاي، الناس بتتكلم إزاي،
مين بيشتغل بضمير ومين بيأدي وخلاص.
وفجأة لقيت نفسي واقفة قدام مكتب فاضي.
مكتب لسه متجهزش،
لكن حسّيت إحساس غريب…
كأن المكان دا مستنيني.
في اللحظة دي جه صوت فجر من ورايا:
— عاجبك المكتب؟
لفّيت بسرعة، ابتسمت من غير ما أحس، وقلت:
— حاسة إنه… مناسب.
ابتسمت فجر بنظرة كلها معنى وقالت:
— من النهارده دا مكتبك.
مش عشان إنك أختي،
عشان أنا شايفة فيكي حاجة حلوة، ولسه هتكبر.
قلبي دق جامد،
مش فرحة بس…
إحساس إني أخيرًا واقفة على رجلي.
ومن بعيد،
كانت منى واقفة بتراقب،
وعينيها بتلمع بحاجة مش مريحة أبدًا.
وأنا ساعتها فهمت:
اللي جاي مش سهل…
بس أنا كمان مبقتش سهلة.
________________
تميم
دخلنا المكتب،
وأخيرًا لقيت فرصة أتكلم وأفهم مالها.
قلت بصوت متحشرج وأنا بحاول أسيطر على أعصابي:
— في إيه يا منى؟ حامية على البنت كده ليه؟
بصّتلي بسخرية وهي بتقلب في الورق قدامها، وقالت ببرود:
— بجد يعني؟ أنا اللي غلطانة!
مش شايف إنك بقيت معاها طول الوقت تقريبًا؟
بصّتلها بهدوء وقلت:
— لا، مش شايف يا منى.
وحتى لو كده… فيها إيه يعني؟ دي صاحبتنا.
قفلت الملف بعصبية، ورفعت صباعها في وشي وهي بتقول بسرعة:
— عمرها ما كانت صاحبتنا.
صاحبتك إنت آه، إنما مش صاحبتي أنا، فاهم ولا لأ؟
نفد صبري، ونبرتي علت من غير ما أحس:
— أنا مش فاهم… إنتِ مش بتحبيها ليه؟
رفعت صوتها فجأة، والزعيق طلع منها من غير تفكير:
— عشان بحبك!!!!
سكتُّ.
الكلمة وقعت بينا تقيلة،
وأنا لأول مرة فهمت…
إن المشكلة عمرها ما كانت نواره.
بصيت لها بصدمة، مش عارف أرد منين ولا بإيه.
اتنهدت وقلت بهدوء حاولت أجمعه بالعافية:
— منى… إنتي بتقولي إيه؟
قربت خطوة، وعينيها فيها وجع وغضب مع بعض:
— بقول الحقيقة اللي عمري ما عرفـت أقولها.
وأهو انتي شايف… من ساعة ما دخلت نواره حياتك وانت متغير.
هزّيت راسي بنفي، ونبرة صوتي بقت أوضح وأقسى شوية:
— أنا متغيرتش،
بس يمكن إنتي اللي كنتي متوقعة مني حاجة عمري ما وعدتك بيها.
شدّت الملف اللي في إيدها ورمته على المكتب بعصبية:
— يعني إيه؟
يعني كل السنين دي ولا حاجة؟
قربت من المكتب، سندت بإيدي عليه وبصّيت لها في عينيها مباشرة:
— اللي بينا شغل وصداقة،
ولا مرة قلتلك غير كدا،
ولا مرة لمّحت بحاجة تانية.
سكت شوية، وبصّيت لها بنظرة هادية بس قاطعة، وقولت:
— منى… أنا بحترمك، وبقدّرك، بس عمري ما شوفتك غير صاحبتي وبس.
الكلام نزل عليها زي الضربة.
ضحكت ضحكة خفيفة مكسورة، وهي بتهز راسها بعدم تصديق:
— صاحبتك؟
يعني كل اللي شوفته، كل اللي حسيته، طلع وهم؟
قربت خطوة، صوتها كان بيرتعش بس لسه فيه عناد:
— طب ليه؟
ليه تسيبني أفهم غلط؟
ليه كل مرة أحتاجك ألاقيك موجود؟
تنهد وقولت بهدوء موجع:
— عمري ما وعدتك بحاجة، ولا لعبت على مشاعرك.
إنتي اللي قربتي أكتر من اللازم.
عيونها لمعت بالدموع، بس رفضت تقع.
شدّت نفسها، ووقفت مستقيمة وهي بتقول بنبرة حاولت تخليها قوية:
— تمام…
يبقى من النهارده، خليها هي صاحبتك.
وأنا… هعرف أرجع خطوة ورا
وانساك.
لفّت وشها بعيد عشان مشوفش كسرتها،
وقبل ما تخرج من المكتب قالت بصوت واطي بس حارق:
— بس افتكر كلمة واحدة يا تميم…
القلب لما بيتكسر، مش بينسى بسهولة.
وخرجت،
سايبة وراها صمت تقيل،
وانا واقف مكاني حاسس إن أول مرة افهم
إن الرفض أوقات بيوجع اللي بيرفض
قد ما بيوجع اللي اتحب.
__________________
فجر
خدت شنطتي وأنا خارجة، يعقوب كان مستنيني قدّام الشركة.
لكن قبل ما أفتح الباب، لقيت منى خارجة بسرعة، ودموعها مغرّقة وشّها.
وقفتها قبل ما تمشي، مسكت إيدها وقلت بقلق:
— مالك؟ بتعيطي ليه كده؟
مسحت دموعها بضهر إيديها، وحاولت تتماسك وهي بتقول:
— مفيش يا مدام فجر.
ابتسمت بسخرية خفيفة وأنا ببصّ لها:
— مفيش إيه بس؟
دا وشّك محمّر من كتر العياط.
بصّيت في ساعتي، الوقت كان بيجري.
طبطبت على كتفها وقلت بنبرة أهدى:
— صدقيني، مفيش حاجة في الدنيا تستاهل دموعك بالشكل ده.
شدّيت شنطتي وأنا بكمل:
— استنيني… هروح مشوار صغير وهرجع،
وساعتها هنعرف مالك بالظبط.
كله هيبقى تمام… أو على الأقل هنبقى فاهمين.
سيبتها واقفة،
ومشيت وأنا حاسة إن اللي جاي
هيقلب كل الموازين.
خرجت، وكان يعقوب فعلًا قاعد في العربية مستنيني.
اتنهدت وأنا بفتح الباب وقعدت على الكرسي اللي جنبه.
لفّيت له وبصّيت في عينه وقلت بهدوء مقصود:
— جاهز؟
رد بابتسامة واثقة:
— جاهز…
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
— إنتِ جاهزة؟
لبست نضارة الشمس، وبصّيت قدّامي بثقة وأنا بقول:
— أنا دايمًا جاهزة.
ودوّر العربية، وقال بنبرة غريبة شدّت انتباهي:
— ودايمًا برضه بتبقي واخدة الشنطة معاكي؟
لفّيت وبصّيت له بعدم فهم متعمّد…
أو يمكن كنت فاهمة، بس بستعبط:
— وضّح كلامك.
فضل باصص قدّامه، صوته هادي بس تقيل:
— إنتِ فاهماني كويس.
الشنطة اللي دايمًا معاكي في كل حتة…
اللي فيها مسدس.
