الفصل 8 | من 8 فصل

الفصل الثامن

المشاهدات
4
كلمة
972
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية وتيد ضي الجزء الثامن 8 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة الثامنة “نبضات صامتة.. وغزل الأمهات” ***** “ثمة جراحٍ لا تطيب بمرور الوقت، بل بلمسة حنان تسقط على القلب كحبات المطر فوق أرضٍ قاحلة. في عتمة الصالون، كانت السيدة سميحة تبكي شقاء فتاة لم تذق للأمان طعماً، وحين ضمّت ‘الضيّ’ إلى صدرها، تلاشت غُربة المكان وأشرقت شمس العائلة الفطرية.

ثلاث ساعات مرت كأنها كسرٌ من ثانية، ساعات سُكبت فيها التلميحات الذكية لتبذر في روح ‘كريم’ أولى بذور التعلق الخفي. لم يكن مجرد حضن أمومي، بل كان قيداً ناعماً يربط بين قلبين اختارهما القدر في ليلةٍ عاصفة، لتبدأ خيوط حكاية لم تحسب ‘ياسمين’ قسوة أعرافها حين قررت المجيء في عتمة الليل! **** انقضت الساعات الثلاث كأنها دهرٌ ممتد في صمت الليل، بينما كانت الشوارع بالخارج تغرق في سكون ما قبل الفجر.

استغرق الوقت من طنط ياسمين وبنتها ثلاث ساعات كاملة؛ ما بين الصدمة، واللبس، وقطع المسافة الطويلة للوصول إلى اللوكيشن الذي أرسله كريم في هذا الحي الراقي البعيد. وفي داخل الشقة، كانت الأنفاس هادئة لكن القلوب واجفة. خلف الباب الزجاجي للشرفة، وفي عتمة الريسبشن، كانت السيدة “سميحة” تجلس على مقعدها، ممسكة بكوب الشاي الخاص بها، والدموع تنهمر صامتة على وجنتيها الطيبتين.

لم تكن تتلصص، لكن نبرة ضيّ الباكية وحكايتها المريرة عن قهر أمها المتوفاة وبجاحة جوز أمها وابنه، كانت تتسلل عبر شق الباب لتخترق قلب الأم الحنون. بكت سميحة كأن ضيّ ابنتها التي لم تلدها، بكت شقاء هذه البنت البريئة التي عاشت سنة كاملة من الخوف والنزوح والكرامة المرفوعة كالسيف. ما إن انتهت المكالمة الحادة مع طنط ياسمين، حتى فتحت السيدة سميحة باب الشرفة بخطوات سريعة، ودموعها لا تزال تلمع تحت الضوء الخافت.

فزعت ضيّ وقامت واقفة، لكن سميحة لم تمنحها فرصة للكلام؛ اندفعت نحوها وبحنان جارف فتحت ذراعيها وضمتها إلى صدرها بقوة، وأخذت تطبطب على ظهرها بحنو مفرط وهي تقول بنبرة باكية مخنوقة: “يا عيني يا بنتي.. يا حبيبتي يا ضيّ.. كل ده شفتيه في حياتك؟ كل الوجع ده شايلاه في قلبك الصغير ده ومتحملة؟ انفجرت ضيّ بالبكاء داخل حضن السيدة سميحة، شعرت بدفء غريب، دفء لم تذقه منذ سنة كاملة، منذ أن فارقت والدتها الدنيا مقهورة.

كانت سميحة تمسح على شعرها الأسود الفاحم وتشدد من ضمتها كأنها تحميها من الدنيا بأسرها. ابتعدت سميحة قليلًا، وأمسكت بوجه ضيّ الشاحب، ونظرت في عينيها الغزلانية وقالت بنبرة عتاب حانية ممتزجة بالغيرة الأمومية: “قولي لي بقى يا ضيّ هي ياسمين دي أجدع مني في حاجة عشان تسيبيني وتروحي لها في نص الليل كده؟ ابتسمت ضيّ ابتسامة خجولة، رقيقة، امتزجت بدموعها العالقة في رموشها الطويلة، وهزت رأسها بنفي قائلة بصوت عفوٍ:

“لا طبعاً يا طنط والله العظيم ما أقصد، أنتم غمرتوني بكرمكم وشهامتكم اللي عمري ما هنساها. أمّال سايباني ليه ورايحة لها؟ تابعت ضيّ بخجل: “معلش يا طنط عشان أنا أبقى مرتاحة، والوقت تأخر وأعراف البيوت، وصدقيني أنا هبقى اجي أزورك دايماً ومش هقطعكم خالص” هنا، لمعت عينا السيدة سميحة بنظرة ذكية، مليئة بالتحدي والحب المباغت، ونظرت لضيّ بقوة وقالت بكلمات قاطعة زلزلت سكون المكان: “صدقيني أنتِ وحياة غلاوتك عندي، وحياة “كيمو”

