رواية وتيد ضي الجزء الرابع 4 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة الرابعة ” شروخ الكبرياء” ***** أحياناً ينهار السقف الذي ظننته يحميك، لتكتشف أنك أخيراً صرت ترى السماء! في صراع الكبرياء العقيم، لم تكن ‘الدبلة’ التي سقطت مجرد قطعة من معدن، بل كانت قيداً يرتطم بالأرض ليعلن انعتاق الروح. بعض الغياب يكون رحمة، وبعض الفراق يكون صك غفرانٍ تسوقه الأقدار في هيئة عاصفة.
هناك، وسط بقايا الخوف وبداية الأمان، تنظر عيناها المنكسرتان إلى جدار النخوة الحامي، ليدرك كلاهما أن الأبواب التي تُغلق بالغرور، يفتحها الله بالحق، وأن أصدق الحكايات هي تلك التي تولد من رحم دمعة، ويحميها رجلٌ لا يساوم على شرفه! ***** “ثمة معارك نخوضها ليس دفاعاً عن الحب، بل تنفيذاً لسرائر القَدَر التي تُنقذنا في الوقت المناسب.
في صالون البيت الفاخر، لم تكن الغيرة هي التي تتحدث، بل كان الكبرياء الجريح لامرأة لا ترى في الكون سوى ظلها. وحين تتردى المشاعر إلى حد المقايضة بالكرامة المزيفة، تسقط الأقنعة لتكشف عن قلوبٍ خاوية لا تدفئ أحداً. هناك، وسط صراخ الغرور وهدوء النخوة، كانت الدبلة الذهبية تتهاوى، ليس كخسارة، بل كصك غفرانٍ وتذكرة عبور نحو غدٍ أنقى غدٍ يولد من رحم دمعة بريئة، وانعتاق من قيدٍ كاد أن يخنق الروح!
تصلبت الأجساد في مكانها، وتحول صالون الشقة الهادئ إلى ساحة معركة ممتلئة بنظرات مسمومة. كانت “مي” تجلس كملكة مطرودة، تنظر إلى كريم بنظرات تقطر غيظاً، ثم نقلت بصرها نحو “ضيّ”، فاشتدت تقاطيع وجهها غضباً وكبرياءً. وقفت مي فجأة، وتقدمت نحو كريم بخطوات سريعة ضربت بها الأرض بغطرسة، وأشارت بإصبعها بحدة نحو ضيّ وهي تصرخ بصوتها العالي المزعج: “كريم! أنت اتجننت؟ جايب البنت دي لحد هنا؟! أنت مستوعب أنت عملت إيه؟
برقت عينا كريم بنظرة صقرية مخيفة، وتقدم نحوها خطوة واحدة جعلت صوتها ينحسر في حنجرتها. قال لها بنبرة منخفضة، لكنها حاسمة كحد السيف، ونبرة صوته تقطر وعيداً: ـ”حذاري.. حذاري تقولي اتجننت، أو تتجاوزي في الكلام! أنا مش هقول الكلمة دي تاني يا مي وبعدين أنا حر، أجيب اللي أنا عايزه مدام ده مش بيتك وما يخصكيش، يبقى ما تتكلميش في شيء ما يخصكيش! التفتت” مي” حول نفسها كالملسوعة، وازداد صراخها وهي تلوح بيديها وتتحدث بتفاهة
واضحة أظهرت حقيقتها: “لا يخصني! أنت إزاي تبقى ماشي جنبي وتسيبني عشان واحدة تانية؟ أنت أكيد خنتني! أنت أكيد تعرفها من زمان وفيه بينكم حاجة! ظلت تصرخ بكلمات كثيرة مكررة، كلمات لا تدل على أنها تغار عليه كحبيب، بل تغار على كرامتها وصورتها أمام الناس، وتابعت بوقاحة غريبة: “أنا لو خنتني عشر مرات من غير ما أعرف ما ابقاش متضايقة، قد لما تخوني علناً وتبعد بالطريقة دي وتدمر برستيچي قدام الناس!
