الفصل 30 | من 37 فصل

رواية أ أستحق هذا العذاب الفصل الثلاثون 30 - بقلم ميفو السلطان

المشاهدات
25
كلمة
6,505
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

كان جبل هائماً بحبيبته لا يحس إلا بها وبجمالها، وكيف أعطت له ما تمناه. وفاق ذلك وهي بين يديه طائعة محبة. كان يتلمسها وهي هائمة، لتتجمد فجأة عندما لمس ندوبها وملس عليها لتتشنج وهو في عالم آخر. أحس فجأة بتشنجها وانتفاضها، فعاد من عالمه وهمس: "مالك يا جلبي؟ حاوطته وهمست بوجع: "ماتسيبنيش بالله عليك."

لم يفهم معنى كلامها، ففهم أنها تريد أن يكمل ما هما فيه. ليعود يتلمسها بحنان، إلى أن جعلها زوجته. أحس بسعادة غير عادية أن حبيبته أخيراً له امرأته التي تمناها دائماً. شدها إليه، كان يتلمسها بحنان بعد ليلة طاحنة روت قلبه. ومشاعر ظهرت من كثرة الحرمان والوجع، فكل منهم عانى وعانى، وهي بالأخص لم يعانِ أحد مثلها. تلاقت أرواحهم قبل أجسادهم، وظل كل يرتوي من الآخر ليرمم جراح قلبه.

كان يشدد عليها ويتنهد، يحاول أن يهدئ من روعة إحساسه ورغبته التي ما زالت تتأجج بداخله. ظل يقبل رأسها ويمسك يدها يقبلها قبلات هائمة. همس لها بعشقه وحبه آلاف المرات: "مش مصدق اللي أنا فيه، أخيراً هقدر أنام وأنا مبسوط." "خلاص نلت اللي حلمت بيه وعشت أيام بتمنى." أراحها ونظر إليها بعشق: "أتمنيتك في خيالي بس ماكنتش حاسس إنها هتبقى كده بالجمال ده." ابتسمت له بعشق وقلبها يئن من الوجع: "ارتحت يا جبل؟ مبسوط دلوقتي."

شدها إليه أكثر: "مبسوط بس؟ داني طالت السما يا حبيبي، بقيت ليا كله كله، ماعاد فيه فتفوته ناقصة. رايدك بالجو، ماقدرتش أبطل أقول رايدك." ابتسمت وهمست: "لساتك ما شبعتش مني يا جلب جمر." داعبها بلهفة: "يمين الله، غلياني لساته شغال، رايدك والله رايدك وما عارفش أهدي." ابتسمت وحاوطته وشدته إليها: "وأنا ماهقولش لأ واصل." رجف قلبه بقوة: "أنت تعبانة يا جلب جبل." لم تدعه يكمل،

شدته وقالت: "تعبي يروح بفرحتك يا جبلي، أنا ليك تفرح وبس، مش مهم حاجة تانية." لم يعد قادراً أن يتحكم في نفسه، فعاد وعاد العشق يصرخ والجمال يتصاعد حولهما. كانت تريد أن تشبعه حتى يكتفي، تحاملت على نفسها من أجله. تريد أن تعطيه قبل أن يتركها للأبد. ظلا هائمين في جنة العشق إلى أن هلك وأهلكها. لينام ويأخذها بين ذراعيه وهي متعبة. تحاملت من أجله حتى يأخذ ويرتوي. كانت تئن من تعبها.

بدأ يمسد عليها بحنان، كان يده على جلدها يدعبها ويلمسها بأطراف أصابعه. أحس بكسرات تحت يديه، ظل يلمسها ويداعب تلك الكسرات ويديه تجوبها. وكلما أزاح يديه أحس بتلك الكسرات، وهي تغمض عيونها تنتظر نهاية ما هي فيه. كان ساهماً هائماً فيها وفي خياله تلك الليلة الطاحنة. بدأ يركز في تلك الكسرات، وكلما أزاح يديه شعر بها. أدارها ونظر إليها قاطباً، فابتسمت له بصعوبة: "هو إيه اللي على جلدها ده ومالي جسمها؟

كان يتحسسها بأصابعه وهي تتمزق. أغمضت عينها وتركته يكتشف ما هي فيه. قطب جبينه: "إيه ده؟ جثتها مالها محنية زي ما يكون مكرمشة ومتغرز فيها حاجات؟ خفق قلبه: "إيه ده؟ هو أبوها كان بيعذبها؟ أيوه أكيد، ما هو أمال فيه إيه؟ كان بيعذبها عشان يجوزها؟ هو ده اللي مخبياه؟ بدأ ينهج في يديه، لم يعد تحتها إلا تلك الكسرات. ابتلع ريقه وهمس: "جمر... هو هو." ابتسمت له بصعوبة: "إيه يا جبل." ابتلع ريقه: "هو هو؟ أبوكي كان...

كان بيعمل فيكي حاجة؟ هو ده اللي مخبياه عليا؟ ضحكت هيا: "ليه بتقول كده؟ لم يعرف ماذا يقول، شد يده بخجل: "يعني... يعني... تجلدت ومسكت يديه وبدأت تجوب بها على جسدها: "قصدك ده." رجف قلبه، فهي تجعله يحس بها وتنزل به على قدميها وتتجول نصف جسدها من تحت الغطاء. شعر برهبة: "جمر... إيه ده؟ فيه إيه؟ إيه اللي تحت يدي ده؟

تنهدت ونظرت إليه وابتسمت: "ده أيامي وسنيني يا جبل. ده نصيبي من الدنيا. ده اللي دعوتك من ظلمي ليك هزت عرش السما ونزلت عليا. ده قضا جمر. جمر اللي راحت. جمر النجع يا جبل. أنا ماجولتش عشان تاخد وتتهني، جيت على روحي وما طفشتش عشان تعيش حلم هيخلص دلوقتي. ده نهاية جمر يا جبل." كانت دموعها تسيل وقلبه ينبض بقوة.

