الفصل 15 | من 16 فصل

رواية عجوز مستشفى الكفر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مروة حمدي/منى عبد العزيز

المشاهدات
21
كلمة
6,850
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

هدى حطت إيديها على وشها، وبتعيط بحرقة. قرب منها حسين وقال لها: "حبيبتي اهدّي، وقومي بينا. مبقاش له لازمة وجدنا هنا." هدى بعدت إيديها عن وشها، وبين شهقاتها وهي بتهز راسها، بصت للعمدة نصر وقالت له: "ليه سبته؟ كنت أنقذه. بابا عمره ما كان هيأذيك. كان هيفتكر لك إنك أنقذته من الحريق." نصر بياخد نفسه بصعوبة، ودمعة نزلت من عيونه، قال:

"أول ما دخلت عليهم الأوضة، أبوكي منطقش بس عينيه قالت كتير. عملت نفسي مش شايف، وأنا كل همي إني ألحق نفسي من النار وأضمن إن وردة متخرجش عايشة. جريت ناحيتها، وأنا كل همي إني ألحقها قبل ما تفضحني، وإني أخلص عليه. لسه بقرب من الشباك، بس هي أول ما شافتني، رمت نفسها. ولسه هرمي نفسي وراها، حسيت بإيد بتمسك كتفي وصوت عوض بيكلمني بصعوبة وبيقول: 'مش هسيبك يا نصر، هتموت معايا بإيدك اللي ولعت فيها السرايا'."

"أدّرت بشويش، وكل دماغي إزاي أبعد عوض عني. ببص، شفت النار من ورا عوض. مسبتش حتة في الأوضة مطالتهاش. لسه هزهق عوض، سمعت صوت ترشقة جامدة، واترمينا بره الشباك. وبعدها ما حسيتش بنفسي. بعدها فتحت عينيا، كنت في أوضة بيضا، وزينة بنتي ماسكة إيدي وبتعيط. بصت لها وسألتها: 'زينة?'" زينة بفرحة بصت لابوها: "حمد الله على سلامتك يا غالي." نصر: "أنا فين؟ وإيه حصلي؟ زينة:

"في الوحدة. الحمد لله لله ربنا نجاك من الولعة. كسر بسيط في إيدك، والخبطة كانت شديدة شوية. غمّيت وليك كام يوم نايم، ما فقتش." نصر: "عوض." زينة ببكاء: "شد حيلك يا غالي. عمي عوض مات من يومين." نصر اتعدل بسرعة، وقال: "إزاي؟ مش طلع من الولعة معايا؟ زينة: "الدخان كان مأثر على صدره وقلبه، ما تحملش. غير النار كانت شبطة في هدومه." عوض ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال: "ووردة." زينة باستغراب: "وردة دي تبقى مين؟ نصر:

"المبروكة. جرالها إيه؟ زينة بصوت عالي: "هيرجلها إيه؟ أهي مرزية في دارها، والبلد كلها مرعوبين منها. بعد ما كام واحد في البلد شافوها وهي بتنط من شباك السرايا قبل ما تبقي كوم تراب. وقالوا إن الأسياد هم اللي ولعوا السرايا." نصر همس لنفسه، وقال:

"الأسياد اللي ولعوا في السرايا. الأسياد اللي ولعوا في السرايا. آآه يا بت الأبْلِسَة، وأنا أقول النار قامت مرة واحدة في كل حتة. ما لحقتش أخرج من المكان. مش عود كبريت يعمل كده. لا، ده انتي كنتي بيتيها رايحة تشمتي وتخلصي عليهم. وأكيد واحد من الكلاب عيال اختك يكون هو اللي ساعدك ورش البنزين وانتي فوق. فكّر يا نصر، هتعمل إيه؟

وردة بقت خطر عليك أكتر من الأول. زمان كانت بتنتقم لنفسها من أهل البلد، دلوقتي انت عدوها الوحيد. أكيد بتفكر إزاي تنتقم منك. ألحق اتغدى بيها قبل ما تتعشى بيك." أدّار لزينة، وقال لها: "زينة، مش عايز مخلوق في الدنيا يعرف إني صحيت، ولا حتى أمك والمخفي اللي اتجوزتيه." زينة: "ليه يا بابا؟ دي ماما وخلاتي هيجننوا ويزوروك يطمنوا عليك." نصر:

"أوعك تعرفيهم، واسمعيني كويس. هتروحي الدار وتغيري هدومك، وتقولي إني لسه غميّان، والدكتور قال هبقى على الحال ده كام يوم. وانتي تعبتي من القاعدة جيتي تغيري وترتاحي وترجعي تطمني عليا." زينة: "وليه كل ده؟ قاطعها نصر، وقال: "اسمعي الكلام من سكات، وبعدين هفهمك كل حاجة." مشيت زينة زي ما قال نصر. هو أول ما اتأكد إنها مشيت، نزل بسرعة من على السرير. حس بدوخة، قعد مكانه واتنهد، وقال:

"لا يا نصر، اصلب طولك. مفيش وقت، لازم تلحق وردة." قام وقف بصعوبة، أخد جلابيته من على الكرسي، لبسها وهو بيتوجع. حطت إيده في جيبه، وطلع اللي فيه. لقي الكبريت وسبحة وفلوس. رجع كل حاجة لجيبه، ومسك الكبريت، وقال: "انت أهم حاجة دلوقتي. العود منك يساوي ألف جنيه." فتح الباب بشويش، بص يمين شمال، واتأكد إن مفيش حد في الممر. مشي بشويش لحد ما خرج من المستشفى من البوابة الخلفية. وقف بص على آثار السرايا اللي بقت كوم تراب، وقال:

