جريت بأقصى سرعة عندي… يمكن ألحق العربية اللي خطفوا فيها أخويا. لكن للأسف وصلت متأخر. كل اللي قدرت أعمله إني لمست مؤخرة العربية قبل ما تختفي من قدامي، ووقعت على الأرض.
فضلت أبص للمكان وأنا مش مصدق اللي شوفته بعنيا.
قومت أجري على البيت، وحكيت لبابا وماما كل اللي حصل. ومن شدة الصدمة والضغط العصبي، الدنيا اسودت في وشي… ووقعت فاقد الوعي.
رحلة النسيان
كتابة واقتباس
محمد منصور “منص”
وقبل ما نبدأ… نوحد الله، ونصلي على خير خلق الله سيدنا محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد، صلاةً تُحل بها العقد، وتُفرج بها الكرب.
★ مش عارف عدى وقت قد إيه… لكن أول ما فتحت عيني، لقيت ست أول مرة أشوفها، باصة لي بابتسامة غريبة وقالت:
– أخوك أكرم مستنيك برة… وعايز يشوفك.
استغربت وقولت:
– إنتِ مين؟
بصتلي باستغراب وقالت:
– أنا أمك يا جميلة… هو الحادثة أثرت على مخك ولا إيه؟
الكلام نزل عليا كالصاعقة.
قومت من على السرير بسرعة، وبصيت حواليا. الأوضة كانت بسيطة جدًا، وكل حاجة فيها بتصرخ بالفقر.
قربت من الشباك… واتصدمت.
أشجار كتير قدام البيت… لكن ولا ورقة فيها لونها أخضر.
كل الأوراق كانت بنية غامقة… ذابلة… كأن الحياة نفسها ماتت فيها.
همست باستغراب:
– إحنا فين؟
لقيتها وقفت ورايا وقالت بهدوء:
– إحنا في حي الأشجار.
لفيت لها بسرعة وقلت:
– قصدك… حي الفقراء؟
ابتسمت وقالت:
– مالك مستغرب كده يا عزيز؟
حسيت إن قلبي هيقف.
بصيت لها وقلت بعصبية:
– أنا مش عزيز… كفاية بقى!
وفجأة…
فتحت عيني مرة تانية!
لقيت نفسي على سرير مختلف… في بيتنا… في الحي الذهبي.
أمي كاملة نوار واقفة جنبي، وأبويا ربيع، ودكتور بيقيسلي الضغط وهو بيقول:
– هتبقى كويس… متقلقش.
أول سؤال خرج مني كان:
– فين كريم؟
ردت أمي وهي بتحاول تطمني:
– هيرجع قريب إن شاء الله.
بلغنا البوليس، وبعد شوية وصل مفتش المباحث.
طلب مني أوصف الناس اللي خطفوا كريم، وشكل العربية، ورقمها.
غمضت عيني، وعصرت دماغي، وافتكرت لون العربية ورقمها… وحكيتله كل حاجة.
بصلي المفتش شوية، وقال:
– العربيات اللي بالأرقام دي تبع الداخلية الموجودة في حي الأشجار… مش عندنا في الحي الذهبي.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
قلت بعدم استيعاب:
– يعني إيه؟
رد بهدوء:
– يعني واضح إنك لخبطت بين حاجات بسبب الصدمة.
هزيت راسي بعنف وقلت:
– لا… أنا متأكد من كل كلمة قلتها.
قال وهو بيقف:
– وأنا متأكد إن العربيات دي مش موجودة هنا خالص. أتمنى لكم يوم سعيد.
وسابنا ومشي.
وقتها بصيت لبابا وماما… وأنا حاسس إني هتجنن.
لا قادر أصدق كلام المفتش…
ولا قادر أكذب اللي شوفته بعنيا.
طلعت أوضتي من غير ما أسمع أي كلمة منهم.
رميت نفسي على السرير… وغمضت عيني.
وفجأة…
ورقة شجر ذابلة نزلت على وشي.
شلتها بعصبية وأنا بقول:
– إحنا هنفضل عايشين العيشة دي لحد إمتى؟
سمعت نفس الصوت يرد عليا:
– استحمل يا عزيز.
فتحت عيني بسرعة…
لقيت جميلة واقفة قدامي.
صرخت فيها:
– أنا مش عزيز! وإنتِ مش أمي! أبعدي عني… ورجعيني للحي الذهبي!
قالت وهي باصة في الأرض:
– ليه بتقول كده؟ مكانك هنا… وسطنا… مش وسطهم.
قلت بانفعال:
– دي مش الحقيقة! أنا عيسى ربيع عز الرجال… مش عزيز ابنك!
رفعت عينيها ليا وقالت بصوت مليان وجع:
– لا… إنت عزيز ابني. هما سرقوك مني علشان وعدوك بالفلوس والنعيم… وأنا ماكانش عندي غير الفقر والجوع… وحتى أوراق الشجر اللي كنا بناكل منها بدأت تذبل.
