الفصل التاسع
بعنوان#السندريلا
دخلت المجلس وهو متمددٌ على الفراش منسجمٌ بحضور فيديو أرسله له احد اصدقائه ويضحك بصوتٍ مرتفع غير آبهٍ بمن دخل فمن يكون سوى الخادمة تحضر القهوة .
داهم انسجامه صوتٌ رفيعٌ ناقمٌ يعرفه ؛ فقد سمعه من قبل : اسمع يا خالد للمرة الاخيرة احذرك تتدخل بي او بحياتي .
رفع رأسه وجسده بتأهب للمكيدة الجديدة التي جاءت بها هذه الشيطانه وقد اعد نفسه لمواجهتها مستعيناً بالله على شرورها : هي ان......
لم يتمكن من اكمال جملته فالصدمة الجمته
لأن من كان يعتقد انها بنت منال لم تكن هي مع ان صوتهما متشابهٌ جداً فقط الصوت أما الشكل معاذ الله ان تتشابها فمن امامه فتاة حسناء ورائعة الجمال بطولها المميز وقدها الجميل تضع يديها على خصرها بثباتٍ وتحدي واضح وكل خلية من جسمه تصرخ : واااااه ما احلى هالصباح ..
ابتسم رغم التهديد ، فما يراه يدخل السرور للقلب بكل الاحوال والظروف .
لم تعجبها نظراته واكملت بثبات : تعرف يا حقير انه مستحيل تقدر تنول ظفري مهما عملت ولا تفكر لما تطرد سالم لانه رايدني بالحلال انك تقدر علي يا خسيس. اللي مثل سالم يسوى مليون واحد تافه مثلك ، وهذا اخر تحذير الك يا واطي .
غادرت مسرعة كما دخلت وهي تدرك انها ليست قوية كما تدعي وان ما فعلته لن يشفي غليلها منه ابداً ولكن الله اقوى منه ومن جبروته سينتقم لها منه ومن كل الظالمين .
ألجمته الصدمة لكن ليس طويلاً فهو لا يزال غير مصدق نادى سيلفانا التي تشعر بالحرج وتحاول الهرب .
سيلفانا بخوف : انا ما لي سغل هي اجا ما لي سغل .
وهربت باسرع ما تحمل قدماها .
جلس من جديد مذهولاً مما حدث ، عقله لا يستوعب ان ما رآه الان هو نفس الفتاة التي دخلت جناحه من شهور او ان هذا الكائن المتحدي زوجته وحلاله !!!!
*************
سوني تشتكي للخاله سعدية من تحقيقات خالد معها عن ملاك ، وبشك واضح : بابا خالد يمكن شوف ملاك حرامي .
سعديه : ليه يعني؟
سوني اخبرتها عن دخول ملاك لغرفته عندما ساعدتها بتنظيف الاجنحة وغضبه الشديد منها وانه ربما اعتقدها دخلت لتسرق!
وسعدية تزداد قناعة ان ملاك يجب ان تبقى بقربها وتحت رعايتها حتى لا تقع في المزيد من المشاكل.
**************
بسبب انشغال علي كان لزاماً على خالد ان يرافق عبدالله ويلازمه في هذا اليوم السعيد ، حاول ان يقاوم شعور الحسرة والالم ويظهر الابتسام والانشراح على ملامحه ، لكن هذا لا يخفى على عبدالله .
عبدالله بتمني : عقبال عندك يا خالد ، وبغمزة : شد حيلك .
خالد بسخرية : شكلك ناسي اني متزوج قبلك ، والحمد لله والشكر ، وامال فمه بحسرة واضحة.
عبدالله بغصة ومن قلبه : والله يا خوي ربنا غير يعوضك وتتزوج الي تستاهلك وتعوضك عن كل شي صابك.
كلمات عالوجع ، وتلامس جرحه مباشرة ؛ ربما عبدالله يقصد بكلماته ملاك .
ولكن خالد وبكل أمل ورجاء للمولى عز وجل ردد بقلبه : اللهم امين ، يا رب عوضني بزوجة خير منك يا هبة والله يهنيك مع اخوي وتكون ايامكم الجاية عنوانها الفرح والسرور ، واسأل الله ان يعينني على خضراء الدمن الي انبليت بيها ، ويقدرني اتجنب الاعيبها ومكرها،حتى سالم المسكين ما سلم من اغواءاتها ! لا وجاية تحاسبني ليه حرمتها من الزواج منه ! يا قوة عينها ! وانا اصلاً ليش اتعب روحي وافكر بيها ، مالي غير الصبر لما ربنا يريحني منها والله على كل شيء قدير .
