رحل بها عدى لسيارته، لا يعلم ماذا يفعل. أفاق على صوت أنينها، تطلع لها بقلب ممزق على الحالة التي وصلت إليها، وتذكر ما قاله أنها زوجته. أسئلة كثيرة دارت في رأسه: لماذا أطلق عليها زوجته؟ لماذا هي؟ ولما هي؟ ومن هي؟ لماذا قلبي يؤلمني إلى هذا الحد؟ لماذا أساعدها هي بذاتها؟ لماذا أتطلع لها وكأنها تحل لي؟
أتعب عقله من كثر التفكر، ورحل بها إلى قصر من قصور عائلته. وضعها على الفراش ببطء، وكأنها قطعة من الماس يخاف فقدانها. وجاء ليرحل، فأمسكت يده بشدة بيده المرتعشة. تجمد محله، لا يعلم ماذا يفعل. يمنى بأنّين وصوت خافت: بابا... متسبنيش... أنا خايف...
عدي لا يعلم ما إذا كان سيبقى معها أم يرحل. العقل، ولأول مرة، يعجز عن فهم ما يدور حوله. لكن في النهاية، لبّى نداءً داخله بأن يبقى معها. وجلس جوارها يرتل لها القرآن بصوته العذب، لعلها تهدأ من رجفتها وداخله أيضًا يهدأ. كان يستمع لصوت بكائها بقلب ممزق، لا يعلم بأنها دائمًا منذ موت والدها وهي وحيدة. بكاؤها هو ونيسها على ما مرت به، فحياتها عبارة عن حزن وتعب ودموع ليس لها حدود.
ومر أسبوع على يمنى وهي لم تصحُ، وهذا قلق عدى جدًا. وبعث جلب أطباء كثيرين، وكلهم أثبتوا أنها حالة نفسية، أكيد تعرضت لشيء عصبي من زمان، وهذا الذي يبدو من الخوف والغيبوبة والعياط. وضمها لنفسها بالقوة، لكن لن يعرفوا ما هي غير لما تفوق وتحكي. عدي استنتج أنه نتيجة الاعتداء الذي حصل لها. وأعدا يومين، وعدي لا يتركها غير لما يذهب القصر ليطمئن على أمه وأخته، وساب الشغل كله على كريم.
يمنى ابتدأت تفوق وافتكرت الذي حصل، وفضلت تعيط كثير، وصوتها بدأ يعلى ووصل لمسمع عدى، ورحلها. عدي بخوف: في إيه؟ إيه اللي حصل؟ مالك؟ إنتِ أخيرًا فوقتي! يمنى برعب: إنت مين؟ وبصت حولها وقالت: أنا فين؟ أنا إيه اللي جابني هنا؟ أنا لازم أمشي. وتحاملت على نفسها وقامت هتمشي. عدي وقف قدامها: مينفعش إنك تمشي، إنتِ تعبانة. يمنى: ملكش دعوة، أنا لازم أمشي. إنت عايز مني إيه أنت كمان؟ عدي بيحاول يتمالك غضبه:
صوتك ميعلاش، أنا عدّيتها لك أول مرة، لكن المرادي مش هعديها. يمنى بتذاكر: هو إنت تاني؟ إنت جبتني هنا إزاي؟ أو أنا جيت هنا إزاي؟ عدي محبش يفكرها باللي حصل وميحرجهاش: أنا بس لقيتك مغمى عليكِ من أسبوع وجبتك هنا، والدكتور قال اتعرضتي لحالة عصبية بس مش أكتر، ومن وقتها إنتِ نايمة. يمنى بتوهان: معقول أسبوع؟ ياريتني مت وارتحت. عدي سمعها وقلبه وجعه عليها. يمنى: كتر خيرك، شكرًا على اللي إنت عملته معايا، عن إذنك. عدي:
استني، هتروحي فين؟ يمنى: لازم أمشي. عدي بتردد: هو مين عمل فيكي كدا؟ يمنى بألم: مفيش، أنا لازم أمشي، عن إذنك. عدي: أنا ممكن أساعدك وأجيب لك حقك. يمنى ببكاء: كتر خيرك، عن إذنك. نسيت كل تعبها، وجريت لأنها متحملتش صوته لما قالها، وافتكرتها شفقة. بس من ناحية عدى، فكان عايز يساعدها فعلاً، أو يحاول يرضي ضميره. بس ده اللي كان بيحاول يقنع بيه نفسه، بس اللي جوه مشاعر متلخبطة، مش عارف يسميها إيه.
