الفصل 2 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الثاني 2 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
40
كلمة
4,903
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

نظر الشيخ منصور إلى قُصير بسخط، وقبل أن يتوالى عليه بالشتائم والمسبات، أردف قُصير مدافعاً عن نفسه: هدي ياشيخ. قُصير ما أول مرة أحوي. منصور: بس ما بديت أحوي بالصل الأسود أبداً ياقُصير، وأنا وانت نعرف مليح إن الصل الأسود قتال. شوف الوليد كيف حنكه يفور منه السم وجسمه يرجف رجف؟ ولولا فاهم علك، كان قلت إنك قاصد تنهي هالوليد.

قُصير: اطمئن ياشيخ، ولا وردت حدا للموت. اللي فهمته منك تريد هالولد حاجة غير، وتريد يصير عليه اللي ما صار على والي قبله. أنا قلتلك سيبه لي وكون هاني ياشيخنا. حالته هاي لأجل أول مرة جسمه يتعرض لنوع سم ولازم يتعب. هون عليك، أنا قننت نصاب السم قبل ما أخليه يلدغه. روّق انت واتركه لي، وأنا حماله لو صار له شي. منصور: لو صار شي للوليد، الله في سماه ياقُصير نصلبك على نخلة ونطعميك للغربان. قُصير: لا تخاف، قلتلك عندي.

أنهى منصور حديثه ونظر إلى الصبي بتمعن، ولم يستطع من هيئته وحالته أن يُطمئن قلبه. فخرج من الخيمة وأخذ يزرع رمال الصحراء ذهاباً وإياباً، وهو يحدث نفسه ويتساءل: تُرى ماذا سيفعل إن حدث للصبي مكروهاً؟ وماذا سيخبر أباه الذي ائتمنه عليه؟ وبأي وجه سيواجهه بأن ضيع أمانته، وهو الذي لم يؤتمن يوماً إلا وصان الأمانات وأوفى بالعهود؟

ساعات مرت، كان يدلف إلى الخيمة بين الفينة والأخرى، ينظر للصبي ويجس نبضه ويتلمس جبهته ليقيس حرارة جسده. فيخرج مهرولاً وقد أكل القلق والخوف قلبه أكثر من ذي قبل، ولم يتوقف عن سب قُصير بأبشع المسبات. إلى أن حل المساء وبدأ الظلام في اكتساح الصحراء ليغطي على لونها الأصفر بعتمته. لم يجلس فيهم منصور إلا لدقائق ليستريح، ثم ينهض كمن لدغته عقرب ويذهب للصبي ينظر إليه من بعيد ويفِر هارباً.

أما قُصير، فلم يفارقه رفة عين. جلس تحت أقدامه النهار بأكمله، ينقط له في فمه ترياق ويرغمه على ابتلاعه، ومن ثم يأخذ خرقة من خيش منقوعة بالماء ويضعها على قدميه، وأخرى على جبهته. وطوال هذه المدة لم يتذوق أحد من رجال البادية كسرة من خبز، وهم يرون حالة شيخهم. وعم القلق والخوف على كامل البادية، حتى إن الأطفال أخذوا نفس الموقف. وجلس الجميع خارج خيمة آدم، ينصتون لأي صوت منه يدل على أنه عاد من صراعه مع الموت للحياة مرة أخرى، أو حتى يتفوه قُصير بخبر عن أنه بدأ في التحسن.

