الفصل 7 | من 13 فصل

رواية عهد مع الشيطان الفصل السابع 7 - بقلم نسيمة حفصي

المشاهدات
19
كلمة
3,334
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

وقف متصنمًا في مكانه، وتأبى الكلمات الخروج من بين شفتيه. لا يصدق ما استمعت له أذناه، يريد أن يتأكد أنه ليس مجرد حلم. هل من الممكن أن يكون ما استمع له حقيقة؟ أحقًا عادت عصفورته الصغيرة لتطرب مسامعه بصوتها؟

بينما هي كانت تنظر له بحزن، ودموعها تأبى ترك عينيها المليئة بالحزن. أدركت حجم غلطتها الفادحة عندما أخفت عليه حقيقة استعادة صوتها. كانت تراقبه بعينيها، تركز نظراتها على ملامحه التي يبدو عليها عدم التصديق. نظراتها ربما شفقة على حاله، أو حزنًا على كونه لا يصدق بأن شقيقته استعادت صوتها بعد سنوات عدة. ربتت على كتف رحمة بخفة، تشجعها على الوفاء بوعدها، تذكرها بأنها يجب أن تحيا من جديد.

وكأن رحمة كانت تنتظر تلك اليد الموضوعة على كتفها تحثها على الحراك، لتقترب من رحيم الذي مازال يراقبها بهدوء، لا يعلم تفسيرًا لحالته في تلك اللحظة. قدماه تأبى الحركة، بينما عقله يظهر عدم الاستيعاب. لم تمهله رحمة وقتًا للتفكير أكثر من ذلك، لترتمي داخل أحضانه، هامسة بصوت مختنق بسبب عباراتها التي تتسابق على خديها:

"رحيم يا روحي، أنا آسفة أوي. أنت وحشتني أوي، وحشت أتكلم معاك. أنا آسفة والله العظيم آسفة، كنت بشوفك وأنت زعلان عليا، وما كنتش عارفة أتكلم ولا أخفف عنك." كان عاجزًا عن احتوائها. تلك المفاجأة كانت بعيدة تمامًا عن مخيلته، لكن رجفة جسدها أثناء انتفاضه نتيجة البكاء أعادته إلى الواقع. فلف ذراعيه حول جسدها الصغير، يحتضنها بحنان وفرح. وأخيرًا زينت الابتسامة وجهه.

كان هيثم ووهج يتابعان المشهد بتأثر، بينما نزال استدارت تزيل تلك الدموع التي نزلت تلقائيًا من عينيها. لا تعلم لما شعرت بشوق غريب، ربما لشخص رحل عنها منذ سنوات، ربما توأم روحها، ربما شخص عزيز تفتقده. وأخيرًا أخرجها رحيم من بين أحضانه، ثم كور وجهها بين كفيه، يضع قبلة حانية على جبينها، وأردف بحنان:

"حبيبتي، أنا مش زعلان منك. أهم حاجة أنك رجعتيلي ورجع صوت عصفورتي عشان ينور حياتي من تاني. أنا مش عايز حاجة تانية من الدنيا دي غير أنك تكوني بخير." "أنا بحبك أوي يا رحيم، أنت أخي وصاحبي وأبويا وكل حاجة ليا. ربنا يديمك ليا وما يحرمني منك أبدًا." "طيب يا جماعة، إحنا كدا نستأذن بقى، مهمتنا انتهت." اتجه إليه رحيم حتى وقف أمامه، ثم ربت على كتفه وأردف بجدية:

"أنت بقيت واحد من أقرب الناس لعيلة الجارحي، وفضلك مش هنساه طول حياتي. أنا لو كنت أعرف أن روحي هترجعلي بسببك، كنت دورت عليك من زمان." ابتسم هيثم يردف بهدوء: "ده مجرد قدر يا رحيم، هو اللي وقعني في طريقكم. ممكن أنا مجرد وسيلة بس، لأن ربنا هو اللي كاتب كل ده، وأنا دكتور وده واجبي." أومأ رحيم بهدوء، ثم وجه حديثه إلى وهج: "اتفاقنا زي ما هو يا آنسة وهج. أنتي من بكرة تيجي على الشركة تستلمي شغلك."

"إن شاء الله يا أستاذ رحيم، أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي. أنت حققت حلمي، ما كنتش أتوقع أن الظالمين دول يسبوني اشتغل قبل ما أتخرج." قالت نهاية كلامها مازحة، وهي تشير إلى هيثم ونزال التي رفعت عينيها لترمقها بحدة.

