حاول عاصم العودة إلى مضجعه، لكن النوم جافاه تماماً وعجزت عيناه عن الانغلاق. نهض ببطء، وأمسك برمحه، وتحرك بخطوات وئيدة متجهاً نحو مخرج الكهف ليمكث مع زاهر. وفي طريقه وسط العتمة، صادف سمية وهي نائمة في ركنها. اقترب منها خطوة فخطوة، ودقق النظر في تفاصيل وجهها الساكن، ثم تمتم بصوت خافت يكاد لا يُسمع: «إنها تشبه أمي كثيراً.. لماذا كل هذا الشبه؟ وكأنها هي..»
في تلك اللحظة، فتحت سمية عينيها فجأة، لتجد الفتى واقفا فوق رأسها يحدق فيها بعينين شاردتين. قالت له بنبرة تفيض حناناً: «ما بك يا بني؟ لِمَ لا تنام؟»
فزع عاصم وتراجع إلى الوراء بسرعة رتبكت معها خطواته وكاد أن ينقلب على ظهره، فقالت بذعر: «ماذا بك يا بني؟ تكلم!»
حاول عاصم استجماع شتات نفسه ورد باضطراب: «لا شيء.. فقط لم يأتني النوم.. ولكن، لم أكن أظن أنكِ تشبهين أمي إلى هذا الحد، وكأنكِ هي تماماً».
هنا، كانت الصدمة العنيفة من نصيب سمية؛ إذ انتفضت واعتدلت في جلستها وهتفت بلهفة شديدة: «ماذا؟! قل لي.. ماذا كان اسم أمك؟ بسرعة أخبرني!»
نظر إليها عاصم بنظرة شاردة وقال: «لا أعلم..»
ولم يكن يكذب أو يراوغ، فهو حقاً لا يعلم اسمها لأن أمه الحقيقية في الحلم لم تخبره به قط.
مدت سمية يدها وربتت على كتفه برفق قائلة لتحتوي موقفه: «لا تقلق يا بني.. اعتبرني أمك منذ الآن، حسناً؟ والآن عد إلى نومك هيا».
تراجع عاصم خطوة وقال بنبرة حملت عزة نفس واضحة: «أنا آسف.. ولكن لن أناديكِ "أمي".. سأناديكِ "خالتي" فقط. أما عن النوم، فلم يأتني بعد، سأخرج قليلاً لأجلس عند زاهر».
اندفع عاصم نحو الخارج مباشرة، تاركاً سمية غارقة في بحر متلاطم من الظنون، وتحدث نفسها بذهول: "خالتي؟! هل يمكن أن يكون هذا الفتى هو ابن أختي المفقود؟ وهل كان الخبر الذي عثر عليه زاهر بأنها ماتت مجرد كذبة؟ يجب أن أكتشف حقيقة هذا الأمر مهما كلفني الثمن!"
عندما خطى عاصم إلى خارج الكهف، وجد زاهر جالساً يشعل بضع حطيبات لتنير عتمة الليل، فاقترب منه وجلس بجانبه دون أن ينطق ببنت شفة.
التفت إليه زاهر وقال مستغرباً: «لماذا لم تنم يا ذئب وخرجت إلى هنا؟»
رد عاصم بهدوء: «لم يأتني النوم، فخرجت لأتحدث معك».
سأله زاهر وهو يزيد الحطب في النار: «وبماذا تريد أن تتحدث؟»
قال عاصم بجدية: «هل تتذكر بالأمس عندما قلت إنك ستعلمني كل ما تعرفه من فنون القتال، والرماية بالسهام، والمبارزة بالسيف؟»
تنهد زاهر ورد بنبرة حذرة: «نعم أتذكر.. ولكن في ظل هذه الأحداث المريبة، كنت أفكر ملياً في تلك القوة المرعبة التي انطلقت منك وكيف بدأ الكهف ينهار بسببها. أريد أن أضع خطة لتدريبك بحيث تستوعب هذه الطاقة وتتحكم بها، حتى لا تؤذي من حولك إذا استخدمتها بهمجية».
رد عاصم بثقة: «لا تخف.. لن تتفعل قوة القلادة بكامل طاقتها حتى أصبح في سن السادسة عشرة».
