داخل مدينة الإسكندرية وبعد أسبوعٍ كان قد قضاه عز بغرفة ياسين متجنبًا تلك المتعجرفة كي يهذب روحها ويؤدبها مثلما أمر الشرع، كادت تجن من تجاهله المتعمد حتى أمام أهل المنزل بالأسفل مما جعلها تشعر بالإهانة والذل والانكسار.
شعرت منال بحجم خطأها الكبير التي اقترفته بحق زوجها الراقي والذي لم يُسئ إليها مطلقًا منذ أن تزوجته، بل على العكس دائمًا ما يُلبي لها جميع متطلباتها من ملبس ومجوهرات ومأكل وحتى الخروجات، ولكن بحدود وفي أماكن ترقَّى لمستوى عز ومنصبه الرفيع كعقيد في جهاز المخابرات المصرية وما له من مكانة خاصة بداخل الجهاز. ليلاً داخل غرفة ياسين وطارق
كان يتمدد فوق تخت طارق الصغير الغافي بجانبه بسلام، ناظرًا في سقف الحجرة بشرود وتفكر، أما ياسين فكان يجلس فوق مكتبه يتابع دروسه باهتمام كعادته. استمع إلى طرقات خفيفة فوق الباب ودلفت بعدها منال دون انتظار الرد. نظرت خجلًا إلى عز وتحدثت بنبرة هادئة: "من فضلك يا عز، أنا عاوزة أتكلم معاك." لم يعر حديثها أي اهتمام بل ظل على وضعه ولم يتحرك له ساكن، فتحدثت هي من جديد بصوت راجٍ: "أرجوك يا عز! أجابها بصوت رخيم بارد
دون عناء النظر إلى وجهها: "اتفضلي روحي على أوضتك، أنا مش عاوز أتكلم مع حد." تحركت إليه واقتربت من تمدد جسده وتحدثت بعيون راجية وصوت يملؤه الندم: "أرجوك يا عز، أنا محتاجة أتكلم معاك ضروري." كان الفتى يستمع إليهما مسلطًا بصره على الكتيب الذي بيده كي لا يزيدها على والدته أكثر ويشعرها بالحرج من وضعها.
شعر عز بندمها الظاهر من خلال نبرة صوتها، حول بصره ونظر إليها وجد داخل مقلتيها الفيروزيتين لمعات لدمعات تريد من كبريائها الطاغي عليها أن يفسح لها المجال حتى تنساب بسلاسة وتنطلق هاربة للخارج، ولكن هو الكبرياء لعنة الله عليه. تنهد باستسلام ونظر إلى صغيره المنكب على أوراقه وشعر بحزنه العميق الذي يحاول تخبئته تحت تلك النظرات الجامدة.
وافقها الرأي كي لا يزيدها على صغيرة أكثر، اعتدل بجلسته ثم وقف وأشار لها بالتحرك أمامه، خرجت هي وتحرك هو متجهًا إلى جلوس صغيره، نجل قلبه وصديقه، رجله الصغير مثلما دائمًا يلقبه. وقف الصغير احترامًا وتقديرًا لوالده، أما عز فوضع كف يده العريضة فوق شعر ياسين الأسود يتلمسه بحنان وأردف قائلًا بنبرة حنون: "ياسين، أنا مش عاوزك تشغل بالك بموضوعي أنا وماما، اللي حصل بينا ده عادي جدًا وبيحصل بين أي زوجين." وأكمل مفسرًا الوضع كي
يرفع الحزن عن كاهل صغيره: "لازم تعرف إن الحياة مش كلها راحة وسعادة يا ابني، فيه أوقات صعبة بتيجي علينا بنخرج فيها عن شعورنا غصب عننا من كتر الكبت اللي بنوصل له من ضغط الحياة والبشر علينا وعلى نفسيتنا." تحدث الفتى ببراعة وتفهم: "أنا مش عاوز حضرتك تقلق وتشيل همي يا بابا، أنا فاهم كل الكلام ده وواثق من قدرة حضرتك في توصيلنا إحنا وماما لبر الأمان، أنا عارف إن ماما صعبة في طباعها." وأكمل بعيون راجية:
"بس أنا بطلب منك تتحملها عشان خاطري أنا وشيرين وطارق، أرجوك اعمل كده عشان خاطرنا كلنا يا بابا." كانت تلك هي رسالة الفتى الذكي لأبيه، فعلم عز مغزاها وأومأ له برأسه وابتسم بخفة ليبث بداخل روحه الطمأنينة، ثم خرج متجهًا إلى غرفة نومه المشتركة مع زوجته وأغلق بابها خلفه.
