بعد مرور أسبوع على تلك المقابلة، حاول عاصم مرارًا وتكرارًا أن يقابل عهد أو حتى يحادثها، ولكنها لم تعطِ له فرصة، حتى هاتفه قامت بإغلاقه. إلى أن هاتفه والدها أمس وطلب منه أن يأتي اليوم ليتمم طلاقه منها، وذلك بحضور المأذون حتى يكون طلاقًا رسميًا. لم يستجب عاصم في أول الأمر، وحاول بشتى الطرق منع ذلك، وإثنائه عن هذا القرار، ولكن والدها كان مصراً وبشدة على قراره.
وهذا الإصرار بالأصل يعود إلى عهد، فهي لا تريد أن تستكمل الباقي من حياتها مع ذلك الخائن الذي طعنها بخنجر في منتصف قلبها. وبعد عدة محاولات من عاصم باءت جميعها بالفشل، وافق على مضض بتلبية طلبها، فهو سينفذ لمحبوبته ما أرادته، إذا كان هذا سيحقق لها الراحة والسعادة. فهو حقًا يريد البقاء معها وإلى جوارها، ولكنها هي من اختارت الرحيل، فسيفعل لها ما تريد حتى لو كان هذا عكس رغبته وما يريده هو.
وها هي الساعة الخامسة مساءً، والموعد الذي اتفق عليه هشام مع عاصم قد مر عليه ساعة كاملة دون أن يأتي أو حتى يعتذر عن موعده أو لتأخيره هذا. ساعة كاملة مرت وهم جميعًا بانتظاره وعلى رأسهم المأذون. أيعقل أنه تراجع عن حديثه وأنه لن يطلقها؟ أم أنه نسي الموعد؟ ولكن كيف وهو هاتفه مغلق؟ فقد حاول زياد الاتصال به مرارًا ولكن هاتفه مغلق. فاستطرد المأذون ببعض الحدة قائلاً:
"يا أخوانا مش معقول التأخير ده كله، أنا عندي كتب كتاب كمان نص ساعة ومش هقدر أستنى أكتر من كده." ثم هم بالوقوف مستأذناً: "عن إذنكم يا جماعة." أجابه هشام بأسف: "أنا آسف يا شيخنا، بس من الواضح أن في حاجة حصلت مع عاصم عشان كده اتأخر، تقدر تتفضل تروح كتب كتابك وإن شاء الله هكلم حضرتك في أقرب وقت عشان نحدد ميعاد تاني."
ثم انصرف المأذون. وأسرعت عهد بعد ذلك إلى غرفتها، قلبها يتأكلها على حبيبها والقلق ينهش بداخلها. لا تستطيع تحديد مشاعرها، أهي حزينة لأنها ستترك حبيبها؟ أم فرحة لأنه لن يأتي لتطليقها؟ ولكن هناك شيئاً بداخلها يحث بأن هناك خطب بالموضوع، فعاصم من طبعه أنه إذا تأخر على موعد يتصل يعتذر عنه، أو يبلغ بتأخيره، لكن لم يحدث أبداً ذلك الموقف من قبل. أيعقل أن يكون قد أصابه مكروه؟
نفضت رأسها بزعر من تلك الفكرة وبدأت تجوب الغرفة يمينًا ويسارًا، تنتظر دخول والدها بأي لحظة ليبلغها بأن حبيبها قد هاتفه وأخبره أنه بخير. على الجانب الآخر في منزل الأسيوطي، يرن هاتف المنزل فتقوم الخادمة بالرد على الهاتف. وما أن رفعت الخط حتى أخبرها المتصل بأنه يريد السيد غريب في أمر هام. وبالفعل قامت الخادمة بإعطاء الخط لسيدها فأجابه غريب بغرابة قائلاً: "ألو." وأجابه الطرف الآخر بعملية: "حضرتك السيد غريب الأسيوطي."
