ضحكت شيماء بصوت عالٍ من حديثه: ده أنت مش سهل أبداً يا حبيبي. فابتسم لها وأكمل طعامه. وقفت سلمى أمام الشركة، وفي داخلها رهبة وتخوف. أنها متوترة حقاً مما يمكن أن يحدث. فكرت: ما أسوأ شيء؟ ربما يرفضونها، وعندها ستحاول مجدداً.
زفرت بعمق ثم توكلت على الله. بعد مرور ساعة خرجت، والفرحة لا تكاد تسعها. لقد قُبلت في العمل. ورغم أنها ستُعطى وظيفة أصغر بسبب انعدام خبرتها وستخضع للتدريب، إلا أنها سعيدة لأنها حصلت على وظيفة أخيراً ستجني منها المال لتنفق على نفسها وابنها ولا تحتاج لنادر في شيء. انتظرت ابنها حتى خرج من حضانته، ثم عادت به للمنزل. وجدت شيماء بالداخل تجلس على الأريكة وتشاهد التلفاز، فتجاهلتها.
ساعدت ابنها في تغيير ملابسه، ثم تركته ودخلت لتحضر الغداء لكلاهما. دلفت عليها شيماء المطبخ وهي تحضر الطعام: يا ترى عاملة حسابنا ولا لسه بتعاقبنا يا سلمى؟ لم ترد وهي تكمل عملها، فاغتظت شيماء ولكزتها في كتفها بغيظ: لما أكلمك تردي عليا، فاهمة؟ قالت سلمى بسخرية طفيفة: لما ألاقيكِ بتتكلمي في حاجة مهمة هفكر أرد ساعتها. ابتسمت شيماء فجأة وقالت: صحيح مقولتيش أنتِ اتقبلتي في الشغل اللي قدمتِ عليه ولا لا؟
نظرت لها سلمى باستغراب: وده يهمك في إيه صح؟ رفعت كتفيها بلامبالاة: ولا حاجة، حبيت أسألك عادي. رفعت سلمى حاجبها ببرود وأكملت عملها، مما ضايق شيماء فخرجت من المطبخ وهي توعدها. عاد نادر وقت الغداء تقريباً ووجد شيماء في الصالة تنتظره بغضب. شيماء بعصبية: الهانم دي رجعت وعملت أكل ليها ولابنها بس، ولما حتى حاولت أسألها اتقبلت ولا لا قالت أدبها عليا وبعدين طنشتني. وضع نادر يده على كتفها:
طب أهدي يا حبيبتي وأنا هشوف الموضوع ده. دلف إلى غرفة مروان ووجد مروان يدرس وسلمى مشغولة تكتب على اللابتوب بتركيز. ذهب نحوها وأغلق اللابتوب بحدة لدرجة أنه أغلق على يدها. صرخت سلمى بألم: مش تاخد بالك إيه ده! نظر لها مروان بفزع، أما نادر فقال بوعيد: بعد كده تتعاملي كويس مع شيماء وإلا هتشوفي حاجة مش هتعجبك. نظرت له بمرارة وقالت بسخرية: أنا أصلاً مليش دعوة بست الحسن بتاعتك، خليها ملهاش دعوة بيا وخلاص. حدق
إليها ثم قال بنبرة عادية: اتقبلتي في الشغل ولا لا؟ عقدت سلمى حاجبيها بتعجب شديد: أنتم كلكم عمالين تسألوني اتقبلت ولا لا! رفع نادر حاجبه باستهزاء: ليه وحضرتك مش مراتي ولا إيه؟ ولا هتطلعي كل يوم وتروحي وتيجي ولا كأني موجود؟ تنهدت سلمى بصبر: اتقبلت ها؟ حاجة تاني؟ ابتسم نادر ابتسامة بدت لها غريبة: لا خالص. ثم غادر الغرفة. أما مروان، فأسرع لها يعانقها بذعر: ماما هو إيديك بتوجعك بسبب بابا؟ ربتت عليه بحنان تهدأ خوفه:
متخافش يا حبيبي، ده بابا مخدش باله بس. فكرت في نتيجة وتأثير تصرفات نادر أمام مروان، والتي بدأت تؤثر عليه بشكل غير جيد. تذكرت سؤاله وسؤال شيماء عن وظيفتها، وبشكل ما لم ترتح لهذا وأحست أن هناك غرضاً خفياً ما. بدأت بعدها التدريب مباشرة، وقد راعوا حالتها كامرأة متزوجة وحامل. استمر الأمر، ونادر وشيماء لا يتعاملون معها كثيراً، وهذا أثار استغرابها مع راحتها.
بعد مرور شهر، أخيراً حصلت على أول مرتب لها. نظرت للنقود التي في يدها بفرح شديد. كان شعور الجد والإنجاز شعوراً رائعاً حقاً، لقد جَنَت هذه النقود باجتهادها الشخصي. أولاً ذهبت للطبيبة حتى تطمئن على وضع جنينها. وبينما كانت الطبيبة تقوم بالفحص الروتيني، استمعت سلمى بحنان وحب أمومي لنبض جنينها، وهي تعلم الآن أنها ستتمكن من تربيته وتربية شقيقه بحب.