وجدها جالسة فوق الفراش ترتدي لباسًا مثيرًا للغاية، واضعة على وجهها بعض مساحيق التجميل الرقيقة مما جعل من ملامحها الجميلة بالأساس صارخة الجمال، في خطة مدروسة منها بإغرائه كي يخر راكعًا تحت قدميها وبدلاً من أن تعتذر هي منه، يبادر هو بالاعتذار منها متأثرًا بسحرها، هكذا صور لها غباءها هذا السيناريو متغافلاً عن ذاك القوي الشخصية شامخ الكرامة المسمى بزوجها.
رمقها بنظرات ساخرة وظل واقفًا مبتعدًا واضعًا يديه داخل جيبي بنطال منامته وتحدث لها بتململ وعدم صبر: "اتفضلي اتكلمي يا هانم، أنا سامعك." شعرت بالدماء تهرب من وجهها من شدة خجلها وغصة مريرة وقفت بحلقها من ذلك المتجاهل لجمالها وأنوثتها الطاغية التي تجعل من الجماد ينطق، لكنها غفلت عن شيء غاية الأهمية، ألا وهو أنها متزوجة من عز المغربي سليل آل المغربي المعروف عن رجالهم بالكبرياء والرجولة والشموخ.
استمدت القوة والإصرار من داخلها وصممت على استرجاعه إليها من جديد حتى ولو تنازلت عن بعض كبريائها وشموخها الملازمان لها كظلِها. بادرت بالحركة إليه واقتربت منه كثيرًا، ثم وضعت يدها على صدره تتحسسه بحنان ودلال امرأة ثم تحدثت بنبرة أنثوية مهلكة لأي رجل بالكون إلا من ذاك الغاضب متيم حبيبتها: "المفروض أنا اللي أزعل منك على فكرة، والمفروض كمان إنتَ اللي تيجي وتصالحني مش العكس يا عزو." أكملت وهي تلصق جسدها بـجسده بإغراء له:
"بس أنا عشان بحبك ومش قادرة على بُعادك أكتر من كده ما اتحملتش وتنازلت عن كبريائي وكرامتي وجيت لك رغم قسوتك عليا وإهانتك ليا قدام ابني." ضاق بين حاجبيه مستغربًا حالتها وتقربها بهذا الشكل الغريب، بمنتهى البرود أمسك يدها وأنزلها عن صدره بهدوء، وذهب إلى الفراش وجلب لها مأزرها من فوقه ووضعه على كتفيها وتحدث بنبرة جادة: "البسي الروب عشان محتاجين نتكلم شوية ونحط النقط على الحروف عشان نرتب لحياتنا اللي جاية."