مسكت وجهه: "عمري ما هنسى ليلتنا وفرحتك يا عمري. وبحمد ربنا إني شبعتك وأديتك من جمر اللي راحت وانحنيت لسبوع معاك وبس. قصتنا خلصت يا جبل." صرخ: "أنت بتقولي إيه؟ قصة إيه اللي خلصت؟ ابتسمت: "قصة وجع وموت. قصة قلب انحرق وكمل حرج في جته، ما عادش ليها عازة. جمر خلاص فرحتك وخرجت من الدنيا. دخلتها عشانك وهخرج منها عشان...

تحاملت على نفسها تدعو أن تتحمل ردة فعله عندما يرى ما بها. شدت الغطاء من عليها، فشاهق برعب. تجهم وجهه وأدار وجهه، لم يحتمل منظرها وصرخ: "إيه المنظر ده؟

هنا لم تتحمل ردة فعله، تجمدت هي وأغمضت عيونها وجعاً وشدت الغطاء وقامت من سكات. لبست روبها واندفعت للحمام تشعر أن قلبها مات في تلك اللحظة، فنظرته لها كانت مرعبة. أشاح بوجهه، لم يتحمل قبح منظرها. كانت تتوقع ردة فعله، ولكن لم تتوقع الألم الذي أتى من ذلك. اندفعت للحمام وقفلت على نفسها، قفلت وانهارت على ضياع حلمها للأبد. خطفت لحظة من الزمن لتعود لدنيتها بأبشع صورة.

أما هو، فكان قد أشاح بوجهه يشعر بألم عليها ليس أكثر. ليس قرفاً أو بغضاً، لكن لم يتوقع أن تكون تلك الحروقات قد عاشتها. لم يتحمل أن تكون مرت بتلك التجربة البشعة. ظل ساهماً يحاول أن يستوعب ما حدث، كان ينهج وقلبه سيقتلع من مكانه. ما إن استعاد نفسه، هب مرة واحدة واندفع وراءها يصرخ: "افتحي الباب! افتحي الباب ده! " كان يخبط بعنف. كانت ترتجف بالداخل وتنكمش وتشعر أن أنفاسها ستنشق، كانت لحظة مميتة بالنسبة

إليها وهو يصرخ بالخارج: "افتحي يا جمر، افتحي أبوس إيدك! إيه اللي أنت فيه ده؟ افتحي، قوليلي أنت كنتي مخبية عني ده صح؟ صح؟ من إيه جالك ده؟ من إيه؟ افتحي ماتسبنيش أكده، أنا حاسس إني هموت، مش قادر منظرك صعب قوي. قلبي هيجف، افتحي." كان نحيبها يزيد عندما سمعت جملته الأخيرة، بدأت تشهق وصوتها يعلو وهو يسمعه،

فصرخ: "افتحي، هكسر الباب، يمين الله افتحي. الطين ده ما عدتش متحمل." لم يعد يحتمل، فاندفع يكسر الباب. اندفع فوجدها تنكمش وتنتفض وتشهق وتضع يدها على صدرها منحنية على الأرض. اندفع واحتضنها، فصرخت، إلا أنه لم يعرها بالا وشدد عليها وهي تنتحب. ظل يحتضنها ولا يقوى أن ينطق بشيء. كان أي كلام لا يفيد في حالتهم. فقد تحول الأمر من حلم جميل عاشا فيه إلى كابوس مرعب. كابوس له بوجعه على حبيبته وكيف حدث لها ذلك، وكيف تحملت تلك الآلام، وكيف عاشت هكذا. وكابوس لها ظناً منها أنه اشمأز منها وأشاح بوجهه، وهذا ما كانت تنتظره، وكيف رأى منظرها صعباً بالنسبة له.

كانت منكمشة على روحها وهو يحتضنها. تململت بعنف تريد أن تختلي بنفسها. دفعته واندفعت للشرفة وقفلت على روحها ونزلت أرضاً وركنت على الباب. أحس بخلعة في قلبه، كان قلبه يؤلمه. اتجه إلى الشرفة، كانت تركن على الأرض منكمشة على روحها. ظل واقفاً ينظر إليها من الزجاج وقلبه يتمزق. نقر على الزجاج: "طب افتحي، مش هاطلع يا جلبي، هاخدك بس في حضني، والله ما هاطلع بكلمة." هزت رأسها بنحيب، كانت تكلبش في نفسها بوجع.

ظل لفترة وهو راكن على الزجاج، وجدها تمسك صدرها فالألم لا يحتمل. لم يحتمل منظرها، فقال بقهر: "جمر، أنا ما عدتش متحمل، يمين الله." ودفع الباب، أزاحها واندفع يشدها وكلبش فيها، فصرخت. لم يفلتها وهي تنتحب وتحاول أن تبتعد،

فصرخ: "بطلي، ما عدتش متحمل، والله هموت." انفجرت أكثر بالبكاء، فحملها على الفور وعاد بها إلى الفراش وأراحها واندس بجوارها. حاولت أن تبتعد، فشدها إليه يعتصرها هامساً: "نامي، نامي يا جمر، بالله عليكي نامي وعدي الليلة، أنا خلاص هموت، وربنا كتير عليا، والله." ليزداد نحيبها.