أما قُصير، فبدأ هسيس من الخوف يتسرب إلى قلبه. فقد استغرق الصبي وقتًا أكثر من اللازم. وبدأ يتساءل: هل بالفعل أخطأ حين بدأ معه بنوع السم هذا؟ أم هل زادت منه الجرعة حتى بعد أن تلقى أغلبها في جسده أولاً؟ وماذا سيفعل إن كان هذا خطأه الأول والأكبر والأعظم الذي سيمحي كل أفعاله الصالحة مع عمه وشيخ قبيلته ويحل هو مكانها؟

ضم يديه وأسند جبهته عليهما، وأخذ يدعو الله ألا يحدث هذا، وأن ينعم عليه الله بتوفيق آخر كما يحدث طوال الوقت، وألا تكن هذه نكبته الأولى. فانفرجت ملامحه وتهللت أساريره على الفور، وهو يرفع رأسه على أنة من الغلام ردت إليه الروح من قبله. وأردف ضاحكاً: الحمد لله يارب. جمدت الدم في عروقي ياولد. والله نظير الخوف هذا لأعلمك شغلك. ثم نهض مسرعاً وأزاح ستار الخيمة لينظر إلى الشيخ منصور ويردف بذهول الانتصار:

قلت لك ما تخاف ياشيخ، الوليد بخير وتوه تحدى. أسرع منصور إلى الخيمة مهرولاً وهو يحمد الله، وجلس بجانب الصبي الذي كان يتلفت حوله بعيون يكسوها اللون الأحمر. وأردف بتعب: بابا.. أنا عايز بابا وودوني لماما.. هما مش بيجوا ياخدوني من هنا ليه، وليه الراجل دا خلى التعبان قرصني، ليه عايز يموتني؟ نظر إليه منصور وتلمس وجنته في حنو وأردف:

ما تخاف ياولد، ما في حدا بده يموتك ولا شي. هذا عمك قُصير، وهو أكثر حدا هون راح يخاف عليك ويهمه إنك تكون بخير من بعدي. أغمض آدم عينيه وعاود للأنين والتألم، وأخذ يهذي باسم أبيه وأمه حتى غلبه التعب وأسبل عينيه مستسلماً للنعاس. منصور: اشربوا دهن وايد ياقُصير، ولا تغفل عنه. لسه الوليد ما زال عنده الخطر. قُصير: لا تخاف ياشيخ، بس بالله عليك قول لمرتي تجيب لي أي شي آكله. مصاريني تتعارك من الجوع وراح تاكل بعضها.

منصور: ومين سمعك ياقُصير. والله البادية كلها اليوم أصابها الجوع والرعب، وما حد ذاق الزاد.. يلا بنبه لك ع الأكل وأشيع لك إياه مع معزوزة بنتك أو مع رابح. خرج الشيخ منصور من الخيمة وطمأن الجميع، فانتفض الجمع فرحاً بنجاة الصبي. ودخل الأولاد إلى الخيمة يطمئنون عليه. ونظر رابح إلى قُصير وأردف معاتباً:

خاطرت بعملتك كتير ياعمي، بس الله نجاك منها ونجى الوليد. ما تعيدها مرة ثانية. ماسمعنا عن حدا اتحوى بالصل الأسود بأول مرة ليه. طول عمرنا نعرف إن الصل آخر شي ينلدغ منه المحوى، وهو سم الختام. ليش انت بدأت بيه؟ ويش هدفك؟

قُصير: شوف يارابح يا طويل اللسان، أنا ما حد يستجرئ يحاسبني على أفعالي ويسألني ليش وماليش. بس راح جاوبك لأني بعرفك ماراح تسكت إلا تفهم. الوليد بحياته الجاية راح يتعرض لأقوى أنواع السم. أخوه مات بنوع سم الأطباء ما عرفوه. وعشان هالشي لازم بدايته مع السم تكون غير وقوية. لازم يبدأ بالخطر والصعيب وينتهي باللي ما في بني آدم يتحمله. هز رابح رأسه لعمه قُصير بتفهم، ثم أردف وهو ينظر لآدم بتفحص:

لكنها مخاطرة كبيرة وجائز كان مات فيها الوليد، فلا تعيدها. وهو ليش الناس تسمم وليد صغير لا حول له ولا قوة وما بيعرف يأذي نملة؟ ومين اللي بدهم يأذوه وأذوا أخوه قبل منه؟ قُصير: أقرب الناس له يا وليدي.. هو دايماً الأذى ما يجي غير من القرايب. يلا روح جيب لي أكل، الجوع موتني. بس تأكد إن الأكل انحط للشيخ منصور بالأول، وما تجيب لي أي شي إلا يبدأ هو بالأكل. رابح: تأمر ياعمي. أنعم وأكرم.