ووصلت عند الباب الرئيسي للقصر، بس الحرس منعوها. عدي: افتح الباب. مشيت يمنى مش عارفة تروح فين، مشيت بروح ممزقة ودموع تغزو وجهها بغزارة. عدي مكنش عارف يعمل إيه، وأخذ عربيته ومشى وراها. عدي: كل ده مشي؟ دي بقالها أكتر من 5 ساعات ماشية. ماشية تايها؟ معقولة متعبتش؟ هي إيه حكايتها؟ أنا لازم أعرفها.
يمنى وصلت للهاوية، وقفت وافتكرت كل حياتها، وافتكرت أنها انذبحت على إيد شخص عديم الرحمة. في جريمة يعاقب عليها القانون والإنسانية. عدي شافها رايحة في اتجاه الهاوية، خاف عليها ونزل على طول. فضل يقرب منها لحد ما كانت هترمى نفسها. سحبها وحضنها بقوة، وكأن روحه كان هتطلع. فضل يحضن فيها لحد ما حس بنفسه، وبعدها عنه كان أغمى عليها. شافها كانت عابرة، كانت جثة هامدة، فاقدة للحياة على اللي مرت بيه.
عدي شالها ووداها العربية، وفهم قد إيه هي تعبت في حياتها وعانت، واللي حصلها، واليأس اللي في ملامحها يخليها عايزة تنتحر. وأقسم أنه هيجيب لها حقها ويعرف عنها كل حاجة. ورجعوا القصر. عدي في مكتبه لأحمد: احمد هات لي كل المعلومات عنها، فاهم؟ أحمد: أمرك يا عدى بيه. كريم اتصل على عدى: كريم: إيه فينك؟ أنا هموت لوحدي، حرام عليك، ارحمني. عدي: هاجي بكرة. كريم: في إيه يا عدى؟ مالك؟ عدي: مفيش، أنا كويس، سلام.
وقفل قبل ما يسمع رده. وفضل يفكر فيها كتير، ولقى نفسه مسك سجادة الصلاة وصلى ركعتين لله الأعظم الذي له القدرة على كل شيء بقوله كن فيكون. دعى الله أن ينور طريقه ويدله على معرفة ما يدور بداخله. وراح يطمئن عليها. عدي: عاملة إيه دلوقتي؟ الممرضة: هي كويسة، بس نايمة من مفعول المهدئات. عدي: خلي بالك منها. الممرضة: حاضر. رحل ليفكر جيدًا فيما خطر على باله وتنفيذه. سطعت شمس يوم جديد مليء بفرح وحزن. مقر شركات الجارحي.
كريم: نسمة ابعتي لي الملفات. نسمة: حاضر يا فندم. آية وصلت الشركة. آية: كريم. كريم بتفاجأ: إيه ده؟ إيه أخبارك؟ آية: بخير الحمد لله، وانت؟ كريم: الحمد لله. إيه خلاص هتبدأي تدريب النهارده مع الجروب؟ آية: أيوه طبعًا، أنا متحمسة جدًا. كريم: أوكي، ده حاجة كويسة، بس أنا في شغل، معرفش قرايب زي أي حد في التعامل. آية بصوت خافت: إنت لو بس تعرف إنك أقرب حد ليا وعايش جوايا، ماكنتش قلت كده. كريم: بتقولي حاجة يا آية؟ آية: ها؟
لا أبدًا. أوكي، وأنا موافقة. كريم: طيب، يلا اتفضلي عشان هنبدأ. آية: أوكي. حوله طاولة الاجتماعات، يلتف حولها جميع الطلاب المتخرجين لتقديرات عالية وكفاءة. كريم: أنا كريم المنشاوي، المهندس اللي هيدربكم. ونظام الشغل هنا مش في أي مكان، مش هقبل بأي استهتار، واللي هيستهتر فيتفضل يمشي من دلوقتي أحسن. بدأ وشرح المشروع اللي هيتعمل بطريقة مبهرة عجبتهم. وآية سرحت في كلامه ووقفته، مشيته وحركاته.
