الفصل 8 | من 17 فصل

الفصل 8

المشاهدات
7
كلمة
922
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

انطلق جسار بسيارته الفارهة كقذيفة موجهة، يخترق شوارع القاهرة السريعة بسرعة جنونية تخطت كل قوانين المرور، وعقله يغلي بأفكار سوداء تلتهم أواخر تعقله.

لم يكن يفكر في تلك اللحظة في خطة انتقامه الطويلة من عاصم السلحدار، ولا في استعادة حق أمه وشقيقته؛ بل كان يرى وجه بيري وهي بين يدي آسر. فكرة أن رجلاً آخر قد يلمسها، أو ينظر إلى عينيها، أو يشاركها أنفاسها، كانت كفيلة بجعله يرتكب جرـيمة قتل بشعة دون أن يرف له جفن. كانت الغيرة تنهش قلبه كوحش كاسر انطلق من عقاله، وهو الذي ظن لسنوات أن قلبه قد تحول إلى صخرة صماء لا تحركها عواطف البشر.

اقتحم جسار أسوار قصر عاصم السلحدار بسيارته التي فرملت بعنف محدثة صريراً يصم الآذان. ترجل منها ولم ينتظر فتح الأبواب، بل دفع الحراس جانباً بكل عنف، وكسر الباب الخشبي الداخلي للمكتب الفخم بضربة من قدمه القوية، ليتفاجأ بوجود عاصم وأميرة يجلسان في رعب على وقع هذا الاقتحام الهمجي. اندفع جسار نحو عاصم كالبرق، وقبض على ياقة قميصه يرفعه من على مقعده بعيون بركانية حمراء تقطر شراً. جسار بصراخ زلزل

أركان القصر ووعيد مرعب: "بنتك فين يا عاصم؟ بنتك الفاجـــرة راحت فين؟ هربتوها مع الواد الصايع اللي اسمه آسر مش كده؟ اتفقتوا عليا يا كلاب؟ عاصم برعب حقي وشفتيه تترتعد وتلعثم: "بنتي؟ بيري؟ بيري عندك في قصرك يا جسار بيه! أنا معرفش عنها حاجة من يوم كتب الكتاب.. سيبني يابني نفسى انـــقطع، حرام عليك ماليش ذنب! أميرة بخوف وهي بتتراجع لورا وبتترعش: "في إيه يا جسار بيه؟ بيري هربت إزاي؟

إحنا والله ما نعرف مكانها ولا شوفناها من وقت ما مشيت معاك، والبيت هنا مفيش فيه حد! جسار وهو بيزق عاصم بعنف على الكرسي وبيرزع مكتبه بقبضته لدرجة إن الخشب اشرخ: "لو عرفت إنكم مخبينها.. أو إن آسر وداها في حتة بعلمكم.. أنا ههدم الشركات فوق دماغكم وهرميكم في السجن الليلة! اخلصي يا أميرة.. اخلصي كلمي آسر وشوفوا الزفت ده فين حالاً قدام عيني!

أخرجت أميرة هاتفها بيد ترتجف، وألحت في الاتصال بآسر المرة تلو الأخرى تحت نظرات جسار التي كانت تلاحقها كملك الموت. وحين فتح الخط أخيراً، انتزع جسار الهاتف من يدها بعنف، وتحدث بنبرة منخفضة لكنها تقطر وعيداً، قسوة، وموتاً حتمياً. جسار بغل وضغط على سنانه: "اسمع يا روح أمك.. بيري لو مظهرتش خلال ساعة.. أنا هنهي حياتك وحياة أبوك في السوق وفي الدنيا.. أنتم أخدتوها فين؟ انطق بدل ما أجي أشرب من دمك!

آسر بصوت متقطع، متألم وضعيف جداً ناتج عن الضرب المبرح اللي أخده من الحرس: "أنا.. أنا مأخدتهاش يا جبالي.. أنا جيت أهربها من جــحيمك وجحـــيم جدتك الشديدة، وحراسك سحلـــوووني ورموني بره السور زي الكــلب.. بيري لسه عندك في القصر! أنا في المستشفى دلوقتي وبموت، بس هجيلك القصر وأخدها لو هتـــموتني.. بيري مش هسيبهالك!