استغفر ربه وقال: "طب يا جلبي، نامي، أنا معاكي أهو، كل حاجة هتبقى كويسة." ظل يهدهدها ويمسد عليها بحنان، وكلما لمسها من الأسفل تتشنج فيبعد يده مسرعاً، إلى أن نامت من كثرة النحيب. ما إن نامت، حتى زفر أنفاسه أنها خرجت من ذلك الكابوس. شدد عليها، لم يصدق ما حدث. كشف جزء صغير من قدمها ولمسه بحنان، انسابت دموعه بغزارة: "إيه ده يا جلبي؟ امتى جالك كده؟ امتى؟ أنا حاسس إني هموت. امتى ده؟ جمري، أنا جمر، يجرالها كده؟

إيه المنظر ده؟ طب طب، إزاي كنتي مخبية عني ده كله؟ شايلة ده وساكتة؟ وأنا راجع أموت فيكي، وأنت تجوليلي: 'أنت خدت حقك تالت ومتلت'. ااه، جلبي مامتحملش. حبيبي، أنا عشتِ سنين أكده؟ ماحدش قال إنك اتحرجتي؟ طب امتى طيب؟ من مته؟ قطب جبينه وظل ساهماً: "أخوها مات محروق. البلد كانت بتقول بعد ما مشيت على طول." رفع حاجبيه بذعر ليشهق ويشدد عليها: "نهار أسود! يعني سبع سنين بالمنظر ده؟ طب فين وامتى وإزاي؟ عشان كده سليم سابها."

"يا جلبي، وتجوليلي مانفعش؟ كنتي قافلة على روحك وتجوليلي اتعذبت بكفاية. يا عمري، وأنا اللي دعيت عليكي وأنت رجعتيلي. أنا السبب، أنا السبب، أنا اللي دعيت. ليه يا رب أكده؟ ليه؟ ااه، جلبي هموت، مش متخيل كان حالتك إزاي ساعتها يا جلبي. أنا مشيت وأخوكي مات، وأنت أكده كتير يا جلبي، غلبتي تجولي وأنا حالف. كتير عليا وإني أجهر فيكي وأنت الجهر نفسه؟ لا وعايزة تطلقي؟ مانا مش هرضى، أنت متخيلة إني مش هرضى."

داعب وجهها ونظر إليها بهيام، كانت تنتفض ووجهها أحمر من كثرة البكاء. ابتسم وداعبها: "لا يا عمري، دانا راضي وراضي، وأتمنى ترضي عني، بس تنوريلي حياتي. يا رب، إيه الوجع ده؟ ليه تتوجعي أكده وتجولي ذنبك اتاخد يا جبل؟ كان يبكي بقهر ويحتضنها: "ذنب إيه وطين إيه؟ دا أنت اللي جالك ده ما حد يتخيله." ظل يبكي عليها بقهر.

مسد عليها بحنان: "هنعدي يا جلبي، هنعدي كله ده. أنا عاشق لروحك وبس، جته إيه وطين إيه." مسح دموعه وشدها بقوة وظل يبكي إلى أن نام. من ليلة لن ينساها. ليلة رأى فيها الجمال ليتبعه عذاب ما بعده عذاب. في الصباح، استيقظت قمر. ظلت ساهية في السقف تفكر في روحها. نظرت إليه فوجدت وجهه متجهماً حتى وهو نائم. ظلت تنظر إليه. تنهدت وشدت نفسها من جواره لتقوم وتدخل الحمام تغتسل وتخرج. خرجت ولبست وظلت تنظر إليه لفترة. وبدأت

دموعها تسيل بحسرة وتذكرت: "منظرك صعب قوي. منظرك صعب قوي." كانت الكلمات تخبطها بعنف تشق قلبها. استدارت من سكات. نزلت تجلس على البحر لعل الهواء يطفي شعله قلبها. تنهدت، ظلت ساهية ودموعها تنزل بهدوء. أغمضت عيونها بوجع ومسكت قلبها تتذكر نظرته وكيف أشاح بوجهه. كانت دموعها تنهال عليها. تنهدت ومسحت دموعها: "جالك رايد جثتك ألف مرة، أنت مالك موجوعة أكده؟ ما ده اللي كنتي متوقعاه منه. هيجف يبصلك على إيه؟ على الحزن؟

رفعت رجلها وظلت تتلمس رجلها وتبكي. بدأت تغرز أصابعها: "إيه؟ هيعوز ده؟ هيعوز الجرف ده؟ ماتوجعيش، ده الطبيعي. واحد جالك ألف مرة. هاخد جثتك وأرتاح. الحمد لله إنك ريحتيه. جبل ما يشوف الحزن كان هينجرف. بكلي كنه دبحك بسكينة عبيطة. إياك." مسكت صدرها: "بس الشوفة صعبة قوي قوي. لما زاح وشه ما كنتش متخيلة إني هنخلع أكده." ظلت تبكي. تنهدت

واستغفرت ومسحت عيونها: "خلاص يا جمر، السبوع خلص بحلوه ومرة. أنت أكده خدتي نصيبك، انسعدتي أسبوع كامل. امشي بقى وسيبيه، هو خلاص خد اللي عايزه. هتتعسيه ليه؟ لا بتخلفي وشكلك يجرف؟ كفاية نظرته ورعبه، هيسيبك معاه ليه أصلاً؟ استعيني بالله وشدي نفسك. خلاص قصة وخلصت يا بنت الناس. أهو ريحتيه برضو، خدك وفرح. تمشي بقى وتجفلي على حالك. الله يسهله ويسعده."

