عوالى بغضب: -إيش هي النبرة اللي تتكلمين بها يا خولة؟ من متى وبين أهل القبيلة هالشي؟ من متى ونحن نفرق؟ ليش ترمين الناس بالباطل بدون دليل؟ خولة: -ما أرمي حد بالباطل، انظري لروحك إذا نزلتِ الحضر تجيبين الأساور الحلوة والملابس الغاليات ودهن الوجه اللي يخلي الوجه مراية بنور والعطور الفواحة بس لمعزوزة وحريم قياتي، وإذا حد سألك منها تقولين جبتها بالطلب، وكأن مو من حق حد غيرهم يصير مثلهم. عوالى:
-ما كنت أعرفك غيورة حقودة يا خولة؟ ليش ما كنتِ تطلبين؟ جربتي يوم وطلبتي شي وأنا ما جبته لك؟ خولة: -مو حقودة بس أي غيورة وكنت أتمنى ألبس مثلهم وأتزين بنفس زينتهم بس إنتِ ما ترضين بالزين إلا لهم لجل يكونوا مختلفين عن الكل والكل يشوفهم أحسن وأجمل. عوالى: -كله بقروشهم أنا ما جبت شي لحد من عندي، هما اللي كانوا يقولوا لي إيش يريدون ويعطوني قروشه وأنا أجيب. خولة: -والما يعرف إيش ينجاب ما يحظى بشي؟
معنا قروش وكنا راح نعطي بس إنتِ اللي ما تسألين. صمتت عوالي قليلاً وهى ترى خولة بهذه الثورة، وتساءلت.. كيف لها أن تغفل عن مثل هذا الشيء؟ كيف لها أن تتجاهل غيرة النساء من بعضهن وتأتي بالنفيس للبعض في حين أخريات يتمنين ولا يطلن؟ فأخذت نفساً عميقاً وردت على خولة بهدوء:
-معك كل الحق يا خولة، هي المرة الثانية اللي تنبهيني لشي كبير كنت غافلة عنه، روحي يا خولة وموعد عرسك ماراح يتأجل، الحين أدز على سعود وأتفق معه على كل شي وأرسل معاه الشباب للحضر يشترون له كل اللازم؛ لأن سعود ما يعرف لحاله، وأنتِ بعد لكِ عندي أشياء واجد جميلة مثل اللي يستعملنها حريم قياتي وبناتهن. خولة:
-ممنونتك يا شيخة بتثبيت موعد العرس، بس من رخصتك أنا ما نريد شي ولا راح نأخذ شي، اللي يجي بعد طلب اسمه استجداء وأنا ما أستجدي، رجوة علمتني إن اللي ما لي ما أطلبه ولا حتى بالعشم لأنه ما يجي إلا ووراه مذلة.. وأنا شبعت مذلة من الكل. أنهت كلماتها وغادرت خيمة عوالي وتوجهت لخيمة سعود. نادت فخرج هو، وبمجرد إن رآها ارتبك ولم يعلم ماذا يفعل أو ماذا يقول، فوقف صامتاً فاردفت هي:
-يا سعود الشيخة عوالي الحين راح تدز عليك وترسل معك شباب للحضر لحتى تشتري أغراض الخيمة، ما تقول إلا تم وتروح من خشم مصكر، لا تهتم لكلام حد وإن القبيلة مشغولة بغياب عقاب، الغايب بكرة يرد والميت ما توقف دنيتنا لأجله، إذا أنت الغايب كان عقاب دفنك ورجع على عرسه ما حزن طرفة عين. سعود: -إيش تقولين يا خولة؟ بس هذا اسمه عدم تقدير وعدم إحساس. خولة:
-إي أنا ما أحس ولا أقدر، وأنت مثلي أريدك، بلا إحساس لأن اللي يحس ما يجني من ورا إحساسه غير الخيبات.. ويا ابن الحلال نحن الحين على البر ومانزلنا المي، وأنا أريد أقولك كلمتين إذا عجبوك كمل ما عجبوك تراجع لأن هذا راح يكون تعاملي مع الجميع وأنت أولهم: (العين بالعين والسن بالسن والحِن بالحِن والبادي بالقسوة يتحمل القسوة) سعود: -هبااا هبااا يا خولة هدي شوي، إيش جرى لكل هذا؟ خولة:
-ما جرى شي، أنا قلت اللي عندي وأنت مخير، وحط قبال عينك مو خولة اللي تأخذها وتعذبها بثقل أو تقصير، ولا خولة اللي تروح تتزوج عليها وهي تسكت وترضى، خولة تذبح وتطم وماتعرف الدبان الأزرق طريق ذبيحتها. أنهت كلماتها وابْتعدت بخطوات واسعة ووقف سعود يراقبها ثم تبسم وأردف معقباً: -يبه ذيبة والله وتعرفين تجيبين حقك بلسانك قبل يدك، لا والله لآخذك وأنا وأنت والأيام طوال يا خولة. هم أن يعود للخيمة ولكن أوقفه أحد
صغار القبيلة وهو يقول له: -عم سعود يا عم سعود، الشيخة عوالي تريدك بخيمتها الحين. توجه سعود لخيمة عوالي واستأذن ودخل، كانت جالسة وأمامها صندوق عاجي تقلب فيه، وبعد برهة أخرجت منه بعض الحلي ومدتهم لسعود قائلة: -هاك يا سعود خذ مني، هذول هديتك لخولة تعطيهم لها بيوم العرس مو قبل. وبخيمتك تلبسهملها بيدك؛ حتى تطوق رقبتها ويديها بجودك وماتشوفك قليل.
