الفصل 49 | من 58 فصل

رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم عشق جنوبي💞

المشاهدات
18
كلمة
5,335
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

الفصل : الرابع والأربعون
بعنوان #بلحظة_وانهارت_دنيتي

نزل من الطائرة بهمة ونشاط وهو يستعجل الخطى ليذهب الى الدكتور فيصل ويطمئن على زوجته وحبيبة قلبه ملاك..
قدَّم عودته عدة أيام فما عاد يحتمل البعاد أكثر يشتاق لملاكه ويريد أن يكحل عينيه برؤيتها والاطمئنان عليها ، بأي غباءٍ هو مجبول وكيف طاوعه قلبه على تركها هكذا ومهما كانت الدورة مهمة فليست بأهم منها " هانت ... ساعات قليلة ويكون عندها "
فعّل هاتفه ودق رقمها ... مقفل !
مرة ثانية وثالثة ... كذلك مقفل !
انتابه بعض التوتر ..
رفع رأسه ليتفاجئ بأخوانه وأصدقائه بشيرون له في صالة الأنتظار ... أوووف هذول شلون عرفوا برجعتي وبموعد طيارتي !!
نظر جهة العميد محمود وهو يزفر بغيض : هذا أكيد العميد محمود عرف من مصادره وبلغ الجميع... الله يصبرك يا قلبي ... متى أشوفك يا نظر عيني ...
الكل توجه نحوه وبترحيب حار وعلم من أخوانه ان أمه واخواته على أحر من الجمر بأنتظاره وانه تم تجهيز غداء فخم بهذه المناسبة ... لا يستطيع تركهم والتوجه الى الدكتور فيصل وقلبه يكاد ينفطر على حبيبته لماذا هاتفها مغلق ! قد تكون نسته او لانها لا تستعمله أصلاً ولا يكلمها فيه أحد ..مؤكد هذا السبب .
الكل يكلِّمه ويسأله ويجيبهم باختصار .. في بيت اهله أعداد أكبر من الضيوف والزوار .. الله يسامحك يا محمود لو انك تدري بحالي واحوالي والله قلبي منفطر وروحي جواها البعد والشوق مرمرها.
دقائق محمّلة بالمشاعر الجياشة قضاها في المجلس الآخر في أحضان أمه وبين دموع أخواته ؛ لا يريد لامه ان تنفعل كثيراً .. أجلسها بقربه وأخذ يحدثها ويحدثها ويسرّي عنها حتى هدأت وهو في داخله يشتعل ناراً وما ان اطمان عليها حتى خرج للحديقة وعاد يتصل برقمها .. كذلك لا مجيب ! قلبه يضطرب ويزداد خوفاً : الله يسامحك يا ملاك والله قلبي ما يحتمل .
من قريب سلّم على العميد محمود ابن عمه ومن بعيد راقبه ولم يعجبه حاله وكانه مهموم او مشغول وهو خير من يقرأ التعابير والوجوه.
جاءوا بطعام الغداء للضيوف من أفخم المطاعم وأفخرها لكن لا رغبة له بالطعام ولا يريد تناول شيء منه ، لفت نظره اطباق جانبية صنع بيتي تناولها وأكلها بألفة ونشوى تسري في جسده بسببها ولا يدري لماذا وكأن فيها أسكير منعش للحياة لا يعلم سره ..( اكيد عرفتوه هذا تجهيز ملاك)
بعد الغداء بقيت الاعداد الغفيرة وغيرهم يتوافد وهو لا يطيق الانتظار ، قام خلسة بعد ان خطف من صلاح مفاتيح سيارته اللامبورغيني وأشار الى صلاح غامزاً بالتغطية عليه .. وصلاح يضحك وفي باله اكيد مواعد واحدة من حبيباته وقلبه مشتاق حيل.
