بعد مرور أربعة أيام، دخل يوسف مقر العصابة حاملاً شنطة مليئة بالمال. توقف أمام رئيس العصابة ورجاله المحيطين به من كل اتجاه، حاملين الأسلحة في وجهه. لكن يوسف وقف بثقة، مظهره يوحي بعدم الخوف. "فلوسك اللي كانت عند نبيل، قدامك اهي، تقدر تعدها براحتك بعد ما أمشي. ده أولا. ثانيا، لو فاكر إن شوية العيال اللي رافعين السلاح دول هيقدروا يقتلوني، أكيد انت عارف إني مش سهلة للدرجة دي. بحركة بسيطة، أقدر أخليهم يموتوا دلوقتي." رئيس
العصابة بسخرية يقف امامه: "ليه هو انت بقيت ساحر؟
ابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه، بينما تتجه نظراته نحو الاثنين اللذين يرفعان السلاح على رأسه، ثم يعود بنظره إلى الرئيس. صوته هادئ، لكن الكلمات تحمل وزناً ثقيلاً: "أكثر حاجة اتعلمتها في الجيش هي التمركز. والوقت. دول هما اللي يخلوك تخرج من أي كمين. هشرح لك، عشان عارف إن فهمك بطيء. الاثنين اللي رافعين سلاحهم على دماغي دول، لو أنا اتحركت بس حركة بسيطة، هيقتلوا بعض بكل سهولة. والاثنين اللي واقفين جنبك ممكن يجيلهم طلقة من القناص، تخلص عليهم."
يهتز رئيس العصابة قليلاً، يحاول الحفاظ على ثباته، لكنه يشعر بالقلق يتسلل إلى قلبه: "طيب، فلوس نبيل جبتها وخلصنا موضوعه. وانت بقى، ثمن خيانتك فين؟ يوسف يواصل بقوة، كلماته تتدفق كالنهر الجارف، مفعمة بالحماسة والثقة: "خيانة إيه اللي بتتكلم عنها؟
احنا تجارة مخدرات وفلوس، مش صحاب في النادي عشان تقول لي خيانة. الخيانة اللي بتتكلم عنها، مشروعه في شغلنا، مش أنا اللي هعرفك الكلام ده دلوقتي. ده انت استاذنا. قصر الكلام. شغلي معاكم لحد هنا. خلص كل حاجة تخصكم عندي. هتفضل في الحفظ والصون طول ما أنتم بعيد، وطول ما أنتم هاديين وحلوين، أنا كمان هكون هادي وحلو. لو فكرتم تقلوا بعقلكم معايا، أنتم هتكونوا أول الخسرانين." رئيس العصابة يقف أمامه، يحاول أن يظهر القوة،
لكنه يتفجر بالضحك الساخر: "أنت ما ينفعش تسيبني." يوسف ينظر له ببرود، وكأنه ينظر إلى شخص لا قيمة له: "ليه ما ينفعش أسيبك؟ هو أنا قاري فتحتك وانا مش واخد بالي ولا إيه؟ كلامي خلص. ولو انت حابب تخش في حرب معايا عرفني." رئيس العصابة يتوتر، يحاول أن يظهر بمظهر القوي: "هزودك في كل عملية هتعملها. ولو عايز، ممكن أخليك شريك كمان بالنص." يوسف يلتفت إليه،
نظراته صارمة كالسيف: "أنا خلاص شغلك وفلوسك ما بقتش لازماني في حاجة. خلينا ننهي الموضوع من غير ما حد فينا يتعور، فاهمني؟ التوتر يملأ الأجواء، وكل شخص في الغرفة يدرك أن اللحظة حرجة. يوسف، بتلك الثقة الرائعة، يقف كجبل لا يتزحزح، بينما يتقلب رئيس العصابة بين الشكوك والتهديدات. أحد رجال العصابة يتحدث بعصبية: "ما ينفعش نسيبه يلوح كده بإيده ونسكت. احنا لازم نخلص من يوسف."
