الفصل 3 | من 30 فصل

رواية عهد الحب الفصل الثالث 3 - بقلم نور بشير

المشاهدات
20
كلمة
2,240
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

بعد مرور أسبوع على تلك الحادث المدبر، نعم فهو كان مدبر بالفعل وليس قضاءً وقدرًا كما كُتب في محضر الشرطة. كان من المفترض أن تخوض مجموعة شركات الأسيوطي مناقصة تجارية أمام مجموعة شركات غنيم، وهي العدو الأكبر لشركات الأسيوطي. وحتى يضمن ماجد غنيم الفوز بالمناقصة، دبر تلك الحادث. وبذلك يحترق جسمان عاصم ومعه كل الأوراق الخاصة بتلك المناقصة.

وهذا ما حدث بالفعل. فالشرطة ورجال الإسعاف وجدوا السيارة متفحمة بالكامل هي ومن بها، وبذلك لم يكن هناك جثمان للدفن ولا أوراق للعمل. وعلى أثر ذلك، أصبحت مجموعة شركات الأسيوطي على الحديد كما يُقال. مما ساعد في ازدياد وضع السيد غريب إلى أسوأ، فهو قد أصيب بشلل نصفي على إثر تلك الصدمة التي تلقاها بفقدان ابنه. فالوضع أصبح خارج عن السيطرة ولم يستطع مراد وعمر تفادي الخسائر، فهي حقًا خسائر فادحة.

ومن المفترض أن يعلن إفلاس الشركة خلال الأسابيع القادمة. لكن حال غريب الصحية ليست على ما يرام. فهو يشعر بأنه فقد مذاق الحياة والرغبة في العيش، وكأنه في حالة زهد تام للحياة. فكيف له أن يمر بتلك الفترة العصيبة؟ كيف له أن يعود إلى المنزل دون وجود ابنه به؟ كيف له أن يدير عمله وحياته بدونه؟ فهو كان العصا التي يتكئ عليها، كان بالنسبة له والده لا ولده. كيف سيتغلب على الوجع الذي يسكنه؟

ليس وجعًا على أثر إصابته هذه وفقدانه السير على قدمه، ولكن وجعًا أعمق من ذلك يسكن قلبه ويستوطن وجدانه على أثر رحيل ولده. وعلى الجانب الآخر، فقد أصيبت عهد بذبحة صدرية عقب صدمتها في موت حبيبها وزوجها. فهي وإن كانت تريد الانفصال عنه، إلا أنها لا تزال تعشقه. ولو لم يكن خبر زواجه هذا لكانت ظلت في بيته وعلى فراشه لآخر نفس لها. فما حدث أرغمها على نسيان ما بدر منه تجاهها. فالموت فاجعة كبيرة، وخصوصًا عندما يأخذ منا أحبابنا.

ولكن في حالة عهد، الإصابة بمثل هذا المرض في وضعها أمر شديد الصعوبة، لأنها تحمل بأحشائها طفلاً. وهذا خطر على طفلها مثلما هو خطر عليها. فالطبيعي أن هذا المرض يصعب التعامل معه في الحالات الطبيعية، فماذا إذا كانت المصابة به هي امرأة حامل في شهورها الأولى؟

فحقًا كان وضعها كان شديد الحرج. ولكن لرحمة الله ولطفه بها، فقد حفظها الرحمن هي وطفلها وبدأت بالتحسن بالفعل. ومن المفترض أنها تظل باقي فترة الحمل تحت ملاحظة الأطباء لحين أن تضع مولودها. ولكنها في الوقت نفسه، وبرغم تحسن وضعها، إلا أنها رافضة للحديث بشدة مع الجميع، ولا تريد رؤية أحد حتى والدتها ووالدها. لا تفعل شيئًا سوى البكاء والنواح على حبيب عمرها وزوجها. فهو كان بالنسبة لها مأمنها وأمانها وأمنها. لكن ماذا تفعل الآن؟

وكيف ستعيش حياتها بدونه؟ كيف ستتخطى هذا الوجع الذي يكمن بداخلها؟ كيف ستخلق طفلها دون وجود أبيه؟ كيف ستقول له عندما يتساءل عن والده؟ كيف وكيف وكيف... ومنذ ذلك الحادث الأليم، ومنذ معرفتهم جميعًا بالأمر، اختفت ميرا تمامًا ولم يستطع أحد معرفة مكانها. والجميع يتساءل أين هي؟ ولماذا ذهبت؟ ولماذا لم تخبر أحدًا بمكانها؟ كل هذه الأسئلة تجوب بداخل الجميع، ولا أحد يستطيع إيجاد إجابة واحدة لأي من هذه الأسئلة. وبعد مرور شهر...