قفز الى السيارة وانطلق مسرعاً والوجهة مستشفى الدكتور فيصل .. طبعاً لن يذهب لها مباشرة فهي لن تتعرف عليه وربما تصاب بالرعب لو قال لها أنه رداد ... الأفضل ان يرى فيصل أولاً ليطمئنَّ على أحوالها ... هناك شيء بداخله يوحي له بعدم الأطمئنان ... يشعر بوجود خطب ما ودائماً ما صدق احساسه لكنه يريده الآن ان يخيب وان يجد كل شيء على مايرام وكلها ساعات ويجتمع مع ملاكه
أدخلته الممرضة الى مكتب الدكتور فيصل والذي كان مشغولاً مع بعض الاطباء المتدربين ... انتظر بقلة صبر حتى انهى فيصل عمله وخرج المتدربون وناظره فيصل باستغراب من استعجاله وتوتره .
رفع فارس شعره الى الخلف وسأل بصوت مضطرب : دكتور بأسألك عن زوجتي ملاك تركتها عندكم من ستة شهور والحين بتِّصل عليها ما ترد .
صمت فيصل لثواني قاتلة وهو يحاول استيعاب سؤاله ؛ ثم باستفهام وللتأكد : انت زوج ملاك؟
فارس بقلة صبر : اي انا زوجها.
فيصل لا يعرف كيف يجيبه ولكن في مثل هذه المواقف لا ينفع الا الوضوح والصراحة حتى لا يضع نفسه موضع مساءلة ، وفارس يتحرق ناراً ولا يدري لماذا تتأخر الأجابة وقلبه يخفق " يا رب خير "
فيصل بهدوء : زوجتك تركت العمل عندنا من مدة وما نعلم عنها شيء.
كلمات كالصاعقة نزلت على رأسه .. ومخاوفه التي حاربها تحققت ... ملاك ليست عند فيصل .
فارس واضطرابه زاد حد الجنون : مستحيل انا تركتها عندكم ووصيتها ما تطلع الا لما أرجع وملاك ما عمرها تخالفني .
فيصل بثقة دق على هاتف أمه وهو يضع السماعة الخارجية وعندما اجابت سألها بثقة : يما... ابغى أسألك ملاك من تركت الشغل عندنا كلمتك او زارتك شي؟
ام فيصل بحزن : لا والله يا ولدي حتى زعلان منها لا زارتني ولا حتى تكلمني بالهاتف ولما أرن عليها تلفونها مقفل.
انهى فيصل المكالمة مع امه وناظر فارس بنفس الثقة وفيصل يعاني الصدمة وأي صدمة بل اي رعب وغضب يسري في جسده في هذه اللحظة .. " وين راحت وليه خالفت أوامري وطلعت من عند فيصل مع انّي حرّصتها كثير"
بصوته المتهدج سأل : متى حصل هذا؟
فيصل بتفكير : من حوالي شهرين تقريباً.
عاد يسأل : ممكن أعرف ليش طلعت من عندكم يعني حصل شي مشكلة او خلاف!
فيصل بتشديد : أبد كل شي كان تمام لكن هي فجاة بلَّغتنا .. ثم سكت
فارس بألحاح : وش بلّغتكم!
فيصل بتردد : بلغتنا ان زوجها ردَّ من السفر وأنها بتعاود بيتها.
صدمة جديدة تضاف لسلسلة الصدمات المتلاحقة على قلبه ؛ لماذا تكذب أو لماذا تدّعي عودتي ام هي خدعة للهرب كعادتها ..
خرج مهموماً شارد الذهن وفي قلبه يتنامى الغضب والحقد على زوجته خائنة الأمانة ... كيف ولماذا تخالف تعليماته..
مباشرة اتصل مع ام عزمي وسألها دون ان يعرِّف عن نفسه عن ملاك ولكن اجابتها زادت خيبته وغضبه .
دار بالسيارة بعض الوقت ثم قفل عائداً الى بيت أهله بسبب كثرة المكالمات التي انهالت عليه .
جلس مصدوماً بين الحضور ووجهه شاحب والأفكار والمخاوف تتقاتل في رأسه.

