عادت معه وهي مرغمة على ترك روحها وفلذة كبدها في الصحراء، تذرف دماء روحها عليه وهي تحاول تقبل فكرة أنها لن تراه بعد اليوم، وأنها نفت قطعة منها بيديها وبكامل إرادة عقلها، ولم تخضع لقلبها الذي جادلها بإستماتة حتى يثنيها عن قرارها هذا ويجعلها تقف في وجه الخوف معترضة. ولكن للأسف خوفها من فقدان دائم جعلها تتقبل فكرة الفقد المؤقت، وأن عزاءها الوحيد أنه حي يرزق، حي يتنفس، حي بقلب ينبض. نظر إليها محمود زوجها بشفقة واردف:
-مش كفاية عياط يا عايدة بقالك ساعات عيونك ما أخدوش هدنة، كفاية يا حبيبي عشان عنيكي، وبعدين إحنا مش اتفقنا واقتنعنا يبقى لازمتها إيه الدموع دي؟ -غصب عني يا محمود، دا ابني ابني. -وعشان ابنك وابني، وعشان غالي علينا لازم نتحمل فراقه.. إحنا مفارقينه عشان يعيش يا عايدة وميحصلش مروان أخوه ويموت في ظروف غامضة واحنا عارفين مين اللي موته ومنقدرش نتكلم. -وهو دا اللي مصبرني على كل اللي بيحصل ده.. بس الولد هيتبهدل أوي يا محمود..
تفوهت بها وعادت تنحب بصوت عالٍ قطع نياط قلبه، وعلى إثره كادت دموعه أن تهطل هو الآخر ولكنه كبحها، لأن هذا ليس الوقت المناسب لإظهار ضعفه. فالأيام قادمة وهناك متسع من الوقت للضعف والإشتياق والندم والحسرة. وجل عزاءه هو أيضاً أنه يجب أن يتحمل لأجل ابنه ووريثه الوحيد وفلذة كبده التي قرر المحافظة عليها مهما كلفه الأمر.
وصلا أخيراً إلى القصر وترجلا من السيارة، وكان الجميع في استقبالهم، يحي أخيه وزوجته وأولاده وأخته مديحة، والذين هبوا واقفين ما إن رأوهم عائدون بدون آدم. فهرول إليه أخيه يحيى متسائلاً في لهفة: -ابنك فين يا محمود، الولد مش معاكم ليه؟ فأجابه محمود وهو يشيح بوجهه بعيداً عنه: -آدم سافر يا يحيى ومش هيرجع تاني، سفرته عشان يتربى في بلد أجنبي ويتعلم هناك ويرجع راجل يعرف يحمي نفسه ويستلم ممتلكات أبوه.
نطق محمود بهذه الكلمات وعلى أثرها تراجع يحيي خطوتين للوراء وهو مذهول وقد تحولت ملامحه للغضب التام كمن ضربه برق فمزق أوصاله، وأردف بصوت متحشرج: -بتقول إيه يا محمود؟ بعت الولد فين؟ -سفرته دولة أجنبية يا يحيى، إيه مبقتش تسمع ولا إيه؟ وهنا تقدمت مديحة أختهم واردفت بعدم تصديق: -انت بتخرف بتقول إيه يا محمود، إزاي سفرت طفل لبلد تانية لوحده؟ وانتِ إزاي يا عايدة تطاوعيه وتخلي ابنك يبعد عن حضنك!