لكن التقت نظراتها بنظرات الوحش، لتغوص به لثوانٍ، ثم أنزلت عينيها سريعًا بخجل وتوتر لم تعلم سببه. لطالما كانت قوية ولا تخشى شيئًا، وتواجه الجميع بصلابة. فلماذا تخجل منه وتشعر بالتوتر كلما التقت نظراتها بعينيه الغامضة؟ ليتها تعلم أنه هو في جهة، وبقية من تعاملت معهم في جهة أخرى. لا تعلم أن عشقه استولى على قلبها منذ أول نظرة لها، غاصت بها داخل عينيه لفترة لا تعلم زمنها.

اتجه هيثم إلى الخارج، واتبعته وهج ونزال بعد أن احتضنتهم رحمة بامتنان، وودعتهم على وعد بلقاء. "حضرة المحامية، ممكن لحظة!؟ التفتت له نزال باستغراب، ثم أردفت: "نعم؟ اقترب منها رحيم بهدوء، ومع كل خطوة يخطوها نحوها، كانت دقاتها تقرع مثل طبول الحرب. وقف أمامها صامتًا لبعض الوقت، بينما نظراتها تتابعه بتوتر، حتى وجدته يضع يديه داخل جيب سترته، يخرج شيئًا ما، ثم أردف بهدوء: "أظن أن دي تخصك، صح.؟

قال كلامه وهو يرفع السلسال الخاص بها أمام عينيها، لتنفرج أساريرها وتردف بابتسامة فرحة: "أيوه بتاعي... بس أنت لقيته إزاي؟ أنا كنت قالبة الدنيا عليه." "فاكرة أول لقاء لينا في حديقة الملاهي." حركت رأسها دليل الموافقة، ليردف: "الظاهر أنه علق وقتها بالجاكيت." مدت يدها حتى تأخذه، ولكن حركته كانت أسرع منها، ليسحب السلسال بعيدًا عنها، مما جعله تنظر له باستغراب وتساؤل من فعلته. فجاء صوته ليجيب عن تساؤلاتها:

"أنتي عايزة السلسال بتاعك صح.. أنا هديهولك بس بالمقابل عندي شرط." نظرت له بتعجب، ولكن ما لبثت حتى أردفت بهدوء: "عايز إيه يا أستاذ رحيم." "عايز تسيبي القضية اللي أنت مسكتيها من شهر، وما تقلقيش، أنا هسلمك قضية مهمة أوي وأحسن من اللي انتي ماسكاها دي." "اشمعنى القضية دي؟ وأصلاً أنت عرفت منين أني في قضية معينة أنا مسكتها من شهر؟ وليه عايزني أبعد عنها؟ أنت أكيد جرى لعقلك حاجة."

أظلمت عيناه وهو يقترب منها حتى اختلطت أنفاسها بأنفاسه، مما أثار توترها، لتردف بخجل: "إيه اللي بتعمله ده؟ ابعد لو سمحت." "أنتي لو عاوزة سلسلتك ترجعلك، هتوافقي على الشرط بتاعي ومن غير ما تحاولي تعرفي السبب." ثم أكمل بغرور: "بعدين، مش الكل بينال شرف الشغل مع رحيم الجارحي، وأظن دي فرصة ليكي أنك ترفعي من شغلك وتكبري اسمك بعالم المحاماة، يا حضرة المحامية." رمقته نزال بحدة هذه المرة، وأردفت:

"أنا محتاجة أكون من ضمن شغلك عشان أكبر اسمي يا أستاذ رحيم." "بس انتي محتاجة سلسلة أبوكي صح؟ أظن أن دي آخر حاجة سابها لك، ولا إيه." رمقته بصدمة لعلمه بأن السلسلة تخص والدها. أيقنت كم هو شخص خطير. هي لا تستطيع ترك السلسال معه. السلسلة أهم بكثير من القضية، لذا أومأت على مضض وهي تمد يدها لأخذ السلسال: "أنا موافقة." ارتسمت شبح ابتسامة على شفتيه وهو يضع السلسال بكف يدها، وأردف ببرود: "وأنا كنت متأكد من ده."

رمقته بنظرة ساخطة قبل أن تجذب حقيبتها مرة أخرى وتتجه إلى خارج القصر، لتجد وهج تتحدث مع رحمة، بينما هيثم يبدو أن لديه مكالمة من أحد مرضاه، لذا وقف على جانب يحادثه. اتجهت لتجلس داخل السيارة بهدوء تنتظرهم، بينما أفكارها لم ترحمها. لماذا يريدها رحيم أن تترك تلك القضية؟ وكيف له أن يعلم عن عملها؟ والأهم من ذلك، ما الذي أدراه بأن السلسال من والدها؟