خرج رابح وقطع نصف المسافة، وإذ بمعزوزة ابنة عمه قُصير الكبيرة لاحت من بعيد وميزها رغم الظلام، وهي تحمل الطعام لأبيها. فأسرع رابح والتقطه منها، وأخذ هو على عاتقه مهمة توصيله لعمه، بعد أن تأكد منها أن الطعام وصل للشيخ منصور أولاً. وطلب منها العودة لمساعدة باقي الفتيات والنساء في تجهيز طعام العشاء لباقي أهل البادية، وامتثلت معزوزة لأمره.

أوصل رابح الطعام لخيمة عمه ووضعه له، وخرج بعدها ينتظر مع الصبية الطعام الذي سيسد جوعهم بعد يومهم العصيب هذا. والذي علم الجميع من بعده أن هذا الصبي ذات شأن عظيم لدى الشيخ منصور، وأنه خط أحمر، من لا يريد عداوة الشيخ منصور لا يتجاوزه.

أكل الشيخ منصور وأتم طعامه، ورفع ناظريه وهو يسمع صوت سيارات قريب، واستقام في جلسته وهو يرى قافلة من ثلاث سيارات مصفحة آتية من بعيد تحت ستار الليل، فأمر كل من معه بأن يخلوا المجلس، ولم يبق إلا هو. وهذا ما يحدث عادة حين تأتي هذه السيارات الثلاث مجهولة الهوية ومجهولة أسباب القدوم لكل أهل البادية، إلا للشيخ منصور وقُصير، فليست كل الأمور متاحة معرفتها للجميع.

خرج قُصير أيضاً مسرعاً بمجرد أن أرسل له الشيخ منصور خبراً بأن القافلة السوداء قد حضرت. وجلس الاثنان في اجتماع مغلق في الخلاء، هم وستة من رجال ملثمين يجرون المباحثات السرية. أما آدم، ففتح عينيه أخيرًا على صوت كركبة بجانبه، فوجد صبيًا ممن يتشاركون معه المبيت في الخيمة يبحث في زاوية الخيمة عن شيء ما. وحين التفت ورأى آدم ينظر إليه، تبسم له واقترب منه وأردف له: الحمد لله على سلامتك. كيف حالك توا؟

نظر إليه آدم طويلاً دون أن يجيب، ففهم الصبي أنه لا يفهم حديثه، فحاول تغيير الجملة: كيفك الحين بخير؟ أومأ له آدم برأسه ولم يتحدث، فاكمل الصبي تساؤلاته: انت ليش أهلك سابوك هنا ومشوا، وانت الباين فيك ولد عز وترف؟ فهم آدم هذه المرة، ولكنه أيضاً لم يجب، فهذا السؤال هو نفسه لا يملك الإجابة عليه. واكتفى بالتنهيد، فجلس الصبي بجواره وقال له: أنا اسمي سالم ولد زيد، وقُصير بيكون عمي. فينا نصير رفقة؟ قالها ومد يده إليه مصافحًا.

فتردد آدم لثوانٍ، وبعدها رفع يده بوهن يصافح سالم، فهو تعلم أن من غير اللائق أن تمتد يد لنا بالسلام ولا نصافح. تبسم سالم حين صافحه آدم وأردف: من اليوم راح تصير رفيقي المقرب وراح أعلمك كل شي بعرفه. مر يومان تحسن فيهما آدم كثيراً عن ذي قبل، واستطاع الخروج من الخيمة والمشي مع الأولاد، حتى وصلوا لبئر الماء. وهناك آدم أخذ يتلفت حوله وهو يتساءل: إلى متى سيمكث في هذا المكان المقفر؟

