كسر عاصم الصمت المطبق، وصدح صوته بنبرة تخنقها العبرات والرجاء: «نعم.. أرجوك أخبرني بكل شيء، ولا تخفِ عني سراً.. وأخبرني، هل أمي ما زالت على قيد الحياة؟»
نظر إليه العجوز بنظرة حانية، وربت على الهواء بيده قائلاً بصوت عميق: «لا تتعجل يا بني، فالاستعجال في موطن الحقائق قد يقتل الفهم.. سأروي لك كل خيط في هذه الحياه المعقدة، ودعنا نبدأ أولاً بالقلادة».
شخصت الأبصار نحو صدر عاصم، وتابع العجوز مشيراً بأصبعه: «هذه القلادة المستقرة على عنقك ليست زينة، بل هي المستودع الذي يحوي القوة العظيمة لسلالتك النادرة؛ سلالة العنقاء الملكية. أرأيت ذلك الرسم الدقيق لتاج ملوكي بجانبها؟ إنه الرمز المقدس للعرش، أما ذلك الحرف المنقوش بخط المسند اليمني القديم، فكان أجدادك يرمزون به للعنقاء المشتعلة.. باختصار يا بني، أنت الوريث الشرعي والدم الخالص لسلالة العنقاء الملكية».
صمت العجوز لبرهة، ثم ألقى بالقنبلة الثانية: «والسبب الذي جعل السحرة وفرسان النخبة يتتبعون أثرك بهذه الشراسة المستميتة، هو أن الملك.. والدك الحقيقي.. هو من أصدر أمراً ملكياً صارماً بجلبك إلى مضجعه حياً بأي ثمن! ولتجيبك كلماتي عن سؤالك الحارق: نعم، والدتك الملكة ما زالت على قيد الحياة تتنفس».
وفي تلك اللحظة، انتفض عاصم من مكانه كالملسوع، وتغيرت ملامحه وهاجت مشاعره، وصاح بنبرة تملؤها الحيرة والقهر: «ولماذا؟! مادام أبي هو الملك، فلماذا تشتتت عائلتي؟ ولماذا أجد نفسي وحيداً تتقاذفني هذه القوى المرعبة، وأتربى في أحضان عائلة دافئة لكنها ليست عائلتي بالدم؟! أين كان هذا الملك طوال سنوات ضياعي؟!»
نظر العجوز إلى ملامح زاهر وسمية التي ألجمتها الصدمة، ثم تنهد بأسى وأكمل كلامه: «قلت لك لا تتسرع واستمع بإنصات يا عاصم.. إن والدك الذي تبحث عنه هو الخائن الأكبر! هو الرجل الذي مزق عائلتك بيده طمعاً في قوة مظلمة، وعندما أدركت والدتك الملكة حقيقة غدره وخيانته لعهد السلالة، لم تأمن عليك بين يديه. كان معها خادمة وفية جداً، تكتم أسرارها وتفديها بالروح، فاستأمنتها عليك وهي غارقة في دموعها، ودبرت لها ممرًا سرياً مجهولاً في خبايا القصر لتهرب بك بعيداً عن بطشه».
بلع العجوز ريقه، وعيناه تفيضان بالمرارة: «وعندما علم والدك الملك بأنك هربت مع الخادمة، استشاط غضباً جنونياً، لكنه لم يقتل أمك الملكة؛ بل حبسها في زنزانة معتمة، منفردة ومعزولة في عتمة القصر السفلية.. لم يبقِ عليها حباً فيها، بل جعلها ورقة ضغط ملعونة، يعلم أنه إذا عاد الفتى يوماً ما طالباً الثأر والإطاحة بالعرش، سيضغط بها على رقبتك، ويجبرك على الاستسلام تحت وطأة التهديد بحياتها».
نزلت الكلمات كالصواعق المتتالية على رأس عاصم، تداخلت الأصوات في أذنيه، وشعر بأن جدران الكوخ تدور به، ولم تسعفه قواه أو يتحمل عقله الصغير حجم هذا الغدر الذي يأتي من دم أبيه؛ فخارت قواه تماماً، ووقع على الأرض جثة هامدة من فرط الصدمات والإنهاك النفسي.
اندفعت سمية نحوه، لكن العجوز أشار إليها برفق وقال بصوت حازم: «يجب أن يرتاح الفتى الآن، فالعقل يحتاج وقتاً ليهضم السموم.. اتركوه يستجمع شتاته، وزوجتي ستتولى إخباركم بالأحداث الفظيعة التي تلت تلك الليلة».
انسحب العجوز بخطوات وئيدة، تاركاً العائلة في ذهول صامت، وخرج إلى حيث تقف زوجته في باحة الطهي، ونظر إليها بنبرة ودية وقال: «لقد أخبرتهم بدوري وانتهيت، وبقي دوركِ الآن.. عليكِ أن تخرجي إليهم لتكملي القصة، وتخبريهم من نكون نحن بالضبط، وما هي العلاقة الخفية التي تجمع عاصم بعائلة الفارس زاهر، وما الرابط الأسطوري الذي يجمعنا بهم جميعاً في هذا الوادي».
