الفصل 2 | من 13 فصل

رواية عهد مع الشيطان الفصل الثاني 2 - بقلم نسيمة حفصي

المشاهدات
22
كلمة
3,950
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

صدمتها جذبت انتباه وهج وهيثم الذي وقف واقترب منها بقلق ثم سأل بنبرة متسائلة: "نِزال، انتي كويسة؟ في إيه؟ نِزال، ومازالت على نفس صدمتها: "موَكلي اتقتل، أو بالأحرى المجرم اللي أنا دافعت عنه وفكراه بريء." رمقتها وهج بنظرات مطولة وكأنها تأكد لها صحة كلامها السابق. بينما جذبها هيثم لِتجلس على أقرب مقعد ثم جثى على ركبتيه أمامها وأردف بصوت حنون: "طب، انتي زعلانة ليه يعني؟ ربنا مرادش إن واحد مجرم يطلع منها من غير عقاب."

نِزال ودمعة حارقة نزلت تعلم مجراها على خدها: "أنا المفروض أحط المجرمين جوه السجن مش أطلعهم منه.. هو مكنش عليه أي دليل ولا سجله فيه سوابق." هيثم بحكمة: "اديكي قلتيها، هو مكنش عليه أي أدلة ولا عنده سوابق.. مكنش أي حد هيعرف إنه مجرم.. اطلعي ارتاحي وبكرة ابقي شوفي الموضوع ده." أومأت له بهدوء ثم نظرت لوهج لِتُرمقها بنظرات حانية وابتسامة هادئة ثم أردفت بهدوء: "تعالي نطلع، أنا عايزة أنام بحضنك بقالي فترة منمتش عندك."

ابتسامة صغيرة رسمت على شفتي نِزال قبل أن تمد لها يدها ثم تصعد بها إلى الأعلى حتى تنعم ببعض الراحة، لعلها تريح عقلها من تلك الأحداث التي تصادمت عليها في يوم واحد. ***

كان الصباح قد بدأ ينسلّ بهدوء عبر نوافذ الطابق العلوي لشركة "آر آر جي للإستيراد و التصدير". المبنى الزجاجي يعكس أشعة الشمس الأولى كمرآة ضخمة في قلب المدينة، تملأ الحركة الممرات والسلالم بأصوات الخطوات المتعجلة، وأزيز المصاعد، وهمسات الموظفين المتبادلة سريعًا قبل أن يتوزعوا على مكاتبهم.

في الطابق الرابع، كان الهدوء يلفّ أحد المكاتب الواسعة الواقعة في الزاوية. الجدران مغطاة بألواح خشبية داكنة، تمنح المكان فخامة صارمة، وتزينها شهادات تقدير مؤطرة بدقة. نافذة بانورامية ضخمة تطل على ضجيج المدينة، لكنها تعزل ضوضاءها كليًا، تاركة خلف الزجاج مشهدًا صامتًا لعالم يتحرك بلا توقف.

كان يجلس خلف مكتبه. مكتب ضخم من الخشب المُعتّق، سطحه خالٍ تقريبًا إلا من جهاز لابتوب أنيق، وحامل أقلام فضيّ يضم قلماً واحداً فقط. في الزاوية اليمنى، ساعة صغيرة بعقارب ذهبية، لا تصدر صوتًا، لكنها دائمًا مضبوطة بدقة مريبة، كأنها تعرف أن صاحب المكتب لا يتسامح مع التأخير. جلس في مقعد جلديّ داكن، ظهره مستقيم، وعيناه مركّزتان على الشاشة أمامه. كل شيء حوله يدل على الانضباط… والنظام… وربما شيء من البرود المدروس. ولكن هيهات!