تنهد بعمق ، تنهيدته هذه جعلت اخاه الاكبر يستبدل ابتسامته
الساحرة بأخرى باهتة ، فيها من المعاني الكثير .
**********
سعاد تختال بفستانها الوردي الزاهي والاشبه بفستان عروسٍ صغيرة ، وملاك تبتسم لها وتساعدها في وضع مساحيق التجميل على وجهها وهذه مهارة جديدة تضاف الى سلسلة المهارات التي تتعلمها كل يوم .
اقتربت منها سعدية تحمل كيساً بيدها ، ثم اخرجت منه فستاناً قصيراً بلونٍ احمرَ جذاب ، ورغم بساطته الا انه كان انيقاً .
نظرت لها ملاك بتساؤل ، سعدية بحنان : انا طلبت من ام عزمي تستأجرلك فستان لزوم الحفلة من جارتها الخياطة ، ايه رأيك ؟ حلو مش كدة ؟؟
ملاك انبهرت بالفستان ، بالنسبة لها لا مثيل لروعته ، اول فستان في حياتها سترتديه ولا يكون بالياً .
اخذته بسرعة الى غرفتها لارتدائه والكل ينتظر خروجها ، نعم الكل مشتاق ان يراها بثيابٍ تليق بها وبجمالها .
دقائق وخرجت على استحياء لان الفستان قصير على غير عادة ملابسها وله فتحة الى ما مادون منتصف الظهر ، سعاد شهقت : واااااو ايه الجمال دا ، لا انا كدة بغار .
سعدية تصلي على النبي وتقرأ عليها المعوذات وسائر صديقاتها يشعرن بالسعادة لمرآها الخلاب .
ملاك وبامتنان شديد : تسلمي يا خالتي والله فرحتي قلبي اول مرة البس شي حلو وجديد حتى ما لي قلب اشوف روحي بالمراي .
واحتضنت سعدية وقبلتها ، ثم اردفت : لكن الحين ارجعه لاني مستحيل اروح هذي الحفلة .
سعدية باستغراب : ليه يا بنتي ؟؟
ملاك بغصة : ناس ما اعرفهم ولا يعرفوني ولا حتى يعزموني ، ما صير اروح وافرض روحي عليهم ، ما هي زينة بحقي .
وطأطأت رأسها بحزنٍ خفي .
سعدية بثقة : اولاً انت رايحة مع خالتك سعدية ، على سن ورمح ، وما حدش يقدر يقولك حاجة .
ابتسمت ملاك على اسلوب سعدية الواثق .
ثانياً : انا بصراحة ما أدرش اخليك هنا والكل رايح ، فاهمة علي يا بتي ؟
ملاك بألم : معليش يا خالة اسكر على روحي زين وما ارد على حدا ، ما ابغى مشاكل والحفلة كلها ما تعنيني ولا تهمني بشي .
سعدية متوقعة اجابتها : خلاص براحتك يا بنتي ، وانا كمان مش حاروح ، واهو نسلي بعضينا ...
قاطعتها سعاد بغضب : جرى ايه يا ماما ، ازاي ما تروحيش ، وانا حاعمل ايه هناك لوحدي .
سعدية بحزم : وانتي كمان يا سعاد مش حتروحي الحفلة ، انا بخاف عليك لوحدك فاهمة .
سعاد تنتظر هذه المناسبة من شهور ولا يمكن ان تفرط بها مهما كانت الاسباب فصرخت وكلها دموع : لا مش ممكن الي بتئوليه يا ماما حرام عليكي ، ليه بتعملي فيَّ كدة ، انا مش مسامحاكي .
وانطلقت باقصى سرعتها الى غرفتها هي وامها لتجوح بصوت عالٍ يفلق القلوب .
ملاك بدهشة : كيف ما تروحين وتزعلي سعاد ؟ انتم ما انتم ملزومين فيني ، وبابتسامة ، ولا تخافين علي ادبر روحي .
سعدية بحزم : انا الي عندي أولته ، يا نروح سوا ، يا نئعد سوا .
وادارت وجهها دون انتظار رد ملاك واشغلت نفسها في توزيع الخادمات ومهامهن في قصر الافراح ، ثم ذهبت معهن الى حيث توجد الاغراض والتجهيزات التي ستتحمل مسؤوليتها كل منهن .
لم تحتمل ملاك الصراخ والبكاء المستمر لتلك الصغيرة ودون توقف ، دخلت عندها تحاول تهدئتها وطمأنتها بأنها لا محالة ستقنع سعدية بالذهاب دونها لكن سعاد اجابتها من بين تنهيداتها : متتعبيش روحك ماما وانا عرفاها كويس مش حتغير رأيها ابداً . وعادت للنواح من جديد..