انتوا أكيد اتجننتوا لآخر، بقى انتوا أم وأب انتوا وعندكم مشاعر أمومة وأبوة؟ هتنامي إزاي وإنتي مش عارفة ابنك نايم ولا صاحي، جعان ولا شبعان، متغطي ولا بردان؟ هدر بها محمود بغضب جلي، فهو يعلم أنها الآن تحاول الضغط على مواضع الألم لدى زوجته لتشعرها بمرارة وقسوة تصرفها:
-مديحة اسكتي لو سمحتي، وبعدين إحنا عارفين إحنا بنعمل إيه، وأكيد إنتي مش هتكوني أحن من أم على ابنها، وأصلاً متتكلميش على مشاعر أمومة إنتي مجربتيهاش ولا هتجربيها طول عمرك، ولا عندك علم بيها. أنهى كلماته المتلاحقة وصمت يلتقط أنفاسه، فشُهقت شقيقته وتراجعت للخلف واضعة يدها على فمها وهي غير مصدقة بما تفوه به شقيقها. فهل تشمت بها تواً وعايرها بأنها عاقر لا تنجب الأولاد؟
ولم تكن لكلماته القاسية أثر على شقيقته فقط، بل كانت صاعقة للجميع، فمحمود للمرة الأولى يكون بهذه القسوة! أمسكت عايدة ذراعه وهزته علها تعيده لصوابه ويدرك مدى خطأه، فأبعد يدها عن ذراعه ونقل عيونه بين الجميع مؤكداً لما قال، فهو من اليوم لن يسكت لمن يتسبب بالألم لزوجته منهم، فيكفي ما عانته من ألم بسببهم وما عاناه هو أيضاً.
تقدمت نحوه زوجة أخيه فريال بعد أن صمت الجميع واردفت بهدوئها المعتاد ورخامة صوتها الذي يخفي ورائه سعيراً من شر وحقد هو يعلمه جيداً:
-اهدا يا محمود مش كده، دول عمة الولد وعمه بيسألو عليه عشان يطمنوا، إحنا فاهمين إن فراق ابنك مأثر على أعصابك، بس مينفعش تفقد أعصابك على أقرب الناس ليك، ومديحة كل اللي تقصده بكلامها إنها خايفة على الولد من الغربة والمرمطة في بلد غريب ملوش فيه حد، وإنه يتيم من أهله وهما على وش الدنيا، وكل دا عشان إيه ومفيش أي أسباب تستدعي ده؟
نظر إليها محمود وخُيل إليه أنه ينظر لرأس الأفعى وكل من حولها هم البدن والذيل الذين يتحركون أينما يوجههم هذا الرأس السام، فأردف وهو يحاول أن يستدعي هدوئه المفقود:
-عارف إنهم بيسألوا بس طريقة السؤال مستفزة، وكمان مش من حق حد يعقب على تصرفاتي أو تصرفات مراتي، وخصوصاً في حاجة تخص ابننا، إحنا الأدرى بمصلحته وعارفين بنعمل إيه كويس، ولا كنتوا عايزنا نسيبه هنا لغاية ما يموت مسموم بسم تعبان زي أخوه وتتقيد الحادثة ضد مجهول واحنا عارفين ومتاكدين إنها بفعل فاعل، ويتفرق دمه على الكل وميبقاش حيلتنا غير الحسرة على ضنانا وشوية شك نشكهم في كل واحد شوية من غير دليل؟ يحي:
-لسه الأفكار الشيطانية اللي زرعتها مراتك في دماغك ناحية إخواتك حية مماتتش بعد كل السنين دي يا محمود؟ لسه بتشك فينا وإننا إحنا اللي ورا موت ابنك؟ طيب مسألتش نفسك إحنا ليه هنعمل كده في حين إننا لو بالقسوة والشر دا وبيهون علينا دمنا كنا خلصنا منك إنت واستولينا على كل حاجة ولا ابنك ولا مراتك كانوا هيقدروا يقفوا في وشنا، ويمكن كنا اتخلصنا منهم بعد كده عادي جداً. محمود:
-يمكن عشان الوصية.. ومتقولش وصية إيه وتعمل نفسك مش عارف، لأني متأكد إنكم كلكم عارفين بأمر الوصية، وهي إن أموالي من بعد موتي لابني ومراتي ومن بعدهم للجمعيات الخيرية.. يمكن عشان كده منفذتش اللي بتقول عليه ده. يحي بغضب: -ظالم وهتفضل طول عمرك ظالم. محمود: -لا أبداً أنا لا ظالم ولا بحب الظلم، أنا لا باجي على حد ولا ببص للي في إيد حد ولا بتدخل في شئون حد، فلما أجي أتحكم في اللي ملكي المفروض محدش له إنه يتدخل. فريال:
-لاحظ إنك كده بتتكلم بأسلوب ذل يا محمود وبترمي كلام على إننا محتاجين لك وقاعدين في خيرك وإننا عشان كده لازم نحط جزم في بوقنا ونسكت ومنتدخلش في أي حاجة حتى بدافع المحبة وصلة القرابة. محمود:
-أيوه هو دا بالظبط اللي بقصده.. ودلوقتي باب القصر مفتوح واللي حابب يفضل يفضل بأدبه واحترامه وسكوته، واللي مش حابب يتفضل من غير مطرود.. وأكيد كلكم فاكرين منسيتوش إن القصر دا في الأساس بتاع عايدة مراتي وإحنا كلنا ضيوف عندها، فياريت نتعامل ونتصرف تصرفات الضيف ونعرف آداب الاستضافة، زي ما صاحبة البيت بقالها سنين فاتحالنا بيتها وبتكرمنا إكرام الضيف وزيادة، وهي مش ملزمة، بس دا عشان هي بنت أصول ومتربية كويس.
