شعر القائد بالخطر يداهم خطته، فصاح برجاله بنبرة يملأها القهر والجنون: «إلى ماذا تنظرون أيها المغفلون؟! اقتلوهم فوراً، وأسروا الفتى حياً!».
ولكن، مع بداية اقتراب الفرسان والسحرة ببضع خطوات، وقبل أن يصدر من عاصم أو زاهر أي حركة للدفاع، ضرب الطائر الأسطوري المحلق الهواء بجناحيه العظيمين ضربة إعصارية هائلة؛ فاندفعت عاصفة رملية ونارية قوية جداً ضربت الرجال وأطاحت بأجسادهم إلى الوراء لمسافة تزيد على عشرة أمتار كاملة، ليمتلئ المكان فجأة بغبار كثيف وحالك حجب الرؤية تماماً. وعندما بدأ ذلك الغبار الخانق ينقشع تدريجياً ويهدأ، كان أول من استجمع شتاته ووقف على قدميه هو القائد الغادر، فوجه نظره المليء بالغل باتجاه تلك البقعة التي كان يقف فيها عاصم وزاهر وعائلته قبل ثوانٍ.
لكن الصدمة الجمته وشلت أطرافه؛ لم يكن هناك أحد! ساحة الكهف فارغة تماماً، ولا وجود لأي أثر للأقدام. أخذ القائد يتلفت بجنون وحيرة في كل الجهات، يمنة ويسرة، باحثاً عن بقعة دماء أو خيط يدل عليهم، ولكن دون جدوى، فكل شيء قد تلاشى. وقف القائد في منتصف الساحة مذهولاً، ونطق بصوت خافت يملأه الرعب والوجوم: «هل يمكن.. هل يمكن أن يكون هذا الطائر هو طائر العنقاء الأسطوري المتحول؟! مستحيل.. مستحيل جداً! لقد اختفت هذه السلالة الملكية العتيقة وانقرضت منذ زمن بعيد!».
وفي تلك الأجزاء القليلة من الثانية، ساد سكون غريب، بارد، ومفاجئ. فتح عاصم وزاهر أعينهما ببطء شديد، ليتفاجآ بأنفسهما واقفين وسط أشجار غريبة، ضخمة ومتشابكة لم يرياها طوال حياتهما من قبل، تفصل بينهما وبين كهفهما القديم أميال وأميال قطعتها طاقة العنقاء الخارقة في غضون رفة عين.
انبهر زاهر والكل من هول هذه المفاجأة المزلزلة؛ فقبل ثوانٍ معدودة كانوا محاصرين يواجهون الموت المحتم أمام السحرة والفرسان المدججين بالسلاح، والآن يجدون أنفسهم فجأة في بقعة غامضة ومجهولة، يروها لأول مرة في عمق الغابة السوداء الكثيفة.
بعد أن زال التوتر قليلاً وهدأت الأنفاس المخنوقة وخفت الصدمات المتتالية، التفت زاهر نحو عاصم ونظراته تشتعل بالفضول والذهول، وقال متسائلاً: «ذئب! ما هذا الطائر المرعب الذي ظهر فجأة ونقلنا إلى هنا ثم اختفى في ثانية؟ وكم من الأسرار والأشياء ما زلت تخبئها عني وعن عائلتي؟».
وقبل أن يفتح عاصم فمه ليجيب، قاطعته الصغيرة إسراء وهي تلتقط أنفاسها، وقالت بنبرة حماسية: «هذا الطائر! لقد رأيته من قبل يا أبي ونحن في الكهف، وقد جئت وأخبرتك بأمر رؤيته حينها، ولكنك وبختني بشدة ونهرتني لأنني تلصصت على الذئب، ولم تصدق كلامي أبداً!».
هنا، كانت الصدمة الكبرى والذهول الخالص من نصيب عاصم وحده! اتسعت عيناه بنظرة ذهول ونظر إلى إسراء مستغرباً، إذ قال وعقله مشوش: «كيف رأيتِ هذا الطائر في الماضي، وأنا نفسي لم أره قط طوال حياتي إلا في هذه اللحظة العصيبة؟!».
عندها، وبنبرة نادمة وخجولة، قصت عليه إسراء كل التفاصيل وكيف لمحته يتوهج حول جسده في الكهف، وقدمت له اعتذاراً رقيقاً لأنها تلصصت على خصوصيته في ذلك الوقت دون إذنه.
ولكن، قاطع حوارهم العائلي صوت مهيب، خشن وعميق، انبعث من بين الأشجار الكثيفة قائلاً: «لقد التقينا مرة أخرى.. يا عاصم!».