والحين تمشي للشيخ قصير هو عنده علم وبيعطيك قروش ويأمر الواعي من الشباب يروح معك تشتري أغراض عرسك، لا تسترخص شي وتتناصح وتوفر خولة ماترضى بالقليل وتبلعك مثل حية جوعانة شافت فار. أومأ لها سعود بالموافقة وهم بالرحيل، فأوقفته قائلة:
-أقول يا سعود، بالحضر أسمع إن به حمامات عرس للرجال أو ما أدري إيش، يدخلونها شي ويطلعون منها شي ثاني، خلي الشباب ياخذونك لواحد منهم وسلم روحك لأصحابه يشيلون من عليك وصخ الأغنام وتراب الصحاري ويجلون رجليك، وماتنسى تجيب لك زوزين نعال جداد وكم قطعة ملابس داخلية وخارجية وزجاجة مسك أو عود أو أي عطر يغير ريحتك وخلي الشباب يساعدونك بالاختيار.
أومأ لها مرة أخرى وهو يتبسم حتى ظهرت نواجذه، وغادر الخيمة مسرعاً، وكم أخذها العجب حين لم يعقب على شيء، أو حتى يذكر عقاب بكلمة تحفظ ماء وجهه أمامها وتشعره بأنه يهتم لأمره! ولكن يبدو أنه مثل خولة تماماً لا يهتم إلا لنفسه، أو ربما هذه قناعة خولة ونقلتها له، فعوالي فهمت أن خولة نوعها ممن لا يسمح لأحد بمعارضة مصالحها أيًا كان. أما في النيابة..
-دلوقتي يا ياسين انت متهم بخطف المدعوة حياة مبارك عبد العزيز وفيه كاميرات صورتك وشهود عيان على الوقعة إيه أقوالك؟ ياسين: -أقوالي إني ما خطفتش حد، أنا صحيح أرغمتها تركب العربية بتاعتي بس ما كان غرضي الخطف، كنت عايز أتكلم معاها في موضوع وهي رافضه وما كان قدامي غير كده، وهذا كل اللي حصل ومش هتكلم ولا أقول حاجة ثانية إلا في حضور المحامي بتاعي.
أنهى ياسين جملته وطُرق الباب، ودخل منه الصول، وبعد أن أدى التحية أخبر وكيل النيابة بأن محامي المدعو ياسين قد حضر، فأمر الضابط بإدخاله، وعاود استجواب المتهم في حضور المحامي، وبعد التحقيق أمر الضابط بحبس ياسين يومين على ذمة التحقيق.