أنهى حديثه وأمسك بذراع زوجته ودلف بها إلى القصر، وترك الثلاثة وراءه صامتين، وبرغم هدوئهم الظاهري، إلا أنه يعرف حق المعرفة أن قلوبهم تتخبط قهراً وغيظاً الآن بين أضلعهم كمن أصابهم مس، ويرى أن هذا أقل ما يستحقون، بل ويدعو الله في قلبه أن يزيدهم قهراً، فهم كالشوكة في حلقه لا يستطيع ابتلاعهم أو إخراجهم، ولأجل أن يكونوا دوماً نصب عينيه ويراقبهم جيداً يسمح لهم الآن المكوث في بيته والأكل من خيره، برغم أنهم هم من أزهقوا روح ابنه البكري وأسكنوا الحسرة في قلبه.
وصلا إلى غرفتهم وأخيراً ارتمت عايدة على تختها مستجدية لبعض الراحة بعد يوم مضني من التعب النفسي والبدني، وأغمضت عيناها وهي ترى طيف ابنها يتجسد لها وهو يصرخ عليها منادياً مستعطفاً إياها من بعيد فارداً لها ذراعيه لكي تعود وتأخذه معها. وتتسائل ترى ماذا يقول عنها وعن أبيه الآن، بأي كم من الخذلان يشعر، وكيف لقلبه الصغير أن يتحمل تلك المشاعر التي لا تتحملها القلوب البالغة من الكبر أشدها؟
استسلمت أخيراً للنوم هرباً من كل هذه التساؤلات، وهرباً من هذا الشعور المقيت الذي يعتصر روحها، غفت وهي تستمع لصوت عقلها الذي بدأ يهتف لها مصبراً: -هذا هو الصواب وهذا ما سيبقيه على قيد الحياة، وأي شعور آخر غير شعور الفقد بالموت هو أهون وأخف. اعتدى على هذا ويكفيكي بأن أنفاسه في الحياة وما زال قلبه ينبض.
اجتمع يحي وزوجته فريال وأخته مديحة في غرفة مديحة ومقر اجتماعاتهم الدائم، نظراً لبعدها عن الحديقة ولا تعطي أي مجال للتنصت من أحد المتطفلين وسماع ما يدور بداخلها، فهي تشبه في سريتها غرفة عمليات حروب. يحي: -إزاي يخفي الولد عنا فجأة كده ووداه فين، وليه اختار الوقت ده بالذات! أنا بقالي سنة بخطط وتقريباً جهزت كل حاجة وكان كلها شهر وهتحصل الصدفة اللي محدش كان هيشك فيها أبداً. فريال:
-أخوك فتح وفهم اللعبة المرة دي وسبق بخطوة، وخطوته دمرت لينا كل حاجة بنخططلها وكل ترتيباتنا باظت. مديحة: -طيب والحل إيه دلوقتي؟ يحيى: -مفيش حلول غير إن اللي رسينا عليه يتنفذ، الولد أنا هعرف مكانه بأي طريقة، هحط محمود وعايدة مراته تحت المراقبة 24 ساعة في اليوم، كل حاجة هتكون تحت عيني تحركاتهم كلامهم تليفوناتهم مراسلاتهم وحتى زوارهم.. دي قضية حياتي ومستقبل أولادي وأنا لا يمكن هضحي بيه وأتخلى عن أحلامي بسهولة كده. مديحة:
-هو بس لو يدينا جزء من كوم الفلوس اللي على قلبه ده كل واحد فينا يفتح له مشروع إحنا هنبعد عنه لوحدنا، ونسيب له ابنه ونخرج من حياته، إنما طول ما هو راكب دماغه وبيقول ملكوش حاجة عندي وناسب فضل كل الفلوس اللي عنده دي لمراته إحنا مش هنسيبه فحاله.. هو مين اللي علمه وصرف عليه لحد ما وصل للمنصب اللي عن طريقه عرف عايدة واتجوزها؟
مش أبونا. والفلوس اللي صرفها عليه دي مش كانت من حقنا كلنا وهو خصص بها وكان يحرمنا من حاجات كتير في سبيل إنه يعلمه ويصرف عليه، وكان يقول محمود أملنا كلنا.. يبقى إحنا شركا في كل قرش يعمله محمود طول عمره، لأننا دافعين تمنه مقدماً. فريال: -فعلاً يا مديحة وهو ده اللي دايماً بقوله لأخوكي، كل قرش مع محمود إنتوا ليكم حق فيه.
