الفصل 30 | من 30 فصل

رواية عبق الماضي الفصل الثلاثون 30 - بقلم روز امين

المشاهدات
22
كلمة
2,940
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

عاد العروسان من جديد إلى حيث جلوسهما، وتحركت ثريا حاملة رضيعتها، ووقفت بجانب أحمد وتحدثت إليه بهدوء: "أيه رأيك يا أحمد ناخد صورة تذكارية مع العرسان؟ ابتسم لها بموافقة وتحرك بجانبها وصولاً إلى بسمة وحسن، الذي وقف سريعاً احتراماً لأحمد وتقديراً له ولحالته التي وصل إليها بفضل المرض. احتضن أحمد حسن، مربتاً على ظهره بحنان، وأردف قائلاً: "ألف مبروك يا حسن، عقبال البكاري يا حبيبي." أجابه حسن بابتسامة:

"تسلم يا حبيبي، عقبال ما تجوز أولادك في حياتك إن شاء الله." واحتضنت ثريا بسمة بحنان وتحدثت إليها بإنبهار: "ما شاء الله عليكي يا بسمة، زي القمر يا حبيبتي." أجابتها بابتسامة خلابة تذهب العقل: "وأنا هاجي في جمالك أيه بس يا أبلة ثريا." أما أحمد، الذي حول بصره إلى ابتسام، وتحدث إليها مٌهنئاً بوجه بشوش: "ألف مبروك يا عروسة." نظر إلى حسن وتحدث بلباقة: "طول عمر ذوقك عالي يا باشمهندس، بس المرة دي تفوقت على نفسك في الاختيار."

ابتسمت له بسمة وأجابته شاكرة إياه: "متشكرة جداً لذوقك يا أستاذ أحمد." ابتسم لها وأردف قائلاً: "أستاذ أيه بس، انتِ زي أختي، كفاية تقولي لي أحمد." هزت له رأسها بإيماء، وتحدث حسن مشيراً إلى المصور في إشارة منه لالتقاط بعض الصور التذكارية. وقفت ثريا متوسطة زوجها وشقيقها، اللذان حاوطاها بالرعاية والحنان، واتخذت لهم أكثر من صورة للذكرى.

وبعد قليل، أعلن عز عن افتتاح البوفيه، وقام العروسان بتقطيع قالب الحلوى المخصص لزفافهما وأطعما بعضهما البعض تحت نظراتهما العاشقة، وتحرك الجميع إلى البوفيه المتواجد به كل ما لذ وطاب من الأكلات الشهية.

طال الاحتفال وسط سعادة الجميع وضحكاتهم التي تخرج من القلوب، وبعد مدة انتهى الحفل بسلام، وأخذ حسن عروسه الجميل إلى منزل العائلة، حيث مسكنه الخاص الذي أعده له صلاح ليصبح مقر سكنه عندما يأتي حسن وزوجته لزياراتهما إلى الإسكندرية. ***

بعد مرور أسبوع على هذا الزفاف، قضى منه العروسان خمسة أيام داخل منزل العائلة وسط أجواء عائلية سعيدة، وبعدها أخذ حسن سمرائه واتجه بها إلى الشاليه المملوك للعائلة، والذي يتواجد داخل منطقة العجمي، ليستجمّا به مدة أسبوع كامل، حتى يحصلا على بعض الخصوصية ويختليا ببعضهما كزوجين حديثين.

كانت تتحرك على شاطئ البحر بجانب حبيبها العاشق، متشابكين الأيدي بترابط، ناظرة إلى البحر بإنبهار، تتأمل كل ما يحيطها بعيون متسعة، تشعر وكأنها في عالم آخر لم تر مثله من ذي قبل، عالم ساحر ببحره وسماءه الصافية بلونها الأزرق الأخاذ، وشاطئه الرملي الناعم الملمس. صدق من أطلق عليها عروس البحر الأبيض المتوسط. تحدث إليها عاشق عيناها متسائلاً بحنان: "مبسوطة يا حبيبتي؟ حولت بصرها إليه سريعاً وأردفت قائلة بلهفة:

"مبسوطة أوي يا حبيبي، إسكندرية طلعت أجمل مما تخيلت بكتير، كل شيء هنا ساحر وغير." سألها بدعابة: "لسه ما غيرتيش رأيك في إنك تنزلي تعومي معايا في البحر؟ أجابته بتأكيد: "وأيه اللي هيخليني أغير رأيي، يا حسن، انت مش فاهم، أنا بعشق البحر وبعشق النظر ليه، بس في نفس الوقت بترعب من عمقه ووسعه، لما ببص عليه وعيوني مبتجبش آخره بلاقي جسمي كله بيرتعش، علشان كده بكتفي بالنظر عليه من على الشط." وأكملت برضا كامل