وساب الطريق لحظة، وبصّلي في عيني نظرة مباشرة، وقال:
— أوضّح أكتر من كده؟
سكتُّ.
السكوت المرة دي ماكانش هروب…
كان اعتراف من غير كلام.
خدت نفس بطيء، وشيلت عيني من عليه وبصّيت قدّامي، وكأني براقب الطريق…
بس الحقيقة إني كنت براقب نفسي.
قلت بهدوء متعمّد:
— ما كنتش متخيلة إنك واخد بالك.
ابتسم ابتسامة خفيفة، مافيهاش هزار، وقال:
— اللي عايش طول عمره حذر… بيعرف يشوف.
سكت شوية، وبعدين كمّل وهو لسه سايق:
— بس اللي مش فاهمه…
إنتِ ناوية توصلي لإيه؟
لفّيت له وبصّيت في عينه المرة دي من غير لف ولا دوران:
— ناوية أوصل للحقيقة.
ضحك ضحكة قصيرة، بس فيها قلق واضح:
— والحقيقة دي مستاهلة كل اللي بتعمليه؟
اللعبة دي خطيرة يا فجر.
قربت من الشباك شوية، وصوتي نزل أكتر:
— الخطر الحقيقي إني أسكت.
إني أسيبهم فاكرين إنهم أذكى مني.
ضغط على الفرامل فجأة، العربية وقفت على جنب.
لفّ لي بجسمه كله وقال بحدة مكتومة:
— إنتِ مش لوحدك في الحكاية دي، فاهمة؟
أي خطوة غلط… هتغرق الكل.
ابتسمت، الابتسامة اللي دايمًا بتسبق العاصفة، وقلت بثقة:
— عشان كده مختارتكش غير وإنت معايا.
وعشان كده…
النهارده لازم نكمّل للآخر.
بصلي شويه وقال بتساؤل:
__معرفتش برضه ليه دايما شايله مسدس معاكي؟
اتنهدت وأنا بقول:
__بيحسسني بالأمان ..
فضل باصصلي شوية، نظرة فيها خليط بين قلق واستغراب، وبعدين رجّع عينه للطريق وقال بهدوء:
— الأمان مش دايمًا بييجي من الحديد يا فجر.
ابتسمت ابتسامة جانبية، مافيهاش فرحة، وقلت وأنا بسند راسي على الكرسي:
— يمكن…
بس لما الأمان من البشر بيخذلك، بتدور على أي حاجة تمسكك واقف.
سكتنا شوية، صوت الموتور هو الوحيد اللي مالي المكان.
وبعد لحظة قال بنبرة أخف:
— واضح إنك اتخذلتي جامد.
لفّيت له وقلت بثبات حاولت أصدّقه قبل ما يصدّقه هو:
— اتخذلت،
بس متكسرتش.
هزّ راسه كأنه اقتنع نص اقتناع، وقال:
— أهم حاجة تفضلي فاكرة إن القوة مش إنك تشيلي سلاح…
القوة إنك تعرفي إمتى تستخدمي عقلك.
بصّيت قدّامي، وضميت الشنطة أقرب لجسمي، وقلت بصوت واطي:
— ما تقلقش…
أنا طول عمري بلعب بعقلي قبل أي حاجة تانية.
كمل السواقة، والطريق كان طويل…
بس اللي جاي في آخره
كان أخطر من أي سلاح.
رواية وهم الحياه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم خديجه احمد
رواية وهم الحياه – الفصل التاسع عشر
البارت التسعتاشر
نواره
بعد ما خلصت ألفّ على الموظفين،
لمحت تميم قاعد لوحده.
شكله كان مهموم، وملامحه باين عليها حزن تقيل.
قربت منه وحمحمت قبل ما أتكلم،
قعدت قدامه على الكرسي وبصّيتله وسألت بهدوء:
— مالك مهموم كده ليه؟
بصّلي وهو مسنّد ضهره وقال بصوت واطي:
— منى قالت إنها بتحبني.
هزّيت راسي بفهم، وسألته بتلقائية:
— وإنت… بتحبها؟
حوّل عينه على الحيطة شوية، وحط إيده على راسه وقال بتوهان:
— مش عارف.
بس بحس لما مش بتكون موجودة إني متضايق ومخنوق.
مش فاهم ده حب…
ولا مجرد عشرة وخلاص.
بصّيتله، وطبطبت على ضهره وأنا بقول بهدوء:
— واضح إنك تايه.
سكت شوية، وكإن الكلمة لمسته في حتة موجوعة.
فضل باصص قدامه، وبعدين أخد نفس طويل وقال:
— بس الغريب إني لما شوفتها بتعيط…
حسيت قلبي اتقبض.
مش عارف ليه حسيت إني أنا السبب، مع إني معملتش حاجة.
بصّيتله من غير ما أتكلم، سيباه يكمل.
كمّل وهو بيضغط صوابعه في بعض:
— أول ما مشيت من قدامي، فضلت أفكر فيها.
كنت عايز أطمن عليها…
أكتر ما كنت عايز أفهم نفسي.
رفع عينه وبصّلي بنظرة فيها اعتراف من غير كلام:
— هو طبيعي الواحد يخاف يوجع حد مش بيحبه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت بهدوء:
— لا…
اللي بيخاف على زعل حد، بيبقى مهتم.
والمهتم غالبًا بيحب، حتى لو لسه مش مستوعب ده.
.سكت شوية، وبعدين قام واقف فجأة كإنه خد قرار وهو مش متأكد منه،
لف الأوضة رايح جاي وقال بصوت واطي بس متلخبط:
— أنا عمري ما خفت من إحساسي قبل كدا…
بس المرة دي حاسس إن الموضوع أكبر مني.
قعد تاني قدامي ومسح وشه بإيده وقال:
— منى مش وحشة، بالعكس…
بس فكرة إني أكون سبب في دموعها مخوفاني.
مخوفاني أوي.
بصّيتله بهدوء وقلت:
— يمكن عشان إنت مش شخص أناني.
يمكن عشان قلبك دخل في الموضوع غصب عنك.
هز راسه بنفي خفيف، بس عينيه كانت بتقول العكس.
قال وهو بيتنفس بعمق:
— لما قالت إنها بتحبني…
محستش إني عايز أبعد.
محستش إني متضايق.
كنت متوتر بس…
توتر واحد خايف يخسر حاجة لسه ما مسكهاش بإيده.
ابتسمت وأنا باصاله، وقلت بنبرة واثقة:
— أهو ده الحب يا تميم.
مش دايمًا بييجي على شكل فرحة…
أحيانًا بييجي على شكل خوف.
سكت، وبعدين قام وهو بيقول:
— لازم أتكلم معاها.
مش عشان أدي وعد…
بس عشان أكون صادق.
وهو ماشي ناحية الباب، وقف لحظة،
لف وبصّلي وقال:
— شكراً…
لو مكنتيش موجودة، كنت هفضل هربان من نفسي.
خرج، وساب وراه إحساس واضح
إن في قلبه حاجة اتغيرت…
وإن منى، من اللحظة دي، بقت أكتر من مجرد اسم في حياته.
مش هنكر إني كنت مشدوده ليه شوية،
بس ده مش معناه إني أواجهه بالغلط،
ولا أحاول أقنعه إنه مش بيحبها
وأنا شايفة الحقيقة قدامي.