"نهايتك يا وردة لازم تكون زي السرايا. بإيدي أنا." مشي بين الزرعات لحد ما وصل عند ماكينة ري، أخد منها جركن، وقال: "كده أسرع. الجاز يولع زين، ما تلحقش تهرب. ركّ ما النار تلضم في القش زي ما أنا نويت، هنهالها." مشي، وبعد وقت قرب من العشة اللي قاعدة فيها وردة، وسمع صوت بكاء ورد وهي بتتكلم مع حد وبتقول:

"سنين وأنا ماشية في سكة اللي يروح فيها ما يرجعش. عماني الحقد وأذيت أكتر واحد حبيت. آه لو كنت أعرف بحبه، حتى بعد ما عرفت إني اللي أذيته، كان عاوز ياخدني ويبعد بيّ عن الكل. آه يا عوض، يترتني عرفتك قبل فارس. كان زماني لسه ورد بنت مسعدة الغلبانة، حتى لو مكنتش اتجوزتك. بس وقتها هكون نضيفة. موتك كسرني يا عوض." اللي معاها:

"بكافيه بقى يا خالتي. من ساعة ما عرفتي بموت عوض بيه، وانتي ما بطلتيش بكاء ونواح. خلاص مات، معتش نجوز عليه غير الرحمة. نشوف مصالحنا بقى، ونشوف هنعمل إيه مع أهل البلد، وخصوصًا بعد ما أكتر اتنين راحوا من سكتنا، عوض بيه والدكتور." وردة بتجز على سنانها:

"أهل البلد خلاص اكتفيت منهم. باقي واحد بس هو اللي لسه بيني وبينه حساب ونار. وعوض اللي راح بسببه. نصر الغدار غدر بيا بعد كل اللي عملته وياه. بس ما يعرفش إنه روحي في إيدي. وإن بنته بدخلتها على أخوك اتوسمت بلعنة. ومش بس كده، ربيتها هي ونصر بعُقد تلاتة متربطين بسلسلة على شجرة فارس. ما هتتفك غير بإيد بنت عوض. آآه يا عوض، وصاني أفك وأحلها من الأذى." ابن اختها: "وهتعملي كده يا خالتي؟ وردة:

"أيوه. أنا من يومها وأنا بحاول أفكها، بس السلسلة اللي اتعقدت مكتفاني. لازم هي اللي تنزلها بإيدها الأول، وبعدين أصرف عنها الخادم." ابن اختها: "وهي فين دلوقتي؟ وردة: "نصر هو اللي هيرجعها. مش عشانها، عشان هو وبنته المرتبطين بيها. وليومها حساب نصر هيتأجل. اللعنة تتفك من هنا، وأطلع على جتته القديم والجديد." ابن اختها: "وليه نستنى؟

ما نخلص عليه دلوقتي، وأروح أولع في السرايا زي ما كبيت البنزين على بيت عوض، ونفضوا ويقولوا الأسياد، والناس تترعب زيادة." وردة: "لاااا. أنا وعدت عوض. ودي أقل حاجة أعملها له إني أستنى. ولما تيجي بنته بنفسي هقف فوق راسها وأصرف عنها." نصر: "آآه يا بنت الحرام. بقا رابطني أنا وانتي ببت عوض. ده صحيح. الحرق قليل عليك. خلاص عرفت اللي عملتيه، ودواؤه."

فتح نصر بصعوبة، فتح الجركن ورش الجاز على العشة، وخرج الكبريت من جيبه ورماه على العشة. وراح ناحية بابها المقفول وسده بقالب، ورمى عود الكبريت، ووقف مكانه. البسمة مالية وشه وهو سامعها بتقول: "حامد، إيه ريحة الدخان دي؟ حامد: "كح كح. العشة شكلها بتخرق بسرعة يا خالة، قبل ما نولع." وردة: "نصر، حسابك كتر معايا جوي." حامد: "النار ماسكة في الباب يا خالة." وردة بتعب والدخان عبى صدرها، والقش المولع بينزل عليهم من السقف.

نصر من بره: "خلاص يا وردة، دي أخرتك. موتي ومعاكي سرك. موتي وريحي الكل منك." وردة بصوت مخنوق من الدخان، قالت لحامد ابن اختها: "زق يا حامد الباب. مش هموت قبل ما آخد حقي من نصر وأحرقه زي ما حرقني."

نصر واقف مش حاسس بالنار اللي مسكت فيه، بعد البنزين ما اتكب منه على طرف جلابيته وهو بيرش على العشة، والنار سرت فيه من كل مكان. ووشه وشعره وصلت النار لهم. ورمي نفسه على الرمل، يحرك نفسه على الأرض يطفي النار اللي شبكة في هدومه، ويصرخ بوجع. نصر رجع من ذكرته يتنهد بحزن: "وشوفت عينيكِ... النار كلت وشي وجسمي. ووردة طلعت من العشة هي وواد اختها، مولعين وفيها الروح.

