صدحت كلمات زاهر القاطعة كالصاعقة في مسامع عاصم، فنزلت عليه مباغتة لدرجة أن الأرنب البري سقط من يده الضعيفة ليرتطم بالتراب دون أن يشعر. ورغم هول الموقف والتعب الذي يفتت جسده، لم ينطق الفتى بحرف اعتراض واحد، بل بلع ريقه وقال بثبات: «حسناً.. عاقبني بما تشاء».
نهض زاهر فوراً والتفت قائلاً بصرامة: «اتبعني». فتبعه عاصم بصمت مطبق وعقل ما زال شاردًا بأسرار العجوز الطيفي. سارا حتى وصلا إلى بقعة مكشوفة في الغابة، خالية تماماً من ظلال الأشجار، حيث تسقط أشعة الشمس مباشرة. التفت زاهر إليه وأمره: «اخلع قميصك!»
نظر إليه عاصم للحظات، وباشر فوراً بخلع قميصه دون كلمة واحدة. أردف زاهر قائلاً: «والآن.. استلقِ هنا على ظهرك، وضع يديك خلف رأسك».
وما إن امتثل عاصم واستلقى فوق التراب الساخن، حتى رفع زاهر الصخرة الثقيلة ذاتها ونزل بها ليضعها مباشرة فوق بطنه وصدره، ثم قال بنبرة جافة لا تقبل النقاش: «يُمنع أن تنهض من هنا أو تزحزح الصخرة حتى منتصف النهار!»
تركه زاهر وغادر المكان. مرت الدقائق والساعات بطيئة كالجحيم، واشتدت حرارة الشمس اللاهبة لتكوي جسد عاصم العاري. بدأ تنفسه يثقل تحت وطأة الوزن الحجري، وتصبب عرقاً بغزارة شديدة، لكنه ظل يقاوم ويقاوم مستدعياً كل ذرة إصرار في روحه. تحول جسده بالكامل إلى اللون الأحمر من لظى الشمس، ونزلت دموعه من شدة الألم دون إرادة منه، لكنه لم يستسلم، وظل متسمراً في مضجعه والصخرة جاثمة فوق صدره حتى تعامدت الشمس في كبد السماء.
في تلك اللحظة الحاسمة، أقبل زاهر، وانحنى ليرفع الصخرة عنه، ثم قال بنبرة حملت تقديراً مخفياً: «يمكنك النهوض الآن.. لقد أعددت الأرنب الذي اصطدته بنفسك؛ خذ نصيبك منه وتناول طعامك، ثم خذ قسطاً من الراحة.. فبعدها، لا وجود للراحة أبداً، وسنبدأ التدرب على المبارزة بالسيف من هذا اليوم».
نهض عاصم بصعوبة بالغة وعظامه تكاد تئن، وكعادته الصارمة في حفظ سره، أخذ حصته من اللحم المشوي وتوغل داخل أعماق الكهف المظلمة ليأكل بعيداً عن الأعين. وما إن أنهى طعامه، حتى خرج مجدداً، ووقف أمام معلمه وقال وعيناه تشتعلان حماساً: «أنا جاهز للتدرب على السيف». تقدم زاهر وناوله أول سيف خشبي يصنعه له بيده...
ومرت الساعات، وتعاقبت الأيام، وتوالت الأسابيع والأشهر.. وانقضت أربع سنوات كاملة!
أربع سنوات مرت كأنها الجحيم المستعر بالنسبة لعاصم، قضاها كلها بين التدريبات الشاقة التي تكسر العظام، والعقوبات العسكرية الصارمة. لكن تلك السنوات صهرت جسده النحيل وحولته إلى شيء آخر؛ فقد أصبح عاصم الآن يجيد كل فنون القتال المعقدة، من مبارزة شرسة، ورماية دقيقة بالسهام، وإطلاق خارق للرماح.. ورغم كل ما وصل إليه، كان يتدرب يومياً دون كلل أو توقف قط.
في هذه الأثناء، كان عاصم يبدو عليه النضج بشكل يثير العجب؛ فعندما تنظر إلى بنيته الجسدية الفارهة، وطوله، وهيبته، ستقول دون تردد إن عمره قد تجاوز الثامنة عشرة، برغم أنه ما زال في الثالثة عشرة من عمره فقط!
كان يقف تحت حر الشمس الحارقة يبارز زاهر بالسيف الخشبي، واشتبكت أسلحتهما بقوة أحدثت صوتاً مدوياً في أرجاء الساحة. وعندما تنظر إلى حركات عاصم السريعة، وخفته، وطريقة تلافيه للضربات، ستقول بيقين: لا أحد في هذا العالم يستطيع هزيمة هذا الفتى أبداً!
ولكن.. برغم كل تلك المهارة الأسطورية، لم يتطلب الأمر من زاهر سوى ثلاث ضربات خفيفة ومباغتة، حتى طار السيف الخشبي من يد عاصم وارتطم بالتراب!
نظر إليه زاهر بملامح جامدة وقال بنبرته الصارمة المعتادة: «ما زلت ضعيفاً يا ذئب!»
في تلك الأثناء، كانت الصغيرة إسراء تشاهدهما من جانب الكهف. كان يبدو عليها الجمال الشديد رغم أنها بلغت الحادية عشرة من عمرها فقط؛ فقد نمت ملامحها لتصبح جميلة بشكل ساحر لا يصدقه عقل. كانت تتابع ملحمة الاشتباك بأعين متسعة، وعندما رأت سيف عاصم الخشبي يسقط أرضاً، قفزت وصاحت بأعلى صوتها بنبرة طفولية فخورة: «واااااااو! يا أبي أنت قوي جداً!.. أما أنت أيها "الذئب"، فلا يمكنك الصمود أمام أبي أبداً!»
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!