وللاسف ملاك تعرف الخالة سعدية جيداً وأنها اذا صممت على شيء لا يمكن ان تتراجع ابداً.
لذلك استسلمت لواقع الامر فهي لن تقبل ان تشعر سعاد بذرة ألمٍ مما عايشته هي طوال حياتها حتى لو كان ذلك يعني أن تسير بقدميها الى ساحة اعدائها المليئة بالغام حقدهم التي لطالما ادمت قلبها وأنزفته دون رحمة .
بدات بتجهيز نفسها ، بعد ان اعلمت الخالة سعدية بموافقتها على الذهاب ، وهي تشعر بالخوف والتوجس مما سينالها هناك .
وبقلبها : الله يسامحك يا خالة سعدية جبرتيني اروح للي من شهور طويلة ارتحت من أذاهم واحتقارهم ، حتى ام عبدالله وبناتها من شهور ما شفتهن وربنا ريحني منهن ، الله يستر ويبعد عني شرورهم.
ساعدتها ريما برفع خصلٍ من شعرها الاسود الطويل وترك ما تبقى منه منسدلاً كشلالٍ يخطف الأبصار ، واكتفت بوضع الكحل واحمر الشفاه باللون القاني ، فهذا انسب لسنها ولأن الله منحها من الجمال الرباني ما يغنيها عن اي اضافاتٍ تضر ولا تنفع .
كما احضرت لها سوني حذاءً احمر بكعبٍ أنيق ويبدو انه من القبو الذي تلقي فيه العائلة ملابس قديمةً لا تستعملها ، مع انه يبدو جديداً جداً ، مؤكد انه ل روعة واصبح صغيراً على قدميها فلا ترتديه .
تجرأت ونظرت الى نفسها بالمرآة ، ومن سعادتها بمنظرها احتضنت ريما ثم سوني واخيراً سعدية وشكرتهم من كل قلبها .
نظرت لها سوني بحنان : لسا في حاجة كمان لازم انت البسها .
ملاك باستغراب وهي تتفحص نفسها : كمان ، ايش في ؟
سعدية بعتب : يعني حتخرجي ادام الناس كدة يا مجنونه ، من غير عباية وغطا للراس .
ملاك ببلاهه : اي والله جد نسيت هههههه بصراحة عمري ما طلعت مشوار بحياتي ، وبتفكير : حتى عباية وغطا ما عندي.
سعدية بابتسامة : ما دام سوني موجودة ما تحمليش هم وغمزت لها .
وفعلاً كانت سوني قد احضرت لها من ذات القبو عباءة جميلة مع غطاء وايضاً قامت بغسلها وكيها فصارت تبدو كأنها جديدة .
ودون ان تنتبه رشت عليها سيلفانا عطراً فواحاً جعلها تبتسم من كل قلبها .
ركبت مع سعدية وسعاد ومعهما بعض الاغراض باتجاه قصر الافراح وطوال الطريق قلبها يرجف خوفاً من القادم وتهدأ نفسها بأن بقاءها وعدم الذهاب ربما كان يتيح المجال ل خالد بأن يتهجم عليها مستغلاً الفرصة ، وان وجودها باستمرار بقرب الخالة سعدية هو الأكثر امناً بعون الله .
كان الوقت مبكراً قليلاً واكثر الضيوف لم يصلوا بعد ، علي يطمئن على جاهزية كل شيء ولما رأى سعدية قادمة في احدى سيارات القصر اسرع نحوها وبقلة صبر : وينك يا ام سعاد ؟ ليه تأخرتي ؟ انت لزوم تكوني قبل الكل !
سعاد بامتعاظ وهي تخرج من السيارة : كله من السندريلا ، فضلت تتدلع مش عاوزة تيجي لحد ما أخرتنا .
سعدية جحرت ابنتها لتسكت .
علي بسخرية : والسندريلا هذي تطلع مين ؟
سعاد باستعجال : ما تنزلي بئا يا ست الحسن ما تأخريناش بزيادة.
نزلت ملاك بهدوء وهي تتمنى لو تمسك بسعاد وتخيط لها فمها الثرثار ، وسارت بهدوء جهة الخالة سعدية دون النظر الى علي أو حتى رد السلام ، ووقفت خلفها منتظرة ان تنهي سعدية الكلام مع علي وتسيرا معاً الى الداخل .
علي تناسى سعدية والتجهيزات وحفل الزفاف بأكمله وما عاد في كونه الا هو وهي وطبول قلبه التي ما عادت تقف عن القرع و........صوت ابيه الذي يصرخ منادياً من خلفه يدعوه للمجيء .
