نهض صياح بعد أن شكر آدم وغادر وهو غارق في التفكير. أما آدم فشعر بعدم الراحة لصياح منذ أن رأى لمعة الطمع في عينيه، ولمس عدم رضاه بالقليل، وأنه يود أن يقفز مرة واحدة بدلاً من أخذ السلم درجة درجة. وهذا أول خطأ يقع فيه التاجر، والذي نبهه له عمه قصير، وحتى الشيخ منصور شدد عليه في هذا الأمر وعلمه عدم الاستعجال أبداً في أي شيء، وأن في التأني السلامة.
فقرر أن يبعده عن صفقات الأسلحة وألا يجعله يحضر استلام أو تسليم شيء من الآن وصاعداً طالما ينظر للبضاعة بعين الحقد. وصل صياح عند مجمع النساء، وكانت رجوه بينهم. نظر لها وابتسم ابتسامة عريضة وغمز لها في محاولة منه لمناغشتها. ولم يكن يتوقع منها ردة الفعل التي رآها منها، ولا تخيل أنها ستمسك حجراً وتضربه به في رأسه ليسيل دمه كالنافورة وتجعله أضحوكة وسط النساء! غادر صياح وهو يستشيط غضباً وذهب رأساً للشيخ قصير.
فوقف أمامه وهو يضع يده على رأسه كي يمنع الدم وتحدث بقهر: -ياشيخ شوف بتك ايش سوت فيا، دجتني بالحجر بدون ما أسويلها شي، وضحكت علي نساء القبيلة كلهن. نظر له قصير بسخط ولم يرد عليه ولكنه أرسل في طلب رجوه على الفور. وما أن حضرت حتى هدر بها قصير: -ايش سويتي بوليد عمك الله يكسر يدك. -ماسويت شي. -ودمه اللي سال بوي اللي دجه بالحجر ورمح نام بقبره مرة ثانية؟ -يستاهل الذبح مو بس ضربة حجر.
-والله ما حد يستاهل الذبح غيرك، ايش سوي لك الرجال يافانص؟ -غمزني قدام كل نساء القبيلة وسوالي حركات.. حركات استحي حتى أحكيها لك ياشيخ. صرخ صياح بفزع: -حركات ايش الله ياخدك، والله ماسويت حركات أنا، هي بس الغمزة وياريتني ماسويتها ودجتني بعدها رأساً. -لا سويت حركات ياصياح وإذا كنت رجال ماتكذب الكذب مو للرجال. -لا يبه الكذب للحريمات، والله الكذب انخلق بس ليكم. صمت قصير قليلاً وهو ينظر لهما وأغمض عينيه وزفر بديق.
فلا تناسب بين صياح ورجوه من أي زاوية، هي قوية وتنظر له مثل نمْرة شرسة تريد أن تجهز عليه، وهو يتفادى نظراتها وينظر لها بخوف، وفي المستقبل ستجعل منه رجوه أضحوكة القبيلة كلها. فتح عينيه ونظر لصياح وقال له بأمر: -صياح، الحين تاخد حقك منها أمامي؛ لأن الحرمة ماتمد يدها على زوجها لو أيش ماسوى، تقدم وخذ حقك حتى لا تعيدها بت مكاسب وتتطاول عليك.. أمسك حجر ودجها بنص راسها وخلي دمها يسيل متل ماسال دمك.
صُدم صياح من طلب قصير ونظر لرجوه التي نظرت لأبيها بتحدي وقالت بنبرة جادة لا تقبل جدال: -ورب الكون إذا سواها ومد يده علي لأفوت على خيمته وهو نايم وأذبحه من الأذن للأذن، وأهرب من القبيلة ماتعرفون لي طريق. وإذا مستغني عن عمره ولد صالحه يمد يده علي.. ورجوه ماتهدد ولا تقول حرف هي مو قده. نظر قصير لصياح يحثه على التقدم من رجوه وعدم المبالاة لكلامها وأخذ ثأره منها. ولكنه صُدم وهو يستمع لكلمات صياح:
-أ أقول ياشيخ المسامح كريم، وهي أول غلطة لمرتي وأنا سامحتها وأعرفها ماتعيدها.. وأعترف إني غلطت وقت غمزتها أمام النساء وما حسبت حساب لحياءها وخجلها وأنها مامعتادة على هي الحركات. -سمعت.. سمعته بأذني يقول حركات، عرفت أني ما أكذب. ضرب قصير كف بكف وقال: -روح الله لا يعطيك العافية.. وأبشرك ياصياح من الحين دمك راح يعبي القبيلة كلها وتشرب منه الرمال حتى ترتوي. -اغرب، اغرب عن وجهي سود الله وجهك. غادر صياح في عجلة من أمره.
