داخل قاعة المحكمة... وقف الجميع احترامًا لدخول القاضي، الذي جلس على منصته وهو يضرب بالمطرقة إعلانًا لبداية الجلسة. جلست صاحبة الأعين الزيتونية في مكانها، تنظر أمامها بثقة، وعيناها تلمعان بقوة غريبة، بينما وقف محامي الادعاء على الجانب الآخر، ينظر إليها نظرة مليئة بالتحدي. القاضي: نبدأ جلسة اليوم في قضية السيد شاكر عمران المتهم بارتكاب جريمة قتل وتجارة أعضاء، فلتبدأ هيئة الدفاع بعرض مرافعتها.
نهضت نزال بثبات، رتبت ملفاتها سريعًا، ثم تقدمت خطوة للأمام، وقالت بصوت واضح: سيادة القاضي، السادة أعضاء هيئة المحكمة، نحن اليوم أمام قضية شائكة، لكن الحقيقة دائمًا ما تكون واضحة لمن يبحث عنها. موكلي، السيد شاكر عمران، يقف هنا اليوم متهمًا بجريمة لم يُثبت ضده أي دليل قاطع. الاتهامات الموجهة إليه لا تستند إلا إلى ادعاءات، دون وجود أدلة مادية تدينه بشكل مباشر. قاطعها محامي الادعاء، وهو ينظر إليها بسخرية خفيفة:
مع احترامي للأستاذة نزال، لكن هل تحاولين إقناع المحكمة بأن الأدلة التي قدمناها غير كافية؟ لدينا شهود، لدينا تقارير رسمية، ولدينا... نزال بهدوء وثقة:
حضرة المحامي، دعنا نفرق بين الادعاءات والحقائق، وبين الظنون واليقين. الشهود الذين تتحدث عنهم لديهم دوافع شخصية للإدلاء بشهاداتهم ضد موكلي، كما أن التقارير التي استندت إليها لم تثبت بالدليل القاطع تورطه المباشر في الجريمة. وهل يُدان رجل فقط لأنه كان في المكان الخطأ في الوقت الخطأ؟ نظر القاضي إلى الأوراق أمامه، ثم رفع عينيه إليها متسائلًا: إذًا، دفاع المتهم يطالب ببراءته بناءً على عدم كفاية الأدلة؟ أومأت نزال بثقة:
نعم، سيادة القاضي، ونطالب المحكمة بعدم إصدار أي حكم إلا بناءً على أدلة دامغة، لأن العدل لا يكون بعدم اليقين. تبادل القاضي ومحامي الادعاء النظرات، قبل أن يقول القاضي بلهجة رسمية: سنأخذ مرافعتكم بعين الاعتبار، وسنصدر حكمنا بعد مراجعة الأدلة المقدمة من الطرفين. الجلسة مرفوعة! خرجت نزال من قاعة المحكمة بخطوات ثابتة، لكن عقلها كان مشغولًا بالتفكير في الجلسة.
تنفست بعمق وهي تمرر يدها فوق جبينها، قبل أن تخرج هاتفها عندما رن فجأة. نظرت إلى الشاشة، فابتسمت عندما رأت اسم أختها، ثم أجابت وهي تواصل سيرها: نزال: أيوه يا وهج، عاملة إيه؟ وهج بمرح: عاملة إيه إيه! بقالك أسبوع مختفية، لا بتردي ولا بتسألي، هو أنا أختك ولا حد مدين لك بفلوس؟ نزال تضحك: معلش يا حبيبتي، كنت مضغوطة في القضية اللي كسبتها النهارده. وهج: أهاااا، يعني كسبتي القضية؟ طب ما تقوليلي بقى، كان عندك قضية إيه المرادي؟
نزال بثقة: موكلي كان متهم ظلم، ونجحت أثبت للمحكمة إن مفيش عليه أدلة كفاية، والحمد لله أخد براءة. وهج باندهاش: والله؟ طب مش يمكن هو فعلًا مجرم، وإنتي اللي ساعدتيه يخرج؟ توقفت نزال لحظة، ثم هزت رأسها بابتسامة ساخرة: إنتي بتتفرجي على مسلسلات كتير، أنا بشتغل بالقانون مش بالتخمينات. وهج بضحك: طب ماشي يا أستاذة، المهم هتيجي تتعشي معايا النهارده ولا عندك قضية تدافعي فيها عن حد تاني؟ نزال: لا، هاجي...