***

يااااه يوم طويل ومتعب ومضني والألم يغزو جسدها ... هانت كلها ساعات قليلة وتنهي عملها وتريح نفسها في الأيام القليلة القادمة بانتظار رداد .
غداً بأذن الله ستذهب الى فيصل في مشفاه فهي بالطبع لن تذهب الى بيته فربما منال لا زالت هناك ، على كل حال ستعطيه عنوان تهاني ورقم هاتفها ليعطيه لرداد عند رجوعه بالسلامة .. ابتسامة أشرقت على وجهها عند تذكر رداد التقطتها وفاء عندما دخلت تستعجل بالتحلية : احم أحم هذي الضحكة ماهي بريئة أبد ... اعترفي بأيش سرحانة؟
ملاك تخصرت : أوووف منك يا وفاء ما يفوتك شي.
وفاء بضحكة : لا تغيرين الموضوع ؛ وجاوبي الحين ليه الإبتسامة!
ملاك بخجل : بصراحة كنت أفكر برجعة زوجي بالأيام الجاية .
وفاء وضعت يدها على صدرها بتظاهر بالأغماء : اويلي ويلااه .. قلبي الصغير لا يتحمل .. يا رب اوعدنا ونعيش هالأحاسيس الجميلة .
ضربتها آلاء على كتفها من الخلف وهي تقول : شف شف هالخبلة متشفقة عالزواج الله عساك تعنسي عند امي قولي آمين .
استندت وفاء بأحباط وهي تمسح مكان الضربة : هذا انت هادمة اللذات والا يعني حرام نحلم شوية .
جاءت سناء وهي تتنفس الصعداء : الحمد لله أبشركم رجع فارس .
البنات معاً : الحمد لله .
آلاء بغضب : هذا ما يجوز عن طبعه وسوالفه ، توبه راجع من السفر وبلّش يتهرب زي عادته .
وفاء بضحكة : ههههه صلاح يقول لأمي ( وتقلد صلاح ) يما لا تخافين عليه هذا راح يشوف وحدة من حبيباته قلبه متشفق عليها وما هو مستحمل لباكر ... وامي ضربته على كتفه وهي تقول ( طبعاً تقلد امها ) قم يا قليل الحيا تحسب أخوك مستهتر مثلك .. وصلاح يرد عليها : والله يا ام تركي الي يدري يدري والي ما يدري يقول العيد باكر هههه
سناء وآلاء يضحكن على اسلوب وفاء بينما ملاك وقفت بدهشة : وهو فعلاً اخوكم فارس راعي سوالف وبنات!!
وفاء وآلاء معاً : يووووه وأكثر
واكملت وفاء : لو تشوفي صفحاته على مواقع التواصل كلها اعجابات وبنات واشي اشعار عنه والا التاغات والمنشنات وأقولك أكثر البنات اللي يصاحبني انا وخواتي على شان يوصلن له.
ملاك باستنكار : اللي عنده مثل مرام لويه يلف ويدور والله حرام عليه.
سناء بتصديق : أي والله وأنا احياناً اقول أكيد عندها أخباره وتاركيته براحته حتى يتزوجون وبعدها تورجيه الويل .. تراها ماهي هينة.
ملاك بحنق : والله اللي فيه طبع ما يتركه ؛ الله يهديه.
وفاء بضحكة : علامك زعلتي تقول انه زوجك انت ما هو بزوج مرام .
ملاك بابتسامة : الله يخليلي حبيبي رداد والله أنه عندي برجال الدنيا كلهم .
وفجأة شعرت بنغزة قوية بصدرها فصرخت وهي تضع يدها على صدرها : اااه
سناء بخوف : نغم حبيبتي انت تعبت كثير اليوم ؛ روحي تسطحي بالمجلس الصغير لما تخلّص تهاني شغلها .
لم تعترض ملاك لأن النغزة أوجعتها وأسندتها تهاني ورافقتها للمجلس الصغير .
هناك بعد ان تركتها تهاني تسطحت على كنبة كبيرة ومريحة وناعمة ورغم ذلك لا زالت تشعر بالضيق لأن نوافذ هذه الغرفة مغلقة جميعها ؛ فقامت وفتحت احدى النوافذ وأسدلت الستارة جيداً وعادت لتنام مجدداً بعد ان اقفلت الانارة .