وعلى ذكر السلسال، وضعت يديها على رقبتها تتحسسه بهدوء، وهمست بصوت متألم يحن إلى ماضٍ حزين: "قصي! امواج البحر كانت تتلاطم بحدة، مشكلة أصواتًا مخيفة في عتمة الليل، وذلك الميناء القديم، حيث الآلات القديمة وذالك المخزن الكبير. خلف أحد الأعمدة الكبيرة، كان يقف شخص ملثم، ملابسه باللون الأسود، لا يظهر منه سوى عيناه الشبيه بعيني الذئب المتربص لفريسته. ضغط على السماعة بأذنه ليأتيه صوت أنثوي من الجهة الأخرى:

"في اتنين دخلوا من الباب الخلفي، ويبدو أنهم مش لوحدهم." ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيه، وأردف: "انتهى وقت الانتظار، وجه وقت المتعة. أنتي جاهزة يا 'لي لي'." أتاه صوتها على الجهة الأخرى لا يقل عنه حماسًا: "جاهزة يا صاصا." كز على أسنانه بغضب من ذالك اللقب اللعين الذي تطلقه عليه تلك الحمقاء من وجهة نظره، بينما هي كانت تحاول كتم ضحكتها، لأنها تعلم بأنه يتمنى الآن فصل رأسها عن جسدها بعد ما تفوهت به.

أردف بغضب وغيظ في آن واحد: "نخلص المهمة بس، وأنا هوريكي يا جزمة يا كلبة مسعورة." "عشان تبقى تتريق عليا بعد كده." "اجهزي يلا." عادت ملامحها إلى الجدية، ثم بلمح البصر، صوت كاتم الصوت على فوهة مسدسها. توجهه نحو الهدف بتركيز، وخلال ثوانٍ لم يدوي أي صوت، لكن وقع اثنين جثتين هامدتين، يليها اثنين آخرين. مما أثار هلع الرجلين بالداخل، لا يعلمان ماذا يجري وهم يرون حرسهم يقعون مثل الحشرات أمامهم. أتاهم صوت هلاكهم من الخلف،

يردف بتسلية: "بقى كدا يا اندال بتعملو اتفاق من غيرنا، مش عيب على شنباتكم." أردفت وهي تدخل من الباب الآخر: "هو أنت شايف فيهم شنبات أصلاً؟ أبغى أقول أن أنا عندي شنب أحسن منهم، بس أستحي." نظر لها برفعة حاجب، وكأنه يقول: هل أنتِ حقًا تخجلين؟ نطق أحد الرجال بخوف: "إنتو مين وعايزين إيه." "إحنا مين ده مش يخصك في حاجة، عايزين إيه؟

عايزين روحك وروح اللي أكبر منك، بس للأسف إحنا مش هنقدر نعملكم حاجة دلوقتي." ثم ضغط على السماعة بأذنه ليأتيه صوت أحد العناصر الذين يحاصرون المكان، يردف باحترام: "تحت أمرك سيادة النقيب." "حازم، تعالوا سلموا الكلاب اللي معانا للاستخبارات، وخلي بالك أصل الكلاب دي مسعورة وممكن تعض." أنهى كلامه وأغلق السماعة، ثم أخرج هاتفه يضغط على رقم معين، وانتظر حتى أتاه الرد، ليردف باحترام:

"احترامي سيدي. المهمة تمت بنجاح، وقدرنا نمسك تجار المخدرات، وحازم هيسلمه للاستخبارات دلوقتي." أتاه صوت العميد وهو يردف بفخر: "أنا كنت واثق أن المهمة هتكون ناجحة طالما اللي مستلمها الأسد والكشماء." ابتسم الأسد وهو ينظر إلى من تلهو بسلاحها بتسلية، وتنظ ر له ببرود مستفز، ثم وجه كلامه إلى العميد: "شكراً سيدي."

تجلس في تراس غرفتها تراقب النجوم التي تحيط بالقمر الذي يتوسط السماء، بعد أن جفى النوم عينيها. تفكر في عرض رحيم لها وغرضه من وراء ذالك الشرط الذي وضعها أمامه دون أي حق. هي حتى ليست لها معرفة به. إذا، لماذا يريد منها ترك تلك القضية والعمل معه؟ لحظة، هل من الممكن أنه متورط في أعمال غير قانونية يخفيها خلف قناعه كونه رجل أعمال، ويريد توريطها معه؟

كانت تلك الأفكار تجتاح عقلها دون رحمة، لكنها لم تتوصل إلى أي إجابة. لذلك قررت أنها ستحرص على كل خطوة تخطوها حتى لا تقع في أي متاعب، وأيضًا تستطيع معرفة هدف رحيم. دوى صوت هاتفها يعلن وصول رسالة جديدة إليها، لتحمله من على الطاولة بجانبها، ثم دخلت سجل الرسائل لتجد رسالة من رقم غير مسجل: "انتي بتتعبي دماغك بالتفكير، وصدقيني مش هتوصلي لحاجة، فمن الأحسن أنك تنفذي اللي طلبته منك عشان تبعدي عن المشاكل وما تخسريش شغلك."