رئيس العصابة يرد بغضب: "ما اقدرش أخلص عليه دلوقتي. الأوراق اللي معاه تخص شغلنا ممكن تمحينا." أحد أفراد العصابة يضيف بتحدي: "بس يوسف اتمادى، ولازم نوقفه عند حده." رئيس العصابة ينفعل: "لازم آخذ كل اللي معاه الأول، يا غبي! قبل ما أفكر أقرب منه. يوسف مش سهل." أحد رجال العصابة يستعد لتنفيذ الأمر: "أوامرني يا ريس، وأنا أنفذ." رئيس العصابة يأمر بعنف: "اخرجوا بره. لازم أفكر، أنا هعمل إيه. اخرجوا بره، مش عايز أشوف حد فيكم!
*** في شقة يوسف أول ما يدخل من الباب، تجري عليه ميار بحماس: "طمني، عملت إيه معاهم؟ يوسف بابتسامة مطمئنة: "اهدي، خلاص، الموضوع انتهى." ثم ينظر لنبيل ويضيف: "أنا سددت كل ديونك للبنوك. دلوقتي تقدر ترجع تمارس شغلك زي ما كنت، بس بلاش تورط نفسك تاني مع أي حد." نبيل يقترب منه ويحضنه بامتنان، عينيه تلمعان بالفرحة: "أنا بجد مش عارف أقول لك إيه يا ابني. ربنا يحميك."
يوسف يشعر بشيء جديد يتغلغل في قلبه، فهذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها بحضن الأب، وهو لا يفقه شيئاً عن هذا الحضن. نبيل يبتعد قليلاً ويواصل: "ما تقولش كده، يا عمي. أنا اللي عايز أعتذر لك على تصرفاتي معاك قبل كده." يوسف ينظر له، وكلمات الاعتذار تعكس عمق العلاقة بينهما، مما يزيد من شعوره بالانتماء والأمان. ميار تقترب من يوسف، عينيها تتلألأ بالحماس: "خلاص بقى، احنا عايزين نفرح، عايزين ننسى كل اللي حصل النهارده."
نبيل يتدخل برضا: "معاكي حق يا بنتي، احنا مرينا بأيام صعبة. يوسف، أنت دلوقتي واحد من العيلة دي." يوسف يبتسم، لكنه يشعر بشيء من التردد: "طيب، بما إن أنا واحد من العيلة، ممكن أطلب منك طلب؟ نبيل، بفضول: "طبعا يا ابني، اطلب، عايز إيه؟ يوسف ينظر لميار ثم يقول بجدية: "أنا بطلب منك أغلى حاجة عندك، تديهالي، وتكون أغلى حاجة عندي، وتكمل حياتي بيها."
نبيل يبتسم ويشجع: "والله يعني الموضوع ده أنا ما عنديش مانع، بس ناخد رأي العروسة. إيه رأيك يا عروسة، موافقة؟ ميار بخجل، تبتسم: "اللي تشوفه يا بابا." نبيل يحتضن يوسف وميار معاً، وهو سعيد: "ربنا يسعدكم يا أولاد ويحميكم. عايزكم تملوا عليا الدنيا أحفاد! يوسف بجدية، يتحدث بحماس: "إن شاء الله يا عمي، أوعدك إني هحطها جوه عيني وهعيش بس عشان أسعدها."
نبيل بثقة: "وأنا متأكد من ده. يلا، عندي شوية حاجات هخلصهم. تكونوا أنتم خلصتوا كل ترتيبات الفرح عشان نفرح بيكم." بعد خروج نبيل، يجلس يوسف مع ميار، عينيه تتجه نحو الأرض بخجل: "ميار، أنا كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع. عايزك تعرفي كل حاجة عني." ميار بابتسامة مشجعة: "أنا أعرف عنك كل حاجة، وقابلاك. زي ما أنت، طالما أنت قررت تتغير وتبقى أحسن، فمش هحاسبك على ماضيك."