****

من شدّة ضيقه قام بعد ان أخذ سيجارة من أحد رفاقه وهو لم يكن يدخن الا نادراً أو حسب التنكر في عمله كما كان في شخصية رداد ...اتجه ليدخنها في غرفة أخرى حتى يفكر بهدوء وبعمق .
رآه محمود عندما قام وتبعه الى الغرفة ... اووف لم يكن له خلق لمجالسة محمود او مكالمته ؛ يريد فقط الانفراد بنفسه والتفكير بروية والتحكم بالغضب الذي يسيطر عليه .
العميد محمود جلس مقابله بهم وتكلم بألم واضح : الي شهور مستني هالجلسة معك يا فارس ما عاد لي أمل ألاقيها الا بمساعدتك.
فتحت عينيها على اتساعها وهي تستمع صوت العميد محمود الذي لا يخفى عليها مع رائحة السجائر القوية.
سرت في جسدها رعشة وهي تخاف أن يشعر العميد محمود بوجودها فانكمشت على نفسها بترقب .
عاد صوت العميد محمود يتكلم بألم : ما تركت مكان ما دورت بيه على ملاك ولا اي احتمال الا وبحثت فيه انا وفهد لكن بدون فايدة.
فارس يستمع له ولا يرغب بمبادلته الكلام وما فيه يكفيه ولن يناقش أي شيء يتعلق بها مع محمود وأصلاً لماذا كل هذا الأهتمام بها ... ربما كان منجذباً لها .. " الله اعلم شلون كانت تكلمه لما تروح القسم "
صوت محمود اختلط فيه الرجاء بالأمل : فارس .... اريد منك تركز معي زين .... لما كنت متنكر بشخصية رداد في الحوش ... أكيد عرفت عنها معلومات كثير ..
أريدك تفيدني بأي تفصيل او أي حادثة ممكن تدلنا على مكانها.
عيناها ترمش وترمش كأنها تسألها " هل صحيح ما سمعت الآن.. ام هو مجرد كابوس ... أكيد كابوس .. أو وهم ... هذا أكيد من كثر ما سمعت البنات يتكلمن عن اخوهن فارس اختلطت علي الأشياء .... أكيد!!"
فارس بغضب وعصبية : تبغاني أقولك شي عن هالحقيرة الكذابة الهربانة من أهلها وعايشة ببيوت الناس ... أقولك جتني بدموع التماسيح ما تبغى ترجع لأهلها وانا شفقت عليها وتزوجتها وأخفيتها ولما سافرت تركتها عند خال أمها فيصل واليوم جيت أشوفها لقيتها هربت من جديد ... الحقيرة الواطية ما تترك طبعها ... ما تعرف غير تمشي على حل شعرها لا حسيب ولا رقيب ..
هو .. هو ... صوته وعصبيته المعتادة ... يشتم فيها ويتهمها بأسوأ التهم ... دموعها بدأت تتساقط وقلبها يتقطع وآلامه تزداد والصدمة قد شلت كل ما فيها الا دموعها وآلام قلبها .
محمود مصدوم ومتفاجئ : طيب ليه أخفيت عني ليه ما صارحتني وطمنت قلبي .. ليه خليتني بهم وخوف طوال هذي الشهور .. ليه يا رفيقي ... ليه يا ولد عمي .
فارس بلا مبالاة بكلامه : هي الحقيرة ما ودها أحد من جهة أهلها يعرف مكانها وانا الغبي وعدتها وما ردت أخلف وعدي ... أفكرها تستاهل ... ااااخ اااااخ
ونسي نفسه من شدة غضبه واسترسل بالكلام : أنا غبي وحمار والا لازم من سمعت اولاد عمها خالد وعبدالله يتحدثون عنها وعن أخلاقها لازم رميتها عليهم مثل الكلبة وريَّحت روحي من همها .. اااااخ يا القهر .
طعنة وراء طعنة وصدمة وراء صدمة وقلبها مع كل كلمة يؤلمها أكثر ... رداد هو نفسه فارس ... ما أصدق ... رداد يتكلم عني بكل هالأحتقار ... كيف صار كذا
ابو تركي دخل المجلس وجال ببصره بين محمود وفارس وبتوجس : في شي!
محمود بضيق : لا يا عمي .. حنا بس نتناقش بقضية.
قام فارس بضيق وألقى السيجارة تحت قدمه وتجاوز أبوه بغضب وخرج من المجلس بل من البيت بأكمله وكل السخط والغضب يتملكه ويسيطر عليه .
وتبعه ابو تركي ومحمود المقهور من فارس وطيشه المعتاد وخيبة أمله لأن فارس سبقه وتزوج ملاك .
حاولت ان تستند لكن لم تستطع ؛ تشعر بيديها وقدميها كقطع متهالكة من الثلج ؛ عندما عرفت ان امها على قيد الحياة اصابتها صدمة شديدة فقدت بسببها التواصل مع الناس والحياة اياماً عدة لأنها لم تحتمل غدر أمها .
واليوم تصدم بغدر من أولته كل ثقتها وحبها وحياتها ... رداد طلع ماهو برداد .. سندها طلع كاذب وغدار .... عزوتها وكل دنيتها طلع ثعلب متنكر بعقر الدار .... حبيبها وأمل حياتها قناص وصابها بقلبها باقتدار ... وحالها الحين مثل موج البحر هدَّار .... طعنها بكل شي وشرفها جرحه بآخر أصدار .
أخذت تبكي وتجوح وتجوح ولا أحد يسمعها او يدري بها وتضرب حيناً على صدرها وحيناً على بطنها وهي تدعو على طفلها بالموت والبوار ... وتسخط على دنياها وتدعي على كل من ظلمها بالدمار ... وشهقاتها تعلو وتعلو حتى ترهقها فتخفت على دعائها على نفسها بالموت والأندثار...
ثمّ أغمي عليها وما عادت تشعر بشيءٍ من حولها ..