كان كريم ينظر إليها ببرود قاتل، مشمئزاً من تفكيرها السطحي وعقليتها التافهة التي لا ترى من الدنيا سوى المظاهر. وفي وسط هذا الإعصار من الكلمات، ضربت السيدة “سميحة” (والدة كريم) كفها على الطاولة، وصرخت بحسم وقار الأمهات: “بس! جرى إيه منكم أنتم الاتنين؟ بتتخانقوا كأنكم ما تعرفونيش وكأني مش قاعدة وسطكم؟! اهدوا بقى تعالى يا كريم، احكي لي يا ابني مين البنت دي وإيه الحكاية؟
تنفس كريم بعمق، واقترب من والدته وبالمختصر المفيد، نقيّاً من أي تفاصيل لا داعي لها، حكى لها شفرة الأصابع الأربعة ومحاولة خطف الفتاة “ضيّ” من قِبل جوز أمها المحامي الدنيء، وكيف أن شهامته وواجبه منعاه تركه لها في الشارع بلا مأوى. التفتت السيدة سميحة نحو “مي”، ونظرت إليها بعتاب ولوم شديد وقالت: “يعني يا مي، كنتِ عايزاه يسيبها إزاي ويمشي؟ ده لو مش عشان هو ظابط شرطة ده واجبه ومن حقه ينقذ الناس! النخوة والشهامة بتقول كده
يا بنتي! رفعت مي رأسها المتكبر، وقالت بعصبية وغرور أعمى: “أنا ماليش دعوة بالموضوع ده كله! أنا اللي يهمني كرامتي اللي اتجرحت قدام الناس في المول، أنا ما يهمنيش لو يعرف بنات كتير من غير ما أنا أعرف، أهم حاجة عندي برستيچي وكرامتي، والبنت دي لازم تمشي فوراً، يا إما لو ممشيتش، تاخد دبلتك وكل واحد فينا يروح لحاله! خلعت “مي” دبلتها بعنف من إصبعها، ورفعتها أمام وجهه بتهديد غبي.
نظر كريم إلى الدبلة، ثم نظر إلى وجهها المغرور، وارتسمت على شفتيه ابتسامة برود مريحة، وكأن الله أرسل له طوق نجاة من هذه العلاقة السامة. قال لها بكلمة واحدة هزت ثقتها: “يبقى كده” صعقت “مي” من رده، وبرقت عيناها بذهول وقالت بصوت متلعثم: “أنت بتقول إيه؟ هو كده فعلاً؟ قال بحسم صلب: “آه.. هو كده يا مي.. مع السلامة”
شعرت “مي” بالإهانة الشديدة، فرمت الدبلة فوق الطاولة بغل، والتفتت وخرجت من الشقة مسرعة، ورزعت الباب خلفها بقوة زلزلت أركان المكان. تنهدت السيدة سميحة بضيق، ونظرت إلى ابنها قائلة: “ما كانش لك حق يا كريم تعمل كده وتوصلها للدرجة دي وتنهي الموضوع بالسرعة دي”. اقترب كريم من والدته، وجلس بجوارها يمسك يدها، وقال بنبرة صادقة قوية: ـ”لا يا أمي كان ليا حق ونص وثلاثة تربع كمان!
“مي” واحدة ما بتسمعش غير صوت نفسها، وما بيهمهاش في الدنيا دي كلها إلا رأيها ومنظرها أنا مش قادر أكمل في علاقة مفيش فيها تفاهم ولا تقدير والحمد لله إنها جت من عند ربنا لحد هنا” في هذه الأثناء، كانت “ضيّ” تقف في زاوية الغرفة، ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها الشاحبتين. تقدمت نحو كريم ووالدته بخطوات متهالكة، وصوتها يرتجف بالاعتذار والكسر:
“أنا أسفة.. أنا أسفة بجد.. والله العظيم ما كان قصدي إني أكون السبب في إنك تسيب خطيبتك وتخرب بيتكم أنا السبب في كل ده” نظر إليها كريم بعطف كبير، وقال بنبرة مطمئنة ضاحكة ليخفف عنها: “خطيبتي إيه بس يا ضيّ؟ دي كانت بتتلكك لأي ظرف عشان تسيبني وتعمل حكاية متشيليش هم خالص” ثم التفت كريم إلى والدته، وارتسمت على وجهه علامات الارتياح الحقيقي والعمق الأمني، وقال بنبرة خفيضة مشحونة بالراحة:
“والحمد لله يا أمي إن أبوها اتنقل إدارة تانية من كام يوم يعني مبقاش في خطر عليا ولا على شغلي من نفوذه، والقصة دي انتهت في وقتها تماماً! نظرت ضيّ إلى كريم، وشعرت بأن هذا الرجل ليس مجرد منقذ عابر، بل هو القدر الذي ساقها الله إليه لتتغير حياتها وحياته إلى الأبد. لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية وتيد ضي) مدونة كامومنذ 6 ساعات 0 4 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!