الفصل 29 | من 30 فصل

رواية عبق الماضي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم روز امين

المشاهدات
17
كلمة
2,188
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

غرفت له الطعام وابتسمت وهي تُناوله صحن حساء الخضروات. ابتسم لها وتناوله على الرحب، وجلست وشرعا معاً يتناولان الطعام. تحدث وهو ينظر إليها بعيون هائمة: "لسه مملتيش من أكل العيانين اللي بتاكليه معايا كل يوم ده يا ثريا؟ ابتسمت له وتحدثت بحب صادق: "عمري ما أزهق من حاجة بشاركك فيها يا نور عيوني." أكملت بابتسامة كي لا يشعر بتألم روحها وضميرها الملام اللذان باتا يلازمانها أينما ذهبت:

"وبعدين فين أكل العيانين ده، دي شوربة خضار وطعمها جميل جداً، وأرانب مسلوقة، فضل ونعمة من ربنا لحد ما تخف وترجع لي تاني أحسن من الأول، وساعتها ناكل من تاني كل اللي نفسنا فيه." ابتسم لها بمرارة ونظر لغواليه وهم يلهون وضحكاتهم السعيدة التي تملأ المنزل، وتحدث بنبرة يملؤها الألم والمرارة: "خلي بالك من الأولاد يا ثريا، وخصوصاً نرمين." وأكمل بمرارة: "لأنها هتبقى أكتر واحدة محتاجة للحنان والرعاية اللي هتتحرم منهم في غيابي."

انزعجت ملامحها وأقشعر بدنها، وتحدثت متلهفة: "إوعى أسمعك بتتكلم بنبرة الانهزام دي تاني يا أحمد، إنتَ هتخف وهتقوم لأولادك بالسلامة." ثم نظرت إلى نرمين بابتسامة حنون وتحدثت بنبرة تفاؤلية متمنية: "ومحدش هيسلم نرمين لأيد جوزها غيرك إن شاء الله." أمال رأسه ونظر لداخل صحنه، والألم ينهش بداخله وشبح الموت يحوم أمام ناظريه طيلة الوقت حيث أنه بات ينتظره يومياً. تابع تناول الحساء بصمت تام.

أما هي، فالألم يعتصر قلبها العاشق وضميرها يحملها نتيجة ما وصل إليه حبيبها. تحدثت نفسها اللوامة: أن لولا صمتها المخجل ما وصلت حالته وتطورت وتملك المرض من جسده إلى هذا الحد، ولكان شُفي أحمد وعاد إلى حالته الأولى.

استغفرت ربها بسرها وطلبت منه المغفرة على انجرافها وراء أفكار الشيطان الذي يوسوس لها بها طيلة الوقت ليجعلها تسخط على حياتها وتشكك بقدرها. ولكنها استغفرت ربها وعادت لرشدها وهي تصبر حالها بأن هذا هو قدره من الحياة وهذه إرادة الله التي لا راد لها. -انتهى حفل الزفاف، ووقفت الجدة تودع ابنة نجلها الغالي وهي تبكي وتؤمن حسن عليها قائلة بدموع: "خلي بالك من بسمتي يا ولدي، وخليك فاكر إنك واخد قلبي معاك."

نزلت دموعها متأثرة بدموع وكلمات جدتها المؤثرة، فحاوط حسن كتفها برعاية وتحدث إلى الجدة بخيتة بكلمات مطمئنة: "أوعي تقلقي على بسمة وهي معايا يا جدتي، بسمة موجودة جوة قلبي وهشيلها جوة عيوني." ابتسمت له بهدوء، وودعتها سعاد ونورا أيضاً بدموعهما الغزيرة.

ثم أخذ حسن عروسه إلى الفندق الذي احتجز به غرفة لقضاء ليلته المميزة مع سمرائه، والتي بات يحلم بها طيلة المدة المنصرمة، وبالتحديد منذ أن قابل تلك الجنية ساحرة العيون، سمراء النيل وحوريته. وذلك لعدم اكتمال منزله الذي صمم حسن على بناءه داخل أسوان ووافق صلاح مرغماً. وشرع صلاح ببناء منزل جميل لابنه بحديقة صغيرة على الطراز الحديث، ولكن لم ينتهِ بعد. دلف لداخل غرفة الأوتيل وأوقفها أمامه وتحدث بنبرة حنون: "ألف مبروك يا بسمة."