قام هو يشعر بتعب وإرهاق، فلم ينم طوال الليل. قام يتلفت حوله، فانتفض برعب وقام مسرعاً يبحث عنها. شعر بالخوف الشديد. قام واغتسل ولبس ملابسه ونزل مسرعاً يبحث عنها. وجدها أخيراً تجلس وحيدة تنظر ساهمة والألم يشع من وجهها. تنهد وتقدم بهدوء وحاوطها، فانتفضت وهمس: "اهدي، اهدي يا جلبي." أغمضت عيونها وظلت صامتة لا تنطق. كان اليوم هو يوم رجوعهم، فهمست: "أنا هقوم أحضر الشنط." مسكها وهمس: "طب ممكن نتكلم طيب شوية؟

ابتسمت بهدوء: "لأ، هنتاخر. الكلام هنا خلص يا جبل. لما نرجع هقولك على كل حاجة." واستدارت وتركته. وقف ينظر في أثرها، شعر هو بالخوف من برودها. دخل فوجدها تلملم الشنط. اقترب واحتضنها. ابتسمت بسخرية وابتعـدت

وقالت: "أنا كويسة على فكرة، مش مستاهلة كل شوية تحضن فيا. أنا متعودة على حالي. أنت بس اللي مش قادر تتحمل المنظر، معلش. صدقني أنا عادي، دي دنيتي، ليها سنين." واستدارت ودخلت الحمام تلبس ملابسها. وهو محصور من كلامها. كان يحتضنها لكي يشعرها بوجوده، إلا أن رأسها يوهمها ببداية شعوره بالشفقة عليها.

خرجت هيا واتجهت للباب من سكات، وهو يراقبها ولا يستطيع أن ينبس ببنت شفة. انتهيا من إجراءات الفندق وبدأت رحلة العودة. عاد العشيقان في حال غير الحال، من سعادة طاغية إلى هم مطبق. هم كالجبال تثقل الصدور، هموم لا يزيحها إلا الحب والفرط في الحب. فالخوف وعدم الثقة لا يزيله إلا الإفراط في الحب.

كانت هيا صامتة طوال الطريق، لا تتكلم ولا تنطق ولا تبدي أي إشارة، تشعر بالدونية والنقص. وعندما تشعر الأنثى بالنقص تنزوي ويتلاشى كل جميل أمامها. لا تحس إلا بنواقص الأمور وتتخيل ما يؤذي مشاعرها وفقط، لا ترى جمال عشقه وما صبه عليها. سيزول كل ذلك في لحظة ويهاجمها شعور شفقة.

أما هو، مد يده يمسك يدها، وطوال الطريق تشد يدها ليعود ويمسكها. لم يحسب كم عدد المرات التي شدتها فيها، وهو لا يكل عن أخذ يدها في يده. كان يمسك يدها وفقط ولا يجد ما يقوله. وصلا أخيراً إلى القصر. احتفل بهم عرفان وباسم، وكان أبوها قد استقر معهم، فسعدت هيا به واندفعت تحتضنه. فهي أحست بوحدة رهيبة وخوف من أن يتركها جبل، فلم يعد لها إلا أبوها المريض الذي تهالكت صحته.

جلس الكل يتكلم وجبل يرحب بأبيها، وهيا ساهمة لا تنطق، ليست معهم من الأساس. تحتضن ابن أخيها وفقط. والكل يلاحظ، إلى أن استأذنت وقامت وتركتهم. اقترب منه عرفان: "مالها يا ابني؟ أنت عملت فيها حاجة زعلتها؟ تنهد جبل: "عملت؟ أنا ما عملتش، بس الدنيا هي اللي عملت. ليه ما جلتليش؟ مش حرام تخبي كل ده لوحدها؟ كتير عليها." قال عرفان بأسى: "ما كنتش أقدر يابني، بس هي غلبانة. اوعى تسيبها مهما حصل." تنهد جبل: "أسيب مين؟

دا بروحي أنا، أسيبها؟ دي مرتي وحبيبتي." ابتسم عرفان: "بتحبها يا جبل؟ حتى بعد ما عرفت؟ دمعت عيون جبل: "أحبها؟ داني حاسس إن روحي اتردتلي، بقيت عايش. الحب قليل عليها والله يا با عرفان. مش متخيل اللي مرت بيه، جلبي بيتقطع. سنين سنين في ده وكاتمة. حاسس بجرف من حالي، هموت. اللي عملته فيها كتير والدنيا عملت كله، عمل وهيا ماتستاهلش. أنا عارف إني هتعب، بس مش هسيبها لو إيه حصل." قال عرفان: "اعمل حسابك، هتتعب جوي."

تنهد: "أتعب. أنا شفت ويل في بعدها يا با عرفان. عايزني لما تكون بتاعتي ورايدها ما أستحملش؟ دا لو حطت عليا طين الدنيا هبلعه وأنا مبسوط." تنهد. نظر إليه حمدان بوجع: "أنا السبب يا ولدي، ما مسامح حالي واصل. كنت فاكر إن الدنيا فلوس وعز. أهي بتي ليها سنين مجهورة والفلوس ما عملتش حاجة ليها ولا انحطت في عنيها. خلي بالك منها، دي غلبانة جوي، شافت مرار يا ولدي."