أنا راجعة البيت يا قلبي وهعرف أراضي، أنا عارفة إنك زعلانة عشان اتأخرت عليكي. أغلقت الهاتف، لكنها لم تستطع تجاهل كلمات أختها. فكرة أنها ربما ساعدت شخصًا لا يستحق الحرية لم تخطر ببالها أبدًا... حتى هذه اللحظة. توجهت إلى سيارتها تهم بفتح بابها، لكن أوقفها صوت هاتفها الذي عاود الرنين مرة أخرى، فقامت بفتح الخط دون النظر إلى المتصل، ظنًا منها أن وهج نسيت شيئًا ما واتصلت لتخبرها به: ايه يا وهج انتي....
قاطعه ذاك الصوت الرجولي العميق الذي صدح بكلمات بثت الرهبة في قلبها: حضرة المحامية اللي مش بتجري غير ورا الحق، إحساسك إيه لما سمحتي لشخص مجرم ينفذ من عقابه؟ أبعدت نزال الهاتف عن أذنها، ترمق الرقم بصدمة لتجد أنه رقم غير مسجل أي مجهول. أعادت الهاتف إلى أذنها وأردفت بنبرة حادة: انت مين وجبت رقمي منين؟ وبعدين إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ المجهول بتهديد صريح وصوت أقرب للهلاك: جبت رقمك منين ده شيء ما يهمكيش...
بالنسبة لأنا مين، فأنا الشخص اللي هيخليكي تتمني الموت على كل لحظة فكرتي فيها تبقي محامية... استني مني الضربة اللي هتوجعك يا..... حضرة المحامية. أنهى حديثه بسخرية لاذعة قبل أن يغلق الهاتف بوجهها، تاركًا إياها في حالة صدمة من الكلام الذي استمعت إليه. لا تنكر أن كلامه زرع الخوف في قلبها.. لكنها سمحت لنفسها بالتفكير في كلامه لتربطه بكلامات شقيقتها... هل من الممكن أنها فعلًا قد سمحت لشخص مجرم بالهروب من العدالة.
فتكت الأفكار برأسها فقررت أن تعود للبيت وتتخطى تلك الأفكار، لعلها ترتاح قليلًا... جلست خلف عجلة القيادة ثم انطلقت نحو البيت. في غرفةٍ غارقةٍ في السكون، لا ينبعث فيها نورٌ سوى خيطٍ خافت يتسلل من نافذةٍ ضيقة، كان الضوء يتكسر على أرضٍ باردةٍ وجدرانٍ تشهق بالصمت. يتوسّط الغرفة سريرٌ كبير، يغرق في عتمةٍ ثقيلة، وفوقه تجلس هي...
جسدٌ ساكن كأنه لا ينتمي للزمن، وعينان واسعتان، خاليتان من الحياة، تحدّقان في نقطةٍ مجهولة أمامها، لا ترمش، لا تزيغ، لا تنطق. ملامحها جامدة، كأنها علقت بين لحظتين... لحظة الحريق، ولحظة لم تأتِ بعد. كل شيء حولها موحش، حتى الهواء كان يتنفس بخوف، يخشى أن يوقظ شيئًا مكسورًا فيها. فجأة، انفتح الباب بصوتٍ خافت، وكأن الغرفة ذاتها شهقت حين رأت من دخل. شابٌ طويل، ملامحه قاسية، محفورة كأنها نُحتت بالحرب، لكنها رغم ذلك، وسيمة...
وسيمة حتى اللعنة. في عينيه شيء لا يوصف، مزيج من العتمة والذكريات، ومن الألم الذي لا يُشفى. دخل بخطواتٍ بطيئة، كأن كل خطوة تجر خلفها وزن عمرٍ كامل، حتى وقف أمامها. في حضرة سكونها، سالت دمعة وحيدة من عينه... لم يرها أحد من قبل. لم يسمح لأحد بأن يرى ضعفه، لا في الليل، ولا في مواجهة الموت. لكنها... هي فقط، كانت مرآته الصامتة، الوحيدة التي تشهد على ما بقي منه إنسانًا.
