الفصل 3 | من 8 فصل

الفصل الثالث

المشاهدات
10
كلمة
873
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

رواية وتيد ضي الجزء الثالث 3 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة الثالثة حين تلتفت حولك فلا تجد ظلاً يسترك، ولا باباً يفتح لك ذراعيه سوى الفراغ، يصبح الغريب هو الوطن، وتصبح خطى المجهول هي الأمان الوحيد. هي لم تكن تركب خلفه لتسابق الريح فحسب، بل كانت تهرب من ماضٍ ينهش لحمها، لترمق ظهره العريض كأنه الجدار الأخير في هذا العالم.

لكن القدر لا يمنح السكينة بالمجان؛ ففي غمرة الاطمئنان وبداية انفراج الأسارير، تختبئ خلف الأبواب ! عواصف أخرى، عواصف من غيرة وكبرياء، تنتظر لتشعل ناراً جديدة بين جدرانٍ ظنتها مأواها الآمن! كان الطريق الصحراوي ينسحب من تحت إطارات “الريس” بهدوء بعدما خمدت عاصفة المطاردة.

“ضيّ” كانت تتشبث بملابسه من الخلف برعشة خفيفة، يدها ترتجف لكن قلبها لأول مرة منذ سنوات كان يدق بانتظام، وكأن أنفاس كريم المنتظمة وصدره الرحب الذي يتحدى الريح يصنعان حولها شرنقة غير مرئية من الحماية. عاد بها إلى ساحة المجمع التجاري (المول) ، كان المشهد هناك ينتظره؛ الشاب صاحب الدراجة النارية يقف بقلق وبجواره أفراد أمن المول الذين تجمهروا بعد علمه بإنها مأمورية شرطية.

هبط كريم بوقاره المعهود، وسلم الشاب مفاتيح دراجته، وبابتسامة رجولية شهمة تنم عن امتنانه قال له: “شكرًا يا بطل لولا الله ثم الريس بتاعك كانت حصلت كارثة معلش، كانت محاولة إنقاذ سريعة” التفت كريم بسبّابته مشيراً إلى “ضيّ” التي كانت تقف حابسة أنفاسها، مطأطأة الرأس بخجل وخوف، ففهم الشاب وأفراد الأمن الموقف، ورمقوا كريم بنظرات إعجاب وتقدير وهتفوا له بالتحية.

توجه كريم بخطوات واسعة نحو جراج المول السفلي، وضيّ تتبعه كظله الذي لا يفارقه. فتح سيارته الخاصة، وأشار لها لتركب في المقعد المجاور له صعد إلى مقعد القيادة، وأدار المحرك، ثم خرج بالسيارة إلى شوارع القاهرة الصاخبة. ساد صمت ثقيل داخل السيارة، لم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس ضيّ المحشرجة وبكائها الصامت الذي تجففه أكمام ثيابها.

التفت إليها كريم، كانت ملامحه حادة، وعيناه تشيان بعصبية مكتومة وثوران داخلي من بشاعة ما رأى من جوز أمها، وبنبرة جادة وقوية سألها: “أوصلك فين؟ ارتجفت ضيّ، وشعرت بغصة في حلقها، وقالت بصوت متهدج يكاد لا يُسمع: “للأسف مش هقدر أرجع البيت هو أكيد موجود فيه أو هيراقب المداخل، وبعد اللي عمله معايا النهاردة ومحاولة خطفي أنا أخاف.. أخاف قوي”. عقد كريم حاجبيه بعصبية، وضرب مقود السيارة بخفة بيده وهو يقول: “طيب والعمل؟

أوديكي عند أهلك؟ عمتك.. خالك.. أختك.. أي حد من قرايبك يلمك وتقدري تقعدي عنده لحد ما نشوف صرفة قانونية مع الراجل ده؟ انفجرت ضيّ في البكاء، وانهمرت دموعها بغزارة وهي تهز رأسها يميناً وشمالاً بقلة حيلة، وقالت بنبرة قطعت نياط قلبه: “أنا ماليش حد، ماليش حد في الدنيا دي كلها!