ونظر قصير لرجوه بغضب وقال لها: -وأنتِ يافانص ياعااار، تمدين يدك على راجلك وتسيحي دمه؟ والله ما واقف بينك وبين الموت على يدي غير بس سالم.. سالم اللي لولاه كنتي اليوم تحت الرمال منسيه. -إذا تريد تسويها سويها الحين وما تخليها بنفسك ياشيخ. -قلت لك السبب اللي مانعني عنك.. سالم اللي ماتسوي التراب اللي يدعس عليه بأقدامه.
-والله إذا سويلم حاكم عليك وحكمه ماشي أنا مالي ذنب وما تحملني مَنيه ولا تشيلني جميلته، أنا ما طلبت منه حماية، وإذا هو يحمي ويدافع من روحه ويرد أذى أهلي عني فهاد من طيب أصله وكرم أخلاقه.. والكريم يجود دون ما ينتظر جزاء ولا شكوراً. -رجوه اغررربي عن وجهي الحين لأن إذا ضليتي أكثر ماتلومي إلا حالك، اغررربي يافانص يابت الفانص ياطويلة اللسان ياعديمة الحيا ياغراب البين.
أسرعت رجوه بالإبتعاد من أمامه، فهي تعلم أنها رمت حجراً كبيراً في فوهة البركان والآن بدأ الفوران. مرت على خيمة عوالي فلم تنظر وتخطتها، ووقفت تزفر بضيق حين سمعت صوت عوالي ينادي عليها: -يافانص تعي.. أنت يابلوه ردي أريدك. دخلت الخيمة على مهل، فهي تعلم أن وصلة توبيخ أخرى قادمة ولا مفر من الاستماع. وقفت أمام عوالي وقالت: -كيفك ياعمتي نهارك باهي. -نهار زفت على راسك وراس أمك ياعمتي. -اهووووو بدينا.
-ها أقوم أخلي مايزه تكتفك وأجيب السكين وأكويك؟ وهالمرة أكوي لسانك اللي مايلوقله إلا القطع؟ -ايش سويت لك أنا ياشيخة؟ -سوايتك سواية الشوم.. تضربي زوجك يافانص وتسيلي دمه وتضحكي عليه نساء القبيلة كلهن وتخلي أمه تفترش الأرض وتشيل وتحط الرمال على راسها من قهرتها على وليدها؟ -أي هو يستاهل غمزني وسوالي حركات وقحة. -الله لا يوفقك يافانص ياكذابة، حركات ايش اللي سواها؟ -استحي أقول. مايزه:
-كذابة أنتِ ماتستحين وهو ولا سوى حركات ولا شي، وليداتنا ما تسوي هيك شي، هو بس حظه العاثر اللي وقعه بين إيديكي ياغراب الشوم. -أي حظه.. يروح يلوم حظه أنا ما علي لوم.. والحين أريد أمشي أرد لخيمتي أندفس وأنام تعبت اليوم واااجد. -أي روحي اندفسي دفسة بلا قومة إن شاء الله. غادرت رجوه وهي لا تهتم بكل ما سمعته، فاليوم هو يوم سعادتها ولن تسمح لأحد بتعكيره.
وصلت خيمتها فوجدت أمامها تجمهر غريب، وحين اقتربت فهمت سببه، كانت صالحه أم صياح وابنتها خوله. صالحه جالسة على الأرض تأخذ من الرمال وتضع فوق رأسها وتنعي حظ ابنها، وصالحه واقفة وتنوح على أخيها ودماءه التي سالت. ومعزوزه ومكاسب وسدينه وشقيقاتها حاضرون جميعاً يحاولن تهدئة الوضع. وبمجرد رؤية صالحه لها زادت في النحيب وهي تقول: -جات الفانص، جات بتك يامكاسب.. اليوم أشوف مين اللي يخلصها من يدي على سوايتها بوليدي.