تصلب جسد جسار مكانه عند سماع كلمات آسر المليئة بالألم الحقي والعجز. أنزل الهاتف ببطء، وبدأت ملامح الصدمة والذهول ترتسم على وجهه العابس. آسر لم يأخذها! آسر في المستشفى ينزف جراء ضـرب حراس قصر الجبالي، ولكنه أكد أنها لم تخرج من القصر! إذاً، لماذا قالت الجدة وشاهيناز إنها هربت معه؟ ولماذا اختفت بيري تماماً من غرفتها ومن أرجاء المكان؟

تسلل الشك القــاتل إلى قلبه وعقله كالأفــعى. أدار ظهره لعاصم وأميرة دون أن ينطق بكلمة واحدة، وركض نحو سيارته ليعود إلى قصر الجبالي بسرعة أكبر. لم يكن قلبه ينبض بعنف من الغضب هذه المرة، بل من خوف مبرح، جارف، وبشع بدأ يتسلل إلى أعماقه على بيري. فكرة أن مكروهاً قد أصابها داخل بيته، وأن هناك مؤامرة تُحاك في غيابه، جعلت دماءه تجف في عروقه.

وفي تلك الأثناء القاتمة، وتحديداً في القبو المظلم الرطب تحت القصر، كانت بيري في حالة يرثى لها تستدعي الشفقة. كانت العتمة حالكة كقاع الجحـــيم، الرطوبة العالية تنهش عظامها النحيلة، وأصوات حركة الفئران السريعة وصرير الحشرات من حولها في الظلام تجعلها تصرخ برعب هولوكوستي حتى بُح صوتها تماماً ولم يعد يخرج منها سوى حشرجة ضعيفة. كانت تجلس قبالة الباب الحديدي الضخم، واضعة رأسها بين ركبتيها، ترتجف من شدة البرد والخوف، وتدعو الله بنبرة باكية ومستسلمة للموت،

وتتساءل في ضعف: "ليه يا جسار سبتهم يعملوا فيا كده؟ أنا ذنبي إيه؟

على الجانب الآخر، وفي صالون القصر العلوي الفخم، كانت شاهيناز تجلس واضعة رجلاً فوق أخرى، ترتشف الشاي الدافئ ببرود شديد وابتسامة تشفّي خبيثة ترتسم على وجهها، بينما كانت الجدة فاطمة تجلس بوجهها الصارم الصامت، وعصاها مستندة إلى مقعدها، مقتنعة تماماً في أفكارها العتيقة أن هذا الإذلال هو القصاص العادل من ابنة عاصم السلحدار، وأن بيري يجب أن تذوق المــوت عزلتاً جزاءً لما اقترفه والدها بحق عائلتهم.

شاهيناز بضحكة خبيثة: "تفتكري يا حاجة فاطمة.. جسار لما يرجع ويقعد يدور وميلاقيش ليها أثر، هيصدق تماماً إنها هربت؟ أنا خايفة بس يقلب القصر ويوصل للحقيقة". الجدة بنبرة جافة وقوية: "جسار عقله غرقــان في الغل، والغيرة عميت عينه.. وأنا قولتله إنها هربت مع الواد، وهو عمره ما هيكدبني.. البت دي هتقعد تحت الأرض لحد ما تتربى وتعرف إن دم بنتي ونور مش رخيص.. والبيوت دي ليها أصحاب مابيرحموش".

في هذه اللحظة، رن صوت فرامل سيارة جسار في الخارج. تلاشت ابتسامة شاهيناز بسرعة، وعدلت جلستها متمهلة، بينما دخل جسار الردهة الكبرى بخطوات ثقيلة كصخر القضاء، وعيون حادة، ثاقبة، تراقب كل زاوية وكل حركة تصدر من امرأتين تجلسان بهدوء مريب لا يتناسب مع مصيبة "هروب" زوجة صاحب البيت.

لم يوجه لهما جسار أي حديث، بل تخطاهما بجمود تام متوجهاً مباشرة نحو مكتبه المغلق، وأغلق الباب خلفه بعنف. جلس وراء مكتبه، وتنفّس الصعداء محاولاً ترتيب أفكاره المشتتة؛ فالأرض تحت قدميه بدأت تهتز، وهناك حلقة مفقودة، خديعة كبرى تُحاك، وهو ليس الرجل الذي يُخدع في عقر داره. تذكر نظرات شاهيناز المتوترة، وهدوء جدته، وقر أن يفتش وراء كل شبر في هذا القصر ليعرف أين اختفت بيري، لتبدأ من هنا رحلة كشف المستور التي ستزلزل جدران قصر الجبالي.

لجميع الفصول من هنا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...