وقف يحيى وأخذ يتمشى في الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يفكر ياترى من أين يبدأ بالبحث، وهل ياترى لأي بلد أرسل أخاه محمود ابنه، ومع من، وكيف ومتى وبأي وسيلة سفر؟! أما في البادية، وسط الرمال الشاسعة والأجواء القاسية التي لا يتحملها سوى البدو الرحالة سكان البوادي قاطني الخيام. عاد الشيخ منصور بعد أن ودع مرسال آتٍ يزف إليه خبراً وانصرف. وقف أمام خيمة قصير ونادى بأعلى طبقات صوته: -قصير.. يا قصير تعال هون. خرج قُصير مسرعاً:
-ها يا شيخ أومرني. منصور: -خد الرجال وروح حدر الشيخ محجوب المونة وصلت وبده حدا يروح يستلمها. قُصير: -يا فرج الله، حالاً يا شيخ اعتبرها جاية بالطريق. تحرك قصير وترك الشيخ منصور يتلفت حوله باحثاً عن الصغير الذي رآه جالس أسفل شجرة نخيل، مستند عليها ككهل نال منه التعب وأضنته سنوات عمره الكثيرة، فتنهد وهو يهمس في قرارة نفسه: -والله الفراق صعيب يا غلام، لكن بحالتك لابد منه،، الله يصبر قلبك الصغير يا وليدي.
أما آدم فقد كان سابحاً في أفكاره وهو يتطلع على كل شيء حوله بغرابة. فهو انتقل بين ليلة وضحاها من عالم لعالم آخر مختلف كلياً يشبه ذاك الذي كان يقرأ عنه في كتب الأساطير وحكايات أليس في بلاد العجائب.
وبعد مرور ثلاثة أيام قضاهم آدم في انتظار دائم. آثار أقدامه باتت في كل مكان حول الخيام وهو يتفقد جميع الاتجاهات ولا يعلم أبواه سيأتون من أي اتجاه، والليل يمضيه وهو جالس لا يخالطه النوم جفونه، متأهب لصوت سيارة أبيه، الذي حتماً سيأتي لأخذه ولكن بالتأكيد حدث شيء قوي منعه من ذلك، فبدأ شعور الغضب منهم لأنهم تركوه يتحول لشعور بالخوف عليهم من مصير مجهول منعهم عنه. صاح قُصير بعد أن رأى الصغير يكاد يموت جوعاً:
-معزوزة حضري الطعام للعويل. (معزوزة جهزي الأكل للصغار) أتت معزوزة بالطعام الذي كانت تغرفه بالفعل، ووضعته أمام الأطفال وذهبت. ودعا قُصير الصغار لتناول الطعام، فتكالب الأطفال على الطعام ما عدا آدم الذي لم يقترب من الطعام، ورفض أن يتناول أي شيء مهما حاول معه قصير وسائر الأولاد. فهو يشعر بغصة في حلقه ومرارة تجعل طعم أي شيء مر لا يطاق.