وقفت رجوه وتلفتت حولها وبدأت بجمع الأحجار والضرب عليهم عشوائياً، فتفرق الجمع سريعاً. وقامت صالحه وجرت مبتعدة ولم يتبقى في المكان إلا رجوه وخوله، والتي بدأت هي الأخرى بجمع الأحجار والتصويب على رجوه، وأصبحت حرباً بالأحجار بينهم انتهت بسيلان دم خوله. فمن هي لتتغلب على رجوه في التصويب؟!
فأخذت صالحه ابنتها الغارقة في دمائها وعادوا لخيمتهم وهم يموتون قهراً، فقد أتوا يطالبون بالقصاص العادل وعادوا بضحية أخرى وبقناعة أن لا قصاص من رجوه ولا حق يؤخذ منها حتى لو خلفه ألف مُطالب. مر باقي اليوم بسلام. سالم سمع بما فعلته رجوه حاله حال جميع القبيلة، ولكنه صمت حين علم أن لا أحد تعرض لها بمكروه. فهو في انتظار أن يرى حماية آدم لها، وهل سيستحق أن يحمل عنه لواء حمايتها كاملاً، أم يستمر سالم في حمايتها خفية.
فمهما حدث هي ابنته التي ربى، حتى وإن تقطعت جميع الصلات الأخرى وتلاشت العلاقات، ولن يسمح لأحد بإيذائها. جلس سالم مع رابح، وتحدث معه في ما قاله آدم، وعرف منه أن الشيخ منصور شخصياً تدخل في الأمر وطلب من قصير أن يعطي رجوه لآدم متجاهلاً جميع الأعراف. وأن آدم ينتظر فقط الوقت المناسب ليفعل ذلك ريثما يبعد صياح عن طريق رجوه أو تبعده هي، وها هي بدأت الحرب.
فصمت سالم وقد أيقن بأن الأمر بات حقيقياً، وآخر ذرة شك بداخله بأن آدم غير صادق قُضي عليها. وزواج آدم برجوه أصبح واقعاً يلزمه فقط بعض الوقت ليتم وعليه التقبل الكامل. خيم الليل وخرجت رجوه من خيمتها بعد يومها العصيب. أخذت تبحث عنه فوجدته يقف بعيداً بجوار السيارات التي تأتي كل فترة في موعد استلام شحنة الأسلحة. لا أحد من أهل القبيلة يعلم سبب مجيء السيارات سواها هي بحكم ملازمتها لهم والرجال الذين ينقلون السلاح فقط.
انتظرت حتى ابتعد آدم عنهم وبدأ يتحدث في هاتفه. اقتربت منه بعد أن خلعت خفيها حتى لا تصدر صوتاً فيراها آتية ويبتعد. ولما اقتربت سمعت منه ما مزق قلبها: -أي يانبض القلب ياحبيبة الروح، اشتقت لك واااجد وأتمنى أرجع لحضنك ودفو أنفاسك.. هانت ياغالية كلها يومين وأجيك وأكحل عيني بشوفتك.. هههههه فدوه للي يغار. ضربت خفيها على الأرض وبدأت تلبسهما بغضب فانتبه لها وأنهى المكالمة، ونظر لها بحاجب مرفوع وقال: -تتنصتين علي؟
-ولا أتتنصت ولا أتزفت، رديت أفاجئك بحضوري فاجأتني أنت بوصلة الشوق والمحبة. -أي وأنت إيش خصك؟ -ايش تقول أنت ياعقاب مو على أساس... -أساس ايش يارجوه؟ أنا كلامي كان واضح.. قلت لك بعطيك فرصة إذا قدرت أتقبلك كان بها ما قدرت مابالقلب حيلة، وهاد كلو إذا مانفع أني أتزوج حياة، أما إذا قدرت وتزوجتها أعذريني ماتت كل الفرص لك بعيوني وقلبي. -أي بس هاد مو اتفاقنا؟
-ما اتفقنا على شي، طلبتي فرصة وأنا عطيتك، وماتظني أني غافل عنك، أنا أراقبك وأراقب كل شي يخصك، وقولت لك صيري آدمية شو سويتي بالآدمية.. بطحتي صياح، وبطحتي أخته وخليتي أمهم تشيل رمال الصحرا فوق راسها، جلطتي أبوك والشيخة عوالي بعد. -بس هو اللي غمزني و... -هو ما زال قدام الكل راهنك وبحكم زوجك وهي مو غلطة يستحق عليها اللي سويتيه يارجوه. -أقول الحق أنا أريد أبعده عني بأسرع وقت.