توقف زاهر عن الحركة، ولمعت عيناه بدهاء عسكري عتيق، ثم قال ببطء: «توقف.. كيف عرفت أن القوة لن تتفعل حتى تصل لسن السادسة عشرة بالذات؟»
توتر عاصم فوراً، وبدأت حبات العرق تظهر على جبينه وهو يجيب بتردد: «لقد.. لقد حلمت بأمي قبل قليل، وهي من أخبرني بذلك».
في تلك اللحظة، أدرك زاهر بيقين أن عاصم يخبئ سراً كبيراً يبدو في غاية الخطورة، وفهم أن المفتاح لفتح هذا السر هو جعل الفتى يثق به أولاً دون ضغط. فقال له مهدئاً: «حسناً.. بخصوص تدريبك، سنبدأ في الصباح الباكر بعد أن آخذ قيلولة قصيرة. سيكون تركيزنا الأول على تدريبك الجسدي، لأنك بهذا الجسد النحيل والضعيف لن تستطيع فعل شيء أبداً. والآن.. أدخل وأكمل نومك، فالصباح سيكون يوماً شاقاً جداً عليك». ثم حدق في عينيه وأردف بنبرة صارمة: «وضَع كلامي هذا حلقة في أذنك.. لن أرحمك ولن أتأرجح أو أتساهل معك أبداً، حتى لو كنت طفلاً!»
نهض عاصم دون كلام وعاد إلى داخل الكهف، وهذه المرة، استسلم لجسده المنهك ونام بسرعة شديدة.
مر الوقت سريعاً وتعاقبت الساعات حتى اقترب منتصف النهار. استيقظ عاصم وسمية وإسراء معاً، وعندما خرجوا إلى فم الكهف، وجدوا زاهر متكئاً بجانب الصخور وقد غلبه النعاس. وما إن همّوا بإيقاظه، حتى انتفض زاهر بسرعة خاطفة، واستل سيفه من غمده ومده في الهواء باتجاههم بحركة دفاعية مرعبة.
وعندما استوعب هوية الواقفين أمامه، تنهد وأعاد السيف إلى غمده وقال بأسف: «أنا آسف.. لقد غفيت دون أن أشعر من شدة التعب. والآن، انتظروني هنا ولا تخرجوا أبداً؛ لقد صادفت شجرة توت بري مليئة بالثمار قريبة جداً من هذا المكان، لن أغيب سوى لثلاث دقائق وأعود، لا تخافوا».
أنهى كلامه وركض مسرعاً متوغلاً بين الأشجار. في هذه الأثناء، كانت سمية تقف في الخلف وتنظر إلى عاصم الصامت بنظرات عميقة دون أن يلاحظها. كانت ملامحها تشي بأنها قطعت الشك باليقين في قلبها بأنه ابن أختها الراحلة، ورغم أنها لا تملك دليلاً قاطعاً بنسبة مئة بالمئة، إلا أنها أقسمت في خوالج نفسها يميناً مغلظاً بأن تعامله وترعاه مثل صغيرتها إسراء تماماً.
قاطع شرود الجميع عودة زاهر السريعة وهو يحمل بين يديه كمية وفيرة من حبات التوت البري الطازجة. وكعادته التي تنم عن اهتمام خاص، كان أول شيء فعله هو أنه قطع قسماً من التوت وناوله لعاصم. أخذ الفتى نصيبه وتوغل صامتاً إلى أعمق نقطة مظلمة في الكهف ليأكل وحيداً كالعادة دون أن يلمح أحد ملامحه خلف اللثام.
هنا، نهضت الصغيرة إسراء بخفة وحذر شديدين، وأرادت أن تتبعه خلسة لتستكشف سره. انتبه زاهر لحركتها والتفت إليها قائلاً بصوت منخفض: «إسراء.. إلى أين؟ تعالي وأكملي طعامكِ أولاً».
التفتت وقالت بابتسامه طفولية: «سأعود حالاً يا أبي، لا تقلق».
تتبعت إسراء خطوات عاصم بهدوء تام، تسير وراءه كظله دون أن يشعر بوجودها بفعل انشغاله بالطعام. توغلت خلفه حتى وصلت إلى الزاوية المظلمة.. وهنا، جمدت الدماء في عروق الصغيرة، واتسعت عيناها بذهول مطلق تحت تأثير الصدمة المرعبة، عندما رأت عاصم وهو يأكل التوت البري...!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!