بدأ جسده في النحول ووجهه ظهرت عليه علامات الشحوب، واختفى اللون الأحمر من وجنتيه وشفتاه أصابهما التشقق من قلة شرب الماء، فهو أضرب عن كل شيء وكأنه يخبر الجميع بأنه بدون أبويه لا يريد العيش. جلس قُصير بجانب الشيخ منصور واردف وهو يتطلع إلى الفتى بشفقة على حاله: -الوليد له ثلاث أيام ما ذاق الزاد في فمه وخايف عليه يا شيخ. الشيخ منصور: -اتركه بالجوع ما عليك به، تو يتكالبن عليه مصارينه وياكل ولو يلقاك وكل ياكلك.
-بس القسوة تولد العداوة يا شيخ. العويل ما زال صغير ولا كانت هاذي عوايده. (بس ليه القسوة يا شيخ دا طفل صغير ومش متعود على كده) منصور: -بوه جابه لنا عشان يترجل وهاد ما يتم غير بعد نقسى عليه ونشقيه في دروبنا وكهوفنا ويتعلم كيف يعيش وحش وسط وحوش البشر اللي شرهم فاق سباع الصحاري. (ابوه جابه هنا عشان نقسى عليه ونعلمه يعيش في أحلك الظروف ويتعلم قوانين البقاء وسط البشر اللي شرهم فاق شر وحوش الصحاري)
مر اليوم وأشرقت شمس اليوم الرابع. فخرج الصغار جميعهم يسعون كل على مهمته، فمنهم من أخذ الغنم يرعاها، ومنهم من ذهب يملأ ويحضر الماء من البئر، ومنهم من ذهب ليحلب الماعز. أما النساء فبدأن في تجهيز طعام الإفطار. وبعد ساعة أو أقل اجتمع الصغار جميعاً، وقامت النساء بوضع الطعام لهم، فكان آدم اليوم أول الجالسين وبدأ في تناول الطعام بنهم واستعجال!
وكأنه يأكل في آخر زاده، فنظر إليه الشيخ منصور واردف لقصير الذي كان يراقب هو الآخر مبتسماً: -جاك الكلام، أهو قرصة الجوع وياكل رغم أنفه. قُصير: -أي والله يا شيخ صدقت. نظر منصور إلى قُصير واردف بجدية وقد اختفت ابتسامته: -تتركه يومين يسترد فيهم عافيته وبعدها خده وعلمه كيف يقنص، واحويه بملكة الأفاعي، وبالعقرب الأسود، وبعد تحويه من الأفاعي والعقارب ذوقه من سمومهم بالتدريج أريد ما يحوق فيه ولا سم سوا كثر ولا قل. قُصير:
-علم يا شيخ. نظر الاثنان نحو سيارة سوداء آتية من بعيد، فتقدم نحوها الشيخ منصور فهو يعلم من صاحبها ومن الذي أرسله، فذهبا لاستقباله الاثنين معاً، وبعد السلام والترحيب، وعلم الشيخ منصور أن هناك من سيحل عليه ضيف اليوم نظر لقصير واردف: -يا قصير اذبح ناقة صغيرة وبلغ الصبايا يطيبوها. اليوم الشيخ مهيوب وجماعته نازلين ضيوف علينا. وانصب خيمة للضيوف ووتي القعدة ونبه على الشباب ما يبعدوا في السهرة، حتى يخدموا على الضيوف. قصير:
-أمرك يا شيخ. وذهب في اتجاه النساء ملبياً لأمر الشيخ: قصير: ياصبايا وتو (جهزوا) أرواحكم اليوم عندنا عزومة كبيرة والشيخ يخبركم. بيضوا وجهه قدام الضيوف. التفت لزوجته وشاف وجهها متوجع سألها إيش فيك؟ لتكوني هتديريها اليوم وتولدي! أجابته: ماندري لكني متوجعة شوي طمن بالك إنت وأنا وقت ما ربي يريد بالفرج هنخش الخيمة وبعد ربي يرزقني بالعطية نطلع نكمل حوستي مع الصبايا. قصير:
-الله يعينك ويقويكي وتجيبي لي الوليد الرابع بإذن الله. مكاسب: -الله كريم وهو الوهاب وشو ما يعطي نحمدوه عليه. غادر قُصير وهو غير راضٍ على ما تفوهت به زوجته مكاسب، فهو يكره إنجاب الفتيات حاله كحال كل رجال البادية ويريد جيشاً من الرجال يستند عليه في كبره. أخذ بعض الشباب وذهب لذبح الناقة وتجهيزها للطبخ، وفي هذه الأثناء كان الشيخ منصور يجلس مع المرسال يتبادلا الأحاديث وهم في انتظار قدوم الشيخ مهيوب.