وهي تنظر حولها بإنبهار: "وبعدين كفاية جداً إنك جنبي ومعايا، بحر وشط وشمس وعيونك الحلوة، تفتكر هحتاج أيه أكتر من كده تاني." ابتسم لها وتحدث بعيون هائمة: "ربنا يقدرني وأقدر أخليكي دايماً مبسوطة يا بسمة." أجابته وهي تشدد من احتضانها لكف يده: "طول ما انتَ جنبي ومعايا أكيد هكون أسعد إنسانة في الدنيا كلها يا حبيبي." "بحبك يا بسمه"، جملة قالها حسن بعيون هائمة. ردت عليه قائلة بحب: "وأنا بعشقك يا حسن." ***

بعد مرور عشرة أشهر داخل مدينة الإسكندرية. كانت تجلس بسمة داخل تلك الغرفة المتواجدة بالدور الأسفل من منزل العائلة، والمعتادة باستقبال مواليد آل المغربي أجمع، ويجلس بجانبها مغرم عيناها، عاشقها حتى النخاع، حسن، وهو يتلمس وجنتها بحنان متحدثاً: "حمدالله على سلامتك يا قلبي." ابتسمت له بحنان وأردفت قائلة بنبرة واهنة وضعيفة، وذلك من تأثير تعب الولادة: "الله يسلمك يا حبيبي."

كانت عزيزة تحمل حفيدها الأول لنجلها الغالي، تنظر إليه بسعادة وابتسامة متسعة وهي تتحدث إلى ثريا المبتسمة بسعادة لشقيقها الغالي وحبيبته: "شفتي الولد يا ثريا، الله أكبر عليه، نسخة صغيرة من حسن." ابتسمت ثريا التي تحمل صغيرتها نرمين وتحدثت: "كلامك صح يا ماما، حقيقي شبه حسن أوي." ثم نظرت إلى ابتسام وحسن وتحدثت: "اخترتم الاسم للنونو ولا لسه؟ أجابها حسن مبتسماً وهو ينظر إلى حبيبته قائلاً:

"علشان ربنا كان رؤوف بينا أوي وشملنا بعطفه ورحمته، أنا وبسمة اخترنا له اسم رؤوف." ابتسمت عزيزة وتحدثت برضا: "حلو أوي الاسم يا حسن، وفخم كمان." ثم نظرت إلى بسمة وتحدثت بحنان: "ألف مبروك يا بنتي وعقبال ما تخاويه إن شاء الله." ابتسمت لها وأجابتها بامتنان: "متشكرة يا ماما." *** أما خارج الغرفة، يجلس أحمد وعز المجاور له، والذي وجه حديثه إليه وهو يسأله عن حاله بحنان: "صحتك أخبارها أيه الوقت يا أحمد؟ أجابه برضا ويقين:

"الحمد لله يا عز، كل اللي ييجي من ربنا خير." تحدث إليه عز بلهجة حادة بعض الشيء: "على فكرة يا أحمد، أنا مش عاجباني حالة الاستسلام اللي انتَ فيها دي، اصلب طولك وقوي نفسك وقولها إنك أكبر من المرض، صحيح إن الشفا بإيد ربنا سبحانه وتعالى، بس العزيمة والأمل كمان ليهم دور إيجابي كبير في الشفا." أكمل بقوة: "حارب إحساس الهزيمة اللي جواك ده وانتَ إن شاء الله هتخف وهتبقى كويس." ابتسم ساخراً وتحدث بنبرة حزينة:

"انتَ بتضحك عليا ولا على نفسك يا عز، أنا وانتَ عارفين كويس أوي إن المرض ده مهما طالت مدته فأخرته المؤكدة هي الموت." نكس عز رأسه حزناً لتيقنه صحة حديث شقيقه، وتألم داخله وصرخ قلبه على أخيه وشبابه الذي لم يعش منه إلا القليل. فتحدث أحمد إليه بحديث ذات مغزى: "أنا عارف ومتأكد إن أيامي في الدنيا أصبحت معدودة، وراضي بنصيبي وقدري اللي ربنا كتبه لي، بس ليا عندك طلب واحد يا عز." نظر إليه عز وتحدث متلهفاً: "أؤمرني يا حبيبي."