صرخت بأعلى صوتي:
– بس… كفاية! إنتِ ما بتعرفيش تعيشي من غير كدب!
لفيت علشان أمشي، لكنها نادت عليا بسرعة:
– طيب… روح شوف أخوك أكرم. هو تعبان… وعايز يشوفك قبل ما يموت.
الكلمة دي شقت قلبي.
وفي اللحظة دي…
فتحت عيني مرة تالتة.
لقيت نفسي في أوضتي.
لكن المرة دي…
باب الأوضة المقفول…
اتفتح لوحده…
وبعدين اتقفل!
نطيت من على السرير، وجريت ناحية الباب، ومسكت المقبض، ولسه هفتحه…
سمعت صوت جاي من ورايا بيقول بسخرية:
– لسه عامل عقلك بعقل الباب ده؟
لفيت بسرعة…
وأول ما شوفته…
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كريم!
أخويا…
كان واقف قدامي.
جريت عليه، وارتميت في حضنه…
وبعد شوية، كنا قاعدين كلنا تحت، وقتها كريم أخد نفس طويل وقال:
– عشر أيام… عشر أيام كاملة وأنا وسط ناس ما أعرفهمش. كل اللي كانوا بيعملوه فيا هو التعذيب… والغرض إنهم يجبروني أبيع لهم اختراع العيون الصناعية.
اتصدمت وقلت:
– عشر أيام إيه بس؟! ده أنا كنت معاك امبارح!
بصوا لبعض وضحكوا، وقالت أمي:
– يا عيسى… بص في موبايلك، وهتعرف إنك غلط. كريم بقاله عشر أيام برة البيت.
طلعت موبايلي بسرعة، وفتحت التقويم…
واتجمد الدم في عروقي.
فعلاً… عشر أيام عدوا!
رميت الموبايل من إيدي وقلت بعصبية:
– ده جنون… وأنا مش مجنون!
رد بابا بهدوء:
– محدش قال إنك مجنون… بس ممكن الصدمة لخبطت عليك الأيام.
صرخت فيه:
– لخبطت عليا عشرة أيام؟! هو عادي عندكم أنام وأصحى ألاقي عشرة أيام من عمري اختفوا؟!
تدخل كريم وقال بهدوء:
– اهدى يا عيسى… أي انفعال شديد ممكن يأثر على عينيك، ويسبب تلف في الخلايا المسؤولة عن الإبصار.
ما رديتش على حد.
قومت، وطلعت أوضتي، وقفلت الباب ورايا.
لكن أول ما لفيت…
بصيت لباب الأوضة المقفولة.
الخوف منه كان بيكبر جوايا كل يوم.
وبقيت متأكد إن وراه سر… سر مرعب.
حاولت أطرد الفكرة من دماغي، ورميت نفسي على السرير.
أول ما غمضت عيني…
لقيت نفسي مربوط من إيديا ورجليا جوه مخزن مهجور.
وشي كله دم.
وحد شدني من شعري بعنف، وهو بيصرخ في وشي:
– مين اللي أمرك تعمل كده؟! انطق!
قلت بصعوبة:
– ما… ما أعرفش…
وفجأة…
مطرقة حديد نزلت بكل قوتها على صوابع رجلي!
صرخت صرخة هزت المكان…
والصرخة نفسها صحّتني من النوم.
فتحت عيني لقيت كريم واقف قدامي، بيضحك وهو بيقول:
– مش كفاية نوم بقى؟
قعدت أتنفس بالعافية وقلت:
– أنا عايز أمشي من البيت ده… وارجع بيتنا في الحي الفضي.
قعد كريم قدامي وقال باستغراب:
– ليه؟ حد زعلك؟
قلت وأنا ماسك دماغي:
– من ساعة ما جيت هنا وأنا كل يوم بشوف أحلام غريبة… بقي ليا أم في الأحلام اسمها جميلة، وعايشة في حي الفقراء… حي الأشجار.
ضحك كريم وقال:
– بطل تاكل وتقعد تنام على طول… الأحلام دي هتختفي.
وقام وقف وقال:
– يلا… هتقوم نروح النادي ولا هتفضل نايم؟
قلت:
– لا… روح إنت.
ضحك وقال:
– يا ابني، ده إنت بقالك أسبوع من ساعة ما رجعت أنا، وإنت نايم بالشكل ده.
شهقت وقلت:
– أسبوع؟!
قال:
– مش مصدق؟ بص في موبايلك.
مسكته بسرعة…
ولما بصيت…
حسيت إن قلبي وقف.
فعلاً… أسبوع كامل اختفى!
همست بخوف:
– إيه اللي بيحصلي؟… أنا مش طبيعي.
خرج كريم من الأوضة، وسابني لوحدي.
ورغم إنه قفل الباب وراه…
لقيت الباب بيتفتح تاني…
ببطء…
ببطء مرعب.
قلت:
– كريم… إنت رجعت؟
محدش رد.
قلت بصوت أعلى:
– ماما؟
برضه… مفيش رد.
– بابا؟!