استغلت ملاك الامر وسحبت سعدية من ذراعها بلطف : يلا يا خالة ما هي زينة وقفتنا بالطريق.
اومأت سعدية رأسها بأيجاب ودخلتا معاً الى قصر الافراح بعيداً عن الطريق وبعيداً عن علي ، الذي تجاهل ابيه وأراد ان يعاود الى مداره المشتعل ، ولكن للاسف وجده فارغاً يدور فيه وحيداً هو ودقات قلبه التي تحولت نغماتها الى الحانٍ عنوانها الحزن والضياع.
جلست بأوامر سعدية في احدى الغرف التابعة للخادمات تراقب التجهيز والاستعدادات مع انها ارادت المساعدة ولكن سعدية أبت ذلك حتى تحافظ على أناقتها .
سعدية لا تثبت في مكان وتغيب طويلاً أحياناً الى الخارج والى الغرف الاخرى والصالات الرئيسية.
من النافذة رأت علي أكثر من مرة بحركةٍ دائبة ذهاباً واياباً ، واحياناً يكون معه صديقه عامر ، واعداد من شباب العائلة ورجالها وكلهم تحمل لهم في قلبها ذكرياتٍ مقيتة وخاصة هذا الطويل ذو النظرة المتعجرفة وهو يتجاهل الفتيات المقبلات بكامل أناقتهن وزينتهن التي تظهر منها عباءاتهن اكثر مما تخفي وعطورهن التي تسلب القلوب ، وتجبر الشيب والشباب الى النظر ولو خلسة او دون انتباه خاصةً مع بعض الضحكات الرنانة !
الا هو يقابل هذه التحديات الاغرائية بلا مبالاة ! هذا من جديد يثير استغرابها ويعيدها الى الصورة الاصلية التي رسمتها لشخصيته طبعاً بالاضافة لتعلقه ب هبه ، اذاً لماذا معها بالذات تصرف بحقارة وحاول استباحة جسدها لولا لطف الله ورحمته !! معه هو فقط تتملكها الحيرة ويلازم حيرتها خوفٌ دائم.
أشار هو وعلي لجميع الشباب بالابتعاد قدر المستطاع عن هذه المنطقة والالتزام مداخل الصالات المخصصة للرجال فقط . وهي تراقبهم مضطرة للاعتراف بانها لا تلوم هؤلاء الفتيات مع هذه الوسامة والأناقة المفرطة لشباب العائلة وأقربائهم !!
تقريباً امتلأت صالات النساء بالضيفات وكلهن من علية المجتمع ، والخالة سعدية ما عادت تظهر .
سعاد ركضت جهة ملاك وبتأفف : انت لسا لابسة العباية يا مجنونة ؟؟ وبسرعة نزعت عنها عباتها وغطاء الرأس وسحبتها من يدها باتجاه صالات الفرح ، وهي تمشي بصعوبة لانها غير معتادة على ارتداء الكعب ، وكذلك بخوف مما يمكن ان يحصل ولا يحمد عقباه .
أفلتت يد سعاد وبهدوء : خلص يا سعاد أمشي بروحي .
ورفعت نظرها في جولة سريعه نحو الحاضرات ، وبانبهارٍ شديد اقل ما يقال عنه قمة قمة الفخامة : سواء الصالات بجمالياتها المبهرة او الحضور من ملابس فاخرةٍ ومجوهرات وتسريحات وحتى الضحكات كأنها مصنَّعة خصيصاً لهذه الفئة من علية القوم .
في المقابل خالد ينظر بحنق الى الشباب مترددة اصوات الرسائل المتلاحقة من هنا وهناك الممزوجة بضحكات وتعليقات ، وبسخرية خاطب اسلام : شو هالجيل كل واحد مشغول يا حبيبة او قول حبيبات .
اسلام بنغزة وغمزة : طيب وانت تلفونك ما وقف كمان؟؟
خالد بضحكة : والله ما عرف ولا واحدة منهن وما ادري من وين يجيبن رقمي !
اسلام ببراءة مصطنعه : اعطيني الارقام وانا اجيب لك قرارهن .
خالد بمزاح : لا يا خوي اخاف عليك يسحبنك وانت بعدك عودك طري ههههههههههه.
اسلام بجدية : ودك الصراحة اكثر بنات العوايل محترمات وما عندهن خبص وترقيم ؛ لكن في فئة ولو انها قليلة تخرب وتشوه وما نقول غير الله يهديهن.
خالد وهو يتذكر مصيبته رد بهدوء : اللهم امين.
*********
لا تستطيع الجلوس او المشي بهدوء فهي تشعر بالنظرات تلاحقها ، مع انها الأقل زينة وبهرجة وفخامة من كل الحاضرات حتى انها لا ترتدي اي قطعة مجوهرات امام فيضان الالماس المتلألئ والمتحدي لإنارات الصالات المبهرة والساطعه .