والتفتت السيدة سميحة بوجهها، ورمقت ابنها كريم بنظرة ذات مغزى، نظرة طويلة وهي تبتسم بخبث الأمهات، ثم عادت ونظرت لضيّ وأكملت بثقة: “لأخدك من ياسمين ومن الدنيا كلها! وأقعدك هنا جنبي” تسمر كريم في مكانه كان واقفا يستمع للحوار، وفي تلك اللحظة، فهم تماماً المغزى البعيد الخفي وراء كلمات والدته؛ فهم أنها تلمح بوضوح تام لأن تتجوزها له، وتجعلها كنةً في هذا البيت.

ودون أن يشعر، ومن غير إرادة منه، انطلقت من بين شفتيه ضحكة رجولية خفيفة وعفوية ضحكة نابعة من دهشته من سرعة ترتيب والدته للأمور، ومن شعور خفي بالراحة بدأ يتسلل إلى أعماقه دون أن يجد له تفسيراً ذهنياً حتى الآن. أمسكت سميحة بيد ضيّ مجدداً، والتفتت إلى كريم قائلة بنبرة آمرة حانية: “سيبك من الشاي البارد ده دلوقتي وتعالي معايا يا حبيبتي جوه اقعدي معايا ودردشي معايا أنا وسارة، وسيبك من كريم وبلكونته دي خالص!

تبسمت ضيّ بخجل شديد، ونظرت إلى الأرض وهي تتبع السيدة سميحة التي سحبتها من يدها ودخلت بها إلى غرفة المعيشة الدافئة، تاركة كريم وحده في الشرفة، ينظر إلى صينية الشاي، وتتردد في أذنيه ضحكته وكلمات والدته التي وضعت أول حجر أساس في قصر غدٍ مجهول! في غرفة المعيشة الدافئة، جلست ضيّ بجوار السيدة سميحة، بينما كانت سارة تتابعهم بنظرات ممتلئة بالتعاطف والإعجاب.

رتبت سميحة على كتف ضيّ بحنو، ونظرت في عينيها الغزلانية بصدق شديد وقالت لها بلهجة مصرية أصيلة تقطر فخراً: “بصي بقى يا حبيبتي على فكرة، أنتِ بنت جدعة وشاطرة وقوية! صرفتي على نفسك واشتغلتي بالحلال، وما عملتيش حاجة حرام ولا حاجة غلط يندى لها الجبين، عشان كده ربنا وقف لك في طريقك مامت صاحبتك.

وهي كمان ست بنت حلال وأصيلة، ما قدرتش وما رضيتش تسيبك بره تباتي عند ناس هي ما تعرفهمش يعني بالبلدي كده، أنتِ ما كنتيش فرضا نفسك عليها، لأنك لو كنتِ فرضا نفسك وبنت مش كويسة كانت رمتك بره من زمان! أنا بقى بحب البنت الجدعة، الشاطرة، اللي محافظة على نفسها وحافظت على شرفها ده أنتِ ضربتي واحد بسكينة عشان تدافعي عن نفسك! ده لو كنتِ قطعتِ رقبته كمان كنت هبقى مبسوطة منك جداً جداً جداً!

أنا مابحبش الست ولا البنت الضعيفة المنكسرة، المغلوبة على أمرها اللي تقعد في آخر كورنر في الأوضة وتعيط ومش عارفة تعمل إيه، برافو عليكِ يا بنتي، وإن شاء الله ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يسعدك ويعوضك عن الدنيا وعن كل اللي شفتيه” لامست كلمات سميحة شغاف قلب ضيّ، فشعرت بكرامتها المهدورة تُرد إليها في محراب هذا البيت. وقبل أن تنطق بكلمة شكر، رنّ هاتف كريم الملقى على الطاولة بصوت مرتفع، كاسراً سكون الجلسة.

التقط كريم الهاتف، وضغط على زر الرد، واستمع لثوانٍ ثم أغلق الخط ونظر إليهم قائلاً: “أستاذة ياسمين وصلت تحت العمارة” انتفضت ضيّ واقفة بلهفة وقالت بسرعة: “أنا هانزل أجيب طنط ياسمين وأطلعها” لكن كريم رفع حاجبه وعقد يده إشارة بالمنع، وقال بنبرة رجولية حاسمة تفرض أصول الضيافة والشهامة: “اقعدي يا ضيّ أنا اللي نازل أجيبهم بنفسي مفيش بنت تنزل في وقت زي ده” استسلمت ضيّ لنبرته الآمرة وجلست، بينما تحرك كريم.

لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية وتيد ضي) مدونة كامومنذ 6 ساعات 0 4 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...