وتبسم منصور وهو ينظر إلى آدم الذي بدأ يندمج مع الأولاد، وأخذ يراقبه وهو يذهب معهم للبئر ليغترف الماء وينقله مثلهم إلى النساء ليقوموا بأعمال الطبخ والتنظيف، واردف لقصير الذي كان يراقبه هو الآخر معه:
-وها قد بدأ العصفور ينفض ريشه ويستعد للتحليق في سماء البوادي ويعرف كيف يعيش فيها. بتوقع ماراح ياخد وقت طويل حتى يصير واحد من أهل البوادي. الجاي مهمتك إنت يا قُصير.. بدي الولد يتعلم القنص والصيد أول شيء متل ما خبرتك. تاخده لمكان بعيد وما تاخد معك من الزاد شيء، بس المي وتعلمه أول درس من دروس البقاء إن اللي بدو يعيش لازم يحارب لأجل حياته، وأول حرب راح تكون حرب مع الجوع. والليلة بدك تحويه. قصير: -تأمر يا شيخ.
انتظر قصير إلى أن حل الليل ونام الجميع، فدلف إلى الخيمة التي ينام فيها آدم مع باقي أطفال البادية من الذكور، وأخذ يتفحص النائمين واحداً واحداً حتى عثر عليه من بينهم، فاقترب منه رويداً رويداً وفتح جعبته الصغيرة ومد يده بداخلها وأخرج منها ثعبان أسود متوسط الحجم، أمسكه بطريقة معينة غير آبه للدغات الثعبان المتتالية في يده، وقربه من آدم، وضغط على عنق الثعبان ليؤلمه حتى إذا لدغ يُخرج كل ما تبقى في جسده من سم، وبمجرد أن قربه
من وجه الصبي حتى أخرج الثعبان لسانه الدافئ الذي لامس خد الصبي ففتح عينيه على الفور من هذا الشعور اللزج الذي اقشعر له بدنه، وما إن رأى الثعبان أمامه حتى صرخ صرخة مدوية أيقظت جميع من بالخيمة، ولكن قصير لم يأبه لأحد، فهذه فرصة بالنسبة له صعب تكرارها، فقرب الثعبان من أذن الصبي وجعله يغرز أنيابه فيها ويبث من سمه ما جعل الصبي يفقد وعيه في الحال.
استيقظ رابح كحال الجميع على صرخة آدم واعتدل بجسده ينظر ليرى ماذا هناك، وما أن رأى الثعبان في يد عمه قُصير وعرف نوعه حتى صرخ بفزع كمن لدغه هو الثعبان وقال: -عم قصييير هاد صل أسود خبيث وايش سويت إنت؟ قصير لم يلتفت له ولم يهتم لما يقوله وكان مشغول بإعادة الثعبان للجعبة، فخرج رابح مهرولاً إلى خيمة الشيخ منصور ودخلها دون استئذان في سابقة لم تحدث من قبل، وتحدث بصوت أفزع الشيخ منصور:
-الحق يا شيخ العم رابح لدغ الضيف آدم بثعبان صل أسود. اعتدل منصور وقد كادت عيناه يخرجا من محجريهما فزعاً واردف وهو يلبس خفه ليتحرك مغادراً الخيمة في عجلة: -الله لا يوفقك يا قصير.. صل أس؟ لعنة الله عليك يا شيخ قلت لك ملكة الأفاعي ما قلت لك صل أسود. وما أن وصل إلى خيمة الصغار ودلف داخلها حتى رأى ما كان يتوقعه، فها هي الفقاعات تخرج من فم الصبي وجسده يرتجف ويصارع الموت، فنظر إلى قُصير واردف:
-ويش سويت يا عديم العقل ويش سويت، ضيعت أمانة الشيخ منصور؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!