وكريم لاحظ أنها سرحانة ونادى عليها. كريم: آية، فين؟ آية بخضة: ها؟ أنا أهو. كريم ماحبش يحرجه ويسألها في حاجة من اللي قاله، واكتفى بركزي معايا. آية: حاضر. وخلص الاجتماع وطلب من كل واحد يرسم مشروعه وهيُسلم في مدة معينة. وفعلاً ابتدوا. خالد: إيه ده؟ آية؟ إيه أخبارك؟ آية: أهلاً خالد، إزيك؟ خالد: إنتِ بتدربي هنا في مجموعتي؟ آية: من حسن حظي.
كريم شافهم بيتكلموا وغار جدًا عليها، كان نفسه يضربه ويبعده عنها، مش عايز راجل غيره يكلمها. كريم بعصبية: ما كل واحد يركز في مشروعه، يا أستاذ أنت والآنسة. خالد بإحراج: حاضر يا فندم. آية زعلت ودموعها اتجمعت في عينها، ولفّت تكمل تصميمها، بس مكنتش مركزة. وكريم زعل من نفسه جدًا أنه شاف دموع في عينيها، وافتكر أنها مش بتحب حد يزعلها، وقرر بعد ما يخلصوا يصالحها. والكل مشي بعد ما خلص المطلوب منهم.
وآية وهي ماشية، كريم نادى عليها. كريم: آية، استني. آية من غير ما تلف: آية: نعم يا فندم؟ كريم: أنا كريم، مش فندم. آية: إحنا في الشركة، يبقى فندم. كريم: والدوم خلص، يعني تقولي لي كريم. آية: عن إذنك، أنا اتأخرت. كريم: استني، عايز أتكلم معاكي. آية: مفيش بينا كلام. وسابته ومشيت، وهو زعل من كلامها واتعصب وقرر أنه يحصلها. ولحقها هي في الأسانسير. كريم بعصبية: إنتِ إزاي تسبيني وتمشي وأنا بكلمك؟
آية بعصبية: إنت إزاي تتكلمني بالطريقة دي؟ ياريت تلزم حدودك. كريم بعصبية: صوتك ميعلاش عليا، أنا عدّيت الموضوع إنك واقفة تتكلمي مع الواد، مفيش أي احترام ليا. وإنتِ إزاي أصلًا تردي عليا، على راجل؟ هي دي التربية اللي أهلك ربّوكِ لها؟ آية ضربته بالقلم: إنت تخرس خلاص، أنا متربية ومسمحلكش إنك تتكلم عليا بالطريقة دي.
كريم اتعصب جدًا لدرجة إنه كان هيرفع إيده عليها، بس قلبه مطاوعوش. وهي خبت وشها، وهو وقف متصنم مكانه من صوتها ودموعها وشهقاتها ابتدوا تعلى، وده وجعوه جدًا. بس هي أهنته ورفعت إيدها عليه، وكان لازم يعاقبها. كريم نجح في الإعادة لثباته: اللي إنتِ عملتيه لازم تتعاقبي عليه، بس مش هنا، في بيتنا. سابها ومشي، وهي مش مستوعبة كلامه، ورجع كمل شغله، وهي راحت.