****

فهد بصدمة : انت وش تقول!! معقول فارس متزوج ملاك!!
وبعد تفكير : عشان كذا ما قدرنا نعثر عليها ؛ اكيد فارس اخفى كل آثارها .
ثم نظر الى محمود وهو يشعر بخيبته وحزنه.
ربَّت على كتفه وبصدق : الله يعوض عليك يا خوي ؛ ادري انك كنت متعلق بيها لكن الحين هي صارت زوجة فارس ..
قاطعه محمود بغبن : فارس ما يستاهلها هذا المجنون لو شفته شلون يتكلم عنها وكل الحقد اللي بقلبه عليها ، انا متأكد لما يلقاها بيطلقها.
فهد بغموض : أنا باكر بكلمه وأفهم منه كل التفاصيل اليوم انا أعرفه ما يتقبل اي كلام من أحد ؛ باكر بيكون هدي ويفكر بمنطق ؛ المهم الحين تطمَّنا ان العصابة ما هم اللي أخذوها بعد ما طلعت من بيت أم عزمي.
بعث رسالة الى فاطمة يخبرها بتأخره مع أصدقائه ؛ فقد قرر البقاء اطول وقت ممكن مع صديقه العميد محمود فهكذا هم الأصدقاء الحقيقيون..

***

بصعوبة ايقظتها تهاني وهي تمزح : ايه يا بت يا ملاك ، نومك بئى تئيل أوي .. يلا نروح بيتنا وهناك نامي براحتك .
قامت بثقل وهي تستند على تهاني ، وكأنها سمعت تهاني تقول : نروح نسلّم على الست جليلة وبناتها بالأول .
فصرخت بضيق : لااااا ... نروح بيتنا.
لم تجادلها تهاني خاصةً عندما رأت دموعها تتساقط بقوة.
كانت نغم تنتظرهم بشوق لسماع آخر الأخبار ولكنها صدمت بمنظر ملاك المخيف وأشارت لها تهاني بعدم الكلام .
اوصلتها فراشها وهناك استلقت كالذبيحة بلا حول ولا قوة .
نغم تهمس لتهاني : فيه أيه !! أيه الي جرالها؟
تهاني بحزن : يا كبدي عليها دي هلكت روحها النهاردة وهي بالآخر مش أدرة تسند روحها ؛ خليها تنام وترتاح وربنا يلطف بيها.
مرت الساعات لا هي نائمة ولا هي مستيقظة ، تشعر بانها تنكة حديد مهترئة مستهلكة ملقاة فوق اكوام النفايات وتتساقط فوقها أحياناً بعض قطرات المطر لتذكِّر الكون الموحش بوجودها .
نعم هي تلك التنكة الصدئة التي حكم عليها منذ بداية صنعها ان تكون ملطشة للعالم بأيديه القذرة استهلكتها ربة البيت باحتقار ثم ألقتها بقرف لأبنائها الصغار يتقاذفونها ككرة متعفنة في الحواري الضيقة ، يدعسونها باقدامهم حيناً ويتبادلون ركلها بارجلهم حيناً آخر ، وإذا ما سئموا وتعبوا من اللعب بها جعلوها هدفاً يتسابقون في رمي الحجارة عليها وأيهم يقذفها بأكبر كمية من الحجارة هو الفائز المغوار.
وقد كنت كذلك يا رداد كنت الفارس الذي أصابني بأكبر الحجارة وأقساها ؛ كنت من لكمني الضربة القاضية وقذفتني حجارتك الغادرة لأعتلي هرم نفايات الكون وحقارته.
بعد غدر امي بي بقيت أياماً أدعو ربي أن يمنحني القوة لأتعافى لأجلك أنت فكلانا وحيد وكلانا يحتاج وجود الآخر بقربه ؛ أو هكذا كنت أتوهم وأي وهم وأي كذبة كنت أعيشها وأي حلم صنعتُ منه عالماً وحياة ؛ تعافيتُ رغماً عن قسوة الجرح لأجلك أنت ؛ ولأجلك انت كنت حتى قبل ساعاتٍ أعيش ... لكن الآن ما عاد لي شيء اتمسك بالحياة من أجله وما عاد لي شيء لأدعو الله بتضرع أن يمنحني القوة لأجله .... ما عاد لي شيء ... عندها فقط شعرت برفسة قوية في بطنها وكأن من يسكن رحمها يذكرها به وبأنه يستحق أن تقاتل وتقاوم من أجله وتعاود النهوض من جديد .... لكن حتى هذه اللحظة صدمتها أقوى حتى من ألحاح صغيرها عليها ... لن تلتفت اليه فهو من صنيعة هذا الكاذب الآثم في حق ذاتها وحق كيانها في الوجود..