متى سيتمكن من العودة إلى بيته وفراشه الوثير، إلى ألعابه ومدرسته وأصدقائه؟ متى سيعود إلى حياته الطبيعية وإلى حضن أمه الذي اشتاق إليه حد الجنون؟ متى سيعود ليغفو على صوت أبيه الحنون وهو يقص له قصة عن الصحابة وعن الأنبياء؟ قطع تفكيره هذا صوت الشيخ منصور وهو يحدثه: بيش صفنان يا وليدي؟ بيش تفكر؟ نظر إليه آدم وسأله بلهفة ممزوجة ببعض اليأس: ماما وبابا هيجوا ياخدوني إمتى؟ أجابه منصور وهو يجلس بجانبه:

بوك وأمك راحلين ورحلتهم طويلة. آدم: يعني إيه راحلين؟ منصور: يعني مسافرين وسفرتهم بتطول، وهملك هنا لحين يعاودوا. وبوك طلب مني أدير بالي عليك وأعلمك كل شي عن حياة البادية. آدم: لأ، أنا مش عايز أتعلم حاجة ومش عايز أفضل في الصحراء هنا. رجعني بيتنا، هستنى هناك مع عمي وعمتي لغاية ما بابا وماما يرجعوا من السفر. تبسم الشيخ منصور وأردف ساخرًا: أي ويبقى عطينا العطية للحرامي يحرسها. هو بالأساس كل البلا من العم والعمة.

لم يفهم آدم ما يرمي إليه الشيخ منصور، فهو رغم كل شيء طفل لم يكتمل نضج عقله. فأكمل سلسلة تساؤلاته: وبعدين هما إزاي يسافروا ويسيبوني؟ دول عمرهم ما عملوها قبل كده، عمرهم ما سابوني. فرد عليه منصور: لكل شيء مرة أولى. ثم أخذت ملامحه الجدية وهو ينظر لآدم ويخبره بنبرة تنم عن قرار لا رجعة فيه:

اسمعني ياولد زين.. من اليوم لحين يعود أبوك ياخدك، ما بدي تعصالي أمر ولا أطلب منك شي إلا وتلبيه. والكلمة "نعم وتوا" ما تفارق لسانك. بدي منك الطاعة عشان ما تشوف مني قساوة. ومن بعدي عمك قُصير، ايش ما يقول لك تطيع وما تخالف له أمر. آدم: أنا مش هسمع كلام حد. أنا عايز أرجع بيتنا، أنا مش حابب أعيش هنا.

الشيخ منصور: ما أنا توي أقول لك ماهو بقولك، ولا باللي تعوزه. الكلمة هيني كلمتي أنا ومن بعدي قُصير. وانت حالك حال باقي الوليدات، تسمع وتطيع. والحين قوم امسك دلّوك متلهم وعبي مي ودي حدر الحريمات، خليهم يعملوا لك الأكل اللي تأكله. هون ما في حد ما يشتغل بيده ويتعب عالخبزة اللي يأكلها، وانت من هالحين لازم تتعب لتأكل. ودير بالك، اللي يخالف للشيخ منصور أمر بيشوف اللي ما يسره، إن كان غلام ولا رجال شنبه يحط عليه الصقر. واسأل الوليدات لو ما بتصدق.

استمع آدم لتعليمات الشيخ منصور الأخيرة بفم مطبق، فهو لمس الجدية الكاملة في تهديداته، وهو هنا وحيد، لن يجد من يحتمي فيه من بطشه إن قرر البطش به. أنهى منصور حديثه مع الغلام ووقف مغادرًا المكان بعد أن تأكد بأن حديثه معه قد أسفر عن النتيجة التي يرجوها، وأوصل له رسالته التي يقصدها، وتركه يتقبل فكرة أنه بات محاصرًا هنا وسط الصحراء، إما الطاعة العمياء أو مصير لن يتحمله.