هو بس خايف…
والخوف ده ممكن يضيّع مننا حاجات كتير
من غير ما نحس ولا ناخد بالنا.
اتنهدت بهدوء وقولت ف نفسي:
__يمكن نصيبي لسه ما جاش،
وأنا مش مستعجلة عليه
_______________
زين
مريم كانت قدامي،
بتحضر هدومها،
وكلامها سابق إيديها، كله طالع مرة واحدة:
— أنا لا يمكن أقعد هنا يوم كمان،
هسافر كام يوم كده لحد ما الأوضاع تستقر.
قربت منها وأنا متعصب وقلت:
— أوضاع إيه اللي تستقر؟ مفيش حاجة أصلاً!
إنتي ليه مكبّرة الموضوع كده؟
لفّت ناحيتي، جسمها بيترعش من العصبية، وقالت:
— أنا مش هسمحلك تقلل من خوفي كل مرة.
المرّة دي قلبي مش مطمّن،
حاسّة إننا قربنا من النهاية…
وأنا مش مستعدة أبداً لحاجة زي دي.
عايز تيجي معايا أهلاً وسهلاً،
مش عايز؟ خليك جنب السنيورة.
ضحكت بسخرية وقلت:
— كنت فاكر إنك بتحبيني،
وإنك ممكن تعملي أي حاجة عشاني.
رفعت صباعها في وشي،
الحركة اللي دايماً بتستفزني، وقالت:
— إنت أكتر واحد عارف أنا بحبك قد إيه
وعملت إيه عشانك…
بس لحد هنا،
أهلي خط أحمر،
واستوب يا زين.
بصّتلها شوية، ….مش لاقي رد، …ولا عارف أقول إيه.
قربت مني أكتر،
وبصوت مليان ترجّي قالت:
— هتيجي معايا؟
كنت لسه هرد،
وفجأة سمعت صوت خبط على الباب.
بصّتلي بعينين واسعة، وقالت بتوتر:
— إنت مستني حد؟
هزّيت راسي بـ لا،
وبلعت ريقي وقلت:
— خليكِ هنا…هشوف مين اللي بيخبط.
المفاجأة صدمتني لما فتحت الباب، ولقيت فجر واقفة قدامي ووراها يعقوب!
بلعت ريقي بصعوبة، قلبي بدأ يدق بسرعة، ومكنتش قادر أخفي صدمتي.
متكلمتش، ومكنتش لاقي كلام أقولّه، حاسس الدنيا كلها واقفة ع أطراف اصابعها …
بصيت لفجر،
وابتسامتها الباردة كسرت أي شجاعة كانت جوايا،
ابتسامة مافيهاش ولا ذرة طمأنينة.
وقالت بصوت هادي… لكنه كان حاد زي السكينة:
— طب إيه؟ هنفضل واقفين كده عند الباب؟
سِبت جسمي على جنب من غير ولا كلمة،
وحسّيت إن قلبي بيدق أسرع من أي وقت.
فجر عدّت من جمبي بثبات،
كأن المكان مكانها،
ولا كأنها داخلة بيت حد تاني.
يعقوب دخل وراها،
نظرة واحدة منه كانت كفاية تقول إن في حاجة كبيرة جاية،
حاجة مش بسيطة ولا عابرة.
قفلت الباب وراهم بإيدي اللي كانت بتترعش غصب عني،
ولفيت أبص عليهم.
لقيت مريم واقفة مكانها،
وشّها شاحب،
وعينيها ثابتة على فجر كأنها شايفة كابوس واقف قدامها.
فجر بصّت لها من فوق لتحت،
وبنبرة هادية زيادة عن اللزوم قالت:
— مش هطوّل… بس كان لازم أجي بنفسي.
سكتت لحظة،
وبعدين بصّتلي أنا،
نظرة خلت صدري يتقفل،
وقالت:
— لأن اللي جاي ده… ما ينفعش يتقال في التليفون.
______________
فجر
قعدت على أقرب كرسي، وحطيت رجل على التانية كنوع من السيطرة والهدوء.
يعقوب قرب ووقف جمبي، إيده في جيبه، لكن كنت شايفة الغضب في عينه، مسك نفسه وضغط على إيده عشان ما ينفعلش.
زين ومريم كانوا واقفين بعيد شوية، عيونهم مليانة خوف وارتباك، واضح إنهم حاسين إن رصيد الصبر خلص، وإن دلوقتي وقت الحساب جه.
اتكلمت بصوت هادي بس فيه حدة، وأنا ببص حوالين الصالة كأني بفحص الموقف:
— لا بس زوقك مش قد كده يا مريم…
عارفة؟ لو كنتي قولتيلي من الأول إنك هتتجوزي جوزي، كنت جيت ونقيت معاكي العفش والديكور، بدل كل الهلاهيل دي.
مريم وقفت جامدة، عيونها بتلمع بالغضب والخوف مع بعض، حاولت ترد بصوت متردد:
— أنا… أنا ماكنتش أقصد…
ضحكت بسخرية بارده، وحركت راسي شويه وانا مستمتعة بتوترها:
— ماكنتيش تقصدي؟! يبقى اللي حصل كله صدفة؟ الهلاهيل اللي عاملاها هنا؟ وجودك ف شقه مع جوزي كلامكم الجميل ف التلفون كل دا صدفة؟
عيونها اتملت دموع، وقربت من يعقوب بخطوات مهزوزة.
مسكت إيده وحاولت تبوسها، صوتها طالع مكسور وهي بتترجّى:
— أبوس إيدك… أبوس إيدك استروا عليّا، وبلاش تقول لبابا.
بابا لو عرف ممكن يموت فيها.
يعقوب سحب إيده بسرعة، كأن لمستها حرقتُه، وقال باشمئزاز واضح:
— ومدام انتي عارفة كده… ليه خونتيني؟
وليه خونتي ثقته؟
ما ردّتش
قرب منها أكتر، مسك إيديها بحدّة، صوته طالع من أعصابه:
— ما تردّيــــي!
انهارت، وبكت بوجع حقيقي وهي بتقول:
— عشان هو اللي أجبرني…
أجبرني إني أتخطبلك وأنا مش بحبك …. ما قدرتش أكسر كلامه… فـ
قبل ما تكمل، قاطعها يعقوب بعصبية:
— فقولتي تغفّليني؟
وتغفّلينا كلنا؟
وتروحي تتجوزي من ورانا… صح؟
سكت لحظة، وبعدين صوته واطي لكنه موجِع:
— ليه؟
ليه ما جيتيش من الأول قولتي إنك مغصوبة؟
ليه سيبتيني متغفّل كل الوقت ده؟
ردّت وهي بتشهق، دموعها خانقاها:
— عشان… عشان كنت عارفة إنك بتحبني ……وما رضيتش أجرح مشاعرك.
ضحك ضحكة ساخرة، موجوعة، وهو بيرجّع شعره لورا، وقال بنبرة كسرت اللي باقي:
— فبدل ما تجرحي مشاعري…
قررتي تجرحي رجولتي وتخونيني؟
وقفت قدامه، دموعها نازلة من غير ما تحس، صوتها مكسور وهي بتحاول تمسك في أي أمل:
— أنا غلطت… آه غلطت، بس ماكنش عندي اختيار، والله ما كان عندي اختيار.