عند يمنى، صحيت من النوم وافتكرت اللي حصل. كان لازم تنهي حياتها، بس الشخص ده إزاي طلع لها تاني وأنقذها تاني؟ وقالت: حتى كمان الموت كارهني زي ما الحياة كرهاني. وقالت إنها لازم تمشي تشوف حياتها وتسيبها على الله، وزي ما تيجي تيجي. وتحاملت على نفسها ونزلت. عدي: رايحة فين؟ يمنى: همشي. عدي: مش لما أعرف إنتِ مين الأول، وعايزة تنتحري ليه؟ عايزة تموتي كافرة؟ إنتِ إزاي تعملي كده؟ يمنى: وتعرف ليه؟
دي حاجة ترجع لي، ويا ريت توفر كلامك. عدي: تمام، بس إنتِ في قصري، وكمان ساعدتك. يمنى: كتر خيرك، تعبت نفسك، بس إنت اللي جبتني، مش أنا اللي جيت. عدي: مهو إنتِ مكنتيش في وعيك. يمنى: كنت سبتني في مكاني، وماكنتش تعبت نفسك. عدي: عايزة تنتحري ليه؟ يمنى: حاجة ترجع لي. عدي: عشان اللي حصل لك. يمنى بألم: مفيش حاجة حصلت، ولو سمحت انسى إنك شفتني أو تعرفني. عدي بغموض: موافق، بس أنا عايز تمن اللي قعدتي بيه هنا، ودكاترة.
يمنى: أوكي، بس أنا دلوقتي مش معايا، أول ما أشتغل هرجع لك كل حاجة. عدي: وأنا إيه اللي يضمن لي إنك ترجعي لي حقي؟ يمنى: معنديش ضمانات. عدي: بغموض: يبقى تمضلي على الورقة دي عشان يثبت لي حقي، وإنك لو هربتي أعرف ألاقيكِ. يمنى: أوكي، هات. أمضت على طول. عدي: مش هتقريه الأول؟ يمنى: لا. عن إذنكم. مشيت، ولقيت نفسها رايحة الجامعة، فمكتب عبد الحميد. عبد الحميد: إزيك يا بنتي؟ يمنى: الحمد لله، وحضرتك؟ عبد الحميد: بخير الحمد لله.
يمنى بإحراج: كنت طالبة من حضرتك طلب. عبد الحميد: اتفضلي يا بنتي. يمنى: كنت عايزة شغل ومكان أعيش فيه. عبد الحميد: شغل إيه؟ هو إنتِ مستلمتيش الشغل في شركات أدهم المنشاوي؟ يمنى: لا، لسه مجاليش قبول. عبد الحميد: لا، إزاي؟ أهو الجواب بتاعك جه من أسبوع وأنا استلمته. يمنى بفرحة: بجد يا دكتور؟ الحمد لله يارب، والله ربنا عالم بحالي.
عبد الحميد: أهو الشغل اتحل، نيجي للسكن، في أوضة عندي على السطوح، الناس اللي فيها سابوها امبارح، إيه رأيك تسكني فيها؟ يمنى بسعادة: طبعًا يا دكتور، بس أنا معيش فلوس أدفعها. عبد الحميد: متقلقيش، أنا هكلم لك الراجل وتيجي تسكني. أنا خلصت شغل، يلا نروح. وراحوا العمارة، والراجل وافق تاخد الأوضة على ضمان دكتور عبد الحميد. عبد الحميد: يلا يا بنتي ننزل نتغدى وتطلعي ترتاحي. يمنى بإحراج: لا شكر يا دكتور، بالف هنا.
عبد الحميد: يلا يا بنتي، متتعبنيش، أنا جاي تعبان. يمنى: حاضر. ونزلوا، وتعرفت على مراته وبناته. صفاء: أهلاً يا بنتي، والله نفسي أقابلك من زمان، من كلام الحج عليكي وعن أخلاقك وأدبك. يمنى: ربنا يخليكي يا طنط. أزهار: والله يا يمنى، ما تشوفي بابا، هو بيتكلم عليكي كأنك إنتِ اللي بنته، مش إحنا. يمنى: ربنا يخليك يا دكتور، وربنا يعلم هو في مكان أبويا.