تنهد جبل: "المرار راح يا با حمدان. جمر هتسعد واللي جاي كله فرح. وما هسيبها إلا وأنا مخلي السعادة لدنيتها وبس." واستدار وتركهم وصعد إليها.

كانت قد غيرت ملابسها وتجلس تضع يدها على قدميها وتحني رأسها، تحاول أن تتجلد ما هو قادم، فهي تعيش جحيماً لم تتخيل أنه بهذه البشاعة. تنهد ودخل وجلس بجوارها، لم ينطق، كان يتأملها. سهمت للأمام، ظلت فترة لا ترى ما حولها. سهمت وعيونها تلمع، عاد شريط حياتنا يدبحها مرة أخرى، لتخرج آخر أنفاسها وتقفل على نفسها كما كانت في السابق.

تنهدت وبدأت بوجع: "كنت رايحة مع أخويا بيت حماه في بلد جنب بلدنا. كنت مجهورة بعد ما مشيت، حالتي كنت صعبة. خدني عشان يخرجني من اللي أنا فيه. كنت بلفلف في الجش عشان منال تحت بتحمي الفرن وأنا في السندرة. سرحت فيك وسرحت في أيامنا واللي كان. فوجت على صريخ، اتفزعت، النار في كل حتة وجفلت سلم السندرة. واقفة شايفه منال بتصرخ والنار شابطة فيها وأنا فوق في السندرة والنار بتطلع وتطلع. شفت أخويا وهو بيدخل زي المجنون، النار كانت

بدأت تلمس رجليا وأنا أصرخ وأخويا ومرته يصرخوا تحت. كان كل اللي في بالي إني لو مت هبقى بسببك عشان وجعتك وربنا بيعاقبني. النار شابطت فيا، ما حسيتش بحاجة إلا لما صحوني في المستشفى. صحيت لقيت منال ماتت وأخويا بيموت. شفته وهو بيموت. أحن حد في الدنيا اللي كان بيديني نفس الحنان. راح راح وهو بيدعيلي ويوصيني على الولد، أربيه على الصالح. عارف من ساعتها مت. آه والله مت، ما عدتش بحس. سبع سنين ما بحسش، لا بفرح ولا بتوجع، ميتة

ماشية مخبوطة. أنت مشيت وأخويا راح وأنا اتحرجت زي ما أنت شفت أكده. سليم مشي، أبويا طلب منه ما يجي."

ابتسمت بسخرية: "كان مفكر إني ممكن أتزوج تاني، ما يعرفش إن خلاص جمر ماتت مرتين. مرة على الجسر يوم ما روحي فارجتني ومرة محروقة بعد الغالي ما راح. موت أخويا ما خلا جواه حاجة أرغبها أو أحبها. جلت خلاص يا جمر، ربي الولد، ما فيش ليكي غيره. رجعت أنت وبدأت توجعني في البداية. كنت بجول عادي، حجة أتوجه، بس بدأ العذاب يزيد وأنا ما عدتش قادرة. كنت عارفة إنك أول ما تعرف هتشمت فيا. ابتسمت عشان سبتك واستحق العذاب ده."

صرخ بحرقة: "والله أبداً." تنهدت وأكملت ودموعها لا تجف: "صبرت وجلت: 'أهو يقطع عادي، ماني ما عدتش بحس'. بس أنت زودت وانهبلت على جثتي، كنت عايزها. وأنا ببعد، ماني عارفة آخرتها هتعوزها إزاي. بس عارف،

الحلم خلاني أقول: 'لأ، حجة ياخد ويتهني'. الحلم خلاني ليا نفس أديك وأحس معاك، حتى لو وجع صغير. جلت ليه لأ، ربنا باعتلي حاجة أعيش عليها عمري كله وأنت ترتاح وتحس خلاص إن لهفتك راحت. أنا ما جلتلكش قبل سابق عشان كنت هتشمت، كنت مفكرة أكده.

بس لما لينت ليا جلت: 'حجة، عايش يفكر في جثته مرة، ماينفعش ينجرح ويشوف الحزن ده'. ما جلتش عشان أسيبك تاخد وأنت مبسوط وما تجرفش. كنت فاكرة إن يوم ما اتحرجت هو أبشع حاجة حصلت. امبارح كان أبشع وأبشع يوم موت لعار مرة. يوم ما وديت وشك بعيد وأنت مش متحمل البشاعة اللي أنا فيها." صرخ: "والله أبداً، أنا كنت مش متخيل وجعك، إنما والله أبداً. جمر، أنا عادي، والله عادي." مسحت دموعها وضحكت: "عادي؟ عادي إزاي يا جبل؟

أنت بتضحك على مين؟ هو أنا عيلة صغيرة؟ ما يصعبش عليك غالي يا ابن الناس. ما حدش بيقعد مع حد شفقة." صرخ بحرقة: "شفقة إيه؟ أنت مجنونة؟ أنا بحبك وبعشقك ولا يهمني أي حاجة. بطلي توجعي روحك وتموتيني، والله عادي." تنهدت وابتعدت ورفعت بنطالها: "وظلت تنظر إليهم... عادي... ده عادي... ده مسخ يا جبل... ده جثة محروجة متغرزة، اللي يلمس عليها جثته تشيل. إذا كنت أنا بلبس في الضلمة، ازق لع في الضلمة. هو إيه اللي عادي؟

الله ستر أصلك. عمري ما هنسى نظرة عيونك وأنت بتحوشها من شوفتك للحزن ده. عمري ما هنسى منظرك صعب. طلعت منك من غير ما تحس. إيه المنظر ده؟ الكلام اللي بيطلع بعفوية هو كلام الجلب يا جبل."