يعقوب قرب أكتر، صوته واطي بس نار:
— دايمًا في اختيار… بس انتي اخترتي السهل، اخترتي تكذبي، وتخوني، وتسيبيني أعيش مغيب.
هزّت راسها بنفي وهي بتنهار:
— ماكنتش عايزاك تحس إنك قليل… ولا إنك مرفوض. كنت فاكره إني كده بحميك.
ضحك ضحكة قصيرة موجوعة، وبص لها بنظرة كسرت اللي باقي فيها:
— تحميني؟!
انتي كسرتيني…
سكت لحظة، وبص حواليه، كأن المكان خانقه، وبعدين رجع لها بعينين مليانين خيبة:
— عارف أصعب حاجة إيه؟
إني كنت واثق… واثق فيكي أكتر من نفسي.
انهارت تمامًا، وقعت على الكرسي ودفنت وشها في إيديها، شهقاتها مالية المكان.
زين كان واقف مش قادر يتحرك، ومريم حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
يعقوب خد نفس عميق، حاول يلم نفسه، وقال ببرود متعب:
— اللعبة خلصت… وكل واحد لازم يتحاسب على اللي عمله.
في اللحظة دي اتدخلت، وقلّت بتمثيل:
— لا لا… حرام عليك يا يعقوب! كده هتخلّيها تعيط.
رد زين، صوته متوتر وهو بيقول:
— ناوية تعملي إيه يا فجر؟
بصيت له بحدّة وقلت:
— انت تتخرّس خالص… دورك لسه مجاش.
رد عليا بعصبية وصوته عالي:
— انتي السبب على فكرة… انتي السبب في اللي وصلناله ده كله!
بصيت له، وطلعت مني ضحكة قصيرة، ضحكة سخريّة مالهاش أي روح، وقلت وأنا بثبّت عيني في عينه:
— آه… أنا السبب.
أنا اللي مسكت إيدك وضربتك على إيدك عشان تخوني، مش كده؟
ضحكتي زادت، بس عينيا ما كانتش بتضحك خالص، كانت قاسية وباردة.
قربت منه خطوتين وقولت وانا بتبص له من فوق لتحت:
— ولا أنا اللي غمضت عينك وإنت بتكدب وتخون… ولا أنا اللي علمتك تبيع أقرب الناس ليك.
زين شد فكه، وصوته طلع أعلى:
— إنتي دايمًا بتطلعي نفسك بريئة! عمرك ما غلطتي؟
هزّت راسها ببطء، ونبرتها كانت هادية زيادة عن اللزوم:
— غلطت آه… لما صدقتك.
لما افتكرت إنك راجل يتحمل نتيجة اختياراته، مش أول ما يتحاصر يرمي البلا على غيره.
يعقوب كان واقف ساكت، عينيه رايحة جاية بيني وبينه، الغضب اتحول لتعب تقيل.
أما مريم فكانت بتبكي بصوت مكتوم، حاسة إن كل كلمة بتتقال بتفضحها أكتر.
اتكلمت بغضب، وصوتي كان بيطلع مبحوح من كتر الكتم:
— أنا اللي نضّفتك،
أنا اللي طلّعتك من ولا حاجة، وخليتك تلبس بدل وتشتغل في أكبر شركة…
وفي الآخر دي تكون جزاتي؟!
كنت كل كلمة بطلعها كأني بطلعها من قلبي،
غضب مخلوط بوجع، وخيبة تقيلة أكتر من أي شتيمة.
كملت وأنا بقرب منه خطوة، عيني في عينه من غير ما أرمش:
— ولا حتى جالك ذرة ضمير؟
ولا مرة وقفت قدام نفسك وسألتها أنا بعمل إيه؟!
زين حاول يرد، بس صوته خانُه،
يعقوب كان واقف ساكت… سكوته كان أقسى من أي كلام،
مشدود، فكه مقفول، ونظراته رايحة جاية كأنه بيحاكم الكل من غير ما ينطق.
مريم كانت منهارة، دموعها نازلة من غير صوت،
إيديها بترتعش، ووشها شاحب كأنها مستنية الحكم.
ضحكت ضحكة قصيرة، مفيهاش أي فرحة، وقلت:
— عارفين إيه أكتر حاجة توجع؟
مش الخيانة…
الوجع الحقيقي إني كنت فاكرة إنكم أضعف من كده، مش أوطى.
رد زين بصوت متقطع، وكأنه بيغرق في كلامه:
— أ… أنا بحبك غصب عني والله.
لقيتها مهتمة بيا، سامعاني، حاسّة بيا…
في وقت إنتِ فيه ما كنتيش مهتمة.
انفجرت فيه، صوتي عليّ والغضب سابق دموعي:
— مش مبرررر!
مفيش أي مبرر في الدنيا يغفرلك اللي عملته!
قربت خطوة وأنا ببصله بحدّة:
— آه، يمكن ما كنتش بعرف أقول كلام حلو،
ولا أشكرك على كل حاجة،
بس دي طبيعتي…
وإنت كنت عارفها كويس قبل ما نتجوز، ووافقت!
صوتي هدي شوية، بس الوجع كان أوضح:
— أنا ما كنتش بقصّر،
أنا كنت ببين حبي بطريقتي…
بوقوفي جنبك، بخوفي عليك، بتحمّلي ليك.
وبصيتله بكسرة حاولت اخفيها:
— بس إنت…
عمرك ما شوفت ده.
كملت وأنا صوتي بيرتعش من الغضب أكتر ما هو من الوجع:
— كنت فاكرة إنك فاهمني…
فاهم إن سكوتي مش برود، وإن قلة الكلام مش قلة حب.
كنت بحسبها في اللي بعمله، مش اللي بقوله.
قربت منه خطوة، وإيدي مضمومة وأنا بحاول أسيطر على نفسي:
— أنا كنت جنبك وإنت ولا حاجة،
وأنا اللي صدّقتك قبل ما تصدّق نفسك،
وأنا اللي شلتك لما تعبت، وسكت لما اتوجعت،
وما طلبتش مقابل غير إنك تبقى راجل وتحميني… مش توجعني.
وطّى راسه، صوته طلع واطي ومكسور:
— ما كنتش حاسس… كنت محتاج أتحب.
ضحكت بمرارة وقلت:
— لا يا زين،
إنت كنت محتاج تحس بنفسك،
مش تسرق إحساس حد تاني عشان تعوض نقصك.
سكت شوية، وبعدين كملت بهدوء موجع:
— الحب مش بس كلمة تتقال،
الحب أمان…
وأنت ضيّعت الأمان بإيدك.
بصيتله آخر بصّة، فيها خيبة أكتر من الغضب، وقلت:
— يمكن أنا قصّرت في التعبير،
بس إنت قصّرت في الوفا…
والفرق بينهم كبير قوي.
ردّ بخنقة واضحة، صوته طالع بالعافية:
— عايزاني أعمل إيه… وأنا أعمله؟
بصّيت له بسخرية، ونظري سرح للحظة كأني بدوّر على إجابة ضايعة، وبعدين اتكلمت ببطء:
— أعمل إيه… تعمل إيه؟
رجعت بصّيت له في عينه مباشرة، من غير ما أرمش، وصوتي كان حاسم:
— طلّقها.
حالا.
ارمي عليها اليمين.
