الفصل 10 | من 21 فصل

«السَّهمُ الوَحِيدُ ومَتَاهَةُ الظِّلَال»

المشاهدات
18
كلمة
747
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18
تنفس الصباح الباكر ونشر خيوطه الأولى فوق الغابة السوداء، بينما كان عاصم يئن فوق فراش القش بخفوت. في الخارج، كان الفارس زاهر ينتظر بثبات، ممسكاً بسيفه وبجواره فأس حادة لقطع الحطب. استيقظ عاصم وهو يشعر بآلام مبرحة تنهش كل أنش في جسده الصغير بفعل جحيم الأمس، لكن عقيدته وفكرة الانتقام لم تتركا مكاناً للتكاسل أو الرغبة في النوم؛ نهض بعزيمة فولاذية، وخرج بخطى ثابتة نحو زاهر وقال بصوت يملأه التحدي والوثوق: «أنا جاهز لتدريب اليوم».

​التفت إليه زاهر بملامح جامدة، ودون مقدمات، رمى الفأس الثقيلة باتجاهه مباشرة وصاح: «اقطع لي عشر شجرات الآن.. ودون توقف!»

قبض عاصم على مقبض الفأس دون أن ينطق بكلمة اعتراض واحدة، وباشر فوراً بهز الجذوع الكبيرة وضربها بقوة. وكلما تمكن منه الإنهاك وكادت ذراعاه أن تخذلاه، استدعى في عقله طيف أمه الراحلة ومشهد قريته المضرجة بالدماء، فتدب في عروقه طاقة متفجرة تزيده قوة. واصل العمل على هذا المنوال الشاق حتى أطاح بعشر شجرات ضخمة. التفت نحو زاهر وقال بنفَس لاهث: «لقد انتهيت».

رد زاهر ببرود: «والآن.. حوّلها إلى قطع صغيرة!»

​لم يتردد عاصم؛ عاد إلى الحطب وبدأ يقطعه قطعة قطعة دون أدنى تذمر، واستمر في الصراع مع الخشب والحديد حتى أتم المهمة بالكامل مع حلول منتصف النهار والشمس تكوي الرؤوس. تقدم نحو زاهر وهو يترنح من فرط الإعياء وقال: «لقد انتهيت».

نظر إليه زاهر بنظرة رأت حجم التعب في جسده، فقال: «خذ قسطاً من الراحة الآن».

​بعد مرور حوالي ساعة ونصف، وقف زاهر فوق رأسه مجدداً وقال بصوت قاطع: «انهض.. وتسلق هذه الشجرة، واجلب لي السهم المغروز في أعلاها».

رفع عاصم عينيه ليرى شجرة شاهقة الارتفاع، كانت ملساء تماماً بلا فروع دنيا أو حواف باردة يمكن التمسك بها. ورغم استحالة المهمة لبشر عادٍ، لم يحتج عاصم ولم يرفض؛ بل اندفع بكل ما أوتي من جهد يحاول الالتصاق بالجذع والتسلق. سقط في المرة الأولى، وخدش جلده في المرة الثانية، وانزلق في الثالثة، لكنه واصل المحاولة بشراسة مستميتاً حتى نجح في نهاية المطاف والتقط السهم من القمة العالية.

​وما إن هبط إلى الأرض، حتى تيقن أن معلمه لن يمهله ثانية واحدة للراحة؛ إذ ناوله زاهر قوساً خشبياً عتيقاً ووضع السهم الوحيد في يده وقال بصوت صارم: «بهذا السهم الوحيد، يجب أن تأتي لي اليوم بطائر! سأعلمك طريقة الرماية مرة واحدة فقط، وبعدها ستبحث بنفسك وتأتيني بالصيد.. أو لا تعد إليّ بدونه!»

شرح له زاهر قواعد التصويب بسرعة، وكيف يركز نظره ليصيب الهدف بدقة متناهية، ثم أردف محذراً: «الآن اذهب.. وتذكر، لا عودة دون الطير».