أجابته بنبرة قلقة وهي تتهرب من النظر داخل عيناه بارتباك ممزوج بخجل شديد: "الله يبارك فيك." أمسك ذقنها ورفعه ليواجه عيناها التي يعشق النظر بداخلها، وتساءل مداعباً إياها بنبرة لائمة لطيفة مصطنعة: "حد بردوا يتكسف من جوزه حبيبة ويحرمه من البصة في عيونه الحلوة دي؟ اشتعل داخلها من استماعها ولأول مرة لقب زوجها، وما أسعد روحها وأشعلها مداعباته اللطيفة لها بتلك الكلمات الساحرة الجديدة على مسامعها.

استغل ذوبان روحها بكلماته واقترب منها ومال عليها بطوله الفارع يتلمس شفتاها الناعمة ليقتطف منها أولى ثمار عشقهما الحلال. فقد تحمل الكثير في بعدها ولم يعد قادرًا على التحمل. ذاب معها داخل قبلتها الشهية رائعة المذاق، وبعدها أبعدها وبدأ يسحب سحاب ثوبها للأسفل، وتحدث بهدوء محاولاً التماسك تحت خجلها المميت: "غيري الفستان وادخلي اتوضي علشان نصلي قبل أي حاجة." وأكمل مبتسماً وهو يتلمس وجنتها بحنان:

"علشان ربنا يبارك لنا في حياتنا ويرزقنا الرضا والهداية." ابتسمت له وأومأت بموافقة، وبالفعل خلعت عنه ثوبها بعدما جعلته يستدير كي لا يراها هكذا، وأخذت معها ثوباً للصلاة كانت قد أحضرته مع حقيبتها التي أعدتها من ذي قبل، ودلفت لداخل المرحاض لتغتسل. بعد مدة كانت تقف خلفه ويؤم هو بها للصلاة. صلى بها، وبعد الانتهاء من الصلاة وضع كف يده فوق رأسها وبدأ بالدعاء كما السنة لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وبعدها وقفا معاً، وأبدلت هي ثيابها بأخرى رقيقة جذابة تصلح لتلك الليلة المميزة. اقترب عليها وسحبها برقة لداخل أحضانه، وظل يشدد من احتضانه لها وكأنه باحتضانه تلك يعوض حرمانه السابق منها ويطمئن روحه قبل روحها بأن رحلة عذابهما قد انتهت وبدأت سنوات الرخاء والأمل والعشق والشوق الجارف لعاشقين اتحدا والتقيا بعد معاناة.

كانت تقبع داخل أحضانه الحانية مستسلمة له بكل ما فيها. استغربت حالها وحالة الأمان والطمأنينة التي شعرت بها داخل أحضانه، فتيقنت حينها أنها آصيبت الاختبار واختارت رجلاً بكل ما تحملة الكلمة من معنى، رجلاً تأمن على حالها معه. بعد مدة من الوقت كان يحتضنها ويقبل وجنتها بحنان، شاعرًا بسعادة لم يحظ بها من قبل، شعور بارتياح بالغ. مد أصابع يده وتلمس بها ذقنها رافعًا وجهها لتقابل عيناه عسليتاها الساحرة وتحدث بمباركة:

"مبروك يا سمرا، ألف مبروك يا بسمة عمري." ابتسمت خجلًا وتحدثت بنبرة أنثوية جذابة أثارت داخله: "الله يبارك فيك يا حبيبي." اشتعل كيانه من استماعه لتلك الكلمة التي طالما حلم أن يستمع إليها من بسمته وهي داخل أحضانه، فما كان منه إلا أنه أنهال على شفتاها من جديد ليروي عطشه وعطشها الذي طال بالانتظار. -مساء اليوم التالي داخل مدينة الإسكندرية.