جلس بجوارها بهدوء، كأن الزمن نفسه انحنى احترامًا لتلك اللحظة. أمسك بيدها، يدها الصغيرة الباردة، وضعها بين يديه كأنها كنز مكسور. همس بصوتٍ متهدج، كأن الحزن كان يخنقه من الداخل: رحمة... سامحيني. أنا بتأخر، بس أقسم لك... أنا مش ناسي. كل يوم بيعدي، أنا بعدّه دم. كل خطوة بخطيها في الطريق ده، مش عشاني، عشانك إنتي. علشان أرجع لك صوتك، حتى لو ما نطق، أرجع لك حقك، حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي. سكت لحظة، ثم انخفض صوته أكثر،
حتى صار رجفة: اللي عمل فيكِ كده... قرب نهايته. وعد، يا رحمة... وعد من أخوكي. مش هيمشي من الدنيا قبل ما يحاسب. رفعت "رحمة" عينيها إليه. نظراتها ظلّت خافتة، خالية من الحياة... لكن فيها شيء، شيء يشبه جرحًا قديمًا ما زال ينزف بصمت. نظرةٌ مكسورة، ثقيلة، تسكنها الأسئلة، والخذلان، والألم الذي لا يُكتب. تجمّد في مكانه... هو يعرف تلك النظرة. عاشها في كوابيسه، رآها آلاف المرات، لكنها الآن... حقيقية. مباشرة.
تلك النظرة كفيلة بأن تكسر أقسى قلب، فكيف بقلبه الذي لم يرمّمه أحد منذ ليلة الحريق؟ لكنها سريعًا... أعادت عينيها إلى الفراغ أمامها، كأنها لم تراه، أو كأنها رأت ما لا يُحتمل. ظلّ ينظر إليها لحظة، صامتًا، عاجزًا. ثم تنفّس ببطء، ونهض. خطا نحو الباب، لكن خطواته كانت مثقلة بالخذلان، بالوعد، وبالدمعة التي لم تسقط هذه المرّة. وحين وقف عند العتبة، تمتم بصوت منخفض، لكنه كان حادًا كالسيف: هتشوفي...
كلهم، واحد واحد، هيدفعوا التمن. واللي بوّظو حياتنا... هيدوقو العذاب بشكله اللي عمرهم ما تخيّلوه. ثم أغلق الباب خلفه، وترك وراءه قلبًا مكسورًا، ووعدًا يُصنع من النار. نزل الدرج الطويل بخطوات ثابتة، يده في جيوبه، كأن كل درجة تُنقص من حزنه وتزيد من قسوته. وصل إلى باب كبير باللون الأسود، فتحه، ثم دخل إلى غرفة واسعة، أنيقة ومظلمة إلا من نور خافت يتدلّى من المصباح الموضوع على المكتب... مكتبه كان وحده أسطورة.
جلس خلفه، أخرج هاتفه، ضغط على زر الاتصال السريع. لم تمضِ سوى لحظات حتى جاءه صوت خافت من الطرف الآخر: أمرني. تحدّث بصوت منخفض، لكنه حاد، يخلو من أي تردد: فيه اسم جديد دخل الصورة... نِزال. صمت لحظة، ثم أضاف: محامية. شكلها داخلة بالغلط، بس أنا ما بسيبش الغلط يعدي. رفع يده، نزع ساعته ببطء، كأنه يستعد لليلة طويلة من الحساب. هات لي كل حاجة عنها. حياتها، شغلها، مين وراها... ومين حاميها. أفهم، مراقبة ولا تدخل؟ لسه بدري...
خليك ظلّ. بس لو حاولت تقرب من الحقيقة، خلّيها تندم. أنهى المكالمة، وضع الهاتف جانبًا، ثم جلس للحظة... صامتًا. نظر إلى صورة قديمة على المكتب، صورة لوالدته وأخته وهي طفلة، تبتسم قبل أن يعرف الحريق طريقه إلى قلبها. همس لنفسه: الليلة بدأت... وكل واحد فيهم له حساب. ترجلت من سيارتها بخطى متعبة. وجهها يحمل آثار الأيام الطويلة، وقلبها يشتاق إلى مدللتها الصغيرة.
وصلت إلى باب الفيلا، أخرجت المفتاح ببطء وكأن حتى يدها تشعر بالإرهاق، أدارته، ثم دفعت الباب ليفتح، دخلت وهي تحمل حقيبتها وبعض الأوراق، وكل خطوة لها تشهد على كم كانت مرهقة، لكن مشتاقة. وما إن خطت بضع خطوات داخل الصالة، حتى هبطت وهج من الدرج بسرعة، وعيناها تمتلئان بدموع خفيفة لمعت بعينيها. اندفعت نحوها، وارتمت بين أحضانها كأنها طفلة طال انتظار أمها: وحشتيني يا نِزال... هان عليكِ أسبوع وما ترجعيش البيت؟
ابتسمت نِزال رغم تعبها، وضمتها بقوة حنونة، كأنها تحاول أن تعوضها في لحظة عن كل الغياب: آسفة يا حبيبتي... وإنتِ كمان وحشتيني جدًا، بس القضية كانت صعبة، وكان لازم أديها كل تركيزي. وقبل أن تنتهي الكلمات، جاء صوت من أعلى السلم، دافئًا، لكن يحمل سخرية محببة: والقضية دي خدتك مننا كلّك يا حيوانـه؟ ضحكت نِزال بخفة، رفعت رأسها تنظر له بثقة ودفء: ما عاش ولا كان اللي ياخدني منك يا خالو... حبيبي.
