الفصل 13 | من 21 فصل

مَأْزِقُ المَوْتِ وبَرْقُ السُّلالَة

المشاهدات
15
كلمة
596
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18
كان السيف الخشبي ما زال ملقى على الأرض، وإسراء تبتسم بعفوية وتفاخر، بينما وقف زاهر بثباته المعهود ينتظر ردة فعل "الذئب" المباغتة. وعندما انحنى عاصم وهمّ بالتقاط سيفه الخشبي ليعاود الهجوم على معلمه بروح لا تعرف الاستسلام، انشق السكون فجأة بصوت زمجرة هزت أوراق الشجر!

​ومن بين الغابات والأشجار الكثيفة، خرج نمر ضخم جداً، هائل البنية، مكشراً عن أنيابه الفتاكة التي تقطر لعاباً حامضاً، وقذف بجسده المرعب في الهواء مستهدفاً عاصم مباشرة. وفي تلك الأجزاء من الثانية، رأت إسراء الموت يقترب من الفتى، فغطت عينيها بقوة هرباً من بشاعة المشهد ونادت بأعلى صوتها بصرخة هزت أرجاء الساحة: «انتبه يا ذئب!!!»

​لكن سنوات الجحيم الأربع صنعت من عاصم كتلة من اللحم والدم لا تعرف المباغتة؛ فبسرعة احترافية إعصارية لا يتقنها ولا يملك ردة فعلها الخاطفة إلا ذو السلالة الملكية العريقة، تدحرج عاصم لجهة اليمين ملتصقاً بالتراب، ليمر النمر فوقه مخترقاً الهواء الساخن ويرتطم بالأرض بزمجرة غاضبة بعد أن أخطأ هدفه!

​استقر النمر على الأرض، وانفجرت غريزته الوحشية بالشرر. وقف زاهر فوراً بتأهب شديد ممسكاً بسيفه وجسده مشدود كالقوس، بينما كانت إسراء لا تزال مغطاة العينين ترتجف. أما عاصم، فلم يضع جزءاً من الثانية؛ ففي نهاية تدحرجه، امتدت يده كبصمة البرق واستل الرمح الخشبي المستقر على كتفه وانتصب واقفاً كالمارد.

​تقدم النمر بخطوات ثقيلة ومرعبة باتجاه عاصم، وعيناه الصفراوان تشتعلان حقداً ومصرّتان على التهامه. في تلك اللحظة الحرجة، شعر عاصم فجأة بموجة عاتية من الحرارة تتدفق في عروقه وتتفجر في عضلاته؛ إنها القوة الملكية تستجيب للخطر! ضبط وضعيته القتالية بثبات فولاذي، وحبس أنفاسه، ثم رمى بالرمح بكامل ما يملك من عزم وقوة في جسده.

​انطلق الرمح يشق الهواء، ولكن النمر راوغ برأسه في آخر جزء من الثانية، فلم يصب الرمح مقتلاً، بل أحدث جرحاً صغيراً في رأس النمر سالت منه الدماء. مع لسعة الجرح ونزيف الدم، جن جنون الوحش تماماً، وتغيرت حساباته؛ التفت برأسه نحو زاهر وصار يركض بكل سرعته وجبروته اتجاهه، ماداً مخالبه ليمزقه.

​أظهر زاهر هيبة الفرسان العظام؛ لم يتراجع خطوة واحدة، بل قفز في الهواء بارتفاع مذهل مستغلاً اندفاع الوحش، وباغته بضربة سيف حديدية قاطعة نزلت كالصاعقة على ظهره، فشقت الفراء وأسالت الدماء بغزارة، ليطلق النمر عواء ألم يمزق الصمت.

​هنا، وسط بركة الدماء، أدرك النمر غريزياً وخلف ذكائه الحيواني أنه لا يستطيع مجاراة هذين الوحشين البشريين في قتال متكافئ. التفتت عيناه الخبيثتان يمنة ويسرة لتبحث عن مخرج أو ثغرة ليتشفى منها، وكان هو في هذه الأثناء الأقرب خطوة إلى إسراء! انتهز الوحش الفرصة الغادرة، وارتد في لمح البصر، وصار يركض بسرعة جنونية مرعبة باتجاه الفتاة الضعيفة.

​انخلع قلب زاهر من الصدمة، وطارت الهيبة من ملامحه ليحل محلها رعب الأب؛ ركض خلف النمر بكل ما أوتي من قوة، وسيفه يرتجف في يده وهو يصرخ بصوت مزلزل يملأ الفضاء هلعاً: «ابنتي!!! لااااا!»

​كانت المسافة بعيدة، وكان زاهر يدرك في أعماقه أنه لن يصل في الوقت المناسب، وأن مخالب النمر ستسبق سيفه إلى جسد طفلته...

​في تلك اللحظة الحابسة للأنفاس، عندما بدا أن كل شيء قد انتهى، انتبه عاصم للحركة الغادرة. انحنى وخطف رمحه الملقى على الأرض بسرعة تفوق الوصف، وثبت قدميه في التراب كالجبل العتيق الذي لا تزلزله الرياح. أغمض عينيه للحظة واحدة، مستدعياً كل قطرة طاقة مخبوءة في دمه، وعندما فتحهما.. انطلقت منهما تلك اللمعة الغريبة والمخيفة جداً؛ لمعة الدم الملكي الثائر!

​أطلق عاصم الرمح بكل قوى روحه وجسده، وفجأة.. حدث الشيء الخارق! شق الرمح طريقه في الهواء بسرعة البرق وهو يسطع ويشع بنور سحري وضياء أبيض شديد خطف الأبصار، مطلقاً صوتاً مزمجراً كصوت الرعد. طار الرمح الساطع، واستقر في مكانه الصحيح بالمليمتر؛ إذ اخترق جبهة النمر بدقة متناهية وفجر جمجمته من الداخل!

​تهاوى النمر الضخم كالجبل المهدوم، وارتطم بالتراب جثة هامدة تصعد منها الأنفاس الأخيرة، مستقراً على مسافة قريبة شديدة من أقدام إسراء، التي كانت تصرخ بكامل صوتها وترتجف من شدة الخوف والهلع، غير مدركة أن الرمح الساطع قد أنقذ حياتها في الجزء الأخير من الثانية!



ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...