كيف لهذا الهدوء أن يدوم؟ فجأة وجد من يقتحم مكتبه بهمجية قائلاً بمرح وهو يرفع ملفاً بين يديه: "جبت لك اللي طلبته يا رحيم." نظرة واحدة من هذا الوحش جعلت ذاك الأحمق يعود عدة خطوات للوراء، ثم قام بإغلاق الباب وأعاد فتحه من جديد بعد أن طَرق عليه، وتردّف بجدية مخادعة: "ممكن أدخل يا رحيم بيه؟ رمقه رحيم بسخرية قبل أن يردف: "ما أنت دخلت خلاص... اقعد يا ياسين قبل ما أتعصب عليك." جلس ياسين على المقعد أمامه بسرعة بعد أن أغلق

الباب وأردف بخوف مصطنع: "لا، وعلى إيه؟ اهو قعدنا وربعنا كمان." رحيم بجدية: "فين اللي طلبته منك؟ وضع ياسين الملف على المكتب أمامه وأردف بنبرة هادئة: "اهو، الملف ده فيه كل المعلومات اللي أنت طلبتها وزيادة.... بس ممكن سؤال لو مش هيزعج الوحش؟ هيا البنت دي مين؟ نظر له رحيم نظرة مطولة وعلى وجهه ابتسامة جعلت الآخر يوقن بأن القادم ما هو إلا دمار، فتلك الابتسامة لا تظهر إلا عندما يكون هناك دمار قادم. ياسين بريبة:

"ناوي على إيه يا صحبي؟ حدّجه رحيم بنظرة مظلمة قبل أن يردف: "انت مش عندك شغل مستنيك، قاعد هنا بتعمل إيه يا ياسين؟ رمقه ياسين بسخط وقال بيأس من كتلة البرود التي تقبع أمامه: "هو الواحد مش بيعرف ياخد منك لا حق ولا باطل.. عن إذنك."

أشار له رحيم بيده على الباب علامة الخروج، فتوجه للخارج يتمتم بكلمات غير مفهومة، لتظهر شبح ابتسامة على وجه رحيم. ثوانٍ وعاد ينهمك في الملف أمامه يراجع المعلومات التي يحتويها باهتمام. اسودّت عيناه ونظر أمامه بنظرات قاتمة وهمس من بين شفتيه: "نِزال." *** خرجت من الحمام تلف منشفة حول جسدها، بينما تمسك أخرى بين يديها تجفف بها خصلات شعرها المتدلية على ظهرها بشكل ساحر.

اقتحمت وهج الغرفة وهي تغني بصوتها النشاذ مما جعل نِزال تضع يديها على أذنيها بضيق. وهج: "وعاملني بطيبة وإحساس.. يدلعاني قدام الناس.. بيعرف إني رومانسي..... صباح الخير يا لولو." نِزال وهي تدفعها عن طريقها بغيظ: "صباح النور يا شيرين زمانك." وهج بضحك وهي تجلس على السرير خلفها بأريحية: "إيه رأيك نخرج بما إن اليوم إجازتك؟

خرجت نِزال من غرفة الملابس بعد أن ارتدت فستاناً من اللون الأسود به نقاط بيضاء يصل إلى كاحلها وصندلاً ذا كعب متوسط الطول، فأردفت بجدية: "مش هعرف يا وهج، في حاجة لازم أعملها ضروري." لمحت علامات الحزن التي ارتسمت على ملامح شقيقتها فأردفت بابتسامة: "ولا أقولك، خلاص تعالي نخرج ولما نرجع هخلص اللي ورايا." عادت الابتسامة تزين ثغرها لتركض بفرحة تلقي بنفسها بين أحضان شقيقتها: "دقيقتين وهكون جاهزة، أنا عايزة أروح الملاهي."

أومأت لها نِزال بضحك، فركضت إلى غرفتها غير عابئة بصراخ نِزال خلفها وهي تحثها على الانتباه أمامها حتى لا تقع.