يوسف بصدق: "صدقيني، أنا بقيت إنسان تاني خالص. نفسي أعيش معاكي وأعمل عيلة، وأعيش كل الحاجات اللي كنت محروم منها. بس كمان، أنت من حقك تعرفي أنا كنت عايش حياتي إزاي." ميار بثقة: "مهما كان اللي عشته، ما يهمنيش لأنه خلاص بقى في الماضي. ومع ذلك، لو حابب تتكلم، أنا هسمعك. بس عايزاك تكون فاكر، مهما كان اللي عشته، أنا عمري ما هغير رأيي فيك، أنا عايزة أكمل معاك حياتي." يوسف بتردد،
يشعر بالخجل: "قبل ما أعرفك، كنت إنسان عايش بدون هدف. كنت بعمل كل حاجة غلط ممكن تتخيليها أو حتى ما تتخيليهاش. كنت بستحقر البنات اللي كنت ببات معاهم. يعني أنا شخص كان بيتعامل مع الست عشان يشبع رغبته وبس. أخدت آباء كتير من وسط ولادهم ويتمتهم. اشتغلت في السلاح وفي المخدرات. واي حاجة وسخة ممكن عقلك يتخيلها أنا اشتغلت فيها." ميار: "ده ماضي مؤلم، لكنك مش لوحدك. الكل عنده أخطاء، واللي يهم هو إزاي هتتعامل مع الماضي ده."
يوسف: "أنا عارف. بس ساعات بحس إني مش هقدر أتحرر من اللي عملته. الجروح دي عميقة." ميار: "الجرح ممكن يلتئم، بس محتاج وقت ومجهود. وده جزء من رحلتك عشان تبقى إنسان أحسن." يوسف: "يمكن، لكن كان عندي قناعة إن ده هو الطريق الوحيد للحياة. دلوقتي، بحاول أفتح صفحة جديدة، بس الشكوك بترجع تاني." ميار: "حاول تشوفها كفرصة. إنت دلوقتي معايا، وعايز تتغير. ده اللي يهم."
يوسف: "بس عايزك تعرفي إن الماضي مش سهل نسيانه. كأن في كابوس مستمر في ذهني." ميار: "الماضي هيكون دايماً جزء من حياتك، لكن إنت مش مضطر تعيش فيه. خلي عندك أمل، وخلينا نكتب مستقبلنا سوا." ***
في حفل زفاف يوسف وميار، جلس الجميع وسط أجواء من البهجة والفرحة. كانت الألوان تملأ المكان، والضحكات تتعالى من كل زاوية، كأن السعادة قد حلت بأجنحتها عليهم مثل الطيور التي تحلق بحرية. أُضيئت العيون بلمعان الفرح، وتبادل الأصدقاء والأقارب الابتسامات الدافئة، والكل يتمنى للثنائي حياة مليئة بالحب والسعادة. إبراهيم: "أنا مش قادر أصدق، إزاي تأمن على بنتك مع واحد زي يوسف ده؟
أنت أكتر واحد عارف ماضيه عامل إزاي، ده مجرم. إزاي هتأمن على بنتك مع واحد زي ده؟ نبيل، بنظرة ثقة: "أنا عايز لبنتي راجل يحميها، ويوسف هو الوحيد اللي قدر يحميها رغم كل عيوبه." إبراهيم بعقلانية: "مش معنى إنه حماكم مرة إنه شخص نقدر نثق فيه." نبيل: "كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون. الولد فعلاً اتغير، وكل اللي محتاجه فرصة عشان يطلع الإنسان النظيف اللي جواه. وربك من فوق بيسامح، أنا مش هسامح؟ إبراهيم،
بتفكير: "مش عارف أقول لك إيه، بس يا ريت تخلي بالك. التغيير مش بيحصل في يوم وليلة." نبيل بابتسامة، وهو يبصّ ليوسف وميار: "لو قدرت تشوفهم بنفس العين اللي شايفهم بيها دلوقتي، هتفهم إن يوسف اتغير ومستحيل يرجع زي الأول." إبراهيم بتنهيدة: "أتمنى إنه يكون الشخص المناسب لبنتك ويكون قد الثقة." ***
