جلس جسار خلف مكتبه، والشك يعصف بعقله كالإعصار. مد يده نحو لوحة تحكم سرية في جدار المكتب، وضغط على زر خفي لتنفتح شاشة رقمية تعرض نظام المراقبة السري للقصر، وهو نظام خاص لا يعلم بوجوده أحد سواه، حتى الجدة وشاهيناز. بدأ يعيد شريط الأحداث لمنتصف النهار، لتتسع عيناه بصدمة مروعة وهو يرى المشهد كاملاً.
شاهد تسلل آسر، وشاهد بيري وهي تدفعه وتطالبه بالرحيل باكية، ثم تجسدت أمامه بشاعة الجدة وشاهيناز وهما تسحلان بيري نحو الممر السفلي المؤدي إلى السرداب القديم. تذكر جسار معمار القصر القديم؛ تذكر أن أرضية الممر ينتهي بها المطاف عند بلاطة خشبية وحجرية غير مستوية، تخفي تحتها باباً سرياً يقود إلى قبو مظلم كان يُستخدم كز..نزانة في العهود الغابرة، قبو مليء بالفئران والعتمة القا..تلة.
اندلع بركان من الغضب والذعر في صدر جسار، وتلاشت خطة الانتقام في ثانية واحدة ليحل محلها خوف هائل من أن يفقد بيري. خرج من مكتبه كالإعصار المد..مّر، وعيناه حمراوان كالد..م. لمح الجدة وشاهيناز في الصالون، فصرخ بالحراس بصوت زلزل جدران القصر. جسار بصراخ مرعب وعروقه بارزة: "كل الحراس اللي في القصر يتلموا هنا حالا! ومفيش كلب فيكم يتحرك من مكانه! شاهيناز وقفت برعب وتلعثم: "في إيه يا جسار؟ مالك بتصرخ كده ليه؟
جسار ماردش عليها، وبص لجدته بنظرة خلت العجوز الصارمة تترعش لأول مرة: "أنتي حبستيها تحت الأرض يا أمي؟ حبستي مراتي في القبر اللي تحت القصر وكدبتي عليا؟ لم ينتظر جسار رد أحد، بل ركض نحو السرداب هابطاً الدرج الحجري بثلاث خطوات، ه الحراس المذعورون. وصل إلى الممر، ولمح البلاط غير المستوي، فجذبه بيديه الفولاذيتين بقوة خارقة مستمدة من الأدرينالين والخوف، ليظهر الباب الحديدي الثقيل.
أخرج مفتاحه الاحتياطي وفتح القفل بعنف، ليدفع الباب ويندفع لداخل القبو المظلم. أضاء كشافه، ليرى مشهداً فطر قلبه حزناً وغيرة وند..ماً؛ كانت بيري مستلقية على الأرض الترابية الباردة، منكمشة حول نفسها، وجسدها يرتجف بعنف، وتحيط بها خيوط العنكبوت وتتحرك على مقربة منها الحشرات، وكان صوت حشرجتها الباكية يخرج بصعوبة.
ركع جسار على الأرض، وجذبها إلى صدره العريض يضمها بكل ما أوتي من قوة، والدموع تحتبس في عينيه لأول مرة منذ خمسة عشر عاماً. جسار بصوت مكسور، خائف، ومليان حنان وندم: "بيري! بيري حبيبتي فتحي عينك.. أنا جسار، أنا جيت أخدك.. سامحيني يا بيري، سامحيني يا روحي أنا السبب في كل ده! بيري بدموع وضعف شديد وهي بتمسك في قميصه وصوتها رايح: "جسار.. الضلمة.. الفير..ان كانت هتاكلني يا جسار.. متسبنيش هنا.. أنا بخاف.. بخاف قوي..".
جسار وهو بيشيلها بين إيديه بحرص كأنها حتة زجاج غالية وخايف تتكسر: "مش هسيبك تاني أبداً.. طول ما أنا عايش مفيش مخلوق هيلمس شعره منك.. أنتي في حضني خلاص يا قلبي". صعد بها جسار إلى الأعلى، متخطياً شاهيناز والجدة دون أن ينظر إليهما، ودخل غرفتها الكبرى الفاخرة. وضعها على السرير برفق شديد، ودثرها بالأغطية الدافئة، وطلب الطبيب فوراً لاعتناء بجسدها المنهك ويدها المحتر..قة.
جلس بجانبها طوال الليل يمسك يدها، يقبل كفيها، ويعتذر منها بنبرة دافئة غسلت كل قسوته السابقة. كان ينظر إلى وجهها الملائكي النائم، ويشعر بخوف حقي من فكرة خسارتها؛ في هذه اللحظة، انقشع رماد الحقد، وانكشف له النور.. لقد أحبها، أحب بيري بكل جوارحه، وأصبح مستعداً لحرق الكون كله من أجل ابتسامة منها.
في الصباح، وبعد أن اطمأن على استقرار حالتها ونومها العميق، هبط جسار إلى الردهة الكبرى حيث كانت الجدة فاطمة تجلس بوجه عابس، وبجانبها شاهيناز التي كانت تحاول إشعال الفتنة. وقف جسار أمامهما، وبدت عليه هيبة طاغية وصارمة لم يعهداها من قبل، هيبة رجل يحمي حِمى امرأته. شاهيناز بمكر: "يا جسار أنت مكبر الموضوع ليه؟ البت دي بنت السلحدار، والكلب آسر كان هنا، وعمتي فاطمة كانت بتربيها بس عشان...
جسار قاطعها بصوت حاد كالسيف أخرسها تماماً: "أنتي تقفلي بوقك خالص يا شاهيناز.. وحاجتك تتلم حالا، وخلال نص ساعة لو شوفت خيالك في القصر ده، هرميكي بره بنفسي ومتهمنيش صلة القرابة.. غوري من وشي! ركضت شاهيناز برعب لتجمع حقائبها. التفت جسار نحو جدته، وجثا على ركبتيه أمامها، لكن عيونه كانت حاسمة وقاطعة.
جسار بنبرة قوية وهادية: "أنتي على راسي من فوق يا أمي.. ودم أمي وأختي أنا مش ناسيه وهجيبه من عاصم السلحدار في الشغل والفلوس لحد ما أخليه يشحت.. لكن بيري خط أحمر.. بيري مراتي، وبقت حتة من قلبي، والي هيمسها كأنه بيمسني أنا.. أرجوكي يا أمي، ابعدي عن بيري، ومتخلينيش أقف في وشك عشان أحميها".
نظرت الجدة إلى حفيدها، ورأت في عينيه نفس النظرة العاشقة التي كان والدها ينظر بها لوالدته قديماً، وعلمت أن جسار الجبالي قد وقع في فخ العشق تماماً، وأن قلب الحوت قد أعلن استسلامه لبراءة ابنة عدوه. أومأت الجدة برأسها بوجوم صامت، شاعرة بالهزيمة أمام هذا الحب الجارف. صعد جسار إلى غرفته، ودخل ليجد بيري قد فتحت عينيها الزرقاوين الصافيتين ونظرت إليه بخوف تلاشى تدريجياً عندما رأت الحنان يتدفق من عينيه.
اقترب وجلس بجانبها، ورفع يدها المصابة ليقبلها برقة، وتبدأ من هذه اللحظة رحلة التقرب والوئام الباذخ بين قلبي المصابين، تاركين وراءهما ظلمات السرداب ليفتحوا أبواباً جديدة لعشق ولد من رحم الانتقام لجميع الفصول من هنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!