نظرت نِزال في أثرها بابتسامة، لكن خانتها دمعة نزلت تعلم طريقها على خدها حين تذكرت كيف عانت حتى تصبح ما هي عليه وكيف اهتمت بشقيقتها. لم تنكر أن هيثم كان لهم السند الوحيد الصامد ولم ينقص عليهم شيء، لكن هي كانت تلعب الدور الأساسي في حياة وهج، فقد لعبت دور الأم والأخت معاً حتى تعوضها عن حنان تلك التي من المفترض أنها أمهن، لكنها لم تستحق لقب الأمومة، بل إنها جريمة شنيعة أن نطلق على تلك المرأة لقب أم. من منا لا يعرف معنى كلمة أم؟

هي الحنان، هي الوطن، هي العالم، هي الحياة، هي الطيبة، هي دعوة تتحقق... عادت بذاكرتها إلى 10 سنوات مرت وكأنها ساعات ليست سنوات. **فلاش باك 10 سنوات.** "كانت نِزال واقفة عند باب الشقة، ضهرها مشدود وعضت على شفايفها تحاول ما تبكيش، وهي شايفة أمها بتلم حاجتها في الشنطة بسرعة. كل حاجة كانت بتحصل بسرعة، بس الوقت كان ماشي ببطء قاتل، كأن الدقايق بتتمط وتتمزق في قلبها.

وهج، الصغيرة، كانت قاعدة على الأرض جنب باب الشقة، عيونها مليانة دموع، وصوتها بيتكسر وهي بتقول للمرة العاشرة: "ماما… متسبينيش… بالله عليكي متروحيش…" بس الست ما ردّتش. ولا حتى بصّت فيها. كأنهم مش بناتها. كأنهم ولا حاجة. نِزال وقتها كانت في 16 من عمرها، بتحاول تفهم إزاي أم ممكن تختار راجل غني على بناتها. إزاي ممكن تبيعهم كده بسهولة، من غير ما تبص وراها حتى؟ صوت وهج وهي بتعيط لسه بيرن في ودنها بعد كل السنين:

"أنا خايفة يا ماما… عشان خاطري متمشيش و تسبيني مش هعرف أعيش من غيرك، كفاية بابا معتش بشوفه… مامااااا! ونِزال كانت بتضم أختها بقوة، بتبوس راسها وهي بتهمس لها وهي بتبكي: "أنا معاكي، أنا مش هسيبك أبداً… حتى لو هي راحت، أنا هنا…" بس الطفلة كانت بترتعش من الخوف، من الصدمة، ومن الإحساس بالفقد. الأم نزلت السلالم، والكعب العالي بتاعها كان بيرن في السكون كأنه طعنات في قلب البنتين.

كل صوت خطوة كان بيكسر حتة من قلب وهج، وكل خطوة كانت بتغرز خنجر جديد في روح نِزال. نِزال شالت أختها بعد ما وقعت على الأرض من كتر العياط، وهي بتقول لها بصوت مبحوح: "ابكي… ابكي براحتك… بس اوعديني إنك مش هتتكسري، هتبقي قوية يا وهج عشان انتي وهج المالكي…" وهج رفعت عينيها، وقالت بصوت مخنوق: "هي كانت مش بتحبنا؟ نِزال دموعها نزلت غصب عنها، وقالت وهي بتنهار: "مش عارفة يا وهج… مش عارفة…"

بس اللي كانت عارفاه، إنها في اللحظة دي بقت أمها وأبوها وكل العالم ليها. وإن الجرح ده، هيطول عشان يلتئم." **باك.** نِزال بعينين تلمع بالقسوة: "أنا بكرهك وبكره قلبي اللي لسه بيحن لك بعد السنين دي كلها وبعد اللي عملتيه فينا. أنا بحياتي مش هسامحك عشان كنتي سبب في عذاب وهج لسنين." "نزاااااااال...