"أنا كنت متوقعة ده يا جبل ومش زعلانة. حجك يا ابن الناس تعيش مع حد ما يأذيش عينك. جمر، أنت خلاص خدتها وخلصت الجصة. أسبوع قضيناه حلو مع بعض وأنا راضية وجلتلك هننسى إحنا مين هناك. أنا نسيت كل حاجة وبعدين سبت جمر هناك وجيت ورجعت لدنيتي والواقع اللي عيشته وهعيشه. أنت من حقك تسعد." صرخ: "ماني هسعد معاكي، أنت مجنونة." تنهدت: "لأ، مش مجنونة يا جبل، أنا عاقلة وواعية. هتعيش معايا لحد إمتى بالمنظر ده؟ هتتحمل لأمتى يا جبل؟

قول. جثة جمر اللي تخبل راحت وانحرجت وولعت وراحت مع اللي راح. ولسه ياما في الجراب، أنت ما تعرفش حاجة. أولها حرج وآخرها بور. اسكت، الله يصلح حالك. أنا كفاية عليا أكده يا جبل، ويا ريت تخلصني بقى، أنا جاريتك يا ابن الناس لحد ما خدت اللي أنت عايزه، يبقى ترحمني بقى وتطلقني وتنساني بحلوه بمرّه. انسى جمر وروح هات لك واحدة ماتبعدش وشك عنها، واحدة عيونك ما تتأذيش بحزنها." اندفع ومسكها وصرخ: "أنت مخبولة صح؟ أطلق مين؟

أنت انخبلتي؟ أنت مرتي وما هسيبكش واصل." تنهدت: "ماتبقاش طيب بزيادة. الشفقة والصعبانيات مابتفتحش بيوت. أنا مش زعلانة يا جبل، صدقني، أنا عارفة آخرتها وجلتلك. أنا مستنية ترميني بيدك." مسك يدها ودمعت عيناه: "ده لما أكون عويل وناقص، ده لما أكون قلبي مش مكوي عليكي يا جلبي." شدت يدها: "جلبك ما ينكويش. أنا بخير والله وراضية بقضا ربنا. هتكمل معايا كيف بمنظري ده؟

أنت امبارح ما جدرتش تتحمل تبصلي يا جبل، ماتضحكش على روحك وما توهمنيش بحاجة، لاني ما هصدجهاش والله." ابتسمت له ومسكت يده: "أنا ما حشتش عنك حاجة وسعدتك وانسعدت معاك. وأنت حقك تكمل فرحك بعيد، كمل يا جبل وانسى جمر، انسى. القصة خلصت يا ابن الناس، وأنا ما هقدرش أكمل واصل. لو انطبجت السما ما هكمل. ارحمني... واعرة على جلبى والله. ارحم واحدة شافت عذاب الدنيا، والله ما عدت هستحمل. أبوس يدك، هملني بقى بحزني، أنا تعبت جوي."

نزلت دمعة من عينه: "عايزة تهمليني؟ عايزة روحي تبعد عني؟ عايزة تاخدي أنفاسي؟ جمر، أنا جبل حبيبك، لساتني جبل حبيبك. إن ما كنتش أشيلك في وجعك، مين هيشيلك؟ يعني أنا لو جالي أكده، هتهمليني؟ هتقدري يا جمر؟ تنهدت هيا وقالت: "جبل، بالله عليك ماتحملني ذنبك العمر كله. أنا ما أتحملش نظرة شفقة منك، كفاية بصتك امبارح."

صرخ بحرقة: "ما كنتش جرفان ولا زعلان، كنت مجروح على وجعك واللي جالك. ما أصدقش إنك اتوجعتي أكده. سنين وأنت موجوعة لوحدك. عايزة تكملي أكده؟ لا عشت ولا كنت. يوم ما أفكر أهملك يا جمر، أنا معاكي ولا ههملك واصل." تنهدت بوجع وقالت: "وأنا ما عايزاهاش تكمل يا ابن الناس. ما تبقاش عيشة. كفاية بقى نوجع بعض. أنا ما هقدرش أعيش معاك وأنا أكده." صرخ: "مالك أكده زي الجمر وتأخذ العجل؟ مالك؟ جولي فيكي إيه؟ أنت مخبولة؟

دا كفاية ليلتنا مع بعض، هنام أحلم بيها لحد ما أموت. مالك بيكي إيه؟ إيه اللي جرى؟ ما هو ده بيتعالج، هوديكي أحسن مطرح وأعالجك. أنا ماهسيبكيش، جمر أبوس إيدك، اعجلي. أنا رايدك ورايد أبقى راجلك، رايد تكوني حبيبتي." همست: "رايدني؟ هتجرب مني وأنا أكده؟ هتلمس على جثتي اللي شكلها صعب كيف ما جولت؟ الست جثتها تبقى حرير تحت راجلها مش خيش مكسر." شعر بالغضب: "ليه؟ حلف؟ أنا ما عايز إلا جثة وخلاص؟