****

تتثاءب للمرة العاشرة بعد سهرة الليل الطويلة ولولا وجود جلسة للطفل عادل لما داومت اليوم ؛ يداهمها النعاس بقوة .
الطفل يهجم عليها بفرح قافزاً من حضن جدته نحوها ووالده ينظر له بسعادة وسرور .
هذا الطفل بدأ يشغل مساحة كبيرة في قلبها وحياتها وتشعر بصلة روحية بينهما .
بدأت الجلسة الطويلة المرهقة وهي تبتسم بوجهه رغم تعبها الكبير وعامر يساعدها بمهارة وقد أتقن أغلب الحركات ولا زال لا يرفع عينيه جهتها نهائياً وهي تسترق نحوه النظرات أحياناً وبقلبها " الله يهديك يا روعة كيف طاوعك قلبك تتركي مثل هذا الزوج ومثل هذا الطفل "
وفي لحظة وبحركة مباغتة قفز عادل من أحد الطاولات ؛ فهجم كل من سناء وعامر لتلقيه بيديه ؛ فوقع بين يديهما قبل أن يصل الأرض وللحظة أدرك كلاهما أن يديهما تشابكتا معاً دون قصد وبذات اللحظة رفع عامر عينيه بعيني سناء كأنه يسألها ماذا حدث وهو يشعر بملمس يديها الناعم بين يديه ؛ فأنتفض كلاهما وفكَّا أيديهما من بعض وكاد عادل للمرة الثانية أن يسقط على الأرض ؛ وهذه المرة سبقت يدا عامر لالتقاطه ولكن بعد أن صدم رأسه وبقوة برأس سناء ولولا وقوف أم عامر خلفها واسنادها لسقطت على الأرض .
ضم عامر ابنه الى حضنه وهو ينظر الى سناء بخوف : فيك شي ، تأذيتي؟
وهي تفرك جبينها وتهز رأسها في نفس الوقت نافيةً أي ضرر بل بالعكس سارعت لأخذ عادل منه والأطمئنان من عدم أصابته بأي ضرر .
" ما أجملها " هكذا سرت الكلمات في ذهن عادل في هذه اللحظات " بحياتي ما شفت بجمالها طبيعي بدون مكياج ولا تصنع ، كأنها ياقوتة تشع محبة وحنان ، معقول تكون متزوجة ، يا رب لا "
قطع أفكاره صوت الحسناء التي ما عاد يرفع نظره جهتها : ان شاء الله الجلسة القادمة بتكون الأخيرة.

***

يجلس في الحديقة بانتظار فهد الذي ألح عليه كثيراً لمقابلته ، أمضى ليلة طويلة مضنية مرهقة وهو يفكر في زوجته ملاك " أين يمكن ان تذهب ولماذا خالفت تعليماته وتركت بيت فيصل ووين ممكن تروح!!"
حدد لنفسه خطة للبحث وجهات متعددة ليتواصل معها ولكن ألحاح فهد عليه باللقاء سيؤخره قليلاً.
جلس فهد مقابله وهو يرى سرحانه الواضح ولا يلومه ، هو فقط يلومه على أخفاء زواجه من ملاك عنه وعدم ثقته به مع أنهم أصدقاء مقربون منذ الطفولة وأشبه ما يكونون أخوة.
ولأنه يعرف صديقه تكلم مباشرة : الخطوة الأولى أننا نواجه فيصل ونصارحه بالحقيقة وبغير كذا ما نقدر ناخذ اي معلومات منه.
ناظره فارس بحدة : قصدك انا أروح أواجهه وانت مالك دخل ولا دور.
فهد بحدة : الا أنا بمشي معك خطوة بخطوة ؛ أنت محتاجني والحين بفهمك بالتفصيل التطورات الي صارت بغيابك.
ولأكثر من ساعة فهد يشرح لفارس اللبس الذي حصل عند أهل ملاك واعتقادهم ان ملاك عند جدتها ثم بحثهم المضني عنها وانتهاءً بأصابة أبيها بجلطة حادة لزمت دخوله المشفى...
بعد تفكير وافق فارس على مشاركة فهد له بالبحث مع شعوره بالخيبة من فقدانه أحد خيوط بحثه عنها وهو عودتها الى أهلها ... يبدو أنها لا زالت مصرة على عدم العودة لهم.