أجابه أحمد بحسرة وألم ظهر داخل عينيه: "خلي بالك من ولادي يا عز، ولادي أمانة في رقبتك يا أخويا، أمانة عليك ما تسيب بناتي غير لما توصلهم بإيدك لبر الأمان في بيت جوازهم، ورائف يا عز، خلي بالك من رائف واعتبره واحد من أولادك." أكمل بترجّي: "إوعدني يا عز." نظر له عز وتلألأت الدموع داخل عينيه وأجابه بنبرة صلبة صادقة:

"ولادك في رقبتي لآخر نفس فيا يا أحمد، إوعى تقلق عليهم، أعاهدك قدام ربنا إني عمري ما هتخلي عنهم وإني هعاملهم زي ياسين وإخواته، وربي شاهد على كلامي ده." تنهد أحمد بارتياح وأكمل بغصة مؤلمة وقفت داخل حلقه حتى أنها كادت أن تخنقه وتزهق روحه: "وثريا يا عز، ثريا أمانة في رقبتك، خلي بالك منها." ثم أنزل بصره سريعاً كي لا يرى شقيقه مرارة نظراته ويفهم أنه يعلم. أجابه عز بألم يمزق وجدانه:

"اطمن يا حبيبي، ثريا وولادك أمانتك ليا اللي هقف قدامك يوم اللقى وأقول لك أنا صُنت أمانتك يا أحمد." أخرجهما مما هما عليه والدهما الذي أتى وجلس بجانب غاليه ووضع يده على كتفه متسائلاً: "عامل أيه النهارده يا ابني؟ أجاب والده بنبرة متماسكة كي لا يحزنه: "الحمد لله يا حاج، أنا بخير." *** بعد مرور أسبوعان فقط. اشتد التعب على أحمد وانهار جسده ولم يعد يتحمل شدة الألم، فنقله عز إلى المشفي رغم اعتراضه.

دلف إليه غرفة الرعاية المشددة الذي احتجز بها ليقضي بها ما تبقى له من أيام تحت الرعاية حتى يخفف عنه الأطباء بشاعة ألم المرض. نظر لداخل عينيها وقد بات المرض ينهش بملامحه وبهت لونه وتحول جلده إلى الأصفر الداكن وتحول بياض عينيه للون الأصفر دلالة تمكن المرض من جسده. أمسكت يده وقبلتها بحنان، أغرقت دموعها التي هبطت عنوة عنها كف يداه وتحدث وهو مبتسم بوهن وضعف:

"متعيطيش يا حبيبتي واسمعيني كويس، أنا اللي فاضل لي مش كتير، علشان كده عاوز أضمن أمانك انتِ وولادك." وضعت يدها تتحسس شفتاه التي أصبحت باللون الأزرق الداكن بفضل المرض وتحدثت: "أرجوك، إوعا تنطقها يا أحمد، انتَ هتخف وهتبقى كويس إن شاء الله، خلي عندك أمل ويقين بالله." أجابها بنبرة رجل يائس بائس يحتضر ويجهز حاله للرحيل الحتمي:

"خلينا واقعيين يا ثريا، ده مش كلامي، ده كلام كل الدكاترة اللي شافوا حالتي وقالوا إني بقضي آخر أيامي، اسمعيني أرجوكِ ومتقاطعنيش وخلينا نتكلم في المهم." ثم نظر بداخل عينيها وبصعوبة بالغة أخرج كلماته بنبرة قاتلة لقلبه العاشق بجنون لامرأة حياته: "أنا عاوزك بعد موتي تتجوزي عز." ححظت عيناها بذهول وتحدثت باشمئزاز: "انتَ بتقول أيه يا أحمد، للدرجة دي بايعني ومفرقش معاك." أجابها بثقة: "للدرجة دي شاري راحتك يا بنت قلبي."