رواية وهم الحياه الفصل العشرون 20 - بقلم خديجه احمد
البارت العشرين والاخير
فجر
لقيت وشّه اصفر فجأة.
بصّلي ثواني، وبعدها رجع يبصلها.
كان واضح عليه التردد…
يا إمّا بيفكر،
يا إمّا واخد القرار ومستني اللحظة.
رجع بصّلي تاني وقال بصوت واطي:
— إنتي طالق بالتلاتة يا مريم.
زعقت فيه بحدّة:
— أعلى!
غمّض عينه جامد، وكأنه بيقتل آخر حاجة جواه، وقال بصوت عالي ملي المكان:
— إنتي طاااالق بالتلاتة يا مرييييم!
مريم اتصدمت.
عيونها اتفتحت على آخرها،
وكأنها مش مصدّقة إنه سابها بالسهولة دي.
ضحكت ضحكة سخريّة باردة، وقلت:
— شاطر يا حبيبي.
بصّت له وهي ماسكة إيده، صوتها مكسور:
— إيييه؟
إنت قُلت إييه؟
بعد كل اللي عملته عشاااانك!
سحب إيده منها بعنف، وكأنه لمس نار، وقال وهو بيبصلها بنظرة عمري ما شوفتها قبل كده:
— اللي عملتيه عشانّي كان خيانة… وأنا مبعيش على الخيانة.
انهارت.
رجليها خانتها وقعدت على الأرض، صوت عياطها ملأ المكان.
قربت منها وبصّتلها من فوق لتحت، وقلت بهدوء يوجع أكتر من أي صوت عالي:
— هو دا تمن الاختيارات الغلط يا مريم.
محدش بيكسب وهو بيدوس على غيره.
رفعت عينيها ليا، ووشّها كله كراهية:
— انتي مبسوطه دلوقتي؟
ميلت راسي شوية وابتسمت ابتسامة هادية:
— لأ.
أنا بس رجّعت حقي.
لفّيت وشي ليعقوب وقلت ببرود:
— خلص اللي عندي هنا.
وبعدها بصّيت لزين، نظرة أخيرة:
— الحساب لسه ما خلصش…
بس دا وقته مش دلوقتي.
قربت من الباب عشان أخرج،
وصوت خطوات يعقوب ورايا.
لكن وقفت فجأة.
لفّيت على رجوعي،
ومشيت ناحيه زين خطوتين.
وقفت قدامه،
قريبة أوي…
لدرجة إنه حس بنفَسي.
وطيت صوتي وهمست:
— أنا خلعتك.
عينيه وسعت،
كأنه اتضرب في قلبه.
مدّ إيده من غير وعي،
بس أنا سبقت الحركة.
سحبت الدبلة من صباعي
ورميتها في وشه.
رنت على الأرض رنة حادة
كسرت الصمت.
قلت وأنا بلف وشي:
— دي كانت آخر حاجة ربطاني بيك.
وفتحت الباب وخرجت،
وسيبته واقف مكانه
مكسور…
لأول مرة.
كنت أنا ويعقوب خلاص نزلنا،
وفجأة لقينا أبو مريم في وشّنا.
ابتسمت ابتسامة خبيثة،
وبصّيتله بثبات وقلت:
— بنتك فوق مع جوزها.
سكت لحظة،
وبعدين كمّلت بسخرية تقيلة:
— قصدي… طليقها.
وشّه شدّ واصفر،
قبل ما أكمّل وأنا بعدّي من جنبه:
— أبقى ربي كويس قبل ما تجيبلنا الاشكال دي ع الدنيا يا حج.
عدّيت من قدامه وسيبته واقف مكانه
مصدوم…
ولا عارف يتكلم ولا يلحقني.
يعقوب كان هييجي ورايا،
بس أبو مريم مسكه من إيده فجأة
وصوته مكسور وهو بيقول:
— ده… ده بجد؟
يعقوب بصله بسخرية باردة وقال:
— اتفضل اطلع وشوف بنفسك.
سحب إيده من إيده،
ومشي ورايا
من غير ما يبص وراه.
________________
مريم
وقفت قدّامي لسه مصدومة
من كلمة
“انتي طالق بالتلاته”
زين كان قاعد، حاطط كفّه على راسه
وشكله مهموم…
ومكنتش فاهمة…مهموم علشان طلقني؟
ولا علشان فجر خلعته؟
ملحقتش ألاقي إجابة لسؤالي
لإن الباب خبط.
مسحت دموعي بسرعة
وجريت أفتح،
والصدمة لما لقيت
بابا واقف قدّامي.
أول ما شوفته اتلجلجت، …ملحقتش أتكلم،
دخل وهو بيبص في كل حتة
كأنه بيدوّر على حاجة.
وأول ما عينه جات على زين…
وشه احمرّ وفكه اتشد.
وقف في مكانه،
صدره بيعلى وبينزل بسرعة
وصوته طلع زي الرعد:
— يعني اللي سمعته ده صح؟
بنتي… بنتي الوحيدة…
اتجوزت من ورايا؟!
مردّتش.
كنت بترعش
وببص في الأرض بخوف.
صرخ فيّا بصوت خلاني أرتعش:
— بكلمك يا مريم!
ردّي؟!!
كنت مستنية زين يتكلم…
يقول أي حاجة…
يدافع…
ينقذني.
بس ولا كلمة قاعد كأنه مش قاعد،
كأنه في دنيا غير الدنيا.
رفعت عيني لبابا بخوف
وقولت بصوت متقطع:
— هفهمك والله…
انفجر فيّا وهو بيضرب إيده في إيده:
— تفهميني إيه؟!
تفهميني إيه بالظبط يا مريم؟!
صوته ارتفع أكتر:
— إنك اتجوزتي وانتي مخطوبة؟
إنك خنتي ثقتي؟
إنك ضحكتي عليّا وعلى خطيبك؟
إنك اتجوزتي واحد متجوز
وسبتيني أمشي في الناس وأنا مرفوع الراس فيكي؟!
مسح وشه بإيده بعصبية:
— أنا كنت بفتخر بيكي!
كنت بقول للناس دي بنتي!
بنتي الوحيدة!
اللي ربيتها لوحدي بعد ما أمها راحت!
صوته اتخنق:
— دي البنت اللي سهرت الليالي عشانها؟
دي البنت اللي حرمت نفسي من كل حاجة عشان أربيها صح؟
حاولت أدافع عن نفسي
والدموع سايحة على خدودي:
— بابا… أنا وزين بنحب بعض!
بصّيت لزين
مستنية يأكّد كلامي…
لكن ماكانش باصص ناحيتي أصلًا.
بابا ضحك ضحكة مجنونة فيها مرارة:
— حب؟!
حب يا مريم؟!
قرب مني وهو بيصرخ:
— الحب يخليكي تكدبي على أبوكي؟
الحب يخليكي تتجوزي في السر؟
الحب يخليكي تتجوزي واحد
وإنتي مخطوبه لغيره؟!
صوته نزل فجأة وبقى مليان ألم:
— أنا معنديش غيرك يا مريم…
معنديش في الدنيا دي غيرك.
بصلي في عيني:
— وإنتي عملتي فيّا كده؟
ضحكتي عليّا كده؟
ثم صرخ تاني:
— أنا تعبت عمري كله عشانك!