فكرت في نادر وحياتها بهذا الشكل. هي لا تستطيع بالتأكيد العيش في هذا الوضع وهذه الحياة للأبد. هل يمكن أن تنفصل عنه؟ تنهدت بإحباط وتذكرت أمها التي لن تدعمها أبداً، خصوصاً أنها لم تتحدث معها منذ عادت لنادر. لقد كان الاستياء وخيبة الأمل يسيطر عليها بشدة. عادت للمنزل مع مروان بعد أن تنزهوا، وكان مروان سعيداً للغاية، خصوصاً أنها اشترت له ألعاباً جديدة.
خبأت بقية مرتبها بين ملابسها في دولاب مروان، وقد قررت الاتصال بابنة خالها رنا، لقد اشتاقت لها وأيضاً ربما تعطيها حلاً. دلفت للاستحمام بعد أن ذهب مروان لدرسه المعتاد في منتصف اليوم. عندما عادت وتناولت ملابسها، لاحظت شيئاً خاطئاً في طريقة ترتيب الملابس، وكأن هناك من رفعها ثم حاول إعادتها لسابق ترتيبها. بسرعة بحثت عن نقودها، فلم تجدها مكانها. شعرت بقلبها يهوي وأرادت البكاء بشدة.
تذكرت تساؤلات نادر وشيماء المستمرة عن عملها، فغضبت بشدة. ارتدت ملابسها بسرعة وخرجت للصالة وهي تنادي شيماء بصوت عالٍ. خرجت شيماء من غرفة النوم الأخرى وهي تقول بإنزعاج: إيه في إيه؟ بتزعقي كده ليه؟ أمسكتها سلمى من ذراعها بقوة: فين فلوسي يا حرامية؟ تألمت شيماء من ضغط سلمى القوي على ذراعها وقالت: فلوس إيه وحرامية إيه؟ أنتِ اتجننتِ! سلمى بحنق:
متستعبطيش عليا، المرتب بتاعي اللي كنت حاطاه في الدولاب وأنتِ أخذتيه بعد ما حركتِ الهدوم ورجعتيها مكانها. قالت شيماء بتوتر: وأنا هعرف منين بمكان مرتبك أصلاً؟ أوعي إيدك عني. زاد غضب سلمى وقالت بتهديد: أنا هديكِ فرصة لحد بالليل، لو فلوسي مرجعتش هبلغ عنك وأوديكِ في داهية! دفعتها بقوة ثم عادت للغرفة وجلست على السرير بقهر. حتى نتيجة تعبها لم يتركوها تهنئ به! إنها لن تسكت عن هذا الوضع أكثر، لقد طفح بها الكيل!
اتصلت على ابنة خالها، التي حين فتحت الخط قالت بلهفة: سلمى! أخيراً اتصلتِ عليا، وحشتيني أوي. كنت حاولت أتصل عليكِ بس كنت بلاقي تليفونك مغلق كتير. سلمى بنبرة بكاء: وأنتِ كمان أوي يا رنا، معلش أنا كمان مكنتش بمسك تليفوني كتير. رنا بقلق: مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟ حكت لها سلمى ما حصل لها منذ عادت لنادر حتى اليوم وسرقة راتبها. قالت رنا بانفعال: إيه البني آدم ده! ده مش إنسان بجد!
والبنت اللي معاه دي لو مرجعتش الفلوس بلغي عنها وعنه وأنا معاكِ وهقول لبابا، وسيبك من عمتي دي، حاجة ميتسكتش عليها أبداً. كانت على وشك الرد عليها حين سمعت صوت نادر يصرخ باسمها. قالت لرنا: استني علشان بينادي عليا، شكلها قالتله. رنا: طيب أنا معاكِ على الخط أهو. خرجت من الغرفة وبيدها الهاتف: نعم عايز إيه؟ كان يقف ووراءه شيماء، التي بالتأكيد تتظاهر بالبكاء. قال بغضب: إنتِ إزاي تقولي لشيماء إنها حرامية؟ ضحكت بسخرية:
ليه مقولش؟ ماهي دي الحقيقة! تكلم من بين أسنانه بتحذير: سلمى أنا ساكت لك، كلمة كمان ومش هتتوقعي رد فعلي. سلمى بتحدي: يعني هتعمل إيه؟ ولا تكون أنت كمان مشترك معاهم؟ ما أكيد علشان كده كنت كل شوية تسألني أنت وهي على شغلي، وأنتوا بتخططوا تسرقوني! صرخت في المقابل: احترم نفسك أنت ومراتك ورجعوا تعبي وشقايا وإلا والله أصوت وألم عليكم الناس. نظرت لشيماء: رجعي فلوسي وإلا مش هرحمك.
نظرت لها شيماء بسخرية وهي تبتسم، مما زاد من غضب سلمى، فتحركت ناحيتها. أمسكها نادر بقوة فصرخت به: أبعد إيدك عني! حاولت أن تتجاوزه لتمسك بشيماء، أما هو فصرخ: بطلي جنان بقا! دفعها بقوة مما أدى لاصطدام ظهرها بالطاولة بقوة ووقعت على الأرض وهي تصرخ. نظر لها نادر وشيماء بصدمة، أما هي، فوضعت يدها على بطنها من شدة ألمها. وحين رأت دماً ينزف منها، زاد فزعها وصراخها أكثر: الحقوني!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!