بيلا بمشاكسة: على فكرة هو أنا موجودة بردو، وبنته، يعني تتلموا وتسبوا لي بابتي ليا وحضني. يمنى بحنين: ربنا يرحمك يا بابا. مصطفى: سلام عليكم. الجميع: وعليكم السلام. مصطفى: إحنا عندنا ضيوف. صفاء: لا يا ابني، دي يمنى، كانت طالبة عند أبوكم. مصطفى: آها، أهلاً وسهلاً. يمنى: أهلاً بحضرتك. صفاء: يلا، الأكل جهز. يمنى مش بتاكل وسرحانة. أزهار: مالك يا يمنى؟ مش بتاكلي ليه؟ أكل ماما مش عاجبك ولا إيه؟
يمنى: لا طبعًا، ده جميل، تسلم إيدك يا طنط، أنا بس شبعت. صفاء: شبعتي إيه؟ هو إنتِ أكلتي أصلًا. يمنى: معلش يا طنط، هو أكلي كده. عن إذنكم، أنا هطلع أرتاح شوية عشان الشغل بكرة. صفاء: استني ي بنتي، البنات يطلعوا معاكي ويفرشوا الأوضة. يمنى: لا يا طنط، متتعبهومش، أنا مرتاحة كده. أزهار: لا تعب ولا حاجة، تعالي نطلع. وطلعوا وفرشوا الأوضة. أزهار: خدي الفستان ده، البسيه بكرة للشغل. يمنى: لا، أنا كويسة كده، هروح بيه.
بيلا: تروحي إزاي يعني بيه؟ لازم تروحي بحاجة حلوة زيك. يمنى: حبيبتي، ربنا يخليكي ليا. ونامت يمنى براحة، إنها هتعرف تعيش وتشتغل، بدام معرفتش تموت وتموت كافرة. مش كفاية اللي هي فيه واللي وصلتله.
عند آية، فضلت طول الليل تعيط وتفتكر في كلامه وإهانته. وقررت إنها مش هتسكت له بعد كده وتتعامل بحدود، إنه رئيسها في الشغل، مش معنى إنها بتحبه هتقبل منه كلامه. وقررت تثبت له إنها مجرد متدربة عنده، يعني مفيش مشاعر من ناحيتها. ونسيت أهم حاجة، تأكد مشاعره ناحيتها، إنها هتتعاقب في بيتهم.
عند كريم، خلص شغله ونزل لف بالعربية ورجع بيته. فضل يفكر في اللي حصل، وإنه كان ممكن يتهور لما يرفع إيده عليها. ساعتها ماكنش هيسامح نفسه أبدًا. وفي قرب وقت هيروح يطلبها من عدى، عشان كان مستني بحجة دراستها، بس دلوقتي مفيش حاجة تمنعه عنها.
عند عدى، من ساعة ما خرجت الصبح وهو تايه، مش عارف ماله. حاسس بحاجة ناقصاه ومش عارف اللي عمله ده صح ولا غلط. ومعرفش يكمل شغله كويس، ومشي وفضل يلف كتير، لقى نفسه عند القصر اللي هي كانت موجودة فيه، ودخل الجناح اللي هي كانت فيه، ونام مكانها. وأول مرة كان يحس بدفئه، وغمض عينه ونام.
حلم بها. مدّ لها يديها. هو نفس الحلم متغيرش من 14 سنة. وكأنها حورية نازلة من السماء، أو جنية طالعة من المياه. جمالها ملوش وصف. شعرها الحرير وعيونها زي صفاء السماء، وفستانها الأبيض، وملامحها الهادية الطفولية. ولمست إيدها، إيدها الناعمة، وصوتها لحن، هي بتنادي اسمه. وفجأة يسمعها بتعيط وبتستنجد بيه، وتنادي: "يعني بعد ما كانت مدّاله إيدها، بقت هي اللي بقت عايزة يمد لها إيده ليها."
وترد جملة واحدة: "عدي، متسبنيش، كفايا وجع وبعد." صحى عدى من النوم على صلاة الفجر، نفس معاد كل يوم من 14 سنة. فضل يسأل نفسه: إيه الحلم ده؟ ومن هي دي؟ ودموعها كانت وجعه جدًا كمان. دماغه تعبت من التفكير، وقام أخذ حمام ساقع، لعل ضجيج عقله يهدأ. وصلى فرضه، ونزل يجري. عند يمنى، وهي نايمة، حلمت إنها ماشية وسط ناس شر، وماسكة أسلحة. ومن كتر خوفها كانت بتقوي نفسها: "إنتوا فاكرين عدى هيرحمكم؟
رد واحد عليها: "أهو عدى أهو، وهيموت حتى، شوفوا كده." وفضلوا يضربوا فيه بالرصاص قدام عينها لحد ما وقع وسط دمه. يمنى بصراخ: لا! عدي! متسبنيش! وصحيت من النوم وهي بتنادي عليه لحد ما هديت، وسألت نفسها: إيه الحلم ده؟ ومين عدى ده؟ وفضلت تفكر كتير جدًا لحد وقت شغلها. وقامت لبست عشان تروح شغلها.