كانت تجلس بجانبه داخل المكان المخصص لجلوسهما داخل حفل زفافهما الثاني، وسعادة الدنيا تحوم من حولها وتمتلك من قلبها البريء. أمسك كف يدها ووضع به قبلة حانية أخجلت ابنة أسوان ذات الملامح الرقيقة والحس الرائع. نظرت إليه بعسليتاها الجذابة ورموشها الكثيفة التي أوقعتْهُ صريعًا داخل عشقها من أول نظرة، ومنذ ذاك اليوم وقد أصبحت عيناها محور أحلامه وأقصى مبتغاه. ابتسمت له برقة بطريقة أذابت قلبه المتيم بعشقها، وتحدثت في إشارة منها

إلى ثوب زفافها المبهر: "متشكرة أوي يا حبيبي على الفستان." نظر لعيناها وتساءل باهتمام: "عجبك يا قلبي؟ أجابته سريعًا بانبهار: "جداً، حقيقي مبهر، مش هو بس، القاعة وتجهيزاتها، الفرقة، كل حاجة مبهرة يا حسن." وأكملت بنبرة مبتهجة: "وتعرف كمان أيه أكتر حاجة مخلياني طايرة من السعادة؟ نظر لها بعيون عاشقة وتحدث مستفسرًا: "أيه يا قلبي؟ أجابته بسعادة:

"إني وأخيرًا زرت إسكندرية، ومش أي زيارة، ده أنا بتزف فيها على أرجل وأجدع شاب فيكي يا إسكندرية." تحدث بعيون حنون: "أنا اللي حظي من السما علشان جنبي أحلى وأجمل وأرق عروسة خلقها ربنا." ابتسمت خجلًا وأكملا حديثهما السعيد لكيهما. أما ثريا، فكانت تجلس حول الطاولة التي تجمعها بنساء المنزل، وجدة ووالدة بسمة، وأيضًا صديقتيها تهاني وأمنية اللتان أتيا مع الجدة لحضور حفل زفاف صديقتهما الوفية. تحدثت منيرة إلى الصغيرة نرمين التي

تحملها وتحتضنها برعاية: "عقبالك يا نرمين." وأكملت بنبرة حزينة متمنية دوام الصحة لابنها: "يا ترى يا بنتي هعيش لما أشوفك عروسة وأبوكي بيسلمك بإيده لعريس." تنهدت ثريا وعزيزة، وهاجم قلوبهما الألم. فشعرت عزيزة بحزن ابنتها فتحدثت إلى الجدة بخيتة كي تخرج الجميع من تلك الحالة: "منورين إسكندرية كلها يا حاجة وألف مبروك لبسمة، عقبال ما تشيلي أولادها إن شاء الله." ابتسمت لها الجدة وأردفت قائلة:

"إسكندرية منورة بناسها الطيبين يا بتي." وأكملت بضحكة زينة ثغرها: "يااااه يا بتي، يا مين يعيش تاني، لسه هعيش لحد ما أشيل صغار بسمة." ربتت زوجة ولدها سعاد على كف يدها وتحدثت بنبرة صادقة: "ربنا يبارك في عمرك وصحتك يا أما، ده إحنا من غيرك ما نسواش." ابتسمت لها بخيتة وتحدثت بنبرة حنون: "ويبارك في عمرك يا بت الأصول." أما عز، فكان يجلس بجانب والده وأحمد، ويضع فوق ساقيه رائف يداعبه ويقبله بحنان.

فنظرت إليه مجيدة وهمست بجانب أذن ابنتها التي تجلس بجانبها حول طاولة أخرى بعيدة عن تجمع نساء العائلة: "بصي على جوزك واتفرجي وملي عينك كويس." نظرت منال فرأت عز يقبل رائف بحنان ويضمه إلى صدره برعاية، فاسترسلت مجيدة حديثها الخبيث: "شفتي وإتأكدتي إن كلامي صح، أهو سعادة العقيد المحترم بيستعد للدور اللي هيستلمه قريب." اشتعلت النار داخل صدر منال وذلك لشدة غيرتها على زوجها وتحدثت بغل:

"على جثتي لو ده حصل يا ماما، بكرة تشوفي بعيونك منال هتعمل إيه، هتشوفي وتفتخري بتربية إيدك يا مجيدة هانم." ابتسمت مجيدة بفخر ورضا.

بعد قليل اشتغلت الموسيقى النوبية العريقة وتحرك حسن وبسمة إلى وسط القاعة حيث المكان المخصص لرقص العروسين وبدأن بالرقص. وبدأ الشباب والفتيات النوبيين الذين أتوا من أسوان خصيصًا لمشاركة ابنتهما فرحتها، بالالتفاف والرقص النوبي حولهما وسط سعادة جميع الحضور الذين بدأوا بالتصفيق لهم مع انبهارهم بخطواتهم والرقص وجمال روح هؤلاء الشباب التي تظهر على ملامحهم الطيبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...