بعد أن غادر منصور، اقترب سالم من آدم وسأله عما دار بينه وبين الشيخ، فقص عليه آدم كل الحديث، عله يجد عنده مخرجًا لمأزقه. فما كان من سالم إلا أن بث الرعب في نفسه أكثر، وحذره من قساوة الشيخ منصور وبطشه، وخاصة مع الأولاد الصغار. فهم لا يعرفون شيئًا اسمه دلال أو رفاهية، وجل ما يحصلون عليه من كلمات الثناء هي: "أحسنت وليدي"، وهذه الجملة تعادل ألف جملة دلال بعد اجتيازهم لأعتى الاختبارات.

استسلم آدم وسلم أمره لله، فما عاد يمتلك إلا الصبر والانتظار إلى أن يعود إليه أبواه، ووقتها سيقتص منهما على كل ما عاناه وما سيعانيه بسبب تخليهم عنه وتركهم له في هذا العالم الموحش.

في اليوم التالي، استيقظ آدم في الصباح الباكر مع اختلاط الخيط الأبيض والأسود في كبد السماء، على صوت راجح الذي أصر اليوم أن ينضم إليهم في سعيهم الصباحي وأن يغتنم ساعات الصبح المباركة، فاستجاب آدم وخرج مع بقية الأطفال للخلاء، فوجد قُصير في انتظاره، وكأنه يعلم أنه اليوم سينضم للأولاد، أو أن هذا القرار كان قراره هو. فأشار إليه بيده ليقترب، فلبى آدم واقترب منه، فأعطاه إناءً صغيرًا وأشار له على إحدى العنزات وأردف له آمرًا:

اجلس واحلب العنز هادي وجيب فطورك. آدم: بس أنا مش بعرف أحلب. قُصير: تعلم. ما في شي اسمه ما تعرف، فرض عليك تعرف كل شيء. سالم: تعال ياآدم وشوفني ويش أسوي وسوي متلي.

وبدأ سالم يعلم آدم الحلب، وأمسك بيده وأخذ يعلمه كيف يحبس اللبن في ضرع المعزة، ثم يضغط عليه بحرفية ليخرجه منها. وبعد عدة محاولات، نجح آدم في إنزال بعض الحليب، فتبسم فرحًا، ثم نظر إلى قُصير منتظرًا عبارة ثناء، ولكن وجد ملامح قُصير جامدة ولم يتأثر، وكأن ما فعله شيء عادي لا يدعو للفخر. ثم عاد يكمل ما بدأه غير مهتم بأي ثناء من أحد، فهذا شيء عادي بالنسبة لهم هم، أما هو فيعتبر ما يفعله أكبر إنجاز قام به يومًا، ويكفيه فخره بنفسه.

أنهوا حلب الماعز وانتقلوا بالحليب إلى النساء ليعدوا لهم طعام الإفطار. ثم أمر قُصير بعضًا من الصبية للذهاب إلى البئر لنقل الماء، ومن ضمنهم آدم الذي ذهب معهم وهو يشعر ببعض الإعياء، فما زال أثر سم الثعبان في جسده.

التف الصبية حول البئر، وأمسك كل منهم دلواً وأخذ يغترف الماء من البئر ويملأ دلوه ويأخذه ويغادر. وحين أتى الدور على آدم، تقدم وحاول سحب الماء من البئر، وبعد محاولة مضنية نجح في إخراج الماء وقام بسكبه في دلوه. وهم يحمله، فأردف له قصير: هم بالدلو زين، وريني قد إيش حيلك يا ولد الحضر.

هم آدم برفع الدلو فلم يستطع، رغم أن الدلو لم يكن يحوي إلا القليل من الماء، فضحك الصبية عليه وهو ينزل الدلو سريعًا ولا يقوى على رفعه. فحدجهم قصير بنظرة غضب وقال لهم محذرًا: ما حد يتهزأ بيه. هذا بأمر ربي هيكون خير منكم. انتهى من جملته ونظر إلى آدم محفزًا: احمل ياولد، ماتضحك عليك الولاد.

