وقف عاصم فجأة كمن أصابه مسٌّ، وتراجع خطوتين إلى الخلف وعيناه متسعتان بذهول مرعب وهو ينظر إلى يديه المرتجفتين. شعر بأن الدماء في عروقه باتت غريبة عنه، فنظر إلى العجوز وقال بصوت مخنوق تقطعه الصدمة: «مستشار خليل الخائن.. وقمر ابنة الملك الحقيقي.. ووسيم ابن القاتل.. هذا يعني.. هذا يعني أن أمي هي قمر، وأن أبي.. أبي هو وسيم؟! أنا أحمل دم السلالة الملكية النقية، ودم الخائن الذي أبادها في عروقي؟! أخبريني أنني مخطئ.. أرجوكِ أخبريني أن عقلي يتوهم!»
نظرت إليه العجوز بعينين دامعتين، وخرج صوتها مثقلاً بالأسى: «ولكنها الحقيقة المُرّة التي عشنا نداريها يا بني.. حقيقة لا يمكننا تغييرها، مهما كانت قسوتها على قلبك».
وقعت الكلمات كالصاعقة المزلزلة على رأس عاصم، بل على كل من كان في ذلك الكوخ الدافئ الذي تحول فجأة إلى ساحة لمكاشفة التاريخ.
وسط هذا الذهول الصامت، ابتلع الفارس زاهر ريقه، ونطق بصوت حذر يحاول ربط الخيوط: «وماذا.. ماذا كان اسم أخت قمر التوأم؟ الفتاة الأخرى التي تُرِكت في القرية؟».
التفتت المرأة العجوز ببطء، ونظرت إلى سمية الجالسة بجانب زوجها.. كانت نظرة فائضة بحنان جارف وعاطفة جياشة مكبوتة منذ عقود، وقالت بصوت حنّت له الجدران: «لقد كان اسمها.. سمية».
في تلك اللحظة، ساد الكوخ سكونٌ رهيب، كأن على رؤوسهم الطير، وتوقفت الأنفاس بينما كانت قلوبهم تدق بعنف شديد وكأنها ستخترق صدورهم وتخرج منها. التفت زاهر نحو زوجته سمية التي شحب وجهها كالموتى، فنطق مرة أخرى وعيناه تشخصان نحو العجوزين بذهول عاصف: «لا تقولي لي أن كل هذا الذي حدث معنا هو مجرد صدفة!لا.. أنا قائد عسكري ولن أصدق الصدف أبداً!».
ابتسمت المرأة العجوز بمرارة وقالت: «ومن قال لك إن في هذا الأمر صدفة يا زاهر؟».
قال عاصم وزاهر في نفس اللحظة بنبرة حارقة: «ماذا تعنين؟!».
فردت العجوز: «لقد تنبأ زوجي العجوز بكل هذه الأحداث قبل وقوعها بسنوات.. وعمل جاهداً، وخطط لكل خطوة لكي يغير هذا القدر الأسود وينقذ ما يمكن إنقاذه».
هنا.. لمحت سمية الصورة الكاملة في مخيلتها؛ تذكرت طفولتها اليتيمة، والسر الخفي في ملامحها، ونظرات الحنان التي غمرها بها هذا الشيخ وزوجته منذ دخولهم الكوخ. تداخلت الأفكار في رأسها، ووصلت إلى فكرة جعلت قلبها يتوقف عن الخفقان لثوانٍ، فقالت بتلعثم ورجفة هزت كيانها: «هل.. هل أنتِ.. أم الطفلتين؟ هل أنتِ أمي؟».
هزت المرأة العجوز رأسها إيجاباً بنعم.. وفي تلك اللحظة انفرط عقد صبرها، وانهمرت الدموع من عينيها بغزارة كالشلال. لم تحتمل سمية الموقف، فارتمت في أحضان أمها مباشرة بعد عقود من الفراق الوشيك، وأجهشت بالبكاء وعويلٍ مخنوق هز أركان الكوخ الدافئ.
عم الصمت الجميع احتراماً لدموع الأم وابنتها، إلا عاصم.. الذي كان يجلس بجمود تام، كمن فَقَد عقله وشعوره، ينظر إلى الفراغ ببرود أصاب أطرافه، وكأنه يرفض تصديق ما تسمعه أذناه. نطق بصوت جاف خالٍ من أي عاطفة: «وماذا بعد؟.. ماذا بعد هذه القصة؟».
