لم يدم البكاء طويلاً، فـدموع الفرح الممزوجة بالصدمة بين سمية وأمها العجوز سرعان ما جفت عندما التفت الجميع نحو عاصم. كان الفتى واجماً كتمثال من رخام، عيناه مثبتتان على الرمح السحري القابع في زاوية الكوخ، يلمع بنور فضي خافت كأنه يستدعيه.
خطا الجد العجوز خطواته الوئيدة نحو عاصم، ووضع يده الثقيلة المليئة بالتجاعيد على كتفه، وقال بصوت حازم طرد كل حيرة من الأجواء: «الوقت ليس ملكنا يا عاصم. في هذه اللحظة التي يمتزج فيها غضبك بذهولك، يزداد عذاب أمك في قصر وسيم. الدماء التي تجري في عروقك ليست ذنباً اقترفته، بل هي السلاح الذي ستنقذ به السلالة.. اتبعني!».
خرج عاصم خلف جده دون أن ينطق ببنت شفة، وتبعهما زاهر بخطوات الفارس المستعد للموت. خلف الكوخ، وفي عمق بقعة خفية بين الصخور الشاهقة، انفتح وادٍ صغير معزول لم تطأه قدم بشر من قبل. كانت الرياح هناك تعصف بقوة، وتحمل في طياتها طاقة سحرية غريبة جعلت شعر عاصم يقف رعباً وحماسة.
وقف الجد في منتصف الوادي، والتفت إلى عاصم قائلاً بنبرة مهيبة: «الملك وسيم يظن أنه امتلك القوة المطلقة بالسحر الأسود، لكنه لا يعلم أن القوة الحقيقية لا تؤخذ غصباً، بل تورث نقية. في داخلك تنام طاقة العنقاء الملكية، والرمح الذي تحمله ليس مجرد حديد، بل هو المفتاح لفتح تلك الطاقة وتوجيهها. تدريبك يبدأ الآن.. ولن ينتهي حتى تفجر النور الكامن في دمك، أو تحترق به!».
«... وأكمل الجد بنبرة جادة: (القلادة الملكية بقيت لها ثلاث سنوات لتُفَعّل بكامل طاقتها.. ولكننا لا نملك ترف الوقت، فأمك هي الأهم الآن، وعذابها يجب أن ينتهي!).
استل عاصم رمحه، وشعر بقشعريرة تسري في كفه، بينما انطلقت شرارات زرقاء غامضة من عيني جده العجوز، إيذاناً ببدء التدريب الأكثر قسوة في تاريخ المملكة.
نظر الجد إليه وقال بصوت أجش: (والآن.. مدّ الرمح أمامك، أغلق عينيك وتخيل.. تخيل وكأنك تلج إلى أعماق نفسك، ابحث عن شعلة نارية هناك، وعندما تجدها.. حاول أن تتحكم بها).
نفذ عاصم كلام جده بالحرف. أغمض عينيه وحاول، ولكن لم يحدث شيء. تكررت المحاولة، وساد السكون، وظل الرمح بارداً في يده. هنا هتف جده بصوت حازم: (تذكر هدفك يا عاصم! تذكر في ماذا تريد هذه القوة ولأجل من تسترخص حياتك!).
ضغط عاصم على أسنانة، واندفع بكامل وعيه إلى داخل دهاليز نفسه. وفجأة.. وجد نفسه في فضاء شاسع ومظلم، كأنه واقف على أرض من زجاج شفاف يلفها السواد من كل جانب، ولم يكن يكسر تلك العتمة إلا ضوء باهت بعيد. ركض عاصم باتجاه ذلك الضوء، وكلما تقدم، كبر الضوء وتجسد أمامه.. لقد كانت شعلة خافتة، ترتعش وكأنها على وشك الانطفاء والزوال.
حاول عاصم السيطرة عليها، لكنها تمردت عليه. في تلك اللحظة الثقيلة، تذكر مأساة أمه السجينة، وتذكر عذابها اليومي على يد والده وسيم، فاشتعلت في قلبه عزيمة حارقة وإصرار شديد. استجابت الشعلة لغضبه، وبدأت تتضخم وتتوهج حتى تحولت إلى نار مستعرة شديدة الاحمرار!
في تلك اللحظة، تناهى إلى وعيه صوت جده القادم من العالم الخارجي وهو يصيح: (الآن بعد أن أعددت التحكم بها.. وجهها بكل قوتك نحو الرمح، واضرب بها الصخرة التي أمامك!).
فعل عاصم ما قاله جده بدقة، وحين هوى برمحه نحو الصخرة، تشتت انتباهه لبرهة من هول الطاقة، فانطلقت النيران العنيفة من رمحه لتنفجر في كل حدب وصوب! لولا تدخل الجد بسحره في الوقت المناسب ليساعده على تهدئة روع الطاقة وإعادتها إلى مجراها.
قضى عاصم اليوم بأكمله يتجرع مرارة التدريب، يتعلم كيف يستدعي النار من رمحه ويطوعها، حتى أتقن التحكم بها تماماً مع مغيب الشمس. وعندما جلسوا ليأخذوا قسطاً من الراحة، صدح صوت القائد زاهر متسائلاً: (إذن.. ما هي خطتكم للهجوم على القصر بعد أن ينتهي التدريب؟).
أجابه العجوز بوقار: (الآن، يجب أن ينصبّ كل تركيزنا على صقل قوة عاصم، وبعد أن ينهي تدريبه، سنرسم معاً خطة محكمة لا يمكنها الفشل).
أومأ زاهر برأسه وقال: (حسناً إذن، في الصباح سأنطلق إلى القرى المجاورة لأجمع الفرسان الذين أثق بولائهم المطلق وما زالوا تحت إمرتي.. وجودهم سيفيدنا بالتأكيد، ما رأيك؟).
تهللت أسارير العجوز وقال: (ممتاز! هذا عين الصواب، فإذا حصلنا على مساندتهم سيكون الأمر أسهل، حتى لو كان عددهم قليلاً، فبأسهم سيفيدنا حتماً).
وفي اليوم التالي.. ودّع زاهر الجميع ممتطياً صهوته ليبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر لجمع الفرسان. وفي الوقت نفسه، عاد العجوز وعاصم إلى ساحة الوادي المعزول، لبدء مرحلة جديدة: التدريب على تجسيد الطاقة وتحويلها إلى شيء مادي ملموس.
وقف العجوز أمام عاصم وقال بملامح جادة: (بالأمس تدربت على إخراج النار السائلة والطاقة الخام.. واليوم، ستتدرب على تطويعها لتصنع منها سلاحاً مادياً. والآن.. أظهر شعلة في كفك، وتخيل في عقلك سيفاً صغيراً مشتعلاً).
أغمض عاصم عينيه، واستدعى حرارة دمه. وعندما فتح الوعي، فعل ما أُمر به تماماً.. ولكن الصدمة المزلزلة كانت من نصيب الجد العجوز، الذي تراجعت خطواته إلى الوراء وشخصت عيناه برعب وذهول وهو يرى الشيء الأسطوري الذي تشكل وتجمد في يد عاصم...! »
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!