لم يجبه أحد؛ إذ خيم على الجميع صمتٌ مطبق من هول الصدمة التي شلت ألسنتهم. وفي تلك الأثناء، وقعت عينا زاهر على جثة الأفعى العملاقة الراقدة على الأرض وهي تنزف بلا رأس، فالتفت فوراً نحو الفتى وصاح بقوة: «يا ذئب.. ماذا حدث هنا؟!»
أجاب عاصم بتلعثم وتوتر، محاولاً استجماع شتات نفسه: «حقا.. لا أعرف ماذا حدث، ولكن عندما هاجمتنا الأفعى، أغمضت عيني بقوة ورفعت الرمح باتجاهها.. وعندما فتحتهما مجدداً، وجدتها على هذه الحال».
هنا، تقدمت الزوجة سمية وقطعت جدار الصمت، لتسرد على مسامع زاهر كل ما حدث بالتفصيل الدقيق؛ من لمعان الرمح إلى انطلاق الشعاع المدمر وظهور الكرة الشفافة. وحينها، بادرت الصغيرة إسراء بقفزة مبهجة قائلة بعفوية: «أليس أخي "الذئب" رائعاً يا أبي؟ إنه قوي جداً وسأصبح مثله تماماً عندما أكبر!»
ارتسمت ابتسامة دافئة على محيا الفارس، وربت على رأس ابنته بحنان قائلاً: «حسناً يا ابنتي، ستصبحين أقوى امرأة في العالم، اتفقنا؟»
قفزت إسراء من شدة الفرح وهتفت بنبرة طفولية: «ياااااه.. أنا أحبك كثيراً يا أبي!»
في تلك اللحظات الدافئة، كان عاصم يرمق الصغيرة بنظرات مليئة بالحنان واللطف، نظراتٌ صادقة لا تخطئها عين، وقد التقط زاهر تلك الإيماءة بعينيه الخبيرتين وراقبها بصمت.
لكن خلف ذلك الهدوء، كان عاصم غارقاً في بحر من الأفكار والهواجس بعد سماعه لشهادة سمية عن الدرع الذي حماهم، وأخذ يحدث نفسه بحيرة: "لقد قالت لي أمي إن القلادة لن تتفعل إلا في سن السادسة عشرة.. فلماذا تفعلت الآن وحمتنا؟ هل أخطأت أمي في قولها أم أن هناك أمراً آخر؟"
ولم يكن عاصم وحده من تلتهمه الحيرة؛ بل كان زاهر بدوره يسترجع الأحداث ويقول في عقله بوجل: "كيف خرجت من الكهف وتركتهم وحدهم وأنا أعلم يقيناً مدى خطورة المكان؟ عندما خطوت إلى الخارج، شعرت وكأنني أُساق بلا إرادة، والقلادة التي بحوزتي أصبحت باردة كالثلج! هل هناك سحر أسود يحيط بهذه القلادة؟ يجب أن أكتشف حقيقة كل شيء، وإلا فلن نعيش طويلاً هنا".
انقطع حبل أفكار الفارس على صوت ابنته إسراء وهي تشد ثوبه وتقول: «هيا يا أبي، أنا جائعة جداً».
تذكر زاهر الأرنب الذي في يده وهبّ واقفاً بحماس: «نعم.. الآن سأقوم بشواء الأرنب لنأكله جميعاً، إنه كبير بما يكفي ليسد جوعنا».
أشعل زاهر النار وجهز الصيد، وما إن اكتمل الشواء وانتشرت رائحة اللحم المطهو، حتى قطع قطعة كبيرة وناولها لعاصم. أخذها الفتى على عجل، ثم توغل بهدوء نحو عتمة الجزء الداخلي من الكهف، ليتناول طعامه وحيداً دون أن يرى أحد ملامح وجهه خلف اللثام.