وبعدها تلقى وكيل النيابة مهاتفة تخبره بأن هناك جديد في قضية ياسين، وأن شرطة الميناء ضبطت كمية من الأسلحة لا بأس بها مخبأة في شحنته القادمة من قبرص، وأن الشحنة بكاملها قد صودرت وتم التحفظ عليها وهذه قضية أخرى. أما في مكان آخر... -يلا يا ابني اركب بسرعة معايا فركة أفغاني هتظبط دماغك لشهرين قدام، ومعاها قزازة نبيذ أبيض من اللي وصى عليها لقمان. الشاب: -يا عم انت حرام عليك هو لقمان وصى بالنبيذ برضو؟
أجابه الآخر الجالس بجانب السائق في مقدمة السيارة: -يا عم اركب بس وماتتمسكش في الكلمة.. ركب الشاب السيارة مع صديقيه وتحرك بها سائقها وتوقف في مكان بعيد ونائي وبه مبنى واحد ضخم من هيئته يبدو أنه مصنع مهجور، فنزل ثلاثتهم ودلفوا للداخل، وبمجرد دخولهم شموا رائحة كريهة جعلتهم يعودون للخلف وصاح أحدهم: -أوع إيه الريحة دي، إيه يا عم المكان المعفن اللي جايبنا فيه ده؟ صاحب السيارة:
-يا ابني تلاقيه حيوان مات جوه المصنع ولا حاجة، إحنا هندخل ونطلع نقعد على السطح نطرح اللي معانا وننزل، وكمان محضرلكم مفاجأة، هكلم البت اياها صوت وصورة ومش خسارة فيكم اللي هتشوفوه معايا، أنا دافعلها متقلقوش وهنبسط. نظر الاثنان لبعضهما، وسبقهم صاحب السيارة للداخل وتبعاه، وجدوا السلم وصعد اثنان والاخير أخذ يتلفت حوله ويتفقد المكان وهو يسد أنفه، وصرخ وتراجع للخلف وهو ينظر في إحدى الزوايا.
كان حوض مليء بأشياء كثيرة وقديمة، وقد ظهرت من إحدى زواياه أصابع بشرية، إصبعه البنصر به خاتم أنثوي، فأشار لأصحابه نحوها قبل أن يهرب للخارج، فتبعوه جرياً وقد عرفوا أن مصدر الرائحة إنسان وليس حيوان. غادروا المكان سريعاً وقد أرعبهم ما رأوا، وقرر أحدهم الإبلاغ من إحدى الكبائن الموجودة بالشارع. وما هي إلا ساعة وكان المصنع يعج بالشرطة وتم نقل الجثة للمشرحة لتشريحها ومعرفة هويتها. أما عند سالم وآدم.. سالم:
-تقدر تمشي يا عقاب ولا نبقى بالمشفى اليوم لحين نطمئن عليك وتصير أحسن؟ آدم وهو يحاول أن يرتدي سترته: -لا ما أريد أبقى ما أحب أرقد بالمشافي، وبعدين أنا صرت تمام، هي بارودة ما تأثر، والوجع شبينا عليه وأصبح شي عادي. سالم: -زين.. الحين تروح عالقبيلة ولا راح تضل هين ولا إيش؟ آدم: -لا ما راح أروح عالقبيلة قبل ما أصفّي كل شي هين، الشركة والأصول وكل شي ما أبقى إلا القصر. سالم: -خلص أنا معك لحين تفض كل شي. آدم:
-لا إنت توصلني لأي فندق ويكون صغير وما معروف، أو تأجر لي شقة لمدة شهر ببطاقتك واسمك وترد للقبيلة وتاخذ من الشباب أذكاهم وتروح توضب لي طابق من طوابق المبنى اللي اشتريته من عمك قياتي وتخليه ينفع مقر شركة، وتجهزه على أعلى مستوى، وأنا بس تعطيني التمام بنقل كل موظفين الشركة، اللي يرضى منهم يعني، ونبدأ على بركة الله. سالم:
-الله ييسر الأمور، بس أنا ما راح أأمن عليك تقعد لحالك يا عقاب، لزوم يكون معاك حد يدير باله عليك ويحرسك. آدم: -لا يا سالم، الحراسة وكثرة الناس تلفت الأنظار.. وأنا ما أريد حد ينتبه لي، أنا مع حالي أنخلص كل شي، بس أول شغلة تروح القصر تجيب لي اللابتوب وكم غرض وبعدها تروح عالقسم تخلي رجالنا يخلصوا لي السيارة وتاخذها ترد بها للقبيلة وتخليها هناك. سالم: -وانت بيش تتحرك؟ آدم:
-أنا بتصرف لا تشيل همي، هيا تحرك الوقت يمر وأنا ما أريد أضيع وقت.. أقول ما حد من رجالنا كلمك وقالك شي بخصوص ياسين؟ سالم: -لا ما حد كلمني. آدم: -غريبة مع إن رقمك عندهم وقلت لهم لو ما رديت كلموا سالم، ومو معقول للحين ما تم شي! انتهى من جملته فكان هاتف سالم يصدح معلناً عن اتصال، ولما نظر للرقم تبسم وقال: -أبشر الخبر وصل. رد على الهاتف وزادت ابتسامته ونظر لآدم وردد: -يعني ياسين لبس تهمة السلاح، بالمبارك عليه.