******

من جديد تلمح نوف تراقبها من بعيد وشكلها لا يبشر بخير ولكن يبدو أن وجود آلاء بقربها وتحدثها بحماسة عن أحداث الأمس يحول دون اقترابها منها.
قامت آلاء للذهاب الى المكتبة وبقيت ميسون متقصدة لوحدها.
عندها أقتربت منها نوف بتوجس وجلست بقربها وهي تشهق . ورغم ما تسببت به نوف لها من أحراجات الا أنها لا يمكن أن تتخلى عن طيبتها وأصالتها ومساعدتها للآخرين
نظرت لها ميسون وبخوف سألتها : وش فيك يا نوف ليه تشهقين كذا عسى ما شر.
زادت شهقات نوف ودفنت وجهها بكفيها وهي تبكي بحرقة وبصوت مرتفع جعل البنات الأخريات ينظرن لها باستغراب ؛ عندها مسكت ميسون بيدها وسحبتها للجلوس تحت أحدى الشجيرات البعيدة وهي تدعو الله أن لا يكون قد حصل مكروه لهذه الغبية الجالسة أمامها.
ميسون بحدة : تكلمي يا نوف ؛ علامك ؛ ليه تبكين وتجوحين  كذا؟
نوف من بين صياحها وتنهيداتها : أنا ضعت يا ميسون ؛ أنا رحت وانتهيت ... وازداد نواحها ونحيبها.
ميسون مصدومة ومقهورة ، مسكت ذراعها وصرخت بها وهي تحبس دمعة متحجرة في عينيها : شلون ضعتي وش صار معك ؛ تكلمي ... تكلمي والا والله بدفنك بمكانك.
نوف بألم : يا ريت تذبحيني وأموت وأرتاح من حياتي وأخلص من العار الي سببته لنفسي وأهلي.
ميسون جنَّ جنونها ، فمسكت ذراعيها بقوة وركزت نظرها في عيونها : تكلمي وش صار ومع من وبالتفصيل.
نوف هدأت للحظة وهي مرتاحة للفضفضة لرفيقة عمرها ميسون بالمصيبة التي أوقعت نفسها بها : تذكرين هذا الشب الي أعطاني ورقة فيها رقمه .
ميسون بضيق : أي أذكره.
نوف بنفس الهدوء : اسمه يوسف وهو من عائلة كبيرة لكن ابوه منفصل عن أمه وأبوه عايش مع مرته واولادها بخارج البلاد وتاركله فيلا كبيرة عايش بها بروحه ، لكن هو ما قالي كذا ؛ أوهمني أن امه عايشة معه بالفيلا.
ظل أيام يكلمني بالهاتف وأنا مستانسة على كلامه وسوالفه وطلب مني نلتقي برة الجامعة ؛ وفعلاً قابلته كذا مرة بالكوفي وبالمول وكل مرة يشتريلي حاجات ثمينة وهو يوهمني أنه يحبني ومتعلق فيني وأنا مصدقته وطايرة من الفرحة بيه لحد ما بيوم كنا سوا بسيارته وجاه تلفون رد عليه وبعد ما خلص قال : هذي امي تقولي جيب نوف الفيلا أبغى أتعرف عليها وانا ترددت وهو عمل روحه زعلان أني ما أثق فيه ؛ وأنا من هبلي كل شي الا زعله ، طاوعته ورحت معه الفيلا وهناك انبهرت بفخامتها وجمالها وشفت في خدم وحشم ، راح حرصي وترددي.
مسك يدي وهو يقول تعالي نطلع عند أمي بغرفتها هي حرمة كبيرة ومريضة ما تقدر تنزل ؛ وأنا بهبلي مشيت معه وطلعت فوق وهو يسوقني مثل النعجة الي صادها الذيب ونوا ينهشها.
طلعت غرفة نومه ولا أمه ولا حدا بيها وقفل الباب بالمفتاح وأنا قمت أصرخ وأطلب المساعدة وهو يضحك ويقول الغرفة عازلة للصوت أصرخي قد ما تبين .
وهجم علي وأنا أحاول أقاومه لكن ما قدرت وأخضعني له بسهولة ونهش لحمي بدون رحمة ولا رأفة حتى ثيابي مزعها وبعدها جرني برة بيته ورماني خارج البوابة ورمى علي شوية فلوس وهو يقول خذي سيارة أجرة تردك لأهلك.
وأنا أصرخ عليه وأهدده بأبوي واخواني يذبحونه وهو بس يبتسم ويقول : يا هلا بهم ، لما يجوني أقولهم بنتكم جت معي برجولها وما أحد جبرها وبالمرة بفرجيهم صورنا سوا واسمعهم محادثاتنا الحميمة ، وسكّر البوابة وتركني وهذا أنا ألي أيام وليالي ما أفكر الا شلون أذبح روحي وأخلص من حياتي.
ثم نظرت بألم الى ميسون : يا ريتني سمعت كلامك ونصايحك ؛ يا ريتك ذاك اليوم ما تركتي أيدي وتخليتي عني ؛ يا ريتك شديتيني من شعري وجريتيني قدام الخلق ولا صار بي اللي صار.
وعادت تدفن وجهها بكفيها وتبكي بحرقة وميسون لا تقدر من الصدمة على شيء الا أن تبكي معها بحرقة وفكرها يبحث عن وسيلة لأنقاذ نوف وانتشالها من هذه المصيبة التي ألقت نفسها فيها.