أجابه غريب بتأكيد: "أيوه، أنا غريب الأسيوطي." ثم تابع بتساؤل: "ممكن أعرف حضرتك مين؟ أجابه الطرف الآخر قائلاً بعملية: "أنا المقدم شريف المصري، مباحث مصر الجديدة." أردف غريب بترحيب ممزوج ببعض من الاستغراب: "أهلاً بيك يا سيادة المقدم، بس برضو مفهمتش حضرتك عاوزني في إيه." المقدم شريف بعملية: "عاصم بيه ابن حضرتك...
تعيشوا هنا. وقعت السماعة من يد غريب وبدأت الأرض تدور من تحته. ثم هوى على الأرض فجأة، فقداماه لم تعد قادرة على حمله. فهنا جاءت أمينة تصرخ قائلة: "بابا، فيك إيه يا حبيبي رد عليا." ثم بدأت بالصراخ قائلة: "ماما يا مامااااا الحقيني بسرعة." فجاءت سمية مهرولة تصيح بفزع وصراخ هي الأخرى: "غريب مالك رد عليا فيك إيه، حد يطلب دكتور بسرعة." فتفوه غريب بصدمة: "عاصم مات، ابني مات."
ثم أجهش في البكاء وهو غير قادر على الوقوف أو أن يحرك قدماه حتى. فصرخت سمية صرخة مدوية ثم أردفت بهستيريا وهي تصد لكمات قوية لغريب المرمي على الأرض قائلة بفزع: "انت بتقول إيه، انت كداب، انت كبرت و خرفت صح، أنا ابني لسه شاب في أول عمره استحالة يسبني و يروح كده." ثم أكملت وهي تبكي دون وعي: "ده أنا لسه ملحقتش أفرح بيك يا قلب أمك، كده يا عاصم أخس عليك." ثم سقطت مغشياً عليها.
كل ذلك وأمينة مصدومة لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله، فوالدها على ما يبدو أنه أصيب بشلل فهو لم يتحمل تلك الصدمة، ووالدتها سقطت مغشياً عليها، وأخيها حبيبها وسندها بالحياة قد خسرته فهو كان أقرب شخص لها ولقلبها. كانت تعتبره أباها ليس شقيقها الأكبر فقط.
وعند هذه النقطة صرخت أمينة بكل ما لديها من قوة، وعلى أثر صراخها جاء كل من بالبيت. فهي حقاً صغيرة على كل ما يحدث حولها، فهي في الصف الأول الثانوي وهذه الصدمات متتالية قوية على فتاة في مثل عمرها. وعلى الجانب الآخر تجلس عهد في غرفتها تفكر في محبوبها وما الذي يحدث معه الآن. فهي تشعر بانقباض في قلبها منذ بداية اليوم ولكنها لا تعرف السبب. إلى أن فاقت من شرودها على صوت هاتفها معلناً عن وصول مكالمة من رقم لم تعرفه،
فأجابت بتوجس: "ألو." وأجابها الطرف الآخر قائلاً: "مدام عهد المغربي معايا." أجابته ندى بانقباض: "أيوه، مين حضرتك." هتف الطرف الآخر قائلاً: "أنا المقدم شريف المصري، مباحث مصر الجديدة." أردفت عهد باستغراب: "أهلاً وسهلاً." ثم تابعت بتساؤل: "خير يا سيادة المقدم." أجابها المقدم شريف بعملية: "جوز حضرتك عاصم الأسيوطي... تعيشي. سقط الهاتف من يد عهد ثم انطلقت إلى باب غرفتها بصراخ وهي تهتف باسم والدها:
"بابااااااا ألحقني يا باابااااا." وأخذت تركض سريعًا وهي لا تزال تحت تأثير صدمتها، مما جعلها تسقط عدة مرات ثم تنهض من جديد إلى أن وصلت إلى غرفة والدها. وهنا سقطت من طولها فقداها رفضت حملها أكثر من ذلك. ثم هتفت بهستيريا ممزوجة بصراخ وعدم تصديق: "عاصم مات يا باااباااااا عاصم مات آاااااااااه." ثم وضعت يديها وأمسكت موضع قلبها وسقطت مغشى عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!