ونادت عليا وقالت: 'نصر، متفتكرش إنك اتخلصت مني. هفضل أعمل لك الرضى. ولعنتي هتلحقك انت وبنتك. لا هتقدر تخلص منها ولا تخلص منك، إلا برجوع بت عوض. وتقول لها علاجها، تخلع السلسلة اللي متعلقة على شجرة فارس'." نصر كمل:

"خمس سنين مخلتش شجرة في الجناين وحوالين السرايا أدور على السلسلة، ملقتهاش. تعبت، ملقتش غير أقول لزينة تدور عليكي عشان أفك اللعنة عنك وعني. وفضلت السنين اللي فاتت دي كلها منتظر اليوم اللي هتجي فيه، ونفك اللعنة. تعبت يا بنتي، لا حصلت ميت ولا حصلت عايش، بتحسر على زينة، لا عيل ولا تيل، ولا قادرة أتخلص من البلوة اللي بلتها بيه وردة." سهير بتبص بذهول، بلعت رقها كأنه شوك في حلقها. جسمها بيرتعش، بتهمس لنفسها: "لعنة؟

يعني الكلام طلع بجد؟ وفعلاً في لعنة." هدى بدموع وتهته، قالت لنصر: "يعني لو لقينا السلسلة دي، كانت اللعنة انفكت." نصر بصعوبة، هز راسه وقال: "أيوا. وزينة ترتاح، وانتي كمان." هدى بصت لزينة، ووقفت قدامها، وضربتها بالقلم: "ليه يا زينة؟ ليه؟ حرام عليكي. ليه مقولتيليش؟ اليوم اللي جيتي فيه، كانت اللعنة اتفكت، ولا بحضني." زينة بعدت إيدها بغل، وقالت: "ابعدي إيدك عني. خلاص بقى. عايزة إيه تاني أكتر من اللي خدتيه؟

اتجوزتي الراجل اللي بتحبيه، وأنا اتحرمت من حب عمري. واتجوزت واحد ميسواش في سوق الرجال. خلفتي، وأنا بقيت زي الأرض البور. وقولت يمكن ألاقي حالك يحزن، والعيشة على القد معاكي. وإن بعد العز ذل، لقيته. لا فرحانة هتخرجي وتطلعي، وعربية تودّي وتجيب، وشقة في منطقة راقية، وجوزك فاتحها عليه، يعني مركز وجاه. عايزة إيه تاني؟ مشبعتيش." هدى: "للدرجة دي السواد ملا قلبك، لدرجة إنك تحرميني من عيالي." زينة:

"أنا مكنتش أعرف إن اللعنة جاية في عيالك. كنت فاكرة إنها تعب، أذى، مرض زي حالاتي. وقولتي تجربّي وتدوقي اللي أنا فيه." نصر وهو بيكح:

"زينة مكنتش تعرف باللعنة يا هدى. يابتي، متعرفش إن المحروقة وردة لعنتي أنا وهي بلعنة. تتفك بيكي انتي غير بعدين. بعد ما رجعت من عندك، ووردة عملت كده عشان تضمن إني أدور عليكي وأجيبك. اعذري زينة اللي عاشته، محدش عاشه. كانت الراجل والست، مسكت كل كبيرة وصغيرة، حفظت على مالك، ورجعت الحقوق لأصحابها. رجعت لكل فلاح أرضه. كل واحد استقوينا عليه أنا ووردة من غير ما نكشف سرّي قدام الخلق. راعتلك أرضك، واستنت كل اللي انتي شيفاه في البلد دي من تعب بتي زينة، اللي حياتها كانت واقفة على أبوها المريض، وأهل البلد. زينة تعبت كتير يا هدي. فكّيها، وفكّي نفسك يا بتي. وقولي فينها شجرة فارس اللي قالت عليها وردة، خليها ترتاح وتعيش الباقي من عمرها زيها زي الناس."

هدى مسحت دموعها: "يعني اللعنة هتروح لما أجيب السلسلة من شجرة عمي فارس، وعقدة زينة هتتفك." نصر: "أيوا. وأنا أرتاح من الوجع، وأقابل ربنا. وانتي كمان هتتفك عنك." هدى بصوت مخنوق وبقسوة: "مبقاش عندي حاجة أخاف عليها. ومبقاش يهمني اللعنة تتفك، وخلّيها زي ما هي. وزي ما حقّدت عليا ورفضت تقولي وتنقذ ولادي، هخليها عايشة وتتمنى الموت ما طلّوش. خليكي بنار يا زينة." زينة بمرارة:

"مبقاش يفرق معايا. اتعودت على حياتي. الدور والباقي عليكي انتي. ولا كنت من الأول قولتلك، وخلّيتك تفكّري." عزت: "إيه الحقد اللي جواكي ده؟ أنا إزاي مكنتش شايفك واتخدعت فيكي." زينة: "مشكلتك يا عزت إنك عايز تبان في دور الضحية المظلوم، وانت الجاني. أول مرة لما علّقتني بيك، وانت في حياتك واحدة. حتى لو مكنتش رايدها، ظلمتنا إحنا الاتنين. وتاني مرة لما جيت بقلب قاسي، وقبل ما تقولي بحبك، قولت هجيب لك درة."

عزت وهو بيطلع السلسلة اللي جابتهاله هدية، يحطها على الترابيزة جنبها: "عندك حق. كفاية ظلم. أنا معايا جوهرة. للأسف عرفت قيمتها متأخر." سهير في دنيا تانية. مش بيتردد في ودانها غير كلامهم عن اللعنة، واللي هي شيفاه بعنيها، واللي حصل لأولاد حسين وهدى. وهنا قلبها وقع في رجليها. بصت لهدى، ورجعت بصت لعزت، وبتتهته وصوت مرعوب: "يعني إيه يا هدى؟ أحمد ومريم." هدى بصت لها بغل، وقالت: "إيه؟ خفتي؟ اترعبتي؟

جربتي إحساسي وأنا واقفة قدامك بترجاكي نلحقهم." سهير: "صرخت باسمها… هدى. لأ يا هدي. ابنيهدى: مش ده كان اختيارك من الأول، ورفضتي تقولي مكانهم؟ اشربي انتي كمان من نفس الكاس." خرجت هدى من غير ما ترد على حد. سهير: "لأ، مريم. يا هدى، دي اللي بقت لي." خرج حسين وسهير وعزت. ووقعت زينة على السرير جنب أبوها بتبكي وهي حاضنة السلسلة. أبوها: "حقك عليا يا بتي." زينة: "كله مقدر ومكتوب يا باحسين."