فاستجمع آدم كل قوته وحمل الدلو وسار به حتى أوصله عند النساء، وجلس بعدها يلتقط أنفاسه تحت أنظار الشيخ منصور الذي أشار لقُصير بمعنى هذا يكفيه لليوم. أما في قصر محمود الدلال. جالس في مكتبه بالقصر وسمع عدة طرقات على الباب، فعرف من وراء الباب، فدعاه للدخول قائلاً: ادخل يا يحيى. فدخل أخيه يحيى واقترب من محمود وبنبرة تحمل أدب حديث مزيف: ممكن أتكلم معاك كلمتين بهدوء يامحمود، وبعد إذنك تسمعني للآخر.

أومأ له محمود بالموافقة ودعاه بيده للجلوس، وعقد أصابعه وأسند ذقنه على يديه في تأهب لما سيقوله أخيه، والذي يعلمه جيدًا. فتحمحم يحيى وأردف: يا محمود يا أخويا، اللي بتعمله دا غلط، وخوفك على ابنك منا دا قمة الظلم لينا، لأنك بكده أثبت لنا إنك لسه مفترض فينا السوء، ولسه محملنا دم ابنك اللي مات، ومش قادر أفهم لغاية النهارده انت بنيت اتهامك على أي أساس؟ استمع إليه محمود ورد عليه بجمود: يحيى، إنت عايز إيه دلوقتي؟

أنا ابني مش هرجعه هنا تاني، وقراري أخدته. ولو سمحت متتكلمش معايا تاني في الموضوع ده. وأظن سبق وقلت لك إن الموضوع ده بالذات ميخصكش ولا يخص حد، لأن ببساطة لو أخدت نفس القرار مع حد من أولادك أنا مش هتدخل بالمرة من بعيد أو من قريب. يحيى: يا محمود، إنت كده بتقطع كل روابط الأخوة بينا وبتحط حدود مش المفروض تكون موجودة من الأساس. محمود: يحيى، لو انتهيت وخلصت اللي عندك، اتفضل اخرج وسيبني، لأني ورايا شغل كتير مينفعش يتأجل.

يحيى: لحد إمتى يامحمود؟ محمود: لو تقصد على آدم، فـ لغاية ما يكبر ويبقى راجل يقدر يحمي نفسه. وسبق وقلت لك الكلام ده. ولو صحيح بتحبه زي ما بتقول وخايف على مصلحته، توافقني على قراري مش تعترض، وعايز ترجعه هنا بأي طريقة عشان يحصل أخوه وانحرم منه. يحيى: يا محمود، مروان الله يرحمه كان حادثة، قضاء وقدر. محمود: وأنا بعدت ابني عشان أتحدى القدر.

تفوه بها وهو ينظر لعيون أخيه بإصرار، وكأنه يخبره أنك أنت القدر السيئ الذي أخاف منه على ابني، ولست أتحدى غيرك. فابتلع يحيى مرارة الهزيمة مجددًا، وأردف في محاولة بائسة أخيرة: طيب قولنا عالأقل وديت الولد فين؟ الدنيا منضمنتش، ولا قدر الله جايز تحصل أي حاجة، يبقى الولد كده ضاع ولا إيه؟ أجابه محمود مصرًا: متخافش. لو جرالي حاجة أنا وأمه، هو هيرجع في الميعاد المحدد، وهيرجع وهو عارف كل حاجة وعارف اللي له.. واللي عليه برضه.

