بعد مرور خمسة أشهر مرت على الجميع ببطء شديد وألم مميت للبعض. ما زال صلاح مصراً على موقفه بكبرياء وعناد، رغم اشتياقه بجنون لرؤية حسن الذي لم يأتِ إلى المنزل ولو لمرة واحدة منذ خروجه منه شبه مطروداً. برغم توسل ثريا لحسن ومطالبتها له باستمرار بالعودة إلى المنزل، إلا أنه ما زال ثابتًا على موقفه.
وبرغم أيضًا محاولات عز وأحمد المستميتة مع صلاح كي يتراجع عن عناده وموقفه الصارم ويوافق على اختيار حسن، إلا أنه أصر أكثر وأكثر معاندًا الجميع إلى أبعد حد. ساءت حالة أحمد الصحية، حتى أنه بدأ بحجب آلامه عن أعين ثريا كي تتوقف عن إصرارها الدائم بضرورة ذهابه إلى الطبيب وضرورة إخبار العائلة بتعبه.
وبدأ بزيادة جرعة المسكن ليكظم آلامه ويخفيها عنها قدر الإمكان، وللأسف بدأ الجسم يأخذ مناعة من المسكن، فاضطر إلى تغيير نوعه بآخر أشد قوة حتى يأتي بمفعول يهدأ من تسكين آلامه التي أصبحت مؤخرًا فوق الاحتمال. كان متمددًا بجوارها يغفو في ثبات عميق. وبدون مقدمات هاجمته نوبة الألم، فانتفض من ثباته. نظر لتلك المجاورة له بنومها، وكظم أنينه وصرخاته كي لا تشعر هي به.
تحرك بهدوء من جانبها وتناول من حقيبته الخاصة بعمله تلك المسكنات التي خبأها بعيدًا عن مرمى عينيها. ابتلع جرعتين من الأقراص، حيث لم تعد تؤثر به جرعة واحدة. ثم جاورها مرة أخرى ليخلد لنومه. ولكن، من أين يأتي النوم وهذا الألم المميت ما زال ينهش بجانبه الأيمن ويشتد عليه أكثر؟ شعرت به ثريا، فتحت عينيها ببطء شديد. نظرت إليه بنعاس وتساءلت: "صاحي ليه يا حبيبي؟ ضغط على حاله لأبعد مدى وأجابها بهدوء وهو يربت على كتفها بحنان:
"مفيش يا حبيبتي، قلقان شوية. نامي يا ماما إنتِ تعبانة من الحمل ومحتاجة راحة." نظرت إليه وشعرت بذعر عندما رأت الألم الساكن بعينيه. فحتى لو خبأ ما بداخله عن العالم أجمع، فلن يستطيع حجبه عن قلب تلك العاشقة. انتفضت من نومتها عندما شعرت به يكنز على فكيه وتساءلت بهلع: "الألم رجع لك تاني صح؟ نظر إليها بضعف وانكسار. وبلـحظة تأوه ممسكًا بيده مكان ألمه المعتاد، فلم يعد يستطيع تحمل الألم أكثر. صرخت هي منتفضة واقفة وتحدثت:
"حرام عليك يا أحمد، حرام عليك. إنتَ بتعمل فينا كده ليه؟ اتجهت إلى خزانتها وانتقـت ثوبًا يستـر جسدها وأرتـدته تحت استغرابه وتسائله المتعجب: "إنتِ بتلبسي ورايحة على فين يا ثريا في الوقت المتأخر ده؟ أجابته وهي تلتقط حجابها ترتديه وتــهرول إلى الخارج مسرعة تتخبط بمشيتها من شدة رعبها وهلعها: "رايحة أشوف حل للي إنتَ فيه ده يا أحمد." صاح مناديًا عليها ليمنعها، فلم تستجب لمناداته وانطلقت إلى الخارج كالريح.
تحركت خارجًا وبدأت بالطرق على باب عبدالرحمن المقابل لبابها، ولكنـه لم يستجب. فتـحركت سريعًا إلى باب عز تطرقه هو الآخر. في ذلك التوقيت خرج عبدالرحمن مسرعًا على خبطاتها، فعادت إليه مرة أخرى سريعًا وهي تتحدث بدموعها التي بدأت بالانسـياب: "إلحقني يا عبدالرحمن، أحمد تعبان أوي ومحتاج دكتور يشوفه ضروري." في ذلك التوقيت خرج عز متلهفًا ينظر يمينًا ويسارًا بتخبط، وذلك لاستكشاف هوية الطارق.