-بس مو بهذه الطريقة.. تعرفي إن القبيلة كلها مالها سيرة غير سوايتك وعملتك اليوم؟ طيب إذا جيت أنا ارتبط فيكِ ايش راح تحكي الناس عني، يقولون عقاب خد الفانص اللي مارضي بها صياح؟ -وأنا ايش أسوي يعني، مو أنت حكيت أن صياح من ضمن العقبات؟ -أنا اللي بشيله من طريقك مو أنت. -زين وحياة؟ -ايش بها؟ -هي مو عقبة ولزوم تنزاح، أتركها علي وأنا أزيحها. -والله أزيح راسك من فوق جسمك وتظلين بلا راس، إلا حياة مالك دخل فيها.
-وإذا صار وتزوجتها ياعقاب، وأنا عملت كل اللي أمرتني بيه وطعتك.. بالاخير ما أحصل شي؟ -وقتها أشوف، بس يعني لا حياة بتقبل المشاركة ولا أظن أنت تقبلينها. صمتت رجوه؛ فهي بالفعل لن تتحمل أن تشاركها فيه أخرى، ولذلك ستفعل أكثر من المستحيل حتى تفوز هي به أولاً، وستبدأها من النقطة التي ستعزز فرصتها مع آدم أكثررر.
غادرت وتركته، فعاود هو الاتصال بأمه وأكمل معها حديثه، فقد رأى رجوه من بعيد وهي تراقبه، ولمحها وهي تتسحب نحوه، وشعر بها حين وقفت خلفه ولذلك غير مجرى الحديث ليوهمها بما أراد. فسمع صوت الشيخ من خلفه: -ياعقاب ليش شيعت على السيارات بكير؟ -لأن الشحنة بتوصل الليلة ياعمي. -بس أنت قلت... -من الحين مافي موعد ينعرف بالتحديد، ولزوم ندير بالنا أكثر، الأطماع بدت تزور النفوس ياعمي والنفس أمارة بالسوء. -ايش تقصد ياعقاب؟
-أقصد صياح.. اليوم حكالي يريد يسوي تجارة لنفسه ويستورد بروحه سلاح، وإذا سواها وداق المكاسب راح يزيد طمعه ومو بعيد يوصل لأنه يسوي أي شي يعطل به أشغالنا ويكبر هو.. وإذا صياح سواها الكل بيتبعه وتصير حرب ومنافسات يجوز تضيع بها القبيلة كلها. -صياح ما يحضر استلام ولا شحنة من الحين. -غلط ياشيخ ومو الشيخ قصير اللي يغلط.. علمتني نخلي العدو أقرب من الحبيب وعيوننا ترافقه، ليش الحين تنسى تعاليمك؟ صمت قصير وأخذ يفكر ثم أردف:
-وأنا أقول ليش نهى على رجوه وهي اللي ما حد ينظر صوبها. -وغير هيك ما عمل حساب لزعل سالم وهو رفيقه، واللي يخون صاحبه ويتجاهل علاقة لأجل مصلحته يتجاهل جميع العلاقات ويدعس عليها برجوله. -أريد أفض نهوته على بتي. -مو الحين، بعد الشحنة تلبسه غلطة وعلى أساسها ينفض الرهن. -أي أي... يصير خير... عقاب لا تتركني أنا الظاهر كبرت وخرفت وما عدت أقدر أحكم على الناس ياولدي.
-لا ياشيخ، حاشاك.. أنت بس بالك مشغول بألف شي وألا ما يسقط شي من فكرك.. طمن حالك أنا ما أتركك إلا على الموت. -الله يطول بعمرك يا عزيز العين والقلب، يا ولدي اللي ما خلفته. غادر قصير لخيمة عوالي التي أرسلت في طلبه وعاد آدم للجلوس وحيداً. وشرد في تِلك التي لا يعلم عن حالها شيء، يريد الاطمئنان عليها ولكن يخشى ضعفه حين يستمع لصوتها، يخشى زلزلة قلبه وهيّاجه على الوضع، واعتراضه التام والمطالبة بها مهما كانت الظروف.