مسحت المرأة العجوز دموعها بكفها المرتجفة، وبكل حنان أبعدت سمية عن حضنها لتواجه الفتى، ونظرت في عينيه الثائرتين قائلة: «بعد أن أعمى الطمع قلب وسيم، وأصبح مهووساً بالحصول على القوة العظمى والسيطرة على العالم، كانت قمر وقتها حاملاً بك في شهورها الأخيرة. حبسها في غرفة معزولة بالقصر، وصار يعذبها على كل يوم بلا رحمة.. كان يريد منها شيئاً واحداً: أن تخبره بمكان القلادة الملكية الخفية.. ولكنها، ويا للمأساة، لم تكن تعرف شيئاً عنها أصلاً!».
قاطعها عاصم بنبرة حادة غاضبة: «كيف تقولين أنها لا تعرف شيئاً عنها؟! لقد أتتني أمي قمر في منامي مرتين.. زارتني في الحلم وأخبرتني بمكان الكهف وأرشدتني إلى القلادة!».
نظرت إليه العجوز بأسى وقالت: «إنها لم تكن أمك يا بني.. بل كان جدك الجالس هناك، استخدم سحره العظيم وقدرته الروحية ليدخل إلى دهاليز عقلك أثناء نومك، وجعل طيفها يظهر لك في الحلم ليرشدك؛ لأنه يعلم أنك لن تثق بغريب، ولن تتبع إلا نداء أمك».
هنا.. انفتحت مغاليق الفهم في رأس عاصم، وفهم أخيراً كيف عرف العجوز بتفاصيل حلمه السري وواجهه بها في أول لقاء بينهما على حافة الوادي. تراجع عاصم خطوة إلى الوراء، وسأله بجمود كمن انتُزِع قلبه: «وبعد هذا.. ماذا حدث لها؟».
تابعت العجوز وعيناها تفيضان بالمرارة: «بقيت أمك مسجونة في تلك الغرفة المظلمة، تتجرع العذاب في كل يوم. لم يكن يُسمح لأحد بالدخول إليها سوى خادمة واحدة وفية تدخل حاملة الطعام والماء، بينما كان هو.. والدك وسيم.. يدخل مرة واحدة كل نهار ليعذبها بنفسه ثم يخرج تاركاً إياها تنزف. كانت تلك الخادمة تتقطع عاطفة وألماً على حال الملكة، وعزمت في سرها أن تساعدها مهما كان الثمن، ولو كلفها ذلك حياتها».
«وتوالت الأيام القاسية وسط جحيم القصر، حتى أتى موعد ولادتك يا عاصم. كان الوقت في منتصف ليلة شديدة السواد والبرودة، وتحت وطأة آلام المخاض، توسلت أمك قمر إلى الخادمة الوفية بدموع رجاء أخيرة: أن تأخذك وتهرب بك بعيداً عن أسوار القصر بمجرد أن تخرج إلى الدنيا. اتفقت قمر مع الخادمة على خطة انتحارية؛ أن تقوم الخادمة بسرقة رمح الملك السحري من خزانته الخاصة.. فلماذا الرمح بالذات؟ لأن الملك وسيم يملك تعاويذ تتبع عبر هذا الرمح، ومن دونه، لن يستطيع السحرة أو الفرسان العثور على أثر الطفل أبداً!».
أخذت العجوز نفساً عميقاً وأكملت: «وبعد شهور من ولادتك، نجحت الخادمة في تهريبك تحت جنح الظلام، لأن الملك وسيم كان قد عزم على قتلك والتخلص منك إن لم تخبره أمك بمكان القوة.. والباقي يا بني.. الباقي أنت تعرفه وتذكره جيداً».
ثارت حيرة عاصم مجدداً، فقال ونبرة الضياع تملأ صوته: «ولكن.. من الرجل المهيب الذي وجدني في وسط الغابة السوداء إذن؟
التفتت العجوز ونظرت إلى زوجها الذي كان يتابع بوقار، وقالت: «لقد كان جدك.. وأخذك وأودعك بين العائله اللتي نشأت بها يا عاصم. والآن، بعد أن دارت السنون، وقتلت كل تلك العائله أتى بك إلى هذا المكان بالذات.. ليدربك على القوة الملكية العظيمة الكامنة في دمك، لتصبح قادراً على مجابهة جيوش الملك وسيم.. وإنقاذ أمك السجينة قبل فوات الأوان!».
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!