بداخل غرفة إحدى المستشفيات الحكومية، يدخل تلك الغرفة رجل عجوز يبلغ من العمر 70 عامًا. تبدو على ملامحه الأصالة والشيب. يدعى العم صالح إلى داخل تلك الغرفة، ثم ابتسم متفوها بحب: "أزيك يا ابني عامل إيه النهارده طمني عليك." أجابه ذلك الراقد على الفراش قائلاً ببعض التعب: "الحمد لله أحسن كتير يا عم صالح." ثم أكمل بامتنان:

"أنا لولاك مش عارف كان إيه اللي ممكن يحصل لي، لولا أنك أنقذتني وطلعتني من العربية قبل ما تتفحم كان زماني دلوقتي متفحم وشبعان موت جواها." استطرد صالح بحب: "متقولش كده يا صابر يا ابني، تف من بقك. وبعدين مش احنا اتفقنا، إنك زي ابني صابر الله يرحمه، عشان كده سميتك على اسمه." أجابه صابر بحب: "طبعًا يا عم صابر حضرتك في مقام أبويا اللي أنا معرفش عنه حاجة ولا عارف حتى هو عايش ولا ميت، وأنا في مقام صابر ابنك اللي يرحمه."

هتف صالح بحب هو الآخر: "مدام أنا زي أبوك وأنت زي ابني، يبقى تقول لي يا بابا مش يا عم صابر، لأن مفيش ابن بيقول لأبوه يا عمي. وإن شاء الله هتفتكر كل حاجة قريب، وهتعرف أنت مين، ومين عيلتك. سيبها أنت بس على ربنا وربنا هيجبرك." أجابه صابر متمتمًا في شرود: "يارب يا بابا يارب." أردف صالح بنبرة حانية:

"حضر نفسك عشان هتخرج النهارده من المستشفى وهتيجي معايا الحارة اللي أنا عايش فيها. عندي أوضة في البيت فوق مقفولة كلمت فرحة بنتي وخلتها طلعت نضفتها عشان تقعد فيها لحد ما ربنا يشفيك وترجع ذاكرتك يا ابني ونعرف أنت مين وأهلك فين." استطرد صابر بامتنان حقيقي: "أنا مش عارف أقولك إيه على اللي حضرتك عملته وبتعمله معايا، ومش عارف هرد جميلك ده إزاي، بس إن شاء الله ربنا هيقدرني وهرد لك الجميل ده في يوم من الأيام."

أجابه صالح بحب أبوي: "متقولش حاجة يا ابني، مفيش ابن بيشكر أبوه. وأنا والله معتبرك ابني فعلاً، وحاسس إن ربنا بيعوضني عن ابني اللي راح مني في شبابه بيك." ثم ربّت على كتفه وتابع وهو يهم بالانصراف: "أنا هروح أخلص الورق اللازم لخروجك عبال ما تجهز يا بطل."

أومأ له صابر برأسه بحب دلالة على موافقته. ثم ذهب العم صالح إلى الإدارة والحسابات لينهي الأوراق المطلوبة لخروج صابر من المشفى كما أطلق عليه، تاركًا خلفه صابر يفكر بانكسار. فهو يشعر بالضياع، لا يعرف من هو، ولا من أين، ولا أصله ولا عائلته. لا يتذكر شيئًا سوى لحظة إفاقته عندما وصل إلى المشفى بعده أيام. وذلك العم صابر الذي يناديه بـ (بابا)

فهو حقًا شعر تجاهه بالألفة، وأحس معه بحنان الأب المحروم من ولده، وهو كذلك أحس بذلك الشعور ولا يعلم لماذا. ظل يفكر ويفكر إلى أن جاء العم صابر ليصطحبه ويذهب به إلى تلك الحارة الشعبية التي يقطن بها.

وبعد مرور ساعة ونصف وصل العم صالح بصحبة صابر إلى تلك الحارة الشعبية. وما أن وطأت قدماه إلى ذلك الحي الشعبي حتى شعر بالغرابة والدهشة في آن واحد، وكأنه ولأول مرة يرى حيًا شعبيًا. فهو حقًا أول مرة يرى حيًا شعبيًا باستثناء ما يراه بالتلفاز. وبرغم الدفء الذي يجتاحه إلا أنه يشعر بالغربة وأن هذا المكان لم يكن يومًا له. فهتف العم صالح قائلاً بترحاب: "أهلاً بيك يا صابر يا ابني بين أهلك وناسك الجداد، الحارة نورت."