ضحيت بكل حاجة عشان أشوفك عروسة
قدام الناس وأنا فخور بيكي!
وقرب مني أكتر:
— لكن إنتي…
إنتي ضيعتي كل حاجة.
ضيعتي نفسك.
ضيعتي سمعتك.
وضيعتيني أنا كمان.
وضربني.
قلم على وشي.
أول مرة يضربني
من ساعة ما اتولدت.
عمره ما مد إيده عليّا…
ودلوقتي بيضربني!
شاور عليّا بصباعه وهو بيترعش من الغضب:
— عمري ما هسامحك على اللي عملتيه.
عمري ما هسامح نفسي إني ربيت بنت زيك.
ليه؟
علشان حبيت؟
علشان اخترت اللي قلبي رايح له؟
علشان وافقت أتخطب لواحد مش بحبه
بس علشان هو يبقى راضي؟
مسكت خدي بإيدي
وبصّيت له وأنا منكسرة بس مش نادمة
وقولت:
— حضرتك السبب… على فكرة.
صرخ فيّا بكل قوته:
— اخرسي!
اخرسي بقى!
مسك كتافي بقوة:
— أنا السبب؟!
أنا اللي قلتلك تخونيني؟
أنا اللي قلتلك اتجوزي من وراي؟
أنا اللي جبرتك تتجوزي واحد متجوز ؟!
سابني ورجع لورا:
— متحطيش ذنبك عليّا.
أنا كل اللي عملته إني حبيتك أوي.
إني خفت عليكي من الدنيا.
إني كنت عايز أشوفك في بيت مستور
مع راجل كويس.
صوته اتكسر:
— لكن إنتي اخترتي.
اخترتي تكدبي.
اخترتي تخونيني.
اخترتي تبوظي حياتك بإيدك.
الدموع نزلت مني زي الشلال
وصرخت فيه:
— ده مش ذنبي لوحدي!
إنت اللي ضغطت عليّا!
إنت اللي خلتني أتخطب لواحد مبحبوش
بس علشان ابن صاحبك!
علشان الناس تقول إيه!
علشان صورتك قدامهم!
صوتي علا:
— إنت المذنب…
مش أنا.
بصلي بنظرة فيها كل خيبة الأمل في الدنيا:
— لو كنت فاكراني مذنب…
كان ليكي الشجاعة إنك تقوليلي.
تواجهيني.
مش تخونيني وتكدبي عليّا.
هز راسه بيأس:
— أنا خسرتك يا مريم.
خسرت البنت الوحيدة اللي كانت عندي.
وخرج وسابني واقفة
مصدومة.
الباب اتقفل وراه
وصوته كان أعلى من أي صريخ.
وقفت مكاني ..مش عارفة أتحرك
ولا حتى أعيّط ..الدموع اتحبست
كأنها قررت تعاقبني أنا كمان.
لفّيت أبص حواليّا
البيت اللي كنت فاكرة هيبقى أمان
بقى غريب خانق!
وملوش ريحة.
بصّيت لزين…كان لسه قاعد مكانه
كأنه مش معني بحاجة حصلت.
وقتها حسّيت
إني خسرت كل حاجة
في نفس اللحظة:
أبويا
وبيتي
ونفسي
وراجل عمره ما كان راجل.
قربت من الكنبة قعدت ببطء
وكأني خايفة الأرض تهرب من تحتي.
حطّيت إيدي على بطني مش علشان وجع لكن علشان أتأكد إني لسه موجودة وإن اللي حصل مش كابوس.
طلعت مني همسة مكسورة:
— كده خلاص…؟
ولا حد رد وكان الصمت ..أقسى إجابة.
رفع زين راسه أخيرًا
وكأنه كان غرقان وطلع ياخد نفس.
صوته طلع واطي
مكسور
مش شبه صوت الراجل اللي حلفت بحبه:
— مريم… أنا…
سكت.
رجع بلع كلامه
وكمل بصعوبة:
— الموضوع أكبر منكِ ومني.
ضحكت ضحكة خفيفة
بس كانت طالعة من وجع
مش هزار.
قُلت وأنا ببص له:
— أكبر؟
أكبر منك طلقتني بسهوله؟
أكبر من إني اتضربت؟
أكبر من إني خسرت أبويا؟
ولا أكبر من إنك كنت ساكت
وأنا بتدبح قدامك؟
حاول يقوم ..وقف قدامي
بس عينه مكانتش قادرة تواجهني.
— أنا خوفت…
خوفت أتكلم
خوفت أخسر الكل.
قربت خطوة
وبصيت له في عينه لأول مرة من غير حب:
— وانت كده كسبت إيه؟
سكت.
كملت وأنا صوتي بيتهز:
— أنا الوحيدة اللي دفعت التمن
وأنت اخترت أسهل طريق…
السكوت.
مدّ إيده كأنه عايز يلمسني
لكن رجعها بسرعة.
— أنا آسف يا مريم.
الهوا وقف
والكلمة وقعت تقيلة.
هزّيت راسي بهدوء:
— الآسف
بيتقال بدري
مش بعد ما كل حاجة تتحطم.
لفّيت وشي
وأخدت شنطتي.
وقبل ما أخرج
قُلت من غير ما أبص له:
— فجر خدت حقها
وأنا خدت درسي.
وسيبت المكان وأنا عارفة
إن اللي مات مش الجواز
اللي مات أنا !.
_________________
فجر
كنت قاعدة جنب يعقوب
وشّي شاحب
بس حريصة أسيطر على ملامحي
كأني لابسة قناع ثابت
مش مسموح له يقع.
بصلي وقال بهدوء غريب:
— عيطتي يا فجر
اتصدمت.
جسمي اترعش رعشة خفيفة
بس تماسكت
وطلعت ضحكة سخيفة مني وأنا بقول بسخرية باهتة:
— هو العياط بالعافية؟
ما بصليش.
فضل باصص قدامه
واتكلم بهدوء
هدوء واحد شايف كل حاجة:
— باين قوي إنك كاتمة جواكي
ومسكة الدمعة بالعافية
لو عيطتي…
العياط هيفرّغ شوية من الحزن والغضب اللي جواكي.
سكت لحظة وأنا بصّة قدامي
حاسّة قلبي بيتعصر بس عنيد!
قلت وأنا صوتي ثابت بالعافية:
— في ناس لما تعيط بتخف
وأنا…
لو عيطت هتكسر.
لف وشه وبصلي نظرة مش شفقة
نظرة فهم
— وانتي متعودة تكوني قوية
حتى على نفسك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة
بس موجوعة:
— القوة دي
هي الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي.
وسكتنا.
بس المرة دي
الصمت ماكانش مريح كان تقيل
زي دمعة محبوسة ..مش لاقية طريقها.
الطريق كان طويل
وأطول منه الصمت اللي بينا.
كنت باصة من الشباك النور بيعدّي
وأنا ثابتة… قويّة
زي ما اتعودوا يشوفوني.
فجأة
نفَسي اتلخبط.
حاولت آخد نفس عادي ما عرفتش.
إيدي بدأت ترجف ضغطت عليها جامد كأني بعاقبها.
يعقوب حسّ
من غير ما يبص:
— فجر؟
ما رديتش.
الدمعة نزلت غصب عني
واحدة
وبعدين التانية.
عضّيت شفايفي بس صوتي خانّي:
— أنا…
أنا تعبانه.