" كان ذلك الصوت كفيلاً بإخراجها من أفكارها لتجد وهج تقف أمامها بعد أن غيرت ملابسها إلى سالوبيت جينز من اللون الأزرق وأسفله تي شيرت نص كم باللون الأبيض وكوتشي من نفس اللون، بينما تضع الهاند فري حول رقبتها مما أعطاها منظر طفولي لطيف. نِزال بمرح: "إيه الحلاوة دي يا قمر؟ انتي مرتبطة يا قمر؟ وهج بخجل مصطنع: "اه، لو سمحتي، ومتكلمنيش عشان بخجل بيغير عليا." نِزال بضحك: "يا شيخة اتنيلي بشكلك ده اللي شبه الأطفال.. يلا ننزل."

وهج بمرح وهي تسبقها خارج الغرفة: "طلقني لو مش عاجبك، طلقنيييي! اتبعتها نِزال إلى الأسفل لتجد هيثم يجلس على طاولة الإفطار في انتظارهم، فتقدمت منه وهج وقبلت خده قائلة بمرح: "صباح الخير يا خالو القمر." أمسك هيثم ملابسه بطريقة درامية وأردف: "الحقيني يا نِزال، البنت بتتحرش بيا وأنا واحد محترم، يرضيكي كدا؟ نِزال في محاولة لكتم ضحكتها: "لا طبعاً يا هيثم ما يرضينيش خالص... وهج لازم تتعاقب، مينفعش دي بقت خطر على البشرية."

رمقتهم وهج بغيظ وأمسكت قطعة توست تلتهمها بشراهة وكأنها تنتقم منها ثم أردفت: "إيه، انتوا هتحفلوا عليا ولا إيه؟ الحق عليا بحاول أغازلكم بس أنا كذابة أصلاً عشان انت واحد خرفان وقرب يجيلك الغضروف." لم تستطع نِزال السيطرة على ضحكتها وهي ترى ملامح هيثم المصدومة بطريقة مضحكة، بينما وهج لم تبالي بهم وأكملت التهام طعامها بنهم شديد. نِزال: "خالو، احنا هنروح الملاهي، تحب تيجي معانا؟ اهو نغير جو." هيثم:

"أكيد، دي فكرة الهبلة دي عشان مستحيل انتي تقرري من نفسك كدا." نِزال ببسمة: "أيوه صح الصح." *** تجلس بصمت تحت ظل شجرة وارفة، أو لعلها اختارت المقعد الخشبي القريب من ساحة اللعب، لا فرق. المهم أنها كانت هناك، تتأمل الأطفال وهم يركضون ويضحكون، أحدهم يلاحق الآخر بضحكة عالية، وآخرون يتقافزون خلف بالونات تطير فوق رؤوسهم.

أخذت نفسًا عميقًا، وعيناها تراقب ذلك المشهد الذي لا يشبه شيئًا من ذاكرتها. طفولتهم تشبه الحكايات، أما طفولتها هي، فلم تكن يومًا قصة تُروى، بل صفحة مطوية في كتاب مليء بالسواد. نظرت إلى فتاة في عمرها تقريبًا، تضحك بصوتٍ عالٍ وسط صديقاتها، أنيقة، مطمئنة، والابتسامة تزين وجهها كأنها خلقت لتضحك فقط. ابتسمت رحمة بخفة، لا فرحًا، بل كمن يتذكر ما لم يحدث له أبدًا.

يحيط بها أربعة من الحرس الشخصيين، يقفون بهدوء ظاهر ويقظة لا تغيب، بأمر مباشر من أخيها. كأن الطمأنينة لا تصل إليها إلا من خلف ستار من القلق، وكأن الأمان الذي تعيشه اليوم هو تعويض متأخر عن شيء فُقِدَ في الماضي... وربما لا يُعوّض. لفت انتباهها هذه المرة فتاة أخرى تركض بسعادة بينما تمسك بيد فتاة أخرى لا تعلم إن كانت أختها أو صديقتها، بينما يتبعهم شاب وسيم يضحك على مرحهم. رأت تلك الابتسامة التي تزين وجوههم...