جن جنونه عندما لمحها تقف مع عبدالرحمن ودموعها تنهمر فوق وجنتيها بغزارة. جري عليها بلهفة وتساءل وهو ينظر إلى بطنها المنتفخ جراء حملها بالشهر السابع: "مالك يا ثريا، إنتِ تعبانة؟ حاسة بإيه؟ تحدثت من بين دموعها مما أشعل روحه: "أحمد تعبان أوي يا عز." تحدث عبدالرحمن على عجل إلى عز: "إتصل بأي دكتور بسرعة يا عز! أسرع إثنتيهما بصحبتها للداخل. جري عبدالرحمن وجاور جلوس ذاك المتلوي من شدة الألم وتساءل بلهفة:
"مالك يا أحمد، أيه اللي بيوجعك يا حبيبي؟ "جنبي يا عبدالرحمن، ولعة قايدة في جنبي اليمين." كانت تلك الكلمات كفيلة بإهتزاز داخل عز وعبدالرحمن وإرعابهما على غاليهما. وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها التي خرجت عنوةً عنها. في حين نظر لها أحمد وتحدث من بين آلامه وأنينه ليطمئنها: "متعيطيش يا حبيبتي، أنا هبقا كويس إن شاء الله." اقترب منه عز وتساءل متلهفًا: "فين مكان الألم بالظبط يا أحمد؟
أمسك جانبه الأيمن واعتصره بشدة وأردف قائلاً بأنين: "هنا يا عز، هنا." تحرك عز إلى عـليقة الثياب وانتشل من عليها مأزر أخيه، واتجه إليه وتحدث آمرًا: "قوم معايا يا أحمد علشان نروح المستشفى حالاً." هز رأسه نافيًا بشدة وتحدث متذمرًا كالأطفال: "مش هروح مستشفيات يا عز، إنتَ عارف إني بتخنق من جو المستشفيات ومبطقش حتى ريحته." تحدث عبدالرحمن بنبرة مرتعبة وهو يحث أخاه على التحرك:
"قوم يا أحمد إلبس الروب وبطل عِند خلينا نتحرك بسرعة." أجابهم بإصرار معترضًا بشدة: "مش هتحرك من هنا، ريحوا نفسكم وسيبوني في حالي بقى." قـارقه عز بنظرة غاضبة وأردف قائلاً بنبرة حادة من شدة رعبه على شقيقه: "مش وقت دما -غك الناشفة دي يا أحمد، الألم ده ممكن يكون التهاب في الزايدة وتحتاج لعملية فورًا. ولو لا قدر الله اتأخرنا إنتَ عارف كويس أوي العواقب ممكن توصلنا لإيه!! أجابته ثريا بنبرة مرتبكة وهي
تجفف دموعها بكفها الرقيق: "لا مش زايدة يا عز، أحمد بقاله أكتر من عشر شهور بيشتكي بجنبه اليمين وبياخد له حبوب مسكنة للألم." جحظت عيناه ونظر إليها بعيون غاضبة وأردف ناهراً إياها غير مبالٍ بحالتها وإرهاقها الظاهر للأعمى: "عشر شهور وإنتِ قاعدة بتتفرجي عليه وهو بيتقطع قدامك يا ثريا؟ يا قلبك يا بنت عمي!! بكت هي متأثرة جراء اتهام عز لها، وتحدث أحمد مدافعًا عن متيمته رغم ألمه المتزايد:
"ثريا ملهاش ذنب يا عز علشان تلومها وتظلمها، أنا اللي ضغطت عليها وطلبت منها ما تقولش لحد علشان ماتضغطوش عليا وتودوني لدكتور." تحدث عز وهو يتحرك سريعًا إلى الخارج بوجه مبهم غاضب من تصرفات وحديث كلاهما المستفز بالنسبة له: "أنا رايح ألبس بسرعة وهستناكم تحت عند العربية. ربع ساعة بالكتير وتبقوا قدامي إنت وأخوك يا عبدالرحمن." ساعد عبدالرحمن شقيقه في ارتداء مأزره، وذهب هو الآخر إلى مسكنه.
ارتدى ثيابه سريعًا وتحركا باتجاه الدرج تحت دموع ثريا الغزيرة. وجدوا الجميع قد استيقظوا قلقين من حالة الهرج والمرج التي حدثت، والكل ينظر إلى أحمد وآلامه بهلع ورعب دب بأوصالهم. بعد مدة من الوقت قضاها أحمد داخل غرفة الكشف، تركه الطبيب مع عبدالرحمن داخل الغرفة حيث كان يعلق له إحدى المحاليل المغذية الموضوع بها إبر مسكنة شديدة المفعول كي يسيطر بها على الألم المبرح. تحدث الطبيب إلى الحاج محمد الذي أصر على الحضور مع غاليه:
"إحنا هناخد منه عينة بول وعينة دم ونفحصهم. ولو لا قدر الله ظني طلع في محله وقتها لازم نعمل أشعة بالصبغة على الكِلي علشان نتأكد أكتر." نظر محمد إلى الطبيب والرعب بات يدب بأوصاله وتساءل بنبرة مهتزة مرتبكة: "إبني عنده إيه بالظبط يا دكتور؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!