***

مجدداً يتفاجئ فيصل بعودة زوج ملاك اليه وهو يشعر بتأفف من هذه البلوى ويلوم نفسه على استقبال ملاك في بيته دون ان يعرف خلفيتها ومن أهلها وزوجها فهو من شدة خوفه على أمه ورغبته بتوفير أحد يرعاها ويعتني بها تغاضى عن التدقيق بشخصية ملاك أو طلب هويتها.
وهذه المرة يحضر معه رجلاً آخر لوهلة بدا له مألوفاً.
تكلم فهد أولاً : دكتور فيصل اذا في أمكانية تجي معنا مكان هادئ نتكلم فيه.
فيصل بتوجس منهما : اذا في عندك شي قوله الحين وراي مرضى ومراجعين وماني فاضي.
أخرج فهد هويته الأمنية وعرّف عن نفسه وكذلك فعل فارس عندها فقط أدرك فيصل خطورة الموضوع وقرر الخروج معهم بل واصطحابهم الى منزله ليفهم منهم كل شيء.
في مجلسه في بيته جلس بترقب ينتظر اي منهما ليتحدث.
فارس بدأ : أنا ودي أعرف ليه حرمتي تركت الشغل عندكم وانا متفق معها تظل لحد ما عاود ؛ أكيد في شي حصل وبسببه تركت البيت.
فيصل بتحقيق : ممكن تجاوبني بالأول ليش زوجة شخص مثلك وبمكانتك تعمل بالبيوت !! وشلون تتركها ببيت رجال عزابي وهي شابة جميلة ما ينقصها شي.
فارس بضيق من كلامه : لأني متزوجها بالسر وهي هربانة من أهلها وظلمهم ومن أمها وأهل أمها الي ما يعترفون بيها.
فهد يحاول تهدئته وفيصل لا يفهم سبب حنقه وتشديده بالكلمات التي قالها فردّ بعصبية : وأنا مالي بيك وبزوجتك ومصايبها مع أهلها ؛ كان الأولى بيك تهتم بيها وتأمنها على الأقل عند أهلك ما هو ترمي بلاويك على غيرك وتجي تحقق مع الناس ليه ما حبسوها عندهم لحين رجعتك.
كاد فارس أن يرد عليه بشدة اكثر لكن فهد أوقفه ووجه كلامه لفيصل بهدوء : هو اختارك أنت وأمنك عليها لأنك محرم لها ومن أهل أمها.
فيصل تاه من كلامه ولم يفهم او يخطر بباله شيء ، صحيح ملاك تشبه كثيراً جدته لكن كيف ومن أين القرابة : ما فهمت وش قصدك؟
أجابه فارس بحرقة : ملاك بتكون بنت بنت أختك.
فيصل لا يستوعب : ما فهمت! قصدك ان ملاك هي بنت منال!
فهد بتوضيح : نعم هي بنت منال ..... من زواجها الأول
.
.
.
انتهى الفصل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...