وفي تلك الأثناء، أمام باب الكهف، كان القلق الشديد ينهش قلب سمية ويسلبها طمأنينتها. التفتت نحو زوجها وقالت بنبرة حزينة ومستعطفة: «زاهر.. أرجوك، اخرج وابحث عنه! لقد حل الظلام الدامس والفتى لم يعد بعد.. إنه ما زال طفلاً صغيراً، وأجزم أنه الآن يرتعد خوفاً بمفرده في هذه العتمة».
رد عليها زاهر بملامح هادئة مستنداً إلى سيفه: «لا تقلقي يا سمية، سيعود بالتأكيد. القلاد والرمح العجيبين ما زالا معه، وأنتِ شهدتِ بنفسكِ بالأمس ما يمكن لتلك القوة أن تفعله.. لا داعي للخوف، إنه قادم بلا شك».
نعود إلى عاصم، الذي شق طريقه وسط الظلال مستجمعاً كل ما بقي له من عزم. سار لمسافة ليست بالقليلة، وفجأة.. انشق الظلام واعترض طريقه رجل عجوز بهي الطلعة، وقور الملامح، يتدثر بوشاح يوحي بالهيبة وكأنه انبعث من العدم!
تقهقر عاصم إلى الوراء من شدة المفاجأة، واختل توازنه وكاد أن ينقلب على الأرض، لولا أن العجوز سارع بخفة غير متوقعة ومد يده العطوفة ليأخذ بيده ويساعده على الوقوف بثبات.
نظر عاصم إلى الرجل الصامت، وهمّ أن يتحدث قائلاً: «يا جدي.. هل يمكنك أن تدلني على...»
ولكنه قطع كلامه فجأة، واستيقظ حذره الفطري وتحدث في نفسه صائحاً: "تباً! لا يمكنني أن أدلي بمكان الكهف السري لرجل عجوز التقيته للتو في هذه الغابة الملعونة!"
قاطع حيرته صوت العجوز الهادئ وهو يقول: «عاصم.. أنا أعرف طريق الكهف جيداً، هل تريد العودة إليه؟»
اتسعت عينا عاصم بصدمة وذهول عارم، وتراجع خطوة وهو يشد قبضته على رمحه وقوسه وقال باضطراب: «من أنت؟! وكيف تعرف اسمي؟! »
ابتسم العجوز بوقار وقال: «لقد أخبرتك.. أنا أعرف كل شيء، وأعرف من تكون أنت، ومن هي عائلتك الحقيقية، وأعلم كل تفصيلة تخصك».
رد الفتى بذهول مستنكر: «كيف تعرف كل شيء عني وأنا لم أرك في حياتي كلها، ولا أعلم من أنت؟!»
دنى العجوز منه خطوة وأردف بصوت عميق: «قلت لك إنني أعلم كل شيء.. حتى سر هذه القلادة المعلقة في عنقك، والرمح المستقر على كتفك».
هنا، انفجر عاصم بوابل من الأسئلة المتلاحقة التي كتمها في صدره طويلاً، وصاح بلهفة: «إذن أخبرني! أين أمي؟ وماذا حدث معها؟ وما هو السر الحقيقي وراء هذه القلادة والرمح؟ أخبرني بكل شيء أرجوك!»
نظر إليه العجوز بنظرة غامضة مليئة بالأسى وقال: «لن أستطيع إخبارك بشيء الآن.. ولكن، عندما تكبر وتشتد سواعدك، ستعرف كل شيء بنفسك».
انفجر عاصم مجدداً بقلب مستشيط وغاضب، وصاح بصراخ مكتوم: «لماذا؟! لماذا أنت وأمي في الحلم تقولون نفس الكلمة دائماً؟! لماذا يخفي الجميع عني الحقيقة؟!»
أجابه العجوز بثبات وهدوء: «لأن بعض الأسرار يا بني لا يجب أن تنكشف إلا في وقتها المحدد.. وهذه الأسرار العظيمة لم يحن أوانها بعد».