في الزاوية، كان يوسف يحدق بميار بابتسامة عميقة، وكأنها نجمته المضيئة وسط الحضور، بينما تبتسم هي بدفء يذيب القلوب، ونظراتهما المتبادلة تنطق بالوعود الصامتة والأحلام المنتظرة. يوسف، وهو جالس جنب ميار بابتسامة: "أنا مش مصدق إننا خلاص اتجوزنا وإنك بقيتي مراتي." ميار، بضحكة صغيرة ولمسة حبّ على خدّه: "لا، صدق! يعني خلاص هفضل جنبك طول عمري، مش هسيبك." يوسف، وهو يقبّل
إيدها بحنان: "أنتِ مش متخيلة اللحظة دي… ما كانتش حتى في خيالي، كنت متأكد إنها بعيدة ومستحيل تحصل." ميار بابتسامة حبّ: "بس حصلت. مفيش حاجة مستحيلة لو عايزينها من قلبنا." يوسف يمسك إيديها، ويقوموا يرقصوا بين الناس: "يلا نفرح. مش عايز عيني تبعد عنك تاني." ميار فرحانة: "طيب، أنا معاك، ما تخافش. مش هسيبك." وفجأة تسمع طلقات، والكل في ذهول… ميار في رعب: "يوسف! لا! يتساقط يوسف على الأرض وسط دمائه، الكل جري من الخوف والرعب.
نبيل بجوارهم، الدموع تسيل من عينيه: "ديوسف… ابني." ميار تحتضن يوسف، رأسه على حجرها ودموعها تنزل بغزارة: "لا، يوسف! أنت وعدتني إنك مش هتسيبني. بابا، اعمل حاجة! نبيل ينظر لها بحزن، عارف إن النهاية قربت. يوسف، بأنفاس متقطّعة، ابتسامة ضعيفة على وجهه: "ميار، لما كنت في الظلمة، كنت ضايع. كنت تايه في الدنيا، كل حاجة كانت غامقة، كنت عايش بلا هدف. بس إنتِ… دخلتي حياتي كالنور. أضئتي كل ركن جوايا كان مظلم." ميار،
وهي تحاول تمسك دموعها: "لا، يوسف، ما تتكلمش كده. أنت هتقوم وهتفضل معايا. لازم تبقى معايا." يوسف، بنظرة حبّ، عينيه تلمع ببقايا حياة: "إنتِ النور اللي كان دايماً غايب عني، اللي بيخليني أشوف الدنيا بشكل مختلف… حتى وأنا أعمى. حبيتك من أول لحظة، وكل لحظة معاك كانت حياة." ميار، تمسك إيده بشدة: "يوسف، أرجوك، ما تسيبنيش. إحنا عدينا كل حاجة صعبة مع بعض، وهنعدي من دي كمان." يوسف،
بصوت خافت: "أنا عشت عمري كله ضايع… لكن معاك حسيت إني إنسان. إنتِ أغلى حاجة عندي، كل اللي عايزه… إنك تفضلي قوية." ميار، تبكي بحرقة: "يوسف، أرجوك ما تسيبنيش. إحنا كنا هنكمل حياتنا مع بعض." يوسف،
بأخر أنفاسه: "أنتي زي النجمة في الليل. وجودك بيخليني أشوف الحياة بشكل أحسن. فيكي شجاعة تجيب النور حتى في ظلمه الليل ..لازم تعرفي… إن حبي ليكي كان أكبر من أي حاجة. حتى لو كنت أعمى، كنت شايفك في قلبي. عيشي حياتك، وكوني سعيدة… لأجلي." وتنهمر دموع ميار على وجهه، تحاول تسترجع كل لحظة جميلة عاشوها سوا، في اللحظة التي تفارق فيها أنفاسه الأخيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!