جري وراء هدي اللي خرجت تجري ناحية السرايا وهي بتبكي. قرب منها ومسك إيدها، وقال: "هدى، اهدّي خلاص." هدى: "سمعت قالوا إيه؟ بعد ما حرموني من أبويا ومن ولادي، كل همه نفسه وبنته." حسين: "اهدّي يا هدي، أنا مقدر وجعك على ولدك وعلى ولادنا. لكن فكري في مريم بنتنا، ممكن نلحقها." هدى بهستريا وصريخ: "متقوليش اهدّي. مريم خلاص ضاعت. تفتكر هتكون عايشة؟ ناسي إن ولادي راحوا في نفس اليوم اللي قالت عليه النداهة." حسين:

"عشان خاطري يا هدي، قولي شجرة فارس دي فين؟ خلينا نلحق بنتنا." هدى بهستريا وهي بتخرك راسها يمين وشمال: "لأ، استحالة. أفك اللعنة، وأخليها ترتاح وتعيش باقي عمرها سعيدة. خليها تقضي الباقي من عمرها بحسرة وقهر، زي ما عيشتني. ونصر خليه كده، لا طايل الموت ولا الحياة. خليه يتعذب زي ما بابا اتعذب طول عمره، وزي ما اتخرمت منه ومن ولادي." حسين: "بس مريم يا هدي، دي. هدى قاطعته بصريخ: "متخولش يا حسين، متحولش. بنتي خلاص ضاعت."

عزت اللي جه مع سهير، جري: "هدى، قولي مكان الشجرة فين. لحد دلوقتي كل الظواهر بتقول إن الولاد كويسين." هدى: "لأأأ، مش كويسين. دول... آآآه." قطعت كلامها وبصرخة مكتومة، حطت إيدها على قلبها، ووقعت على الأرض. صرخ حسين: "هددددي! فضل يفوق فيها. عزت: "يالا بينا على الوحدة. مقدرش يفوقها. بصعوبة شالها وراح العربية." سهير منهارة، بتبكي بهستريا في العربية، بتكلم عزت اللي بيحاول يطمئنها، وبيهديها. عزت:

"اهدّي يا سهير، اهدّي. متعمليش في نفسك كده." سهير بتتنفض من الخوف: "اهدّي؟ اهدّي إيه؟ ضيعت ابني. أنا لازم أطمن عليه." حسين وهو محاوط هدى: "كلميهم بسرعة تطمن عليهم." سهير وهي بتتلفت يمين وشمال: "شنطتي، شنطتي." لقيتها واقعة في أرض العربية قدامها. بسرعة رفعتها. طلعت تليفونها. أول ما فتحته، شافت الرسايل والرنات باسم ابنها أحمد، وباسم مريم. سنانها خبطت في بعض من الخوف: "دول رنوا وهما قايلين مش هيرنوا إلا لو في حاجة." عزت:

"شوفييهم. وأهم حاجة، طالما رنوا، يبقوا عايشين لسه." حسين: "عزت عنده حق. يمكن هدى لما تسمع صوت مريم، تفوق وترجع عن قرارها." سهير وبايد بترتعش، رنت على رقم ابنها. جالها رد النداء الآلي بيقول: "الهاتف غير متاح الآن." زاد توترها. بصت لعزت اللي بيسألها بقلق: "في إيه؟ مش بيرد ليه؟ سهير بصت له، وقالت: "التليفون غير متاح. و... عزت قاطعها، وقال: "يمكن مفيش شبكة عنده، أو نايم وقافله عليه." سهير:

"أول مرة من يوم ما سافروا يعملها. أنا قلبي حاسس فيه حاجة. أنا قلبي مش مطمن." حسين بلهفة: "شوفي رقم مريم." سهير: "مريم... أيوا صحيح. مريم مفيش غيرها تقدر تطمنا." رنت سهير على مريم مرة واتنين. جرس ومش بترد. إيدها ارتعشت، والتليفون وقع من إيدها، وبكت بهستريا، وفضلت تخبط على وشها وتصرخ وتقول: "ابني، ابني. في حاجة. ابني راح. أنا السبب. أنا السبب." عزت برعب، اتلفت ليها برعب: "قصدك إيه بـ 'ضيعتيه'؟ سهير:

"لأ، مش أنا. انتوا السبب. انت وحسين وهدى خبيتوا عني، ومعرفتناش. انتوا السبب." فضلت تخبط على وشها وتكلم بهستريا: "انتوا السبب. انتوا السبب." عزت: "سهير، اسمعيني. إن شاء الله مفيش حاجة حصلت للولاد. دول عرسان. أكيد تليفونهم مقفول. صدقيني، هيبقوا بخير." سهير بصت له بضيق، وصوت شهقاتها مالي العربية: "بتقول الكلام ده يا عزت؟ بتطمنّي على ابني، ولا بتخديني على قد عقلي؟ عزت: "أكيد بطمنك، وأطمن نفسي. وعشان... سهير

بحزن ولسه شهقاتها عالية: "يارب، استودعتك أحمد ابني ومريم في ودائعك. اللهم احفظهم، وردهم لينا كويسين." عزت وقف العربية. حسين شايل هدى على إيديه، داخل الوحدة. اتلفت عزت لسهير: "هروح أشوف مالها، خليكي هنا." سهير نزلت هي كمان، وقالت: "لأ، خدني معاك." دخلوا الوحدة بسرعة. أول ما دخلوا الوحدة، وقف عزت مسعوق، وبلجلجة: "ربيع! معقول!