الجملة طلعت مكسورة ضعيفة مش شبهّي.
وقفت العربية على جنب
ولف ناحيتي لسه ما لمسنيش
بس حضوره لوحده كفاية:
— سيبيها
هزّيت راسي لا زي طفلة عنيدة:
— لو سيبتها…
مش هعرف ألمّ نفسي تاني.
بس ما استحملتش.
صدري وجعني
وكأني بشهق من تحت الميّه وانفجرت.
مش عياط بصوت عالي
لا
بكاء مكتوم ..مكسور
.كل دمعة فيه شايلة سنة.
غطّيت وشي بإيدي
وكتافي بيتهز
وأنا بقول بين شهقة والتانية:
— أنا عملت كل حاجة صح
ليه أنا اللي اتكسرت؟
يعقوب قرّب حط إيده على ضهري
لمسة ثابتة مش مستعجلة
ولا بتضغط:
— عيطي
انتي مش مطالبة تكوني قوية دلوقتي.
صرخت لأول مرة
صوت طالع من القلب:
— خانوني!
كلهم خانوني!
العياط قلب لنحيب وأنا حاسّة الدنيا بتقع بس المرة دي ما حاولتش أوقفها.
لأول مرة
سمحت لنفسي أضعف
من غير ما أعتذر.
وبين دموعي فهمت حاجة واحدة
أنا ما ضعفتش…
أنا أخيرًا سيبت نفسي.
العياط هدي شويةمش عشان الوجع راح لا
عشان جسمي تعب نفَسي بقى تقيل
وعيني حرقتني من كتر الدموع
وسكوتي كان أعلى من أي كلام.
يعقوب سحب مناديل
مدّها ناحيتي من غير ما يبص
كأنه عارف
إني مش عايزة شفقة مسحت وشي بسرعة
ورجعت أبص قدّامي
بس الدنيا كانت مغبشة.
قلت بصوت مبحوح:
— أنا عمري ما كنت أنانية…
كنت بس بطلب حقي.
سكت لحظة
وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة
ملهاش أي معنى:
— طلعت غلطة.
يعقوب أخد نفس طويل
واتكلم بهدوء:
— لا
الغلط إنك افتكرتي إن الحب لوحده كفاية.
الكلمة دخلت في صدري زي مسمار.
بلعت ريقي
وقلت:
— أنا حبيت بجد…
مش لعب
مش تسلية
حبيت لحد ما نسيت نفسي.
بصلي المرّة دي نظرة ثابتة
فيها وجع… بس مفيهاش شفقة.
— وانتي دلوقتي نسيتي نفسك تاني.
الجملة كانت بسيطة بس هزّتني.
سندت راسي على الكرسي
قفلت عيني
ولأول مرة من وقت طويل
الإحساس اللي جوايا مش بس حزن…
كان فراغ
واسع بس هادي.
فتحت عيني وقلت بهمس:
— أنا خايفة.
رد من غير تفكير:
— طبيعي
بس الخوف ده مش ضعف
ده بداية.
لفّ العربية تاني ومشينا.
وأنا من جوايا ..كنت عارفة
إن اللي فجر اللي خرجت من البيت ده
مش هي نفس فجر اللي هترجع…
ولا عمرها هتكون.
ف قولت بهدوء وأنا بحاول أخفي توتري:
__وديني ع الشركة
رد وهو سايق بثقة وقال:
__لا احنا رايحين مكان تاني
قلبي دق بقوة، بصيت له بطرف عيني بحذر وقولت:
__مكان تاني؟
يعني إيه!
ابتسم ابتسامة غامضة وهو بيسوق ووقف على جنب مش عارفة للمرة الكام، استدار ناحيتي بكل ثقة وقال:
أنا طلبت إيدك من ماما!
حسيت بصدمة كهربائية جت في جسمي، بصيت له ورديت بسخرية عشان أخفي ارتباكي وقولت:
__ماما مين والناس نايمين!
اعقل كلامك كده
وبعدين إنت عرفت عنوان بيتي إزاي؟
اتكلم بغرور واضح وهو بيعدل هدومه بهدوء مستفز وقال بثقة مبالغ فيها:
__سر المهنة
رديت بصوت ثابت رغم الغضب اللي بدأ يغلي جوايا وقولت:
__سر المهنة آه
ومين قالك بقى إني موافقة؟
رد وهو بيبصلي في عيني نظرة فيها تحدي واضح وقال بيقين:
هتوافقي
رديت وأنا برفع حواجبي باستنكار، الغضب بدأ يتحول لإصرار على إثبات إنه غلطان، وقولت:
والله!
طب أنا مش موافقة
حطيت إيدي على مقبض باب العربية، وأنا حاسة بحاجة بين الغضب والإحباط، لسه هفتح الباب عشان أنزل وأهرب من العبث ده، لقيته فتح تسجيل بصوتي وأنا بقول:
“لبسته وفضحته قدام كل الناس في الشركة اللي بيشتغل فيها… كل حاجة ماشية مظبوط”
دمي وقف في عروقي للحظة، حسيت بخوف حقيقي لأول مرة منه. بصيت له شوية وأنا بحاول أستوعب الموقف، وقولت بسخرية باردة رغم القلق اللي بدأ يتسلل جوايا:
__وهو ده اللي هيخليني أوافق؟
أنا ملبستش حد، إنت عارف إنه فعلاً كان بيغش في الشغل وبيختلس فلوس من وراهم
رد بنفس الابتسامة الواثقة على وشه، ابتسامة كانت مزيج من الإعجاب والتحدي:
__بس اللي اتقال في التسجيل غير
عارف إن ده مش دليل لحاجة ضدك
بس برضه لو طلع التسجيل ممكن تكون حاجة تنفع زين
والناس تفتكر إنه مظلوم!
ساعتها كل اللي عملتيه هيبقى راح على الأرض!