ابتعدت عن الصالة الرئيسية التي بمجرد أن اطلت برأسها رأت جدتها ام قاسم بكل هيبتها ومعها أغلب نساء العائلة وفتياتها ، تنهدت بارتياح لابتعادها لكن يد قوية امسكت بذراعها وبحنق : انت وش تساوين هني ؟
ام عبدالله جاءتها مسرعة بعدما سألتها احدى الحاضرات عن تلك البنت الجميلة من تكون ؟ وام عبدالله استغرقت عدة دقائق قبل ان تتعرف عليها وساعدها على ذلك وجود سعاد بالقرب منها .
قبل ان تجيبها ملاك انقذتها سعدية وبهدوء : أنا جبتها معي اصل ما أدرتش اخليها لوحديها في الئصر وزي ما أمرتيني ، تفضل تحت عيني.
ام عبدالله بغضب مكبوت : الله يسامحك يا سعدية ، هالحين الي صار صار لكن خليها تحت نظرك ، واي شي تساويه البنت هذي مسؤوليتك .
وذهبت غاضبة وهي تدعو ربها ان لا يعلم أحد ان هذه البنت تكون زوجة ابنها الغالي خالد.
تشعر بالتوتر لأن اكثر من سيدة راقية تقترب منها وتسلم عليها وهي تجامل برقة تبهر ، ثم يأتي السؤال المؤلم : انتي بنت من ؟
سؤال قد يبدو عادياً ولكن اجابته مؤلمة جداً !
الهروب طريقها الاوحد لتجنب الاجابة .
تتمنى لو تجيب بكل تحدي انا ابنة الدكتور سعود ، لكن الاصداء التي ستعود اليها مؤكداً ستؤلمها ، ابي لا يحبني ولا يهتم بي ويتجاهل وجودي اصلاً .
عدا عن النقمة التي ستحل عليها من الجميع لذلك الاستمرار بالهرب هو الاقوى والأنفعتم تخفيض الانارة وتسليطها على بؤرة محددة بتلاحم لونيٍ مبهر وزفة رائعة لعروسٍ اكثر روعةٍ وجمال ، وما تلاها من اغانٍ ورقصاتٍ مبهرة واستعراضاتٌ كالخيال من المجتمع الموغل في الرقي ، حتى انه في كل صالةٍ حلقاتٌ منظمة من الرقص والامتاع البصري اللا متناهي .
ترى الفرحة في عيون الجميع ، ثريا هانم وبناتها يحطن بالعروس الجميلة ومعهن رماح وحنين وروعة وتشكل بناتهن الجميلات اكليلاً من الروعة حول الكوشة المعدة للعروسين.
لمحت عيون الجدة تدمع فرحاً وهي تتأمل بفرحة وفخر حفيدتها العروس الجميلة !
رقصات روعة والتوأم على انغام اغنية يبدو انه متفق عليها مسبقاً ...كل شيء يبهرها وتراقب بدهشة ؛ لكن بتنهيدة اشاحت بنظرها واغمضت عينيها بدعاء صادق : الله يهنيهم ويهديهم يتركوني بحالي ؛ الله عالم اني ما احسد أحد وما احب ال صابني يذوق عشره مخلوق ؛ لكن من صغري ما حد رحمني ولا حد عاملني كبشر ، حتى الحيوانات الرفق بيها واجب !
قطع تأملاتها صوت امرأة كبيرة بالسن على كرسي متحرك تسحب يدها بضعف ، نظرت لها ملاك بحنان بعد ان جلست الى مستواها : آمري يا خالتي شلون اقدر اساعدك ؟
المرأة بضعف : ما ادري هالخدامة وين راحت وتركتني ؟ يا بنتي جريني بعيد عن التكييف البرد ذبح عظامي.
رحمت ملاك ضعفها وابعدتها عن التكييف وبكل حنان : وين بناتك والا حريم عيالك عنك ؟
اجابت بحسرة : بنات ما عندي وولدي الوحيد محارب الجيزة ما وده يفرحني بيه ، وبابتسامة : لكن لو يشوفك متأكد يغير رايه ، الا انت بنت من ؟
السؤال الموجع نفسه ، وبحزن : يا خالة لا تسأليني ، الوجع الي بي مكفيني ..وقامت مبتعدة من عندها لتراقب المشهد الآخر في سلسلة احزانها التي لا تنتهي ... زفة العريس!!
جاءت زفة العريس بعد الاعلان للجميع وسارعت هي والحاضرين بارتداء عباءتها والمراقبة عن كثب ؛ فمع عباءتها تستطيع تغطية وجهها ولا يزعجها أحد .