إيه كني حيوان ولا واحد كل دماغه جثة المرة وبس؟ قالت بوجع: "مش ده اللي ليك. ياما جولت عليه." "جبل! "أنا تعبانة، روح اخرج وهملني." صرخ: "اخرج فين يا مخبولة؟ دا مجعدي أنت. انخبطي في راسك." تنهدت: "طب وماله، أنا هخرج. أنا أجعد براحتك والصبح همشي وأريحك." واستدارت. اندفع وحملها لتصرخ: "نزلني! انخبلت! اوعى! أنا تعبانة، حرام بقى، إيه؟ " اندفع وشدها للفراش واحتضنها. تململت بعنف: "اوعى! اوعى بقى! إيه؟ عبده عندك؟

أنت بتعمل ليه أكده؟ شد بنطالها وشده بعنف، فصرخت وانكمشت برعب. شدها إليه وقال: "أنت من هنا ورايح ما هتناميش جاري إلا أكده، هاه. عشان أنت جليتِ حزن الدنيا، أنا لا عويل ولا ناجص." صرخت: "اوعى! احترم حالك! إيه قلة الحيا دي؟ اوعى! أنت باينك مخبول." قال بغضب: "زودي كمان عشان تخبليني أكتر." وشد بلوزة بيجامتها، فصرخت وانكمشت. حاوطها على الفور: "ها؟ هتهدي ولا أكمل وأهيص؟ نظرت إليه بغضب حارق: "أنت واحد مخبول، ربنا يشفيك. إيه؟

هتجعد جاري؟ ومسكت يده: "يلا، حط يدك عشان تقوم الصبح تجيب اللي في بطنك." تنهد بغلب: "وماله، نشوف الصبح هنجيب إيه." وبدأ يداعبها، فارتعبت: "اوعى! اوعى! أنت باينك انهبلت." أراحها: "على الآخر. حبيبي، هري قلبي وعبيط ونازل رط كيف الأبله وسيبني وهملني." "أسيبه إزاي؟ ما شبعتش منه ولا هشبع. أكده ليلتي تضربيها لي أكده؟ لأ، نعوضها بقى يا واخد قلبي." شعرت بقلبها يصرخ وهو يتحسسها، وهيا تتشنج تحت يديه. فصرخت: "اوعى! أنت إيه ده؟

اوعى! حرام عليك، أنت مفكر لما تعمل أكده هتصدج إنك رايدني؟ اوعى، حرام عليك! أنا شكلي يجرف، ماتوجعنيش بقى." شدها عليه وحاوطها وهي تبكي: "مين قال إنك تجرفي؟ مش أنا راجل أهو، ولا ماشيفانيش زفت. شايك جمر، وشك أهو وعسلية وعيونه حمرا ومناخيره فراولاية، جمر. ولا قلبه قلبه؟ دا لوحده نار، خد قلبي و وداب فيه." سالت دموعها: "جبل، بطل، ما أتحملش." ابتسم: "طب تهدي والصبح نتكلم؟ ليلة سفر طويلة، اهدي طيب."

تنهدت: "قوم طيب، امشي، شوف لك مطرح." شدد عليها: "لأ، ما همشيش." وبدأ يداعب ظهرها، وهيا تتنهد ويداه تنزل بروية على جسدها لتتشنج. فقال: "اهدي، هاه، وسيبيلي حبيبي، أتهنى بيه شوية. إلا إني انصرعت بالليل وانصرعت الصبح، لسه فيه صرعة تاني." أحنت رأسها بوجع: "والله أنت اللي جايب لنفسك الصرعة." واستدارت ونامت، فشدها إليه وبدأ في تلمسها، وهيا تزيح يده وهو مصمم، لتصرخ: "بطل بقى! ليلمسها ويضحك.

صرخت واستدارت تضربه: "أنت قليل الحيا، والله أكشفلك حالي أسود بيه عشتك." لينحني فوقها: "طب ماتكشف يا جمري، وريني أكده." ومسك الغطاء وشده، فصرخت: "اوعى! أنت انخبلت! ضحك: "كتر خيرك على الآخر. انخبلت وانهبلت وانهطلت وانحصرت، أي إن في الدنيا جرتلي بسببك يا ملوعة قلبي." شد الغطاء، فصرخت: "بطل بقى، عيب أكده، إيه حرجة الدم دي؟ أنا همشي الصبح وأبقى كل حالك بقى."

ضحك: "طب اعمليها أكده، والله لامشيكي بلبوص في القصر عشان تحترمي حالك وتجولي يجرف وما يجرفش." زغدته، فشد الغطاء، فصرخت وانكمشت وتشبتت به. قال: "هتنامي وتتخمدي من سكات، وإلا ما هعديهاش، وأكمل شهر العسل اللي طفحتيهولي هاه." زغدته بعنف، فأتأوه: "عسل في عينك يا مخبول. أنا أصلاً عارفة إنك انخبلت من زمان. والله ما جعدالك، مجعدني ليه؟ هاه؟ صعبة عليك جوي؟ أنا ما عايزاش حد في حياتي، وخصوصًا أنت. هاه، يلا." خلع قميصه،

فصرخت: "ماتبطّل بقى! ابتسم وقال: "هتتخمدي، وإلا أكمل." كتمت نفسها وتململت، فشدها إليه وخبط رأسها: "يلا، سمي الله كده ونامي." تنهدت بغلب: "وضع يده على رأسها وبدأ يدعي، فصرخت: "هو أنا ملبوسة؟ ماتوعي بقى، دا مرار إيه ده؟

ضحك: "أنت مش ملبوسة، أنت مهبولة، والهبل طبش في خلجة اللي خلفوني." تنهدت وأغمضت عيونها. بدأ يدلك لها جسدها، وهيا ترتخي، فكان يوم سفر شاق وتعب أعصاب. بدأت تتراخى رويداً رويدا، وبدأ هو بروية يمد يده يتحسس كسراتها، وهيا قد أصابها الخدر. ولمساته على جلدها تجعلها تتوه وتتوه، حتى نامت. وقد جاب جلدها بيديه ألف مرة، حتى تحس وتتعود على لمساته دون أن تنتفض.