حاسك ساكتة كده النهارده، مش على العادة... في إيه؟ كلمات نطق بها هيثم بعد أن جلس على طاولة العشاء المرصعة بأشهى الأطباق، بينما جلست على يمينه وهج تعبث بهاتفها وعلى يساره نزال تنظر أمامها بهدوء. ابتسمت نزال ابتسامة خفيفة، كأنها تحاول اخفاء تعبها: ما فيش والله، بس يوم الشغل كان طويل شوية، ضغط قضايا ومرافعات، وناس فاكرة إن المحامية سوبرمان. ضحك هيثم وقال: هو إنتي مش سوبرمان؟ أنا طول عمري فاكر إنك بتطيري في الهوا.
ضحكت هي كمان وقالت: بطير بس وأنا نايمة. رجع يسألها بنبرة أهدأ، فيها حنية: بس بجد يا نزال، في حاجة مضايقاكي؟ سكتت لحظة، زي اللي بتوزن الكلام، وبعدين قالت: يمكن بس حاسة إني بتعامل مع ناس ما تعرفش يعني إيه عدالة... ساعات بحس إني بحارب لوحدي. رفع هيثم عينه لها، وقال بجديّة: عمرك ما كنتي لوحدك. وأنا موجود، وراك دايمًا.
نظرت له نزال بحب، لهذا تستمد منه قوتها. لطالما كان لهم السند بعد رحيل والدها و ابتعاد والدتها. كان لهم الصديق و الأخ و الأب. لم يتركهم يشعرون بغياب أهلهم، حتى أنه عوض مكانتهم في قلوبهم بسهولة. كسرت وهج الصمت بمرح: أنا ليه حاسة إنك بتحبها أكتر مني يا خالو؟ نظرت لها نزال برفعة حاجب، بينما رمقها هيثم بسخط وأردف: عشان هي مش بتكبرني أكتر من سني... بذمتك ده منظر واحد يتقال له خالو؟ ما كانش الفرق كام سنة يا بنت الجذمة.
وهج بضحك: الحق عليا بحاول أقدرك وأحترمك. رمقها هيثم بغضب وأردف بنبرة حاول أن يجعلها شريرة تحت ابتسامة نزال: إنتي تحترميني غصب عنك يا حيوانة، وإلا هتلاقي نفسك بمشفى المجانين ونطلع على أول خبر بالصحافة. شاهد الحدث العاجل: الدكتور هيثم عبد الرحمن يدخل ابنة أخته مشفى المجانين بسبب قلة احترامها له.
ما إن أنهى كلماته حتى رمقته وهج بصدمة لثوانٍ، بعد ذلك انفجرت ضاحكة لتشاركها نزال الضحك، بينما ابتسم هيثم براحة لأنه استطاع أن يرسم الابتسامة على وجهها... أو هذا ما يظنه. فهي تعلم جيدًا أن خالها لا يحبذ فكرة رؤيتها شاردة ومتعبة، لذالك يفعل المستحيل ليرى الابتسامة تزين وجهها هيا وشقيقتها. رنين هاتفها هو من أخرجها من ابتسامته لتنظر له بإستغراب عندما وجدت رقم صديقها يزين الشاشة. فتحت الخط وأردفت بابتسامة:
ايه يا أستاذ لسه دلوقتي فاكر تتصل؟ أحمد بنبرة جادة: شاكر اتقتل يا نزال، وللأسف طلع مش هو الشخص البريء اللي انتي كنت المفروض تدافعي عنه. صدمة احتلت معالم وجهها، وألف سؤال تشكل في رأسها. نزال خطت أول خطواتها نحو الهلاك. رحيم وعد بالإنتقام ووعده لا يكسر. مجهول سيحاول تدمير سعادة وهج، فمن سيقف له. علاقة ستبنى وأخرى انكسرت منذ سنين، فهل ستعود لتتصلح من جديد. تابعو عهد مع الشيطان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!