عند عدى، هو بيجري سمع حد بينادي عليه، ووقف، وفضل يلف حوليه، بس مفيش حد. مع إن الصوت كان قريب جد. ومهتمش ومشي، راح يغير عشان يروح الشركة. هذا نداء الروح. الروح بتنادي روحها اللي اتخلقت عشانها. مينفعش إنها تسيبها وتروح، عشان أرواحهم مرتبطة بشدة، وإني وجودهم مع بعض مينفعش يعيشوا من غير بعض. لأن الأمر لما بيتعلق بعشق الروح، مفيش لا مسافات ولا بعد بتقيدهم، لأن قلوبهم بتحس بيهم.
وعند عدى، في طريق لمقر شركات الجارحي، شافها ماشية ومشي وراها بالعربية، كأن لاقي حاجة ناقصاه، عايز يعرف هي رايحة فين. وكأن كان بيتمنى يشوفها من وقت ما مشيت امبارح. واتصدم جدًا لما شافها داخلة شركة المنشاوي، وقرر يعرف هي مين فعلاً، بعد ما أهمل الملف اللي أحمد جابه له، وأنها تبع أدهم المنشاوي. واتجه لشركته. عند يمنى، ابتدأت شغل في الحسابات، وفهمت كل حاجة في الشغل. رانيا، سكرتيرة أدهم المنشاوي.
رانيا: حسن، ابعت الموظفة الجديدة بالورق عشان أدهم بيه يمضيه. حسن: طيب. حسن: يمنى، روحي ودي الورق يتمضي. الدور اللي فوق على طول، آخر الطرقة يمين، عند أستاذة رانيا. يمنى: حاضر. يمنى: صباح الخير، الورق ده لأدهم بيه. رانيا: إنتِ بقى الموظفة الجديدة؟ يمنى: آة، أنا. في حاجة؟ رانيا: لا، مفيش. ادخلي. في مكتب أدهم المنشاوي. يمنى: الورق حضرتك من الحسابات. أدهم بتفحص هيئتها: إنتِ بقى جديدة؟ يمنى: أيوه يا فندم.
أدهم اطمن إنها مش حلوة، يعني محدش هياخدها من المنافسين عشان يعرف يستغلها ضده. بس اتضايق جدًا إنها معجبتهوش، وقال: مش مشكلة، البنات كتير، المهم الشغل. أدهم: الشغل اللي هنا لازم تلتزمي بيه، ومحدش يعرف أي حاجة عن شغلك. أهلك في البيت ميعرفوش إنتِ بتشتغلي إيه من أساسه، مفهوم؟ ولا تشتغل مع حد من ورايا.
يمنى: أنا عارفة شغلي كويس، وبيلتزم بيه وبحدوده، ومش من حقك إنك تقول لي اشتغل في حتة تانية أو لا، بدام هقوم بشغلي على أكمل وجه، وفي المعاد المحدد للعمل. أدهم عجبه طريقة كلامها واهتمامها بشغلها، وكمان الحسابات عملتها كويس. أدهم: أوكي، اتفضلي على شغلك. يمنى: أمرك يا فندم. وبعد ما خرجت، جاله تليفون. محمود، أحد رجال أدهم اللي بيخلص له كل شغلهم. محمود: كل تمام يا بيه. أدهم: أمنت المخازن كويس؟ محمود: طبعًا يا باشا.