أنهى المكالمة ونظر لآدم الذي قال له: -زين، خلي يستمتع بالسجن شوي لبين ما أشوف له شغلة تخليه يتختخ بالحبوس ويتمنى يشوف البراح ما يطوله. سالم: -أقول نخلص عليه ونرتاح يا خوي. آدم: -لا يا سالم الموت راحة وأنا قلت لك قبل ما أريد ياسين يرتاح. أنهى كلماته وعاد هاتف سالم يصدح باتصال جديد، وهذه المرة كان محمود، فأعطى سالم الهاتف لآدم كي يرد عليه: -أي يبه إيش أخبارك الحين وأخبار أمي؟ محمود: -إحنا بخير طول ما أنت بخير يا ابني.
صمت قليلاً فعلم آدم أن هناك ما يريد قوله فشجعه قائلاً: -هات اللي عندك يا أبوي وألف مرة قلت لك لا تتردد وقت تريد تقولي أي شي. محمود:
-والله يا آدم يا ابني أنا ما أعرف أقولك إيه، بس أنا غصب عني، أنا واخد عهد على روحي وبتعذب بيه. أنا عرفت اللي حصل لياسين وطالب منك تبعت حد ياخد باله من عمك وتسأل على بنت عمك ومتسيبهاش لكلاب السكك تنهش فيها.. دي مهما كان لحمنا يا حبيبي، ولو قدرت تجيبها تعيش معانا هنا هاتها، كارمن لسه صغيرة ومتعرفش تحمي نفسها ومتستاهلش تضيع، وملهاش ذنب في حاجة. آدم تنهد ورد عليه:
-والله قلبك الرجيج هذا ضيعنا أول وتالي وما أدري إذا من حسن حظي ولا من سوئه إني ورثته منك، أنا بالأساس كنت ناوي أبعث سالم لكارمن قبل ما يرد للقبيلة، وفكرت إنه ياخذها معه بالفعل، بس صراحةً ما فكرت بعمي ولا جه ببالي. محمود: -معلش يا ابني، دول قدرنا ولازم نتحمله للنهاية. آدم: -أبشر يا أبو آدم، ما يصير إلا اللي بخاطرك واللي تريده، لجل عين تكرم مدينة.
أنهى المكالمة وغادر المشفى مع سالم، وأوصاه بكل ما طلبه منه أبيه، ونزل في فندق صغير حتى يكمل كل ما خطط له. وبعد ثلاثة أيام... سالم: -هاه يا عقاب خلصت كل شي ولا لسه فاضل شي بعد؟ آدم: -مو فاضل كثير يا سالم، أروح الشهر العقاري بكرة مع المشترين ونوثق العقود وأستلم آخر دفعة من القروش وبأول سيارة تلاقيني بالقبيلة عندكم.. يعني شغلة يومين ثلاثة. سالم: -يصير خير. آدم: -قولي ما عرفوا رجالنا شي عن كارمن؟ سالم:
-آخر شي يقولون كانت عند صديقتها وأخذها ياسين ومن بعدها ما ردت لا عند صديقتها ولا لسكنها. آدم: -أنا حاسس إن فيه شي مو مضبوط بخصوص مسألة اختفائها، وقلبي وعقلي يقولون إن ياسين سوى فيها شي. سالم: -مو بعيدة عليه، يمكن شافها عقبة بطريقه أو خاف تورث شي من اللي ما عنده وحب إنه يريح أموره كلها، أصلاً واحد تربى على إن الأخ يقتل أخوه إيش تنتظر منه؟ آدم:
-خلاص الحين نوجه البحث لطريق ثاني، ندور بالمشافي وبين الأموات اللي مالهم هوية. سالم: -يارب نلاقيها من ضمنهم وينقطع السلسال والنسل كله. آدم: -يااااخ حرام عليك إيش سوت لك هي المسكينة؟ سالم: -لا بعدها ما سوت شي، تسمك أو تعطيك بارودة بنص قلبك وقتها بس تقول سوت مو هيك؟ اطلع اطلع فوت قدامي وصكر فمك ماتفتحه ولا تنطق واتركني أدعي باللي يريحني. سالم: -سكتنا. أما في القبيلة في هذه الأثناء:
-ياناس حد يبرد نار قلبي والله حرام، حرام يا اللي ما تخافون الله، أحس إنكم مرتاحين واجد بس ليش ماتريحوني معكم، حتى أبوه وأمه ياكلون ويعبون بطونهم وما هاممهم شي.. لا والله الكل يعرف اللي ما أعرفه وإذا كنت من ضمنهم يا معزوزة يكون آخر شي بيني وبينك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!