لاحظت إسراء ذلك فقالت بتعجب: «لماذا لا يريدنا أخي "الذئب" أن نرى وجهه يا أبي؟ هل هو بشع؟»
رد عليها زاهر مسرعاً ليدرأ النميمة: «لا يا ابنتي، إياكِ وأن تقولي هذا الكلام مجدداً.. إنه فقط ينفذ وعداً قطعه لأمه الراحلة».
عندما انتهوا من تناول الطعام وعاد عاصم لينضم إليهم، التفت زاهر نحو العائلة وقال بحسم: «حسناً الآن.. ناموا جميعاً لترتاحوا وتستجمعوا قواكم، وأنا سأتولى حراستكم خارج فوهة الكهف».
استسلم الجميع للنوم، وفي غمرة استغراقهم، بدأت تظهر على محيا عاصم علامات اضطراب واضحة، تشي بأنه يعيش لحظات حزن عاصفة في منامه.
داخل الحلم، كان عاصم يمشى وحيداً في مكان مظلم، مهجور، يلفه برد قارس وزمهرير شديد. كان يشعر بحزن خانق يعتصر صدره دون أن يدري سبباً لكل هذا الأسى. وفجأة، لمح في أقصى ذلك العمار المهجور طيف امرأة جالسة على حجر صخري، والماء يتدفق من حولها بغزارة. رفعت المرأة رأسها ومدت ذراعيها نحوه تدعوه لاحتضانها، فركض عاصم باتجاهها بأقصى سرعته وهو يصيح بلهفة: «أمي! هل أنتِ أمي الحقيقية؟!»
قالت له بنبرة حانية: «نعم يا بني، أنا هي أمك».
نظر إليها عاصم بذهول وتخبط، وسألها مستغرباً: «ولكن.. لماذا عندما رأيتكِ في منزل زاهر (الفصل الثاني) كان وجهك يشبه تماماً وجه أمي التي ربتني في القرية؟ والآن.. لماذا تبدين شبيهة جداً بأم إسراء (سمية)؟! لماذا يتغير وجهكِ؟»
أجابته بابتسامة غامضة: «لقد ظهرت لك في المرة الأولى بصورة المرأة التي ربتك لأنك لم تكن تعرف بعد من هي أمك الحقيقية.. أما الآن، فأنت تعرفني، ولم يعد ذلك مهماً.. كل ما يهمني الآن هو أن تكبر؛ لنجمتع سوياً من جديد».
هتف عاصم بذهول وعدم استيعاب: «نجتمع؟! كيف نجتمع وأنا معكِ الآن؟ فلماذا تقولين هذا؟»
ردت عليه بنبرة حاسمة: «ستعرف الإجابة عندما تكبر وتتفعل طاقة القلادة بالكامل».
وفي تلك اللحظة، تواردت إلى ذهن عاصم الأحداث المرعبة التي عاشها في الكهف والدرع الذي أنقذهم، فهتف بحماس: «أمي! أخبريني.. لماذا تفعلت القلادة وحمتنا اليوم، بينما قلتِ لي سابقاً إنها لن تعمل حتى أبلغ سن السادسة عشرة؟»
رمقته بنظرة وداع دافئة وقالت: «إنها لم تتفعل بعد يا بني.. كل ما في الأمر أنها تدخلت لتحميك في لحظة الخطر الأكبر المحقق فقط، ولا شيء غير ذلك.. وداعاً يا حبيبي».
تذكر عاصم كلمتها عن اجتماعهم المستقبلي، فصرخ متمسكاً بطيفها المتلاشي: «توقفي يا أمي! أرجوكِ أخبريني.. هل أنتِ ما زلتِ على قيد الحياة وسنلتقي حقاً عندما أكبر؟!»
تردد صدى صوتها وهي تبتعد خلف الضباب: «يا بني.. لا يمكنني إخبارك بشيء الآن، لقد قلت لك إنك ستعرف كل شيء بنفسك.. وداعاً».
ومع تلك الكلمة الأخيرة، انتفض عاصم مستيقظاً من نومه، وهو يلهث بتسارع، وعرقه يبلل جسده النحيل بشدة تحت عتمة الكهف الساكن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!