أدهم: تمام، معادك الساعة 12 مع الموزعين، وخلي بالك، ممكن تكون متراقب. محمود: لا، متخافش، أنا مظبط كل حاجة. أدهم: طيب، روح إنت، وابعت لي صافي على القصر. محمود: أمرك يا باشا. أدهم فضل يفكر، بعد ما الشحنة تدخل البلد، إزاي هيتخلص من عدى الجارحي والنسر اللي بيخرب له شغله كل مرة. عند آية. آية: ماما، عدى فين؟
كريمة: مش عارفة، تلاقيه في شغله. حتى حاسة إنه متغير بقاله كام يوم، مش بييجي، ورجع يقعد في القصر لوحده. ربنا يهديك يا بني ويرضى عنك ويرضيك ويريح بالك. وإنتِ مرحتيش الشغل ليها؟ آية بارتباك: لا أبدًا، أنا بس تعبانة النهارده. كريمة بخضة: ليه؟ سلامتك مالك؟ آية: أبدًا يا ماما، إرهاق مش أكتر. أهدى: بس تعرفي، أنا نفسي في البيتزا اللي بتعمليها.
كريمة: عينيا، وهعمل لعدى الكب كيك بالتوت اللي بيحبه، وكمان كريم بالفراولة. وكأنها فكرتها باللي حاولت تنساه. هي أيوه زعلت من كلامه وطريقته، بس هو وحشها، ونفسها تشوفه، بس هتعامله بحدود. آية: طيب، يلا هساعدك تعمليهم. كريمة بسخرية: ياااه! أخيرًا يا بنتي هتدخلي معايا المطبخ. آية: أيوه يا ماما، عشان تعدي الجميل. كريمة: جميل إيه يا هبلة إنتِ؟ ده إنتِ هتفضحييني يوم ما تتجوزي، قال جميل قال. آية: ليه بس يا ماما؟
ده أنا بعرف أعمل شوية مكرونة وبانيه، إيه حكاية؟ إنتِ نسيتي ولا إيه؟ كريمة: مكرونة وبانيه! ربنا يكون في عون اللي هياخدك. آية: إيه يا ماما؟ هو إنتِ عايزة تخلصي مني ولا إيه؟ كريمة: أخلص منك؟ ده هزعل وأبقى لوحدي. يوم ما تتجوزي مش شايف عدى مشغول في شغله ومش بشوفه، يعني هكون لوحدي.
آية وهي بتحضنها: يا حبيبتي يا ماما، أنا عمري ما هسيبك. هجيب جوزي وهنيجي نقعد عندك لحد ما تزهقي وتطردينا. وعدى هيتجوز، مش هيقعد عازب كده، هو بس يوم ما تيجي البنت اللي تستاهله. وده كل مكتوب، يعني نصبر شوية يا ماما. كريمة: عارفة يا بنتي، ربنا يهنيكي ويفرحك ويبعت بنت الحلال اللي تريحه ويرتاح، يا قادر يا كريم. آية: يا رب يا ماما. عند عدى، في مكتبه، دخل عليه كريم. كريم: عايز أتكلم معاك في حاجة مهمة. عدى باهتمام: ها؟ أي هى؟
كريم بيجمع الكلام بصعوبة: بصراحة، أنا قررت أتجوز. عدى: بجد؟ مبروك! هي مين عشان نخطبهالك؟ كريم: آية الجارحي. عدى فرح جدًا إن ربنا بعت لأخته شخص كويس ومحترم ويعرف ربنا وهيتقي الله فيها ويعملها بما يرضي الله. عدى بهزار: طيب، هبقى أسأل عليكِ وأرد عليكِ. كريم فهم إن عدى مش موافق: عن إذنك، عندي شغل. عدى: هسألها أما أروح بليل وأرد عليك، مهو مينفعش منخدش رأي العروسة يا عريسك. كريم بعد تصديق: إنت بتتكلم بجد.
وحضن عدى أوي: أيوه بقى يا أبو نسب. عدى: لسه موفقش، استنى. كريم: خير بإذن الله. عدى: إن شاء الله. كريم: طيب، أنا هروح أكمل شغل بقى ومشي. عدى بفرحة: ربنا يهنيك ياصاحبي. وفكر الملف بتاع البنت. وفتحه وقرأه.