وأكمل مهددًا إياها كي يرهبها ويجعلها تتخلى عن أفكارها الهدامة تلك: "عشان نشوف هل هنقدر نتفق ونكمل اللي باقي من حياتنا مع بعض، ولا زي ما دخلنا بالمعروف نخرج." لم يكمل جملته لوضعها أناملها على فمه سريعًا منعًا لإكماله جملته وأردفت قائلة بنبرة حزينة: "ما تقولهاش أرجوك يا عز، هو إنتَ فاكر إني ممكن أكمل حياتي من غيرك؟ نظر لها مستغربًا حديثها فأكملت تبرر له بنبرة متألمة صادقة:
"أنا يمكن أكون ما بقدرش أعبر لك عن حبي ليك وأهمية وجودك في حياتي، بس ده ما ينفيش إني فعلاً بحبك وإن حياتي من غيرك شبه مستحيلة." وأكملت باعتراف بنبرة صادقة حزينة: "وده للأسف يرجع لطريقة ماما في تربيتي، كانت دايماً تقولي ما تظهريش حبك ومشاعرك لجوزك عشان ميعتبرهاش نقطة ضعف ليكي ويستعملها سلاح ضدك، ولازم شخصيتك تبقا قوية قدامه عشان يعمل لك ألف حساب في حياته ويبقى لك مكانة عالية في وسط عيلته." أجابها لائماً:
"وفين عقلك يا خريجة المدارس الراقية، إزاي يا منال رضيتي على نفسك تبقي مجرد مسخ تابع لآراء وتجارب الآخرين؟ نظرت له بخجل وأكمل هو:
"من أول ما اتجوزنا وأنا أخدت عهد على نفسي إني أتقي الله فيكي، وعمري ما زعلتك ولا كسرت بخاطرك رغم أخطاءك، كنتي كل ما تغلطي أقول لنفسي معلش يا عز، دي ست وضعيفة ما تستقواش عليها عشان ربنا ما يبعتلكش اللي أقوى منك ويتجبر عليك، وأكرر غلطك تاني وأصبر نفسي تاني وأقول معلش، اتحملها عشان خاطر أولادك يا عز، أولادك يستاهلوا والبصة في عيونهم تساوي الدنيا بحالها." وأكمل بنبرة صوت يائسة:
"بس للأسف يا منال، فهمتي صبري عليكي وقوة تحملك على إنه ضعف مني وبدأتي تزيدي في عندك وغرورك وكبريائك، واللي خلى صبري عليكي نفذ وكبر الفجوة بينا أكتر هو كبريائك واستعلائك على أهلي، اللي هما أهل ولادك وسندهم واللي المفروض تبقي مفتخرة بيهم وتكبريهم في نظر أولادك عشان يطلعوا ماسكين في عيلتهم." وأكمل باتهام: "غرورك نساكي إن الواحد مهما بلغت ثروته ومنصبه من غير أهله بيبقى أضعف إنسان على وجه الأرض، أهلك لتُهلك يا هانم."
هنا لم تستطع التحمل وبكت بانهيار وتحدثت بأسف: "أنا آسفة يا عز، أرجوك حاول تفهمني، أنا ظروف تربيتي كانت غير تربيتكم هنا، طول عمري وأنا ماما هي قدوتي، كانت دايماً تقول لنا إن القرايب عقارب، وإن عمر الأخ ما هيحب الخير لأخوه زي ما هيحبه لابنه، دايماً كانت بتبعدنا عن أعمامنا وقرايبنا لحد ما كرهناهم وبقينا نشوفهم فعلاً أعداء لبابا ولينا." جففت دموعها وأخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته، وتحدثت باستفهام وهي تٌمسك
كف يده وتتلمسها بحنان: "قول لي إيه اللي يرضيك يا عز وأنا أعملهولك بس بلاش الهجر ده." تنفس عاليًا ثم زفر بهدوء وتحدث بشموخ رجل آمرًا: "أنا مش طالب منك غير إنك تتقي الله فيا وفي أولادك وتحترمي الصغير قبل الكبير من أهلي وما تدخليش في اللي ما يخصكيش عشان متسمعيش ومتشوفيش مني اللي يهين كرامتك." ابتلعت غصة مريرة من شدة حديثه وفظاظته ثم أردفت قائلة بطاعة: "حاضر يا عز، عاوز حاجة تانية؟
نظر لها وجد نظرة انكسار بعينيها لم يرها من قبل فـتنهد بحزن وجذبها بهدوء إلى أحضانه وحاوطها بساعديه مما أسعدها بشدة وباتت تشد هي الأخرى من احتضانه وتتحسس ظهره بحنان حتى ذاب معًا وغاصا داخل عالمهما الخاص بهما. وبعد مدة من الوقت كانت تستكين داخل أحضانه فوق تختهما المشترك وتحدث هو وهو يتلمس وجنتها بحنان: "أرجوكِ يا منال توعديني إنك هتساعديني عشان نقدر نعدي بحياتنا وأولادنا لبر الأمان."
أجابته وهي تُدفن حالها أكثر بين أحضانه الدافئة التي اشتاقتها حد الجنون: "حاضر يا عز، حاضر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!