حاول عاصم كبح غيظه وقال: «إذا كنت لا تريد إخباري بشيء.. فلماذا ظهرت لي إذن؟ قل لي لماذا؟»
قال العجوز: «لقد رأيتك تسير في طريق خاطئ يبتعد عن الكهف مسافات شاسعة، فأردت أن أوصلك إلى مأمنك بنفسي.. ما رأيك؟»
شك عاصم في النوايا وسأله بحذر: «وكيف يمكنني أن أثق بك؟»
اقترب العجوز أكثر، وهمس بصوت منخفض جداً كأنه ينقر على أوتار عقله: «لقد رأيت والدتك في منامك مرتين.. هل هذا صحيح؟»
تسمر عاصم في مكانه، وأصابته الصدمة بالشلل لثوانٍ؛ فكيف لهذا الغريب أن يعلم تفاصيل أحلامه؟! ورغم هول المفاجأة، استجمع شجاعته وقال: «حتى لو كنت تعلم.. فهذا لا يثبت أنك لا تريد أذيتي».
تنهد الرجل الوقور وقال: «حسنًا.. كما تشاء، سأغادر الآن.. ولكن احذر، فهذا الطريق الذي تسلكه بمفردك سيودي بحياتك حتماً».
استدار العجوز وكان على وشك الاختفاء بين الجذوع، فناداه عاصم بتردد وخوف من المجهول: «انتظر!.. حسناً، يمكنك مرافقتي إلى الكهف الآن.. فأنا بالفعل ضائع ولا أدري من أين هو طريق العودة».
التفت العجوز وقال بنبرة قاطعة: «حسناً.. اتبعني بصمت وسأوصلك إلى باب الكهف، ولكن بشرط واحد».
سأله عاصم: «وما هو شرطك؟»
أجابه العجوز وهو يحدق في عينيه: «ألا تخبر أحداً كائناً من كان بأنك وجدت رجلاً عجوزاً في هذه الغابة.. اتفقنا؟»
أومأ الفتى برأسه وقال: «أعدك بذلك، لن أخبر أحداً.. ولكن، هل يمكنك أن تخبرني ولو بشيء بسيط جداً عن هويتي؟»
قال له العجوز بصرامة مبطنة بالدُّعابة: «لقد قلت لك اتبعني بصمت وليس بثرثرة! هيا تحرك قبل أن أغير رأيي وأتركك هنا».
تحرك الاثنان في جوف الغابة، والصمت المطبق يحفهما من كل جانب، وعاصم يسير وراء العجوز الذي كان يشق الأدغال كأنه يعرفها شِبراً شِبراً. واصلا السير حتى وصلا إلى بقعة مألوفة قريبة جداً من فم الكهف.
توقف العجوز وقال بصوت خافت: «أنا إلى هنا ينتهي حدي، لا يمكنني التقدم خطوة أخرى.. سأرجع الآن، وداعاً.. ولا تنسَ وعدك بأن تكتم السر».
وما إن أنهى كلمته، حتى اختفى العجوز في الحال، متلاشياً وسط الظلام بنفس الطريقة السحرية التي ظهر بها، وكأنه لم يكن سوى طيف من خيال عاصم المشتت!
شعر عاصم في تلك اللحظة وكأنه على وشك الجنون؛ ما هذه الأشياء الخارقة للطبيعة التي تتوالى عليه؟ تقدّم نحو الكهف بخطوات متعثرة، وعقله شارد ومشتت تماماً يبحث عن تفسير لما حدث.
وما إن خطت قدماه عتبة الكهف، حتى أيقظه من شروده العميق صوت زاهر الهادر الصارم وهو يقف أمامه بملامح حادة كالسيف قائلًا: «أيها الذئب.. لقد تأخرت كثيراً برحلتك، والآن.. يجب أن تُعاقب بشدة!»
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!