عدى: يمنى محمد الأمير، يتيمة، 22 سنة، حاصلة على بكالوريوس تجارة. أمها هالة وأخوها يوسف. هي اللي بتشتغل وبتصرف على البيت، وأخوها طردها من فترة عشان هي اتطردت من شغلها، وفضلت عند صحبتها ياسمين وأخوها محمد، واختفت مرة واحدة. وحدش يعرف عنها حاجة. مزق الملف بعنف وغضب بعد ما عرف مين اللي عمل فيه كدا، وتأكد إنها ملهاش علاقة بأدهم المنشاوي غير شغل وبس. عدى بغموض: كل واحد لازم ياخد جزائه ويتعاقب. وخرج ورجع للقصر. عدى مقبّلًا
يدى والدته: إزيك يا أمي؟ كريمة: أهلاً يا حبيبي، يلا غير هدومك وتعالى عشان تتغدى. عدى: لا يا أمي، محتاج أنام، بعدين آكل. وسابها وطلع جناحه. كريمة: طيب، اعمل حسابك عشان هعزم كريم على العشاء النهارده. عدى: حاضر يا أمي. كريمة بعد ما اختفت من قدامها: لو بس أعرف مهموم ليه يا بني. عند عدى في جناحه، بعد ما غير هدومه، جاله تليفون غامض. المتصل: المعاد اتحدد، هتوصل بعد أسبوع. عدى: أمنت كل حاجة. المتصل: كل تمام.
عدى: نقابلهم بعد أسبوع. المتصل: أوكي، هنستناك في معادنا اللي اتفقنا عليه. وبعد ما خلص المكالمة، رجع يفكر في اللي هيحصل بعد أسبوع، لحد ما نام. في مبنى خاص بتدريبات الجيش. عند مصطفى وعبد الرحمن. بعد ما خلصوا تدريبهم. عبدالرحمن: النسر، بدام دخل في الموضوع، يبقى خلاص، قول عليهم يا رحمان يا رحيم. مصطفى: فعلاً، آخر مهمة، مرحمش الشبكة اللي اتقبض عليها. عبد الرحمن: مش عارف، اللواء خالد مش عايز يظهروا لحد النهارده ليه؟
إحنا اللي صحابه، مش عارفين. اللواء خالد: أنا هقولك. قاموا واقفين احترامًا له بالتحية. اللواء خالد: النسر يعرف رجال أعمال كتير بيشتغلوا في أعمال غير مشروعة، منها المخدرات، وغسيل الأموال، وبيع الفتيات. دا بحكم شغله، هو بيساعدنا بداه، وإحنا قبلنا إنه يكون من رجالتنا، وده المقابل، بس مش جاسوس لينا، لا، كفرد من الجيش. يلا، القضية دي لازم تتقفل في أقرب وقت. عبدالرحمن: شمعنا إحنا التلاتة؟
اللواء خالد: عشان إنتوا بتكملوا بعض، أظن إنت فهمني. عبدالرحمن ومصطفى: أمرك يا فندم. اللواء خالد: يلا على الاجتماع. في غرفة الاجتماعات. عبدالرحمن: هي ملك لسه مجاتش؟ هنتعقب المكان إزاي؟ مصطفى: مين ملك دي؟ ملك: أنا ملك العمري، أكبر هاكر يخترق أي موقع في الشرق الأوسط. اللواء: إزيك يا ملك؟ ملك: أهلاً يا خالو، أقصد يا فندم. مصطفى بهمس لعبد الرحمن: الواد ده والبنت دي شغالين معانا. عبد الرحمن: أيوه، واسكت بقى.
ملك: أنا قدرت أحدد مكانهم أهو، العنوان. هيجتمعوا الساعة 12. عبدالرحمن: مصطفى، ده مش عنوان الشارع اللي إنت ساكن فيه؟ مصطفى: آة، هو. اللواء خالد: طيب، جهزوا نفسيكم بقى، وابعته الموقع للنسر. عبد الرحمن ومصطفى: أمرك يا فندم. عبد الرحمن: بعت له رسالة أهو. اللواء خالد: ربنا معاكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!