تنهد هو وضمها: "أنت يا جبل ماسك ديل كلب أسود، أه والله بومة. ما هتشوفش فرح." داعبها وضمها بقوة: "ياني، دا حضنه جمر، تهمليني إزاي؟ داني ما عدتش نافع. جثته إيه دا؟ حبيبي، جمر لحاله. بس جمر أهبل على الآخر." ظل يدعو ربه أن يهديها إلى أن نام.

كانت هيا تحلم بحلمها، وأصبح جبل في حلمها، تراه. كانت تشعر بالسعادة في الحلم. كانت تمسك يده وتنظر إليه بحب. ليأتي ظلام رهيب، لم تعد تراه، وبدأت تصرخ وتصرخ، ولكنها تحس بيده لا تفلتها، وهيا تصرخ بلا فائدة، والظلام كاحل، ويده تعتصر يدها، ويصرخ بقوة: "هتسعدي يا جلبي، والله هتسعدي."

شعرت بالخوف من تلك الظلمة، وبدأت تتملص من يده، وهو لا يفلتها ويصرخ فيها، والظلمة تزداد وتخنقها، وهو يكلبش في يدها بقوة. بدأت الظلمة تجتاحها لتتلبسها، لتهب مرة واحدة مفزوعة تشهق برعب. استدارت حولها فلم تجده. ظلت تنهج بقوة: "إيه ده؟ إيه ده؟ حلمي؟ حلمي ضاع خلاص، سواد، سواد." قامت على الفور ولبست ملابسها، تشعر بالخنقة. كانت مهزوزة، غير متزنة. بدأت تهذي: "أنا لازم أمشي، أنا همشي، أنا ماهقعدش، أنا همشي."

انفتح الباب، كان هو قد نزل بالأسفل وصعد ليجدها تقف منكمشة، فاندفع واحتصنها: "فيه إيه؟ فيه إيه؟ مالك يا جلبي؟ كانت تنهج: "أنا عايزة أمشي، أنت تطلقني دلوقتي، يلا، طلقني، أنا همشي." كان مذهولاً، فصرخ: "أنا سايبك نايمة، أنت انخبلتي؟ جاية تجهريني ليه؟ ماتنامي وتهدي. هو حرج في حرج، أعمل فيكي إيه؟ أربطك؟ يا رب، الغلب زاد." صرخت: "ما تطلقني وتسيبني أغور، أنا ماهقعدش. أنا شفت حلمي بيخرب، شفته بيخرب."

صرخ: "حلمنا ماهيخربش، فاهمة؟ ماهيخربش واصل. أنا ماهسيبكيش لدماغك المخبولة دي. أنا رايدك مرتي، فاهمة؟ مرتي وأم عيالي، رايد عزوتي وخلفي، يبقوا منك. أنا لوحدي وعايز خلف كتير، والخلف ده ماهيكونش إلا منك." سالت دموعها بقهر، فصرخ: "ما تعطي بجولك. هتبقي مرتي العمر كله وهخلف منك. إيه برضك هتبعديني؟ وأنا رايد منك خلفتي؟ مش ده حقي؟ حقي أفرح؟

لو بتجولي شفقة، طب عديها شفقة زي مابتجولي. أهو بجولها لك، عايز خلفي منك، ما عايز في الدنيا غير عزوة وتكون منك. جمر، أنا بطولي، هتبقي حبيبتي وهنعيش ونفرح ونملا الدنيا عيال، عيلة جبل العزايزة. أنا تعبت في دنيتي، حقي أرتاح، وراحتي تعمليلي بيت وعيال أجعد في وسطهم، يشيلوني في وجعي وشيبتي." بدأت تشهق بقوة، وانفاسها تنقطع، وهو يصرخ فيها أنه يريد خلفه منها.

نظرت إليه وهيا تشهق: "أكده يبقى أنت وصلت للنهاية يا جبل. نهاية القصة، قصة جبل وجمر، لأني عمري ماهكون ليك زي ما أنت عايز، ولا هرضى أبداً إني أموت حلمك. جمر ما عدت تنفع لجبل. جمر أرض بور، مالهاش تشوف زرع وتطرح خير." صرخ بجنون: "بطلي، بطلي، بتعملي فيا ليه أكده؟ أنا رايدك مرتي، أم عيالي، بطلي بقى، ماتموتنيش." كان يهزها بعنف: "هنكمل، هنكمل وهتجيبلي عيال، فاهمة؟ يمين الله ماهسيبكي إلا وأنت جايبالي عيالي."

هنا شهقت بين يديه صارخة: "بطل، بطل بقى! أهه جلتلك الحلم بيخرب والضلمة عتمت الدنيا. دنيتي عاتمة، عاتمة، أنا ما بخلفش يا جبل. ما بخلفش." لتجحظ عيناه ويمسك قلبه برعب. لتتراجع بوجع من منظره و...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...