دخل عبدالله ومعه والده وعمه الدكتور سعود وخلفهم طلال وجمعٌ من شباب العائلة برقصاتهم الجميلة على انغام الزفة والتي واضحٌ انها سلبت قلوب الفتيات بلا استثناء ؛ للاسف عيناها ودون رأفةٍ بقلبها المتعب تركز على شخصٍ واحدٍ فقط وتتجاهل كل من حوله ، انسان تتداخلها في هذه اللحظة رغباتٌ متناقضةٌ نحوه ؛ احداها تريد ان تستقر في احضانه استجداءً لحبه وحنانه والاخرى ترغب في الثوران في وجهه وتفريغ كل مشاعر الكبت والحقد فيه ، لكن لا تقدر على هذه او تلك.
اجبرت جسدها المتخشب على الابتعاد والانزواء في مكانٍ قصي عن ابيها تتابع من بعيدٍ ونيران جوفها تتلوى بهمس: الله يسامحك يا خالة سعدية ، قلبي ما عاد يحتمل .
خرج الحضور الذكوري وبقي العريس وبدات احتفالية خاصة له ولعروسه ، لم تعرها انتباهاً حتى انها نسيت التخفي عن احبابها اللدودين وبدأت الاشارات والهمسات نحوها ، وتكاثر العتب على ام عبدالله بتواجد هذه البنت هنا ولكن الحساب عند ام قاسم سيتأجل الى بعد حين فليس هذا وقته .
الغيرة بدأت واضحة على بنات العائلة من ملاك وخاصة انها خطفت الانظار اليها ، بعد خروج العريس لم تنزع عباءتها وغطاء الرأس ؛ فقد شعرت انه من الافضل ان تبقى هكذا ..
سعاد تشير لها من بعيد وبنفسها : هذي اكيد الخالة سعدية بعثتها ، يا رب نرد القصر .
ومشت بتثاقل نحو الغرفة التي اشارت لها سعاد وهي احدى ملاحق الخدمة القريبة من المدخل والبعيدة كلياً عن أجواء الحفلة وصخبها .
دخلت الغرفة بهدوء واذ بيد تسحبها وتغلق الباب بقوة وبغل : يا قليلة الحيا جاية عالحفلة وبكل عين قوية ناوية تخربيها والا تفضحينا .
باستخفاف وبتحدي لاستفزازات روعة ردت ملاك : او يمكن جاي اشوف لي عريس احسن ما أوصل عمرك واعنس .
فاجأتها روعة بالهجوم ونزعت عنها غطاء راسها استعداداً لهجومٍ اكبر.
ملاك بتحدي أكبر نزعت عباءتها وبصوتٍ واثق : اقربي جاي والله لاطلع كل مراري فيك.
طرقات قوية على الباب لم تلقي كلتاهما لها بالاً.
روعة بقهر : والله وصارلك لسان يا بنت منال وتعرفي تردين !
هذه الكلمة دفعت ملاك لتهجم وبعنف على روعة وتشدها من تسريحتها وتعفسها لها عفساً مؤلماً اعقبه سقوطها على الارض.
قامت رغم تفاجأها بقوة ملاك وردت بهجمة اكبر ساحبةً شعر ملاك الطويل وألقتها على الأرض .
ثم تشابكت ايدي الفتاتان بعراكٍ يغلبه الصراخ والشتم ، أوقفه انكسار الباب ودخول شخص .......آخر من كان تتمناه او تتوقعه ملاك !!!!
خالد بعنف ابعد روعة عن ملاك وقذفها الى الزاوية البعيدة ، وهو يلهث ويرمقها بنظرةٍ مخيفةٍ والغضب يملأ ملامحه حتى ان روعة لم تتجرأ على الحراك او المقاومة .
اتبعه دخول ام عبدالله واغلاقها الباب المكسور حتى لا يلاحظ احد ما يحصل وواضح أنها من أحضر خالد كحلٍ أخير لمنع كارثةٍ وفضيحةٍ مرتقبة بعد ان اعلمتها سعاد أن روعة جعلتها تنادي ملاك واغلقت الباب خلفهما .
أعاد نظره الى الفتاة الاخرى المنصدمة بوجود رجلٍ امامها وهي بهذه الهيئة والملابس ، ولا تدري ما تفعل وعباءتها التي قد تسترها عنه بعيدةً في الجهة الأخرى.
امسك ذراعها ثم رفعها عن الأرض بقسوة جعلها تتأوه من الألم ، وقربها من وجهه وانفاسه الملتهبة بعد ان امسك بذراعها الاخرى أيضاً : والله لاحاسبك حساب عسير يا بنت منال ،صبرت عليك لكن أكثر من كذا ما اقدر.