هب يحيى واقفًا وهو يستشيط غضبًا، فها هي جميع مساعيه تفشل ويعود لتخبطه، فاليوم اكتمل الأسبوع وهو لا يعلم عن غريمه الصغير شيئًا! أغلق محمود دفاتره أخيرًا ونهض متوجهًا لتلك التي أوجعت قلبه فوق وجعه وجعًا منذ أن أجبرها على ترك طفلها الذي انتشلها من غياهب الحزن إثر فقدها لوليدها الأول، وها هي تذبل مجددًا بعد أن أزهرت روحها مع ولادة آدم. دلف إليها واقترب منها وهمس لها وهو يتفحصها من رأسها لأخمص قدمها:

مش هتقومي لي يانادية وتقفي جنبي؟ أنا محتاج لك أوي الفترة دي. أوعى تفتكري إني قوي للدرجة اللي تخليني أتحمل حالك ده.. أنا أضعف من كده يانادية والله. أمسكت نادية كفه التي تمسد على رأسها وهمست له بترجٍ: طمني عنه يا محمود، عرفت تطمن عليه، قدرت تعرف أخباره ولا خلاص كده ابني اتنفى واتقطعت أخباره؟

تبسم محمود وهو يخبرها بأنه بالفعل اطمأن عليه وعلى أحواله، وكإثبات لذلك قام بإخراج مظروف من جيبه وفتحه وأخرج لها منه صورًا لآدم وهو يحلب الماعز وصورًا أخرى وهو جالس وسط الأطفال يأكل وملامحه ضاحكة، فاختطفت الصور منه بعد أن انطلقت منها شهقة خرجت من منتصف روحها، واحتضنت الصور وهي تزرف الدموع، ثم أبعدتهم وأخذت تتأملهم وتتلمس طفلها الغائب، والذي انتفض قلبها برؤيته بعد كل هذه الأيام التي تعادل لديها سنوات فراق طويلة.. وشعرت

بوخزات في قلبها وهي ترى الاختلاف الذي طرأ عليه، فقد أثر فيه الفراق مثلها وربما أكثر.. فملامحه ذابلة وابتسامته باهتة وخسر بعضًا من وزنه.. وسخطت من كل قلبها على من كان سببًا في فراقها عن صغارها، فهذا الأمر لا يرضي ربًا ولا عبدًا إلا من كان جبارًا مريدًا.

ترك لها محمود الصور حتى ارتوت من النظر إليهم، ثم انتزعهم منها وقام بإحراقهم على الفور أمامها، ولم تعترض هي، فهذا إجراء للحماية قد اتفقا عليه سابقًا. وقام بعدها محمود متوجهًا لخزنته، فأخذ منها مبلغًا من المال ووضعه في حقيبة يده كي يقوم بإعطائه لمرسال الشيخ منصور في نفس السرية التي أخذ بها منه الصور واطمأن على ابنه.

حل الليل وكان قُصير يجلس مع الشيخ منصور يقررون من أين سيدبرون ما طُلب منهم هذه المرة، فالعدد كبير والمخاطرة أكبر. وفي هذه الأثناء، أتت معزوزة ابنة قُصير البكر تركض واقتحمت مجلسهم وقالت من وسط أنفاسها المتلاحقة: بوي أمي جابت. هب قُصير واقفًا وقد تهللت أساريره وسألها بلهفة: ابشري يا بنية ويش جابت؟ معزوزة: بنت كيف البدر يابوي، سمحة شديد.

جلس قُصير مرة أخرى وقد انطفأت فرحته، وامتعضت ملامحه وأغمض عينيه ألمًا، فقد شعر بأن زوجته خذلته للمرة الرابعة حيث أنجبت له البنت الرابعة وقد حذرها من ذلك. فنظر للشيخ منصور وهم أن يكمل حديثه معه، ولكن قاطعه الشيخ منصور قائلاً: روح شوف حرمتك بالاول وتحمد لها عالسلامة وشوف بنيتك، وبعدها عاود نكمل حديثنا. قُصير: لا مارايح ولا بدي أشوف وجهها. ريتها ماتت هي وما جابت ولا كملتهم أربع رزايا فوق قليبي.

منصور: وحد الله ياقُصير، عطايا ربك هاي. قُصير: لا إله إلا الله. خلي نكمل حكينا ياشيخ. وانتي يامعزوزة، روحي لأمك وقولي لها بوي يقول لك مبارك عليكي البنية الرابعة وبوي راح يجيب ولادة الصبيان خلي بناتك تنفعك. معزوزة: خاف الله يابوي، أمي إيش سوت؟ ولا كان بيدها تخلف بنت، هذا أمر ربي؟ قُصير: وأنا إيش سويت لابتلى بأربع بنات؟ منصور: روحي يابنية وقولي لأمك بوي مشغول وبس يفضى بيجيلك.