ابتسمت رغماً عني، إعجاب غريب بدأ يتسرب لقلبي
ابتسامتي قلبت لضحك، ضحك هستيري مليان بمشاعر متضاربة بين الإعجاب بذكائه والغضب من تلاعبه، وأنا ببصله وقولت:
__لا حركة حلوة
عجبتني، مكنتش أعرف إنك بتعرف تشغل دماغك كده
رفع كتافه ليا بثقة منتصر وقال:
__أديكي عرفتي
نطلع على المأذون؟
ابتسمت وأنا ببص قدامي، حاسة بخليط غريب من الاستسلام والفضول، وقولت:
__نطلع على ماما الأول ولا إيه؟
ابتسم ابتسامة انتصار ودفء في نفس الوقت وقال:
__عيوني يا عيوني
وأنا قاعدة جنبه والعربية ماشية في الطريق، حسيت بدوامة جوايا
أفكاري كانت متلخبطة ومش عارفة أمسك فيها
قلبي كان بيدق بسرعة، مش عارفة لو ده من التوتر ولا من حاجة تانية
بصيت من الشباك وأنا بحاول أهرب من عينيه
جوايا صوت بيقولي: إنتي بتعملي إيه يا بنتي؟
ده إنت لسه مش متأكدة من مشاعرك أصلاً
صورة زين فضلت تيجي قدام عيني
زين بابتسامته، بضحكته، بكل اللحظات اللي عدت بينا
حسيت بوجع خفيف في صدري
هو أنا فعلاً نسيته؟
ولا أنا بهرب منه وبوهم نفسي إني نسيت؟
الراجل ده جنبي… ذكي، واثق من نفسه، عارف عايز إيه
بس أنا؟
أنا عارفة عايزة إيه؟
حسيت بخوف حقيقي
مش خوف منه… خوف من نفسي
خوف إني أكون بعمل غلط كبير
خوف إني أكون بستخدمه عشان أنسى حد تاني
وده مش عدل… لا ليه ولا ليا
قولت لنفسي: لو قلبك لسه معلق بزين، إزاي هتكملي مع حد تاني؟
إزاي هتقفي قدام المأذون وإنتي مش متأكدة؟
بس في نفس الوقت… في جزء مني كان حاسس بحاجة مختلفة
حاجة جديدة
الراجل ده مش زي زين
مش بيلعب لعبة القط والفار
واضح وصريح ومش خايف يقول عايز إيه
بصيت له بطرف عيني لقيته مركز في السواقة
ملامحه هادية، واثق، مرتاح
وأنا؟ أنا تايهة جوه نفسي
حسيت بدموع بتتجمع في عيني بس رفضت أبكي
مش قدامه… مش دلوقتي
سألت نفسي بصمت: يا ترى الصح إيه؟
أمشي في طريق أنا مش متأكدة منه؟
ولا أوقف دلوقتي وأكون صريحة معاه ومع نفسي؟
قلبي كان لسه بيدق بقوة
ومش عارفة لو ده عشان خايفة من المجهول
ولا عشان جزء مني لسه متعلق بماضي مش عايز يمشي
بلعت ريقي بصعوبة وحاولت أتنفس بهدوء
الطريق لبيت ماما كان قصير
والقرار… كان لازم ياخد وقت أطول من كده بكتير
فجأة حسيت بإيده الدافية بتمسك إيدي بلطف
اترعبت من اللمسة المفاجئة وبصيتله بعيون واسعة
لقيته بيبصلي بنظرة مختلفة عن كل النظرات اللي شفتها منه قبل كده
نظرة فيها حنية… فيها فهم
قال بصوت هادي ودافي:
أنا عارف إنك خايفة
قلبي وقف للحظة، ازاي عرف؟
كمل وهو لسه ماسك إيدي:
وعارف إنك مش متأكدة من حاجة دلوقتي
وعارف إن قلبك لسه مش نسي زين
حسيت بدموعي بتنزل من غير إذني، حاولت أشيل إيدي بس مسكها أقوى شوية
قال وهو بيبصلي في عيني:
__وأنا مش هجبرك على حاجة
مش هخليكي تعملي حاجة إنتي مش مرتاحة ليها
مسح دمعتي بإيده التانية بحنية خلتني أحس بأمان غريب
كمل بهدوء:
__بس أنا عايزك تعرفي حاجة
أنا مش بلعب… أنا جاد
وأنا مستعد أستنى لحد ما تكوني متأكدة
مستعد أديكي كل الوقت اللي محتاجاه
بصيتله بدموع ودهشة، مش مصدقة الكلام اللي بسمعه
قال وابتسامة صغيرة حنينة ظهرت على وشه:
__مش لازم نروح لماما دلوقتي
مش لازم نعمل حاجة بسرعة
إحنا نقدر نتعرف على بعض أحسن
نقدر ناخد وقتنا
سكت شوية وكمل:
__أنا عايزك تختاريني وإنتي متأكدة مني
مش عايزك تيجيلي وإنتي هاربة من حد تاني
عايزك تيجيلي عشاني أنا… مش عشان تنسي حد
كلامه دخل قلبي زي سهم دافي
__حسيت براحة غريبة… حسيت إن في حد فاهمني فعلاً
قال وهو بيشغل العربية تاني:
__دلوقتي هوديكي الشركة زي ما طلبتي
ولما تبقي مستعدة… ساعتها بس كلميني
بصيتله وأنا مش عارفة أقول إيه
حسيت إن الخوف اللي كان جوايا بدأ يقل شوية
مش راح خالص… بس بقى أخف
همست بصوت واطي مليان امتنان:
__شكراً
ابتسم وقال بدفء:
__مفيش شكر يا حبيبتي
أنا بس عايزك تكوني سعيدة
حتى لو مش معايا
**بعد مرور خمس سنين**
كنت واقفة في المطبخ بحضر الفطار، صوت الأطفال العالي كان مالي البيت
صوت يزيد ويامن التوأم وهم بيتخانقوا على الريموت، وصوت لين بنتي الصغيرة وهي بتعيط عايزة حضني
ابتسمت رغم التعب
خمس سنين… خمس سنين كاملة من يوم ما قررت أكمل مع يعقوب
افتكرت أول سنة جواز
كانت صعبة… مش هكدب
كنت لسه بتعلم أعيش مع حد تاني غير زين، أشارك حياتي مع حد
وكان في أوقات شكيت في نفسي، في قراري
بس يعقوب… يعقوب كان صبور زي ما وعدني
كان بيفهم لما أكون زعلانة من غير سبب
كان بيسيبلي مساحتي لما أحتاج أكون لوحدي
وكان بيحضني لما أحتاج حد يطمني إن كل حاجة هتبقى كويسة
وبعدين جه يزيد ويامن … التوأم اللي قلب حياتنا رأس على عقب
افتكرت يوم ما الدكتورة قالتلي “مبروك، حضرتك حامل في توأم”
يعقوب عيط من الفرحة يومها… عيط فعلاً
وبعدهم بسنتين جت لين… بنتي الصغيرة اللي شبهي في كل حاجة
حسيت بإيدين يعقوب بيلفوا حوالين خصري من ورايا وهو بيبوس رقبتي بحنان
قال بصوت لسه فيه نعاس:
__صباح الخير يا أم العيال
ضحكت وأنا بتكي على كتفه:
__صباح النور… نايم إزاي والبيت قايم على دماغي؟
ضحك وراح ناحية الصالة صارخ بصوت عالي:
__يلا يا جماعة الخير… بطلوا خناق
مامتكوا تعبت
فجأة البيت هدي كأن حد سكت الدنيا
يزيد ويامن جريوا عليه صارخين:
بابا! بابا!
ولين فضلت معايا ماسكة هدومي
بصيتله وهو شايل يزيد على كتفه ويامن ماسك إيده
حسيت بدفء غريب جوه قلبي
مين كان يصدق؟
أنا اللي كنت خايفة، تايهة، مش عارفة أختار
دلوقتي عندي عيلة كاملة… عندي بيت مليان حب
يعقوب بصلي من بعيد وغمزلي غمزة فيها شقاوة
همس بصوت واطي بس أنا سمعته:
__بحبك
ابتسمتله وقولت من غير صوت بس بحركة شفايفي:
__وأنا كمان بحبك
لين شدت هدومي وقالت بصوتها الرقيق:
__ماما… أنا جعانة
ضحكت وشلتها على إيدي:
__يلا يا حبيبتي… هنفطر كلنا مع بعض
ورحنا كلنا على السفرة
عيلتي… بيتي… حياتي
الحياة اللي استاهلت كل خوف، كل تردد، كل دمعة
لأني دلوقتي متأكدة
متأكدة إني اخترت الصح
تمت
اقرأ ايضا روايات ترند –