حسين اللي كان بينادي على حد يساعده، وقف مصدوم. وهدى كانت هتقع من إيده. أول ما شاف اللي جاي عليه، وبتتهته قال: "رررربيع." ربيع ابتسم وجري عليهم. حسين: "دكتور حسين. دكتور عزت. معقولة اللي شايفه قدامي هنا، بعد السنين دي كلها." حسين بدهشة، مشي دخل الوحدة وهو بيقول: "فين أوضة الكشف؟ ربيع: "الوحدة على حطت إيدك يا دكتور. نفس الأوض. ومش هتصدق مين الدكتور اللي جوه." فتح ربيع العيادة، ودخل حسين. حط هدى على السرير، وقال:

"ربيع، نادي الدكتور بسرعة يكشف على المدام." عزت كان واقف مكانه بذهول. فاق على إيد سهير بتهزه، وتقول: "عزت، هو ده ربيع التمرجي، صح؟ هو ده اللي صاحبكم قال إيده اتقطعت بعد لعنة المبروكة؟ ليه؟ عزت وعينيه على ربيع اللي خرج، وهز راسه، وقال: "أيوا. هو. هو يا سهير." سهير: "طيب، إزاي؟ إيده سليمة. وصاحبكم قال إنها؟ عزت: "معرفش. معرفش." "السلام عليكم." اتلفت عزت وراه، ولسه هيرد، سكت وهو شايف اللي قدامه: "رشدي."

لف حسين بسرعة بعد ما حط هدى على السرير، وحس رجله مش شيلاه. رجع خطوة لورا، كان هيقع. لولي سند على السرير وهو بيتهته: "رشدي، انت رشدي." رشدي ابتسم، وقال: "مصدقتش ربيع لما قالي إنكم هنا." سهير: "هو ده رشدي اللي اتكلمتوا عنه؟ عزت وحسين: "أيوا." سهير بعصبية، مسكته من هدومه: "انت السبب في اللي إحنا فيه ده كله." رشدي: "إنتي مين يا ست انتي؟ عزت: "أهدّي يا سهير، مش كده." سهير:

"محدش يقولي اهدّي خالص. محدش حاسس بالنار اللي جوايا. أنا عايزة أفهم." بصت على ربيع وشاورت بإيدها: "إنتي قلتي إن ربيع إيده اتقطعت، وإيده أهي سليمة. وإزاي انت هنا أصلاً؟ وكمان دكتور، مش عازف؟ انت حكايتك بالظبط." رشدي بص لعزت: "مين دي، وإيه اللي هي بتقوله ده؟ سهير بعصبية: "أنا اللي بكلم هنا، تقوم ترد عليا." حسين: "رد يا رشدي. مش هي لوحدها اللي عايزة تعرف، كلنا عايزين نعرف." رشدي:

"طب ممكن توطّي صوتكم، وتيجوا معايا المكتب، عشان الناس والوحدة." سهير: "مش متحركة من هنا غير لما تنطقي. واحد إيده سليمة، والتاني شغال في الوحدة." ربيع: "ده حكاية طويلة، بس هقول لحضرتك." "في يوم كنت خارج من الوحدة في عز الليل. طلع عليا اتنين، وأنا رايح الجامع للفجر. سبتوني وعدموني العافية. واحد فيهم مد إيدي، وكان لسه هينزل عليها.

وقالي: 'علشان تعرف تمد إيدك تاني على سِتّك، هنخليك عبرة بالنسبة للبلد كلها.' ولسه هينزل على إيدي، حسوا بكم واحد من أهل البلد جاين ناحيتنا. هربوا قبل ما يعملوها. بس الجروح اللي فيها والكدمات خلتها في الجبس شهر. وقتها دكتور رشدي افتكر إن إيدي راحت زي المبروكة ما قالت. ولأن مفيش دكاترة هنا، روحت مستشفى المركز، هما اللي لحقوني. ولما رجعت تاني للكفر، كانت المبروكه ماتت. ومن يومها وأنا قاعد هنا في البلد. اتجوزت واستقريت."

سهير لرشدي: "وانت؟ رشدي: "اطمن بس على المريضة، وأنا هحكيلكم على كل حاجة." اداها رشدي حقنة، كانت بتفوق بعدها، وهي بتنادي: "بابا، مريم، حسين، حريقة ولادي، زينة." حسين قرب منها وقال لها: "هدى، حبيبتي، سمعاني." فتحت عينيها، وبسرعة قامت مسكت إيده: "حسين، أنا حلمت حلم وحش. أو ده مش حلم، ده كابوس أنا عيشته. الحق بنتي يا حسين، الحق بنتي." حسين: "اهدّي يا حبيبتي." سهير: "اهدّي، خلينا نشوف رشدي هيقول إيه، عشان نتصرف."

بصت سهير لرشدي، وقالت له: "ممكن بقى تحكيلنا." رشدي أخد نفس، وقال: "من سبع سنين، اللي كنت متجوزها، واتحديت أبويا وبعت الدنيا عشانها. لقت صيدة تانية غيري، وعملت كل حاجة عشان أطلقها، وأنا رفضت. سلطت عليا البودي جارد بتاعها، وعدموني العافية، وفرضوا عليا أطلقها. وبعد ما طلقتها، رموني في الطريق زي كلاب السكك. ولما فقت، مكنش

قدامي غير حاجة واحدة بس: إزاي آخد حقي منها. فضلت مراقبها فترة. أول ما جات الفرصة، خلتها وهي بتعدي الطريق، ضربتها بعربيتي. وبعدها أخدت العربية وبأقصى سرعة، سقت روحت القناطر. وزودت السرعة شوية، ونطيت، والعربية نزلت في النيل، على أساس إني وقعت بيها، عشان محدش يعرف إني لسه عايش، ويقبضوا عليا. بقيت ماشي بفكر أروح فين. لو رجعت لأهلي، ده أول مكان البوليس هيشك فيه. فضلت أفكر، ملقتش مكان غير الكفر هنا. وأنا كده كده محتاج إيه غير مكان أنام فيه، ولقمة أكلها."