التفتت كل الأبصار بسرعة خاطفة نحو مصدر الصوت؛ وكان يقف هناك رجل عجوز بهي الطلعة، يلفه وقار مهيب، وملامحه تحمل هيبة ملوك الحكمة بشكل كبير وواضح. انصدم عاصم حتى تجمد الدم في عروقه، ونطق بنبرة منذهلة: «أنت!!».
قاطعهم زاهر وهو ينقل نظراته المندهشة بين الفتى والعجوز، وصاح بصدمة: «توقف هنا! هل تعرف هذا الرجل العجوز؟! ولماذا ناداك باسم عاصم من الأساس؟!».
تلكأ عاصم في مكانه، واضطربت كلماته ولم يعرف بمَ يجيب أو كيف يبرر الموقف لمعلمه وزوجته، فضحك العجوز ضحكة دافئة ووقورة وقال مطمئناً الفتى: «لا تخف يا بني.. لا بد من أن يعرفوا اسمك الحقيقي في يوم من الأيام، فأنتم عائلة واحدة الآن، لذلك لا ضير ولا بأس من معرفته في هذه اللحظة».
نزلت الكلمات كالصاعقة؛ فشلّت الصدمة والذهول عقول عائلة زاهر بأكملها، وهنا صاحت سمية وإسراء معاً بصوت عالٍ ملأه العجب: «أإسمك الحقيقي ليس ذئب؟!».
شعر عاصم بالأسف والاضطرار، لكنه نظر إليهم بصدق وقال: «لقد أُنذرت وعهدت ألا أكشف اسمي الحقيقي لأي أحد كان حمايةً لحياتي وحياتكم.. أنا آسف جداً لأنني أخفيته عنكم، ولكن ها هو الأمر يكشف أمامكم الآن رغماً عني».
نظرت إليه إسراء بحب طفولي نقي، وقالت بسرعة ودون تردد: «لا توجد مشكلة أبداً يا عاصم! أنا أساساً أحب اسمك (ذئب) كثيراً وقد تعودت عليه، وسأظل أناديك به دائماً مهما حدث!». فابتسم عاصم في وجهها الصغير بامتنان وراحة، وقال لها بصوت دافئ: «حسناً.. شكراً لكِ يا إسراء».
قاطعهم العجوز مرة أخرى بصرامة وهيبة أخرجتهم من جو النقاش، وقال محذراً: «فلتأتوا معي حالاً دون إبطاء، فهذا المكان ليس آمناً بتاتاً، وعيون الغابة وأرواحها قد ترشد الأعداء إلينا في أي لحظة!».
بدأ العجوز يسير بهيبة ملوكية وخطوات واثقة بين الممرات الملتوية، وساروا خلفه بصمت يلفهم، وكل واحد منهم يدور في رأسه ألف تفكير وتفكير، وأسئلة هائلة لا تجد جواباً. استمروا في المشي حتى وصلوا أخيراً إلى كوخ جميل، متواضع ودافئ بعض الشيء يختبئ بين الشجيرات. ولما دخلوا، وجدوا بداخل الكوخ امرأة عجوزاً كبيرة في السن تفوح منها رائحة الطيبة.
التفت العجوز نحوها وناداها بنبرة ودية حنونة: «حبيبتي.. جهزي لنا بعض الطعام فورا، فمعنا ضيوف كرام متعبون اليوم».
نظرت المرأة العجوز إليهم برحب، ثم التفتت إلى زوجها وقالت بنبرة حازمة ومضحكة في آن واحد: «حسناً.. دقائق معدودة وسيكون كل شيء جاهزاً على المائدة. ارتاحوا في الداخل حتى آتي بالزاد.. وأنت، إياك ثم إياك أن تزعج أحبائي الضيوف بأسئلتك أو تضايقهم أبداً وإلا سأقتلك بيدي هاتين، فهمت؟!».
ضحك العجوز بهدوء ورفع يديه مستسلماً وملاطفاً إياها: «لا تقلقي يا امرأة.. لا أجرؤ أبداً أن أخالف كلامكِ أو أعصي لكِ أمراً».
ولما دخل الجميع وجلسوا داخل الكوخ الخشبي الدافئ، تلاشت ملامح المزاح، والتفت العجوز بوجهه المهيب ونظراته الثاقبة مباشرة نحو الفتى، وقال بصوت عميق هز وجدان الحاضرين: «والآن يا عاصم.. يا بني، هل تريد حقاً أن تعرف من أنت؟ وما هو سر هذه القلادة المعلقة في عنقك، وهذا الرمح السحري الذي تحمله؟».
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!