نظرت إليه العجوز بتوتر بدا واضحاً في رجفة يديها، وقالت وهي تحرك الأواني: «حسناً.. سأفرغ من إعداد هذا الطعام الآن، ومباشرة بعدها سأجلس معهم وأكشف المستور».
في تلك الأثناء، كان الصمت الثقيل يخيم على الغرفة الداخلية للكوخ.. كان صمتاً ظاهرياً فقط، فالواقع أن عقولهم كانت تغلي كمرجل من نار؛ ولم تكن هادئة أبداً. كان كل واحد منهم يصارع تلالاً من الأفكار المتزاحمة، ويتدبر بالذهول في تفاصيل المعارك والخيانة وطائر العنقاء الناري والروابط الملكية التي وقعت معهم مؤخراً.
قطعت هذا الصمت الخانق زوجة العجوز وهي تدخل الغرفة بوجه بشوش، تحمل بين يديها صحاناً يتصاعد منها بخار الطعام الدافئ ورائحته الشهية، وقالت بنبرة أمومية: «هيا يا أحبائي.. دعونا نتناول هذا الزاد أولاً لترتد إليكم قوتكم، وبعدها سأخبركم بكل شيء بالتفصيل».
في تلك اللحظة، وقفت سمية وعاطفة الأمومة تقود حركاتها، فجمعت من كل أصناف الطعام في صحن خاص، ثم اقتربت من عاصم المنكسر وناولته إياه قائلة بحنان: «خذ هذا يا بني.. ابحث عن أي زاوية هادئة هنا وتناول طعامك لتستعيد عافيتك».
رمقت المرأة العجوز الموقف باستغراب، وقالت بعفوية وطيبة: «ولماذا يتناول طعامه وحيداً في الزوايا؟ ولماذا لا يجلس معنا على المائدة ويبعد هذا اللثام عن وجهه ليأكل براحة؟»
ردت سمية بسرعة وبنبرة مدافعة تحمي خصوصية فتاها: «إنه لا يرفع هذا اللثام أبداً منذ أن وجدناه في صغره، لقد نشأ متمسكاً به كجزء من روحه.. حتى أنا، ورغم أربع سنوات قضيناها معاً كأم وابن، لم أرَ ملامح وجهه أبداً».
هزت العجوز رأسها بحزن عميق، وقالت بصوت خافت تملؤه الشجون: «نعم.. أعلم هذا جيداً.. كنت أعلم أنه لن يرفعه، ولكنني تمنيت فقط في نفسي أن أرى ملامحه الشابة».
وقعت كلمات العجوز كالصدمة الثالثة في الغرفة! اتسعت عيون زاهر وسمية، والتفت عاصم بنظرة حادة؛ كيف لهذه المرأة العجوز التي لم يعرفوها سوى قبل نصف ساعة فقط أن تكون على علم تام بسر اللثام الملتصق بوجهه منذ طفولته؟ أدرك عاصم في تلك اللحظة، بذكائه الحذر، أن هذا الشيخ وزوجته ليسا مجرد زوجين عاديين يقطنان الكوخ، بل هما حارسان لأسرار مرعبة.
قطعت العجوز حيرتهم ونظرت لعاصم قائلة بنبرة دافئة: «إذهب خلف الكوخ يا بني، فهناك بقعة مظللة بالأشجار لن يراك فيها أحد.. تناول طعامك براحة، وعندما تعود، سأكون بانتظارك لأكشف لك كل شيء».
مضت عشر دقائق ثقيلة كأنها دهور، عاد بعدها عاصم وقد شد لثامه بإحكام، ووقف أمام العجوز بثبات وقال بصوت حازم: «الآن.. أنا مستعد، أخبريني بكل شيء».
نظرت إليه العجوز بعينين غائرتين تحملان عبء السنين، وقالت: «حسناً.. استمع إلي جيدا يا بني، واحفظ عني ما سأرويه». ثم أغمضت عينيها، لتبحر عقول الحاضرين مع كلماتها في ذكريات الماضي...
(فلاش باك - قبل 14 عاماً)
داخل القصر الملكي العتيق، وفي عمق ممر سري ضيق وموحش، لا يتسع عرضه إلا لمرور شخص واحد بالكاد، كانت الأجواء مشحونة بالموت. الممر كان يغص بإنارة خفيفة ومتراقصة تقذفها شعلات النيران المثبتة على الجدران الصخرية الجانبية، ملقية بظلال مرعبة.
وسط هذا الغموض، كانت هناك امرأة تركض بكل ما أوتيت من عزم وقوة، تلهث أنفاسها وتتسارع نبضات قلبها؛ وبين أحضانها جسد صغير يتدثر بالخرق، يبدو أنه طفل رضيع في شهوره الأولى من العمر. وفي يدها الثانية، كانت تقبض بقوة وإصرار على مقبض رمح حديدي جميل، ذي نقش فريد يشي بأنه سلاح غير عادي.