وأفلت ذراعيها وهي تشعر بهما خلعتا من شدة قبضته ولكن لثواني فقط عاد لمسكها بعد أن القى على كتفيها العباءة والغطاء وأعاد سحبها وامه تسير خلفه نحو سيارته فتح الباب وألقاها في المقعد الخلفي ثم ركب السيارة وسار مسرعاً.
للحظة تنبهت أن ام عبدالله لم تركب معهما السيارة وأنها تركتهما لوحدهما !!كيف هذا وبأي دين او عرف !!
صرخت بعد أن استجمعت قواها : وقف السيارة ، رجعني لخالة سعدية .
وهو ساكت لا يجيب : وبصراخ اكبر : نزلني يا واطي يا حقير ، رجعني لخالة سعدية .. والا ولله لأجمع عليك خلق الله .
ايضاً لم يهتم او يجيب !!
ما خافت منه حصل ؛ السيارة دخلت باحة القصر وما ان توقف وفتح الابواب حتى سارعت الى الخروج بأقصى سرعتها والركض بلا وعي حتى ان عباءتها سقطت وتعثرت بكعبها العالي ؛ فنزعته بسرعة وهي تهرب باتجاه جناح الخادمات وهدفها الاوحد الهروب من هذا الذئب المتوحش الذي يطاردها ...
وهو ينظر لها فاغراً فاه امام هذا الجنون والغباء الغير مسبوق ، وينظر حوله ليتأكد أن لا أحد رأى هذه الغبية تركض شبه عاريةٍ في باحة القصر .
تحرك ليرفع عباءتها ثم حذاءها وتوجه خلفها الى جناح الخادمات وهو يهمس : يا صبر ايوب .
وصلت وهي تلهث خائفةً الى الجناح والباب مفتوح دخلت وارادت اغلاقه لكن لم يكن له مفتاح ؛ سارعت الى غرفتها واغلقت الباب خلفها وارتمت على الأرض تلتقط انفاسها المتقطعة وكل خليةٍ في جسمها ترتعد خوفاً .
دخل بهدوء جناح الخادمات ووقف في الصالة لا يعرف اين تكون ، فصاح بتوعد : في بنت محترمة ترمي عباتها على الدرب وتركض بهالشكل يا حمارة ؟
بغضب ردت : محترمة غصب عنك وحمار الي يرفسك يا خالد الواطي ، ثم عضت شفاهها بندم ما لازم تكلمت ، كذا عرف مكانها .
رمى بكل غضب فردتي حذاءها نحو بابها المغلق ، وهي فزعت من الصوت وصرخت بخوف : يما
وقف امام الباب وبكل هدوء : كل يوم تزيد قناعتي انك بنت بلا اخلاق ولا حيا ولا احترام ، الله يريحني منك يا واطية .
كلماته جرحتها في كرامتها بقوة فردت بغل : وما تسيل ريالته على واطية الا واحد اوطى منها .
تملكه الغضب من جديد وبقوة ضرب باب غرفتها ، هربت لتختبئ خلف الخزانة وهي تلوم نفسها على استفزازه ، لم يستصعب عليه كسر قفل الباب بسهولة لانه رياضي وعنده لياقة بدنية كبيرة ، اقترب منها وعينيه تشتعل غضباً : انا لو يخلصوا كل نسوان العالم ولا يمكن في يوم أناظرك او تهزي بي شعرة يا "بنت منال" .
الكلمة السحرية تلك دائماً تشحذها بقوة حتى هي نفسها لا تدري مصدرها ، نظرت بعينيه المشتعلتين بتحدي صارخ : والي صار بالاستراحة وبعدها بجناحك والحين ؟؟ كل هاذ وش تسميه يا ، وباستهزاء : يا محترم !
رد باستهزاء مضاعف : هيك قلتي استراحة الرجال وش وداك ؟ ثم غرفتي كمان وش وداك ؟ والحين حفلة ما احد يحبك أو يطيقك كمان وش وداك ؟ اقترب بوجهه اكثر حتى ما عاد يفصل بين انفاسهما سوى لهيب كرههما المتبادل ، و وباستخفاف : انا اقولك؛ لانك بنت صايعة وقليلة أدب وهمس باذنها : وهذا شي يجري بدمك ما تقدري تمنعيه !
بكل ما أوتيت من قوة صفعته على وجهه، واتبعتها بدموع تسيل دون توقف ، أي اهانة أكثر من هذه واي احتراق لذات الانسان وكرامته أكبر من ذلك ومن كل قلبها : الله لا يسامحك لا انت ولا ابوي .