لو رجعت البيت هلاقي الزفت جوز أمي ده مستنيني، وهبقى ساعتها أنا اللي رحت له برجليا وسلمت له نفسي عشان يموتني أو يمضيني غصب عني أنا وحيدة يا كابتن، وحيدة تمامًا” هدأت ملامح كريم العصبية فجأة، وحلت محلها نظرة عطف عميقة، نظر إلى تفاصيل وجهها الباكي، وسألها بهدوء: “اسمك إيه؟ مسحت دمعة سقطت على وجنتها وقالت: “اسمي ضيّ” ابتسم كريم ابتسامة خفيفة، دافئة، غسلت جزءاً من خوفها، وقال: “ماشي يا ضيّ تعالي معايا”

حسم كريم أمره؛ غريزته وشهامته كرجل شرقي قبل أن يكون ضابطاً منعت رغبته في ترك فتاة مكسورة كهذه في الشارع. قرر أن يأخذها إلى بيته، لتقيم مع والدته وأخته، فهناك ستكون في حمايته وتحت رعاية عائلته. طوال الطريق، التفت كريم إليها ووجدها ما زالت تشهق بضعف، فسحب منديلاً ورقياً ومد يده به إليها. نظرت إليه بتردد، فقال بنبرة حانية ومطمئنة:

“خدي المنديل ده وامسحي دموعك دي على فكرة، الدموع بتغسل الوش آه، بس بتبوظ المنظر العام وإحنا داخلين على الوالدة” نظرت إليه بدهشة، فتابع بابتسامة واسعة محاولاً إخراجها من حزنها: “مرة واحد صعيدي اشترى تليفون جديد، راح لصحبه بيقوله: التليفون ده بيكلم أي حد؟ قاله: آه طبعاً راح اتصل بأوباما قاله: ألو أبو عمو؟ أنا اشتريت تليفون جديد، قفل في وشه تفتكري قفل ليه؟ عشان ملقاش معاه كارت شحن!

لم تتمالك ضيّ نفسها، ورغم الوجع والخوف، انطلقت منها ضحكة رقيقة وعفوية أضاءت وجهها الشاحب كالشمس بعد المطر. نظر إليها كريم بجدية بالغة وقال كلماته التي نزلت على قلبها كبلسم شافٍ: “اضحكي الدنيا لسه بخير، وطول ما أنا عايش وعلى وش الدنيا متشيليش هم ، حقك هيجيلك تالت ومتلت سيادة القانون فوق أي حد، وفوق جوز أمك وفوق أتخن تخين في البلد دي. نامي في واتطمني، كريم الهواري مش بيرجع في كلمته”

شعرت ضيّ لأول مرة بأن هناك سنداً حقيقياً في هذا العالم، وأن الله أرسل لها هذا الرجل لينتشلها من القاع. وصلت السيارة أمام بناية سكنية راقية في حي هادئ هبط كريم وتبعته ضيّ وهي تشعر بالوجل من هذه الخطوة. صعدا في المصعد، ووقف أمام باب الشقة ،أخرج كريم مفاتيحه ببرود، وفتح الباب وهو يقول بصوت جهوري: “يا أهل الدار.. يا أمي.. يا سارة.. أنا جيت وجايب معايا..”

لم يكمل جملته، تيبست الكلمات في حلقه، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية جمّدت جسده في مكانه. في صالون الشقة الفاخر، كانت تجلس والدته بوجهها البشوش، وبجوارها أخته سارة وفوق المقعد المقابل لهما مباشرة، كانت تجلس “مي”!

كانت مي تضع قدماً فوق الأخرى بكبرياء وغطرسة، ممسكة بكوب من العصير، وعيناها تغليان بغضب جحيمي بمجرد أن رأت كريم، لكن نظراتها تحولت فجأة إلى خناجر مسمومة وسهام قاتلة حين وقعت عيناها على “ضيّ” الواقفة خلف ظهره، بشعرها المبعثر قليلًا، ووجهها الذي تحمل آثار الدموع والخوف والارتباك. ساد الصمت الشقة كأنه صمت القبور، صمت مشحون بكهرباء الغيرة والتهديد،

حيث التقت الأعين الثلاثة: صدمة كريم، وانكسار ضيّ.. وجبروت مي المتأهب للانفجار! لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية وتيد ضي) مدونة كامومنذ 3 أيام 0 3 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...