تشعر بالحنين لشيء مجهول، ربما حنان عائلي. لا تنكر أن رحيم كان لها السند في ظل غياب أهلها، لكنها بحاجة إلى حضن دافئ تحتمي به تشكو له حزنها دون خوف. لكن كيف ستشكو وهي لا تريد أن تخرج صوتها من أعماقها... ألا تعلم أنه سيأتي من يفهم ندرات عينيها ويشعرها بأن الآلام لا تشكى بالكلام فقط، بل نظرات تنقلها مشاعر صادقة نابعة من قلب إلى قلب عاشق.

"على الناحية الأخرى كان هيثم يتابع وهج ونِزال ومشاجرتهم معًا تحت مشاكسة وهج لأختها، لكن وقعت عيناه على تلك العصفورة الحزينة التي يبدو وكأن أحد قام ببتر جناحيها، وما أثار حيرته تلك الحوائط البشرية التي تحيط بها... مما تبين أنها فرد من إحدى العائلات الكبرى. هو أيضًا ذو نفوذ وغناء، ولطالما كان يصر على وهج ونِزال أن يكون لهما حرس شخصيون، لكن نِزال كانت ترفض بشدة.

لم تأبَ نظراتها تركها، لمعة الحزن التي تظهر في عينيها تروي قصة ألم ربما يصعب شفاؤها. فجأة وجدها توجه نظرها إلى نقطة ما وملامح وجهها تتشنج بشكل ملحوظ...

كانت تراقب ذاك الرجل الذي يتابعها من بعيد بصمت، لكن التفتت فجأة على صوت فرقعة لتجد أحد الشباب يمسك علبة من الألعاب النارية وولاعة يقوم بتشغيلها. ثبتت نظراتها على تلك الشرارة التي تخرج من الولاعة بملامح متجمدة وقلب تتسارع دقاته.. انتبه لها رئيس الحرس الخاص بها فاقترب منها بقلق قائلاً: "آنسة رحمة، انتي كويسة؟ لم يأتيه أي رد منها، ويبدو أن حالتها بدأت تسوء أكثر، فأخرج هاتفه يحادث مديره ليخبره بحالة شقيقته.

"كانت الذكريات تتراكم أمام عيني رحمة كأنها عرض سينمائي لا نهاية له. فجأة، شَعّت شرارة، ثم أخرى، لتشتعل النيران من حولها، تلتهم المكان... تلتهم الوجوه، الأصوات، حتى الهواء. الدُمية القديمة، التي لطالما ضمّتها وهي نائمة، أصبحت الآن بين يديها، محروقة، مشوهة، ورائحتها المختلطة بالدخان لا تفارق أنفها. كانت النار تحيط بها كوحشٍ ضارٍ، يصيح ويزأر، فيما جسدها الصغير حينها كان عاجزًا عن الحركة... كان الخوف أثقل من أن يُحمل.

وفجأة، شعرت بشخص أمامها. صوتٌ ما... همساتٌ ناعمة تتسلل إليها، كأن أحدهم يحاول أن ينتشلها من أعماق الذكرى. فتحت عينيها ببطء، أو هكذا ظنت، فقد كانت جفونها مطبقة بقوة كمن يخاف من أن يرى... وعندما فتحتها، رأته. ذلك الشخص الذي رأته قبل قليل، شعرت بنظراته تراقبها من بعيد، واقفٌ أمامها الآن. شفتاه تتحركان، يهمس بشيء، لكنها لا تسمع، عقلها ما زال غارقًا في رماد الماضي، مشدودًا إلى لهيب الذكرى، رافضًا أن يخرج.