من ثيابها المتواضعة والممزقة، كان من الواضح أنها خادمة تعمل في أروقة القصر، لكنها الآن لم تكن تخدم، بل كانت تركض هاربة من مصير أسود يطاردها. استمر ركضها في ذلك الممر الملتوي المظلم لما يقارب نصف ساعة، والوقت يمر كأنه سياط على ظهرها. وعندما وصلت أخيراً إلى نهاية الممر وانشقت الأرض عن مخرج سري، لم تلتفت وراءها أبداً، بل ظلت تركض وتشق طريقها بكل عزم متبقٍ في جسدها باتجاه الغابة السوداء الكثيفة.
لكن، بعد خروجها بلحظات معدودة، انفتح المخرج السري وراءها بعنف، وخرج منه رجال مدججون بالسلاح والدروع الحديدية، يبدو من شعارهم أنهم حراس النخبة للقصر الملكي. وقف أحدهم ونظر إلى أثرها، ثم صاح بنبرة غاضبة: «لقد سبقتنا الخائنة! انتشروا في كل مكان وابحثوا عنها فورا!». وانطلقت مجموعة منهم كالسِّهام في الاتجاه الذي سلكته، يعدون بسرعة فائقة تفوق قدرتها الجسدية على الركض.
ورغم فارق القوة، إلا أن غريزة حماية الطفل منحتها أجنحة؛ فسبقتهم ودخلت بين أحضان الغابة السوداء الكثيفة، وظلت تخترق الأشجار بأقصى سرعة لديها حتى وصلت إلى منتصف الغابة تماماً، حيث تتشابك الغصون وتحجب ضوء السماء. هناك، توقفت لاهثة، ودموعها تنهمر على وجنتيها الإنسانيتين، ونظرت إلى الرضيع بين يديها وقالت بنبرة باكية ممزقة: «لا أعلم إلى أين أذهب بك يا صغيري.. المؤكد أنهم إذا وجدونا معاً سيقتلوننا دون رحمة.. ولكن، إذا تركتك هنا في رعاية أرواح الغابة، فهناك فرصة ضئيلة أن يجدك عابر سبيل وتعيش.. سأعود أنا إليهم لأشتت انتباههم عنك».
انحنت بجسدها المنهك، ووضعت الرضيع برفق فوق بساط من العشب الجاف، وألقت الرمح الحديدي الجميل بجانبه مباشرة ليكون حارساً وسنداً له، ثم استدارت وعادت تركض باتجاه أطراف الغابة، مضحية بحياتها.
ولم تكد تخرج إلى الحواف حتى تواجهت وجهاً لوجه مع الحرس الملكي المدجج بالحديد. انقضوا عليها بعنف وقيدوا حركتها، وتقدم منهم رجل يبدو من درعه المذهب أنه قائد الحملة، فقبض على شعرها وصاح بنبرة حاقدة: «أيتها الخائنة! أين وضعتِ الطفل؟! تحدثي فوراً وإلا جعلت مقبرتك هنا!».
نظرت إليه الخادمة الوفية بعينين تشتعلان بالتحدي والموت، وبصقت الدم من فمها وقالت بابتسامة ساخرة: «لن تجدوه أبداً.. ولن تجرؤوا على التقدم خطوة واحدة داخل هذه الغابة، فالسحرة الذين معك يخشون أرواحها السوداء بشدة!».
استشاط القائد غضباً، والتفت إلى رجاله وصاح بدموية: «اقطعوا رأسها فوراً!».
تردد أحد الفرسان وقال محذراً: «ولكن يا سيدي.. إذا قتلناها الآن، فأين سنجد الطفل الملكي؟ كيف سنستدل على مكانه؟».
ضحك القائد بسخرية وقسوة، ونظر نحو أعماق الغابة المظلمة قائلاً ببرود: «الطفل رضيع في شهوره الأولى، ولا يمكنه العيش في هذه الغابة الملعونة على أية حال؛ فإما أن يأكله ذئب كاسر في هذه الليلة، أو يموت من الجوع والبرد القارس.. لذلك، اجهزوا على هذه الخائنة ودعونا نعد إلى القصر فوراً ل نبلغ الملك».
وفي تلك الأثناء، وفي البقعة العميقة من الغابة حيث يرقد الرضيع وحيداً يصارع البرد، بدأت غصون الأشجار المتشابكة تتحرك ببطء، وانقشعت الظلال ليتقدم من بينها رجل يخطو بثبات وثقة. كان رجلاً يبدو عليه الهيبة البالغة والوقار الأسطوري، ويشع من جسده هالة مرعبة ومهيبة تذعن لها وحوش الغابة.
وقف الرجل الغامض فوق رأس الرضيع الباكي، ونظر إليه بعينين ثاقبتين تلمعان بنور المعرفة، ونطق بصوت جهوري عميق هز سكون الأشجار: «يا بني.. لك مستقبل حافل بالدم والمجد.. ستكون أفضل ملك يمر على أرض اليمن السعيد، وتوحد كل القبائل المتناحرة تحت إمرتك وسيفك.. لذلك، لا يمكن للأقدار أن تسمح بموتك في هذه البقعة المنسية».
ثم انحنى بجسده المهيب، ومد يديه القويتين ليلتقط الطفل الرضيع من فوق التراب...
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!