"جيت هنا، وعرفت إن الوحدة اتهجرت، ومبقاش فيها غير ربيع ومراد. مشي واتنقل. جيت هنا، وقولت لربيع إني طلبت نقلي هنا. معرفتوش حاجة. فضلت على كده كام شهر. ولما فلوسي خلصت، واحتاجت، أخدت من ربيع لبس، وروحت نزلت القاهرة. واتمشيت حوالين الشقة الصغيرة اللي كنت واخدها وأنا طالب، لما كنت أحب أهرب من أبويا. وكنت سايب فيها مبلغ كبير. أخدته، وأخدت كم غيار، وكتب الطب بتاعتي، وركبت أول قطر، وجيت. وأنا في القطرات، قعدت جنب واحد كان وشه بشوش، ومن أول ما شافني عينه عليا، مش بتترفع. بقيت خايف ومتوتر، شكيت يكون من البوليس السري اللي في كل مكان، ويتعرف عليا. قعدت متوتر وبحاول أداري في وشي، كل عيني ما تيجي في عينه. لسه هقوم من مكاني وأمشي، لقيته مسك في إيدي،

وقالي: 'اقعد، لسه محطتك بدري عليها'." "مسكته لا إيدي، زي ما تكون الكهربا مسكت في جسمي. قعدت من غير ما أنطق ولا حرف. قالي: 'أنا هنزل كمان محطتين، وعايزك تنزل معايا.' من غير ما أحس، هزيت راسي بالموافقة، وروحت معاه. دخلني بيته، ويا الراحة اللي حسيتها. وأول ما قعد جنبّي، قالي: 'يا ابني، أنا عارف إنك مستغرب وقلقان، بس عايزك تعرف إن ربنا راضي عليك. انت يا ابني مأذي، وكتر خيرك على اللي انت فيه'." رشدي بتوتر: "قصدك إيه؟

الشيخ: "اللي غلبك السنين دي كلها، وخلاك واحد تاني غير اللي انت تربيت عليه. ومن غير ما تقصد، كنت سبب في أذية ناس كتير." رشدي: "أنا تعبان وحاسس إن جسمي مش جسمي." الشيخ:

"ده بسبب اللي حصلك. اسمع يا ابني، انت في اتنين أذوك. الأولى استغلت تمردك وكرهك لحياتك، ووهمتك بدنيتها، خليتك نقمت دنيتك. والتانية استغلت طيبة قلبك وعفويتك، وأخدت إله تنفذ بيها انتقامها، وسلطت واحد من خدامها، بحيث عايشة ميتة. ال كانت ناوية عليه، بعد ما وشمتك بطلاسم اترسمت بنظرة عين. وال عليك محبوس، عايز يتحرك ومش قادر، علشان مهمته معاك خلصت، ولسه ليه مهمة تانية مخلصتش. عايز بتحرر منك علشان ينفذ مهمته الأخيرة، لأنه بيك مش هيقدر. فبيوقع في مصايب، بحيث تخلص بنفسك على نفسك، وهو يخرج."

رشدي برعب: "والعمل." الشيخ: "العمل عمل ربنا، اللي بيهيئ الأسباب. أنا كنت رايح مشوار، وهقعد كم يوم. سبحان الله. والمهمة اللي كنت رايحها خلصت في يوم واحد، وصممت إني أرجع في نفس اليوم، حتى لو متأخر. وقبل ما يطلع القطر بدقائق، كنت قاطع تذكرة. وأول ما ركبت العربية، مع إنها مش نفس رقم التذكرة والمكان المفروض أقعد فيه، لقيتك. وأول ما عيني جت عليك، عرفت إن ربنا باعتهني ليك مخصوص." رشدي: "إزاي." الشيخ:

"بكلام ربنا، هتفضل هنا جنبي. أقرأ عليك مرة واتنين وتلاتة، لأن الموضوع قديم ومحتاج جلسات، ومحتاج مني رعاية أربعة وعشرين ساعة." رشدي قال لهم: "وبعد شهر كنت كويس. أنا نفسي حسيت إني اتبدلت، ورجعت رشدي طالب في الكلية. حتى أموري اتحسنت، وبقيت بصلي ومواظب على الذكر. ورجعت الوحدة، ووحدة أهل الكفر بقوا يجوا، وأكشف عليهم."

"ربيع اتجوز، وجاب أهله معاه. وربيع عرف حكايتي. وكنت كل فترة، كل ما أحب أطمئن على أهلي، أبعت ربيع يطمئنهم ويطمئني. لحد أبويا وأمي ما اتوفوا، وانقطعت صلتي بالقاهرة. واتجوزت أخت ربيع الأرملة." سهير بصراخ: "عشت حياتك وخفيت، ما هناش عليك تقول لأصحابك اللي كنت سبب من أسباب ضياعهم." رشدي: "أنا مش فاكر حاجة من بعد الشيخ ما قرأ، لأنه قالي أي حاجة حصلت، أنا مش مسؤول عنها. وبالتالي مش فاكرها. فهو إيه اللي حصل؟

هنا رن تليفون سهير، وكانت مريم. سهير بفرحة: "مريم بترن." هدى وهى بتحاول تقوم: "يا حبيبتي، يا بنتي. افتحي بسرعة." أول ما فتحت سهير: "كلهم قلبهم وقع في رجليهم من صوت بكاءها." سهير برجفة: "في إيه؟ مريم: "أحمد يا طنط." عزت اتهز، وكان هيقع. مسكه رشدي. سهير وهي بتنفض: "ابني ماله؟ أحمد كويس." مريم: "غريبة ظهرت من العدم، وكانت هتخبطه، لولا رمى نفسه على الناحية التانية." سهير وهي بتاخد نفسها: "وهو دلوقتي فين؟ مريم بشهقات:

"جوه بيجبس إيده. طنط، أنا خايفة أوي، ومش عارفة أعمل إيه." حسين بلهفة: "ما تخافيش يا حبيبتي." مريم: "بابا." دموعها زادت، وبشهقة: "بابا، أنا عايزة ااك جنبّي. أنا خايفة يا بابا، مش عارفة أتصرف إزاي." حسين: "وهو بيمسح دمعته: ما تخافيش على أحمد، هيبقى كويس. وانتي كمان إن شاء الله هتبقي كويسة. المهم ما تسبيهوش، وخليكي جنبه. أوعي تبعدي عنه بأي حال من الأحوال." مريم: "حاضر. بابا." حسين: "نعم يا حبيبتي." مريم: "أنا آسفة."

حسين: "مش وقته يا مريم. أنا ليا عندك عتب، بس مش وقته." مريم: "أنا غلطانة. حقك عليا. هي ماما فين؟ هدى هزت راسها لحسين. بلا هنا. رجعت مريم تبكي تاني، وهي سامعة صوت بكاء والدتها: "مش عايزة تكلمني. أنا عارفة إنها زعلانة، بس غصب عني. أرجوكي يا ماما، سامحيني. أنا ممكن أموت نفسي لو فضلتِ زعلانة مني." هدى بسرعة: "بعد الشر عليكي. عايزة تقهريني العمر كله." مريم: "حقك عليا." هدى:

"مش وقته. المهم دلوقتي، خليكي جنب جوزك. وهنا، إحنا نحميكوا." مريم: "قصدك إيه يا ماما." هدى: "أقصد تخلي بالك من أحمد، وخليكي جنبه. أوعي تتحركوا من المكان اللي انتوا فيه، تحت أي ظرف." مريم: "بس إحنا في مستشفى، وشوية وأحمد خارج، وراجعين الفندق." حسين/عزت/سهير/هدى: "لااااا." تنفضت مريم ورشدي. وكملت هدى: "أوعي تتخرّكي لحد ما أنا أقول لك. إن شاء الله تحجزي أوضة، وتعملي تعبانة. فاهمة يا مريم." مريم: "طب ليه؟ هدى:

"صدقيني، مش هخبّي عنك. المرة دي، بس دلوقتي، معدتش فيه وقت. خلاص. يدوب الحقكم." أخدت سهير التليفون: "مريم، اسمعي كلام ماما. وأول ما يطلع أحمد، خليه يطمئني." قفلت معاها، وبعصبية بصت لرشدي: "الشيخ ده فين." رشدي: "ليه." الأربعة: "انطق يا رشدي." رشدي بخوف: "اتفضلوا معايا." هدى: "بس الأول، في حاجة في الكفر ده لازم تتعمل الأول."

راحت هدى وهما وراها ناحية الترعة. وشافوا مقام المبروكه اللي اتبنى على تراب العشة بتاعتها. وبصت للشجرة القديمة اللي جنب العشة، وقالت لهم: "شجرة عمي، أهي." بقوا يبصوا على الفروع، مش شايفين حاجة. هدى وهي بتخفر في الأرض: "مين قالكم على الفرع؟ عمي كان بيخبّي للشكولاتة من جدتي، وقتها ما يجيبها من المركز في كيس تحت الجذع الكبير، عشان ما يحفرش كتير لو نسي مكانه."

حفروا معاها. ولعوا كيس جوه بسلسلة معقودة بالجذر من تحت. طلّعتها هدى، ولقت عليها تلات ورقات مربوطين ببعض. قطعتهم. شهقة عالية طلعت منها، ونقطة دم نزلت من مناخيرها. وحطت الورق في الكيس، وبصت لرشدي، وقالت له بحده: "فين الشيخ يا رشدي." رشدي: "أنا مش فاهم حاجة." في نفس الوقت، عند زينة، شهقت هي كمان لدرجة إنها وهي واقفة، وقعت على الأرض، ونقط حمرا خرجت من مناخيرها. وزي ما يكون تقل اتشال من عليها: "معقول عملتها هدى؟

بصت على السلم، وصرخت: "بابا." طلعت جري، لقت جهاز الموصل بيه بيصفر، وعلى وشه ابتسامة راحة مش شفتها من سنين كتير. اتنهدت، وقالت: "ربنا يرحمكم برحمته يا بابا." نادت على جوزها اللي جه، وعينيه مليان دموع. بصت له باستغراب: "قالها الـ رابطني بيكي اتحل." زينة باستغراب: "وانت عرفت إزاي."

"خالتي كانت عارفة إن عيني منك ورايدك، وخافت بسبب حبي أضيع اللي هي بتعمله. فربطتني معاكي. ويشهد ربي، إن السنين اللي فاتت كنت بدور على حل. وخلاص، دلوقتي أقدر أرمي عليكي اليَمين. تشوفي حياتك." زينة: "حياة بعد الأربعين؟ دلوقتي خلاص. هكرم أبويا وأشيّعه. وانت هتاخد معايا عزاه." بصت للسلسلة اللي في إيدها، وابتسمت بوجع: "هديك وهدى." "نفسي فرصة نعيشوا حياتنا كيف الخلق." قرب منها بلهفة، ركع على ركبته، ومسك إيدها:

"صدقيني، عمرك ما هتلاقي اللي يحبك قدي." زينة وهي بترفعّه وبتوقفه جنبها، حطت راسها على كتفه، وهو حاوطها بإيده، وقالت: "الدنيا علمتني إن الأفعال أصدق." هو بحب: "هتعرفي بنفسك يا زينة القلب." عند الشيخ، وبعد ما حكوا له اللي حصل من الأول للآخر، وادته هدى الورق اللي قطعته. قال حسين:

"يابني، اللي حصل لك كان مقدر ليك. وهي بس فسرت الرؤية في حلمك، وخدمتها تحت بند سبب. وبالنسبة لنفس الكاس، فكان ممكن يكون نفس كأس الفرح. النسب مش لازم حاجة وحشة. إحنا بس بنفسر بخوفنا اللي بيتحكم فينا. مش هقول هي ما آذيتكمش، بس برضه هي ما عملتش غير اللي ربنا رايد إنه يحصل. بدليل خدامها ما قالوش ليها إن النار كانت هتاكلها في بيت عوض، ولا حذروها من نصر، وهو قدام العشة. لأن دي أعمار، وكانت مكتوب لها الموتة دي." حسين:

"ودلوقتي يا شيخ." الشيخ وهو بيدوب الورق في ميه وملح، اتحول لونها للأزرق. الشيخ: "أول وتاني وتالت وأخير، كلام ربنا يا ولدي." سهير وهدى: "وعيالنا." الشيخ: "سبوهم على راحتهم. ما تقول لهمش تعالوا. سبوهم يعيشوا حياتهم اللي اتخرموا منها، وما تعرفهمش حاجة. وهم الخوف أصعب من المرض نفسه. وإحنا مع الجلسات والقراية، وكم حاجة هتعملوها، بالذات انتي يا هدى، هتبقى الدنيا كويسة." بدأ الشيخ في القراية.

وعند أحمد في المستشفى. أول ما مريم دخلت، وقفت على باب الأوضة، حاطة إيدها على بقها كاتمة الشقة، وهي شايفة إيده متجبسة. مد إيده السليمة ليها، جريت عليه، واترمت في حضنه. باس راسها. أحمد: "خلاص يا حبيبتي، ما تعيطيش. أنا الحمد لله كويس." مريم: "أنا اتخضيت عليك أوي. إزاي حصل ده؟ والعربية دي جات إزاي؟ والطريق كان فاضي." أحمد: "أنا زيك مش عارف. بس الغريبة، إن السواق حسّيته كان قاصد." مريم: "قصدك إيه؟ أحمد:

"عينه جت في عيني. يا مريم، كان ممكن يوقف، يفرمل، يغير اتجاهه. بس لا، نظرته بتقول: أنا جاي لك مخصوص. كان مصمم يدوسني." مريم بخوف: "كده؟ لا. الجماعة عندهم حق، ما نطلعش من هنا." أحمد: "جماعة مين؟ مريم: "حكتله المكالمة مع أهلها كلها." أحمد: "يعني الجوازة اترضى عنها خلاص." هزت راسها. أحمد: "حيث كده بقى، اقفلي باب الأوضة. نعمل بالحجز والفلوس اللي دفعناها." مريم: "قصدك إيه." أحمد:

"هي مش مامتك، حماتي حبيبتي، قالت لك خليكي جنب جوزك." مريم: "آه." أحمد وهو بيقربها منه: "تعالى بقى، أقولك هي كان قصدها إيه. ده أنا مصدقت الجوازة اترضى عنها." بعد ما خرجوا من عند الشيخ، هدى حاسة بتعب وتكسير في جسمها. رشدي مزهول من اللي سمعه. سهير ماسكها عزت، وكل ما يمسك إيدها تبعدها. وحسين مخاوط هدى للعربية. وقف عزت واستناهم. ركبوا، ومسك إيد سهير وسحبها ورا شجرة. وهي مش عايزة تبص في عينه. مسك وشها بإيده:

"أقسم لك يا بنت عمي، إنك انتي اللي في قلبي من سنين. من عشرتك حبيتك. معرفش إزاي ولا متى. بس لو في ست في قلبي وعقلي، مفيش غيرك." جاية تتكلم: حط إيده على بقها، وقال: "بلاش نفتح في الماضي. أنا عايز أعيش معاكي سنين جايه، ناسي فيها الخوف اللي عشت فيه الفترة اللي فاتت. هحسب جوازنا من النهارده. هنسافر نقضي شهر عسل جديد، ونعيش، نعيش يا سهير." سهير: "بجد يا عزت." عزت وهو بيبوس فوق راسها: "بجد يا قلب عزت."

بعد خمس سنين. وفي ليلة العيد، متجمع رشدي ومراته، عزت ومراته زينة وجوزها وابنها الصغير، هدى وحسين في بيت عوض اللي اتبنى من جديد. وسهير بدموع: "لولا كلام الشيخ، كنت قولت لهم يجوا. نفسي أشوف أحفادي يا ناس. ده ابني الوحيد." هدى: "قلبي واجعني لوحده يا سهير. دي بنتي، ومش شايلة عيالها. أكتر من كده وجع إيه." زينة قامت من مكانها، رايحة ناحية باب أوضة الضيوف، وقالت لهم: "هي طيبة قلبي دي."

فتحت الباب. اتفاجأ اللي موجودين، وقاموا وهم شايفين ولدين توأم بيجروا ناحيتهم: "تيته تيته، جدو جدو." ومريم وراهم، بطنها قدامها، بتمشي بالعافية، وأحمد بيسندها. زينة بضحك: "حاسبي، ليقع منك." أحمد: "كنت خايف تولد في الطيارة." سلم أحمد ومريم على العموم، بالعافية، بعد ما سابوا الأولاد. مريم وأحمد لبعض: "دول ماسكين فيهم، وبيتخانقوا عليهم. واحنا اتركنّا على الرف، ولا إيه." أحمد: "لأ، اتركنّا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...