هي هنا، في الحاضر، لكن شيئًا منها ما زال هناك... تحت الركام، بين الدخان والدمية المحترقة." *** "على الجهة الأخرى، كان يجلس خلف مكتبه الفخم، الأوراق مبعثرة أمامه، وشاشة الحاسوب تضيء بتقارير متتالية، لكن تركيزه ثابت، يدير أعماله بدقة لا تعرف التراخي. رنّ الهاتف فجأة. نظر إلى الشاشة، فرأى الاسم: منتصر –رئيس الحرس الشخصي لرحمة. تجهم قليلًا قبل أن يرد. "نعم يا منتصر؟ جاءه الصوت الآخر مرتبكًا بعض الشيء، لكنه حريص

على إبقاء نبرة الاحترام: "سيدي… الهانم الصغيرة، آنسة رحمة… كانت قاعدة في الحديقة، وفجأة لقيناها تعبت، ومش عايزة تكلم حد. حاولنا نطمن عليها، بس هي مش بترد ومش راضية حتى تبص لحد فينا." صمت على الطرف الآخر لثوانٍ. جفّت عيناه من رمشٍ واحد. ثم نهض ببطء، الكرسي يدور خلفه بلا صوت، ونبرة صوته جاءت حادة، واثقة: "خليكوا معاها..، أنا جاي فوراً."

أغلق الخط دون أن يضيف كلمة. مدّ يده بسرعة والتقط جاكيت البدلة المعلّق على طرف الكرسي، ثم اندفع نحو الباب بخطوات متعجلة، لا تحمل شيئًا من هدوئه المعتاد. خرج من المكتب، وعيناه تتجهان نحو السيارة التي كانت بانتظاره. فتح الباب الخلفي بنفسه، دون أن ينتظر أحدًا، وجلس. في لحظة، لحق به حرسه الشخصيون، بعضهم صعد معه، والآخرون سبقوه بسياراتهم. الأوامر لم تُنطق، لكنها مفهومة." ***

اقترب الحرس بخطى سريعة من الرجل هيثم الذي كان يهمس بكلمات مهدئة على مسامع رحمة، نيةُ التدخل بادية على وجوههم. لكنها لم تتحرك، وكأنها مأخوذة بكلماته. رفع هيثم يده بخفة، بعينين تملؤهما الرجاء: "استنّوا… بس لحظة." تبادل الحرس نظراتٍ حائرة، وكأنهم يبحثون عن أمر واضح وراء رجائه. أشار لهم رئيس الحرس بإيماءة خفيفة بالتراجع، بعدما وقعت عيناه على ملامح رحمة…

كانت تتغير ببطء، تعود لطبيعتها شيئاً فشيئاً. عيناها التي كانت زائغتين بدأت تركز، وجهها المتوتر هدأ قليلاً، ونفسها صار أكثر انتظاماً. وقف الجميع في صمت، يراقبون تأثير تلك الكلمات التي كان يلقيها ذاك الرجل على مسامع رحمة.

توقفت السيارة أمام الحديقة بإصدار صوت احتكاك حاد، نتيجة السرعة والالتفاف المفاجئ. ما إن هدأ صوت العجلات، حتى انفتح الباب بقوة، ونزل رحيم بخطوات سريعة ووجهه مشدود، كمن يحمل همًّا لا ينتظر التأجيل. اندفع نحو الداخل، عيناه تبحثان بشراسة، لم يكن يرى ما حوله بوضوح… لم يكن يتوقعها. من الجهة الأخرى، كانت تركض ضاحكة، تحاول الاختباء من أحدهم، ربما لعبة، ربما لحظة سعادة نادرة، لم تكن ترى أمامها هي الأخرى… حتى اصطدمت به.

كان الاصطدام عنيفًا بما يكفي لأن تفقد توازنها، لولا يداه، تلك التي امتدت تلقائيًا، أمسكتها قبل أن تهوي. تجمد الزمن. لم يعد هناك صوت... ولا حركة... سوى نظراتٍ التقت، فارتبك الحاضر، وصمتت الأرض. عيناها… فيهما بريق حياة، طفولة لم تُخدش بعد. وعيناه… كأنها تحمل خريفًا عميقًا، صمتًا ثقيلًا. لم يتكلما، ولم يحتج أحدهما للكلام. فكأن كل ما كان، اختُصر في تلك اللحظة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...