أجابه صابر بتوهان: "ربنا يخليك يا بابا، الحارة منورة بأهلها." أردف صالح بحبور: "يلا بينا نطلع بقى عشان ترتاح، وكمان أعرفك على فرحة بنتي." فأومأ له صابر برأسه ثم صعد مع صالح إلى المنزل. وما أن فتح صالح باب المنزل ودلف إلى الداخل مفسحًا الطريق لصابر لكي يدلف هو الآخر، حتى جاءت فرحة قائلة بترحاب: "أهلاً أهلاً، نورت البيت يا صابر."

وما أن وقعت عيناها على صابر حتى شعرت وكأن بداخل قفصها الصدري قطار سكة حديد. نعم، فهذا صوت دقات قلبها وليس صوتًا آخر. ما هذا الذي تراه؟ أحلم أم علم التي هي به الآن؟ تنظر له ببلاهة لا تستطيع أن تحول بعينيها بعيدًا عنه. أيعقل أن هناك أناس كذلك؟ أيعقل أن يكون هناك رجل بالواقع يشبه ما تراهم بالتلفاز؟

فإنه حقًا يشبه رجال السينما. تشعر وكأن قلبها يذوب من فرط سعادتها وفرحتها. لا تعلم ما أصابها ولكنها حقًا تشعر بالسعادة والحب. نعم، الحب!! أيعقل أن هذا ما يطلق عليه الحب من أول وهلة؟ فاقت من شرودها هذا على صوت والدها قائلاً بتساؤل: "إيه يا فرحة حضرتي الغدا ولا لسه؟ أجابته فرحة بهيام: "كله جاهز يا بابا يا دوب عالغرف على طول." فاستطرد والدها بحماس: "طب يلا ورينا همتك لأحسن عصافير بطني بتصوصو." وأجابته فرحة بابتسامة فرحة:

"عيوني، ثواني والأكل يكون جاهز." ثم أسرعت باتجاه المطبخ لتجهز الغذاء وتضعه عالسفرة. فهي فعلت اليوم أنصاف عدة على غير العادة على شرف المدعو صابر كما أوصاها والدها. وبدأت بالفعل بوضع الطعام على السفرة. وما أن انتهت حتى هتفت باسم والدها تطالبه بالحضور هو وذلك الصابر فهي قد انتهت للتو من تحضير السفرة، وعليهم الآن البدء بالطعام. وبالفعل بدأ الجميع بتناول الطعام تحت نظرات فرحة الغير مبررة لصابر،

محدثة نفسها قائلة: "الواد قمر يخربيت حلاوته، شبه الرجالة الحلوة اللي تفتح النفس دي اللي بتيجي في التليفزيون." ثم وبخت نفسها قائلة: "جرا إيه يا فرحة ما تهدّي كده وتظبطي، إيه مالك، ما هو راجل زي أي راجل يعني." أجابها قلبها هذه المرة قائلاً: "إنتي كدابة يا فرحة، عشان ده شكله مش هيكون زي أي راجل شوفتيه في حياتك." أجابها عقلها قائلاً: "أيوه يعني، حتى لو مختلف فعلاً، ومش زي أي راجل عرفتيه قبل كده، هتعملي إيه؟ هتحبيه؟

ده أنتم متعرفوش عنه أي حاجة لسه، ده هو نفسه ما يعرفش هو مين." حدثها قلبها هذه المرة قائلاً: "يا لهووووى يا لهوووووى شوفي بيأكل إزاي، استحالة يكون ده تربية حواري زينا كده، لاااااا، ده شغل فاخر عالآخر." أجابها عقلها موبخًا إياها هذه المرة قائلاً: "اتهدي بقى يا فرحة وكفاية أوي كده. الراجل لسه متعرف عليه ونازلة تفصيل فيه وشكلك هتحبيه. أومال لما تشوفيه كل يوم وتتعاملي معاه أكتر هتعملي إيه." ثم فاقت من حديثها

مع نفسها هذا هامسة لحالها: "أهدي يا فرحة وخذي نفس كده واظبطي. هو أساسًا قاعد شكله مش طايق نفسه، فاهدّي كده عشان متخربش فوق دماغك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...