ما إن انتهت من محتوى الرسالة، حتى كزت على أسنانها بغضب بعد أن أدركت من هو المرسل. ومن غيره رحيم الجارحي. "إنت مين يا رحيم؟ إنت مين وعايز مني إيه؟ إيه اللي حدفك عليا أييييه." طرقات على الباب جعلتها تمسح على وجهها بهدوء، تحاول الظهور بوجه عادي حتى تتلقى أسئلة هي في غنى عنها الآن، ثم أردفت: "ادخل." فتح الباب ليظهر من خلفه هيثم، الذي أردف بابتسامة: "إنتي ما نمتيش لدلوقتي." "لا والله، ما جاليش نوم."

اقترب هيثم حتى جلس على حافة السرير، ثم أردف بجدية: "رحيم كان عايز منك إيه." "مفيش، بس هو طلب مني أشتغل معاه، كوني محامية شاطرة، وهو بيحتاج محامين شاطرين لشركته." "إيه التواضع ده يا شيخة." "طبعًا، أنا متواضعة، حد يقدر يقول غير كداا." رفع هيثم يديه بضحك: "لا، محدش يقدر. ها، و كان رأيك إيه يعني؟ وافقتي ولا لا." "أيوه وافقت، لأني شفت أن الشغل مناسب ليا، بس بردو لازم أشوف الوضع وأتأكد من كام حاجة قبل ما أشتغل معاه."

أومأ هيثم بهدوء قبل أن يقف، يتجه إلى الباب، وهو يردف: "أنا عارفة أنك عارفة مصلحتك، والحاجة اللي تنفعك وتضرك، عشان كدا أنا واثق فيكي. تصبحي على خير بقى، بكرة لازم أروح العيادة بدري." "و أنت من أهل الخير. شكرًا أوي يا هيثم." منحها هيثم ابتسامة حنونة صافية قبل أن يخطو إلى الخارج، مغلقًا باب الغرفة خلفه بهدوء.

قست ملامحها بشكل مخيف وهي تستمع إلى الطرف الآخر بغضب، بعد أن أخبرها بالخسارة الفادحة التي تعرضت لها مصانع "ألكس ألكسندر" في ظرف يوم وليلة. رمت الهاتف على الأرضية الرخامية ليتحطم إلى قطع صغيرة، ثم هدرت بعنف: "أنا قلت لك بلاش تلعب مع ابن الجارحي يا ألكس، قلت لك أنا مش مستعدة أخسر كل العز ده بسبب غبائك." كانت تهذي بتلك الكلمات بغضب حارق، وهي تدور حول الطاولة أمامها ذهابًا وإيابًا. جأها صوت الخادمة من خلفها تردف باحترام:

"سيدتي، السيد ألكس يقول أنه سافر لأمر عاجل، وسيعود بعد يومين." "غوري من وشي. ما كانش ناقصني غيرك." ثم أكملت باللغة الإنجليزية: "انصرفي الآن ولا تزعجيني ثانية." "أمرك سيدتي." بعد رحيل الخادمة، اتجهت مسرعة إلى الأعلى، وتحديدًا إلى غرفة ألكس. دخلت وهي عازمة على اكتشاف سر تلك الغرفة التي يخفيها عنها، مستغلة غيابه حتى تنفذ ما برأسها: "أنا لازم أعرف الغرفة دي فيها إيه. يعني مش هفضل زي الأطرش في الزفة."

ارتسمت ابتسامة تشق وجهه حينما عثرت على المفاتيح بأحد الأدراج، فحملتها وهرعت مسرعة إلى الغرفة المنشودة. وقفت تنظر إلى الباب بحماس، ثم أدخلت المفتاح لينفتح الباب، ثم خطت إلى الداخل متحمسة لمعرفة ما وراء ذالك الباب، لكن ما إن خطت بضع خطوات حتى تصنمت مكانها تراقب تلك الصور بأعين مفتوحة. صور لنفس الفتاة بأعمار مختلفة، يبدو أنها من سن العاشرة حتى أصبحت فتاة كبيرة. اقتربت بترنح، تركز نظرها على تلك الصور التي أيقنت أنها رأتها من قبل. تلك الصور للفتاة فيها شبه كبير منها. هي كيف ذلك؟

ولا يعقل أن يكون ذالك التشابه مجرد صدفة. هل يعقل أن يكون....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...