الباب اتفتح على آخره…
وماكانش فيه أي حد.
لكن في اللحظة دي…
مقبض باب الأوضة المقفولة بدأ يلف لوحده…
وببطء شديد…
الباب اتفتح.
فضلت واقف مكاني، مستني أي حاجة تخرج…
لكن ما خرجش حد.
ثواني…
والباب اتقفل تاني.
وفجأة…
شال أسود لف حوالين وشي!
وحد مسكني بعنف، وبدأ يدلق مية على وشي وهو بيصرخ:
– مين سلطك تعمل كده؟! قول… مين؟!
ما قدرتش أشوف وشه.
الشال كان خانقني…
ونفسي بيتقطع.
وقبل ما أموت…
فتحت عيني!
لقيت نفسي في أوضتي…
والدنيا ضلمة.
وكريم نايم على سريره بكل هدوء.
مسكت الموبايل…
واتصدمت.
كمان يومين اختفوا من عمري.
همست لنفسي:
– هو أنا بقيت مجنون؟… ولا فيه سر ورا الأوضة المقفولة دي؟
قعدت أدور على الإنترنت على أي حالة شبه حالتي…
لكن ملقتش أي تفسير.
وفجأة…
وأنا واقف في البلكونة…
شفت كريم خارج من البيت.
وكان بيمشي بشكل طبيعي جدًا…
على رجليه الاتنين!
اتسمرت مكاني.
فضلت أراقبه لحد ما اختفى.
ومسكت ورقة، وكتبت فيها:
“كريم بيمشي على رجله المقطوعة!”
أول ما رجع البيت…
وقفت قدامه وقلت:
– أنا شوفتك… كنت ماشي على رجلك المقطوعة.
ضحك وقال:
– حالتك بقت صعبة أوي.
صرخت فيه:
– أنا مش بخرف! أنا شفتك بعنيا!
قال بهدوء:
– طيب… مالك متعصب ليه؟
قلت:
– إزاي رجلك تكون مقطوعة، وأشوفك…
لكن كلامي وقف فجأة.
كريم رفع رجل البنطلون…
وشفت الرجل الصناعية المركبة مكان رجله.
فضلت أبص لها وأنا مصدوم.
نزل البنطلون تاني، وطلع أوضتنا.
جريت وراه وقلت:
– أنا مش كويس… أنا محتاج أتعالج.
وأشرت ناحية باب الأوضة المقفولة.
– أنا شفت الباب ده بيتفتح.
بص للباب، وقال:
– أكيد كنت بتحلم.
قلت بعصبية:
– لا… ما كنتش بحلم!
تنهد وقال:
– خلاص… هديك برشامة تهدي أعصابك.
فتح شنطته…
وطلع منها برشامة لونها دهبي.
ناولها لي.
بصيت لها باستغراب وقلت:
– شكلها غريب… بس حاسس إني شفتها قبل كده.
ابتسم وقال:
– يمكن… أصلها مطلية بمية الدهب. ده أحدث علاج في الطب، والدهب بيتفاعل مع أوراق شجر التوت وبيشفي أمراض كتير.
اتسعت عيني وقلت:
– شجر التوت؟… هو نفس الشجر اللي في حي الأشجار؟… اللي الناس هناك بتاكل من ورقه علشان يعيشوا بعد المجاعة؟
قال بمنتهى البرود:
– أيوه… هو.
قلت:
– يعني تاخدوا أكلهم علشان تعملوا علاج ليكم؟! يعيشوا إزاي؟
ابتسم ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروقي وقال:
– وإنت عايزهم يعيشوا ليه؟
قلت:
– يعني… يموتوا؟!
قال وهو بيقرب مني:
– في المقابل… إحنا هنعيش.
سكت.
لأول مرة…
حسيت إن اللي واقف قدامي…
مش كريم.
مد إيده بالبرشامة وقال:
– هتاخدها… ولا لأ؟
مديت إيدي وأنا محتاج أرتاح…
لكن قبل ما أحطها في بقي…
شفت واحد واقف قدامي.
كان…
نسخة مني بالظبط!
بس وشه شاحب، وجسمه هزيل، وعينيه مليانة ألم.
بصلي وقال:
– هاتها… أنا أولى بيها منك.
وقبل ما أستوعب…
هجم عليا!
خطف البرشامة من إيدي…
وبلعها.
صرخت:
– لأاااا!
بصلي بابتسامة شيطانية وقال:
– موت إنت…
وأعيش أنا.
في نفس اللحظة…
حسيت الدم في عروقي بيتجمد.
جسمي كله بقى بيتشل.
أما هو…
فبدأ يسترد قوته.
وقف على رجليه.
وبصلي بابتسامة انتصار.
بعدها…
رفع رجله…
وداس بجزمته على وشي.
وانحنى ناحيتي، وهمس بصوت كله كراهية:
– موت يا عزيز…
علشان…
يتولد عيسى.
صرخت بكل قوتي…
قبل ما أحس إن دماغي هتنفجر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!