هو كان سيرد عليها صفعتها ولكن شلال دموعها منعه ، وللحظة رق قلبه لها ؛ ولكن في اللحظة التالية لها جاءه صوت عقله الاقوى : لا تخليها تضحك عليك .
مسك خصلة من شعرها ولفها بكفه بهدوء ، ثم شدها بقوة : دموع التماسيح ذولا العبي بيهن على غيري ، ناظر نحرها وبحنق وهو يقاوم جمالها واغراءات جسدها المحلل له : لا وكمان بوقاحة تلبسين سلسلة عليها لفظ الجلاله ، وبتهديد : للمرة الأخيرة أحذرك تبعدي عني وعن أهلي ولا تحاولين تأذيهم بأي شكل والا والله لانحرك بأيدي وقد أعذر من أنذر .
أفلت شعرها بقرف وغادر بهدوء وقلة او انعدام راحة .
اول مرة يتجرأ مخلوق على صفعه ولكن لا يشعر برغبةٍ في ردها، فهو قد اهانها بأقسى الاهانات وابشعها ،وبهم : استغفر الله العظيم كل الدلائل تأكد انها ما هي عفيفة لكن نظرة واحدة لعيونها تلاقي كل البراءة والطهر والا انا شكلي وقعت فحبالها هالملعونه ، والله ما ني عارف مين أصدق ؟ الله يوريني بيك يوم يا مهيب الكلب انت سبب كل اوجاعي .
انتظر حتى أحضر السائق خادمتين من الحفل وأمرهما بملازمة الجناح ، وعاد هو وفكره مثقل من حاله واحواله ومصيبته التي واضح انها تحتاج منه مزيداً من الانتباه والمراقبة وقلبه يحدثه : ااه واي مراقبة ومجرد النظر لها يوجع القلب ويذيبه ، ربما لو اختلى بها مرةً أخرى لن يتمكن من كبح جماح نفسه .
نظر حوله فاذا هو وسط الاحتفال والمعازيم والاهازيج ، متى وصل هنا ؟ والله لا يعلم !
ثم طولها الفارع وهيئتها وهي تركض وتنزع حذاءها ك غزالٍ يهرب من صياد.
سامحك الله يا امي كنت مرتاح ومنسجم مع الشباب لماذا اتصلتي بي تستنجدي من اقتتال فتاتين قد يفسد الحفلة ويسبب فضيحة كبيرة ، وبمن كانت ستستنجد غيري ؟ أنا التعس الوحيد من ابنائك المحرم للفتاتين معاً.
وبتنهيدة : كم عمرها يا ترى ؟
اكتشفت انني لا أعلم عنها شيء ! تبدو كطفلة ، ولكن طويلة !.
اووف لماذا لا تخرج من عقلي ؛ أتعبتني واتعبت فكري وعلى ما يبدو ستتعب قلبي .
على يمينه يجلس عمه ابو طلال ، وبدون تفكير : عمي أبي عقد الزواج والاوراق الثبوتية لمرتي .
حدق به ابو طلال بنظرة معناها الحرفي " الله ينكد عليك"
واجاب باقتضاب : باكر ارسلهن لك .
***
هي لا زالت تبكي بحرقة وتدعي من كل قلبها على ابيها وعلى خالد وعلى كل انسان في هذه العائلة ، نظراتهن الساخطة والمحتقرة لها قبل قليل في الحفلة كانني حشرة دخيلة حتى من جدتي ! ليتني لم اذهب .
وزاده تهجم روعة وكلمات خالد الحقير والتي متأكدة كل التأكيد انه تعمد جرحها حتى تستسلم له ، ما أخبثه ! وما اصعب تجنبه اذا كانت امه وبكل وقاحة سمحت له ان يدخل على الصالة ويراها هكذا بل الاصعب تركته يأخذني لوحدي ! اخ واحر قلباه ، كل هذا اكثر من احتمالها ، هي على يقين الآن أن بقاءها معهم يعني احتراق ما تبقى من روحها ، وذوبان آخر خيطٍ يربطها بعالم الانسانية .....
نزل من سيارة الأجرة بهدوء وانتظر دقائق وهو يدير عينيه في الفضاء وفي الانحاء وفي كل شيء .
سار بخطواته الواثقة مع ان بذلته الرسمية تضايقه مع حرارة البلاد في هذا الوقت من السنة ؛ لكنَّ ضيق الوقت لم يمكنه من تغيير ملابسه وارتداء ملابس اكثر ملائمة.
دخل الصالة المكتظة وبصوته الجهوري : السلام عليكم
الدهشة والمفاجئة سادت الوجوه .........
انتهى الفصل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!