​انطلق عاصم وحيداً في دياجير الغابة المخيفة، يتخبط بين الأدغال، ويبحث هنا وهناك عن أي طائر يحلق في الأفق ليكون صيده الثمين.

وفي تلك الأثناء، كان زاهر يقف مكانه ينظر إلى الأثر الذي تركه الفتى ويحدث نفسه بأسى مكتوم: "أعلم أنني أجعلك تغامر في هذه الغابة المرعبة وحيداً يا بني.. ولكن لتصبح قوياً، يجب أن تواجه مخاوفك بمفردك، وتعيش التدريبات وتطبقها بنفسك؛ هكذا فقط ستكون الأقوى في هذا العالم.. فاعذر قسوتي عليك".

​نعود لعاصم، الذي كان يذرع الغابة جيئة وذهاباً دون جدوى؛ فالغابة السوداء كانت خالية تماماً من الطيور، وأوشك الليل البري أن يسدل ستاره المظلم وهو ما زال يبحث بلا فائدة. وفجأة.. اخترق سكون الموت صوت طائر عجيب، صوت لم يسمع له مثيلاً في حياته قط؛ كان غاية في العذوبة والجمال، يبعث في الجسد ارتخاءً غريباً ويجبر الروح على الاستماع إليه بكل جوارحها.

​انساق عاصم وراء النغمات الساحرة، وتقدم بحذر ممسكاً بقوسه وسهمه الوحيد. وعندما وصل إلى مصدر الصوت تماماً، التفت حوله بذهول؛ لم يكن هناك أي أثر لطائر برغم أن الصوت ينبعث بقوة من هذا المربع بالذات! وبينما هو غارق في حيرته، جذبت عينه حركة سريعة ومفاجئة بجانب جذع الشجرة التي يصدر منها الصوت.

​دقق النظر، فوجد أرنباً برياً كبيراً يحفر الأرض بنشاط بجانب الجذع.

اشتعلت الفرحة في قلب عاصم، واستحضر في جزء من الثانية كل القواعد والتعليمات التي لقنه إياها زاهر. ركّب السهم الوحيد في مجراه، وشد وتر القوس بكل ما يملك من عزم وإصرار، وتركزت عيناه على طريدته، وظهرت فيهما لمعة غريبة متوهجة تفيض بالتركيز الخارق. تمتم بخفوت: «بِسْمِ اللَّه».. وأطلق الوتر!

​شق السهم عباب الهواء بقوة مدوية، محدثاً صفيراً حاداً، لينغرز بدقة متناهية وخارقة للعادة في رأس الأرنب مباشرة، ليسقط الصيد قتيلاً في توه.

قفز عاصم من شدة الفرح والبهجة وصاح: «بالرغم من أنني لم أصطد طيراً، فقد نلت أرنباً! أنا متأكد أن معلمي سيقبله بدلاً من الطير، فلا وجود للطيور في هذه الغابة أبداً!»

​ركض الفتى مسرعاً، ورفع الأرنب من الأرض بزهو قائلاً: «والآن، لنعد إلى معلمي ونبشره بهذا الإنجاز.. هيا بنا!»

ولكن.. ما إن التفت عاصم ليعود من حيث أتى، حتى نزلت عليه الصدمة كالصاعقة المرعبة وجمدت أطرافه؛ التفت يميناً ويساراً فتشابهت الجذوع والظلال. كيف سيعود الآن؟! إنه لا يعلم من أي إتجاه أتى، فقد تخبط طوال النهار ولم يسلك طريقاً واحداً مستقيماً!

​الآن.. أصبح "الذئب" ضائعاً، منفرداً، يلفه ظلام الغابة السوداء الحالك بلا دليل ولا أنيس.. فماذا سيفعل في هذه الليلة المرعبة؟!



ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...