غادرت معزوزة وهي تحمل عبء إخبار أمها بهذا، فهي حتمًا ستفهم أن أباها لا يريد رؤيتها وأنه غاضب مما أنجبت. وحتى أمها حزينة، فقد تمنت أن تنجب هذه المرة صبيًا يلجم فم قُصير ويؤجل أمرًا محتومًا لبعض الوقت. دَلفت معزوزة إلى الخيمة ووقفت أمام أمها، وقبل أن تنطق بالكلمات التي ترتبها فيهم طوال الطريق، أردفت أمها متجنبة إياها عناء محاولة الكذب الفاشلة:

كنت أعرف إنه ما راح يجي ولا يريد يشوف وجهي. والحق معه. أنا جبته له أربع رزايا ويش يسوي فيهم؟ صمتت معزوزة وهي ترى أمها ملمة بطبع أبيها وموقفه أكثر منها، واقتربت من أختها الصغيرة حملتها وأخذت تنظر إليها وتبسمت وهي تقول لأمها: يمه ويش راح تسميها؟ بدها اسم سمح يليق ع وجهها السمح هذا. مكاسب: ماراح أسمي ولا شيء. سموها رزية، سموها بلية، ويش ما تنادوا لها قولوا. أنا ما عايفها.

معزوزة: استغفري الله يومه وقولي الحمد لله. انتي صرتي متل أبوي، تكفري بنعمة الله؟ قولي الحمد لله على تمام الخلقة. مرت ساعات الليل الأولى، وذهب قُصير إلى البئر، جلس عنده وأخذ يراقب النجوم ويحاول المفاضلة بين فتيات البادية ويختار من بينهن الأنسب له، ممن أنجبت أمهاتهم أكبر عدد من الذكور لترث منها هذه الميزة. وأثناء شروده، سمع صوتًا شتت جميع حساباته وأعاده إلى الواقع: إيش بيك ياقُصير؟ ما تبي تلمح بنيتك بعينك ولا تحملها؟

انظر قد إيش بيها سماحة. انظرها ورهان إن ما كان سرقت قلبك وعقلك. قُصير: لا ما أبي. وبعدين وأنا إيش أسوي بسماحتها؟ وأيش أسوي بالبنت؟ كنت أريد صبي، لكن هالبنت ارميها لحالك، مالي بها شان. واعمل حسابك أنا أبي أتزوج بأقرب وقت، راح أتزوج ولادة ذكور. مكاسب: لا تبيع العشرة يا ابن العم وتحاسبني على اللي ما بيدي. لا تفرط بمكاسب اللي تتمنالك الرضى ودايرة بالها عليك وحاطاك بعيونها من يوم اللي الله نشأها وعرفت حالها تسمت ع اسمك.

قُصير: ما منه فايدة كثر الحكي يامكاسب. خذي بتك وعاودي لخيمتك، إنتي نفسه والهوا واعر عليك وعلى بتك. غادرت مكاسب بقلب مفطور، فها هي باتت متأكدة من أن أسوأ مخاوفها على وشك التحقق، وأن امرأة أخرى تلوح في أفق حياة زوجها وأن وجع الضرة يقترب. وقف أمام المرحاض ينتظر خروجها وهو يشعر بالقلق عليها، فها هي تفرغ ما بمعدتها للمرة الثالثة اليوم! خرجت أخيرًا وسألها يحيى بقلق: فريال مالك؟

إنتي حالتك ما يسكت عليها ولازم آخذك للدكتور دلوقتي حالاً، ومش هسمح لك ترفضي أبدًا. فريال: ما في داعي يايحيى.. أنا حامل. يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...