وأكمل بيقين: "بعد موتي عز هيطلب ايدك للجواز، وافقي يا ثريا، عز الوحيد اللي هقدر أطمن عليكي وانتِ معاه، وهو الوحيد اللي هيخاف على ولادي ويربيهم ويحافظ على حقوقهم بما يرضي الله." ابتسمت ساخرة وتحدثت بتهكم: "وأيه بقا اللي مخليك متأكد أوي كده من إن عز هيطلب يتجوزني؟ ثم نظرت إليه بتشكيك وتساءلت بعيون غاضبة متسعة: "ولا تكونش قلت له هو كمان الكلام الفارغ ده؟ ابتسم ساخراً وأجابها بمرارة:

"لا ما قلتهوش يا ثريا، بس أنا متأكد من إن عز هيعمل كده." نظرت إليه باستغراب من ثقته التي يتحدث بها. فأكمل هو ليريحها: "عز بيحبك يا ثريا، لا، مش بيحبك ده بيعشقك بجنون، وده شيء أنا متأكد منه." اتسعت عيناها بذهول وأردفت قائلة بنبرة استهجان: "انتَ اتجننت يا أحمد، أيه التخاريف اللي بتقولها دي؟ أجابها بمرارة:

"دي مش تخاريف يا ثريا، دي حقيقة أنا متأكد منها، أنا راجل وأقدر أفهم كويس أوي وأفسر نظرة الراجل للست، ونظرة عز ليكي كلها عشق مجنون بيظهر غصب عنه في عيونه وهو بيبص لك." وأكمل مفسراً: "وعلشان متظلميش عز وتفكري فيه تفكير سيء، عز كان بيحبك قبل ما أبويا يطلبك ليا، وده أنا اتأكدت منه بعد جوازنا بمدة كبيرة." وتحدث بعيون مستعطفة راجية:

"اتجوّزيه وعيشي حياتك معاه بس أوعي تنسيني يا ثريا، خليكي فاكرة إن فيه واحد اسمه أحمد المغربي عشقك وعشق روحك وكان بيتمنى يكمل عمره كله جوه حضنك." وأكمل بنبرة صوت انهزامية: "بس الدنيا استكترت عليه فرحته وسرقت منه حياته واستعجلت رحيله." ثم أكمل برجاء وهو ينظر داخل عينيها: "أرجوكي ريحيني وإوعديني يا ثريا." جففت دموعها وصلبت وقفتها وتحدثت وهي تنظر داخل عينيه بقوة ووعد قاطع:

"أوعدك يا أحمد، أوعدك بإن شعري مش هيتفرد على كتف راجل بعدك، أوعدك إن مفيش راجل هيلمسني ولا هيدخل قلبي غيرك، وإني مش هدخل على ولادك راجل غريب يسكن بيتك." ثم أمسكت يده وبدأت في بكاء مرير يقطع أنياط القلب: "أوعدك إن يوم ما أجي لك ونتقابل هتلاقيني زي ما سبتني، قلبي وجسمي هشيلهم لك أمانة لحد ما نتقابل يا حب عمري." وأكملت بقوة: "وده وعدي ليك ووعد الحرة دين عليها يا ابن عمي."

وبمجرد نطقها لتلك الكلمات تنفس وشعر براحة لم يشعر بمثيلها من قبل، فحقاً قلبه العاشق المتيم بجنون الحب كان يحتاج لسماع تلك الكلمات لطمأنته قبل الرحيل. وللأمانة كان يتحدث إليها صدقاً، كان يريد لشقيقه السعادة التي حُرم منها في ابتعاد ثريا عنه، ويريد الاطمئنان على صغاره، غواليه، وجوهرته الثمينة ثريا عشق الروح وهنا فؤاده. ولكن، تظل النفس البشرية التي تتسم بالأنانية معلقة بحب الذات حتى بآخر أنفاسها.

عاشقاً هو لحبيبته حتى النخاع ويذوب غيرة واشتعالاً لمجرد فقط تخيله لمتيمة روحه بدخولها لداخل أحضان غيره، مجرد التخيل يشعره بقهر الرجال الذي لم يشعر به إلا بعد ما أصابه من ضعف جراء ابتلائه بذاك المرض المهلك. نظر لعيناها بفخر وتحدث براحة: "عمرك مخيبتي أملي فيكي يا بنت أبوكي، طمنتي قلبي يا ثريا، الوقت بس أقدر أمشي وأنا مطمئن، وهستناكي تجي لي وانتِ وافية بوعدك ليا." ابتسمت له وأردفت قائلة بنبرة حنون مطمئنة:

"اطمن يا حبيبي، اطمن يا حب عمري، مهما طال بيا العمر ولا قصر، هاجي لك بشوق العمر ولهفته لرؤياك البهية." وأمسكت كف يده ورفعتها إلى فمها لتقبلها بعشق ولهفة تحت نظراته العاشقة الراضية المبتسمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...