-بيش الجميل سارح؟ فدوه لأبو البال مشغول. -أشوفك تغازل وأنا ما أقبل الغزل إلا من شويقي.. رد عليه بضحكة وهو يجلس بجواره: -يعني ما يصير تخون شويقي شوي؟ -ولا على قص الرقبة أخون. -احكي الصدق بيش سارح وعقلك مفارق؟ -والله يارابح أفكر بأني على آخر الزمان صرت أسوي أعيب وليدات صغار وأفكر كيف أسس أم عقل خربان، عقاب بات يخطط خطط ما يحطونها غير بمسلسلات الهنود. -ههههاي صرت سيندورا ياخوي؟ -أي بالضبط.
-أقول ياعقاب، تخيل إذا رجوه عرفت إنك تخدعها والكل متفق معك إيش راح تسوي؟ -أبسط شي بتجيب نفط وتدخل علينا وإحنا نيام وتصب وتحرقنا كلنا، ونفيق نلاقي روحنا بقلب الجحيم نذوب. -يايبه والله ترا إني خفت.. لا ورجوه تسويها وربي وما يرفل لها جفن.. أقول ياعويقب أنا أقترح تاخذني أنا ومرتي نبيت معك بغرفتك، ووعد مانزعجك ولا تحس بوجودنا. -فكرك إن الحيطان تمنعها يعني؟ والله تفجر الغرفة باللي فيها.
ضحك رابح وضحك آدم أيضاً وصمت آدم وهو يرى سالم آت من بعيد. فنظر له رابح وأردف: -ياحيف قلبي على الأبطال اللي بهدلهم العشق. -بس ماتقول أبطال.. مافي بطل يضعفوا شي ولا يأثر عليه حتى قلبه. اقترب سالم وجلس بجوارهم فغمز له رابح وضحك فأمسك الآخر حجراً وقال ساخراً: -وإذا دجيتك بنص راسك وسيحت دمك تروح تشكي لامك؟
ضحكوا جميعاً ورحب رابح وآدم بعودة ضلع المثلث الغائب من جديد، وعادوا يتحدثون في أمور القبيلة والتجارة، الصيد والاستثمار. وكل هذا لم يمنع سالم من التفكير في أن هذا المجلس ينقصه شيء. فلو كانوا في الماضي ما تركته يجلسون بمفردهم ولشاركتهم المجلس ولم تكف عن مداعبتها له وضربه وعض يديه والبحث في جيوبه وأخذ النقود التي نسي أن يخبئهم منها وخرج بهم من خيمته. نعم هو أقسم على التخطي، ولكن الحنين يراود وما ألعن مراودته.
وكم كانت مشاغبتها جميلة. مر بعض الوقت وانضم إليهم هلال وانتقلت دفة الحديث على شحنة الأسلحة. ويبدو أن هلال بدأ يتحضر لقيادة السفينة وحفظ الخرائط حتى إن حان الوقت وأبحر بمفرده لا يخطئ الطريق ويرسي على الميناء الصحيح. حانت الساعة، وأعطى آدم إشارة للشباب فقاموا بنصب خيمة فوق مدخل الممر. وحين سمعوا إشارة الوصول أعطوا الإشارة للسيارات أن تتقدم.
وفتحوا الممر وبدأ الرجال في إخراج الصناديق، وكل هذا في حضور صياح الذي كانت عيناه تلمع أكثر مع كل صندوق يخرج من الممر. وكأن الصناديق وما فيها ملك له. ولأول مرة قصير ينتبه له ولحركاته ونظرة الطمع التي احتلت عينيه! وقرر أخذ كل الحيطة والحذر من ناحيته، ولام نفسه لأنه لم يكتشف هذا الطبع فيه سابقاً، وهو الذي يقرأ البشر وكأنهم كتاب مفتوح!
تم استلام الشحنة بنجاح، وأُغلق الممر وأُزيلت الخيمة وأعاد الشباب الرمال فوق فتحة الممر كما كانت. وبدأت السيارات في التحرك، وكذلك السيارتين المتوجهتين للمخزن الخاص بقصير. فصعد صياح في إحداهن، فسأله قصير: -لوين ياصياح؟ -أروح مع السيارات للمخزن ياعمي وأطمن بروحي إن السلاح بأمان. فرد عليه قصير: -لا انزل من السيارة وتعال، أنت لك عندي مهمة أكبر وأهم.. اترك الشباب يهتمون بالأمر وأنت اتبعني.
نزل صياح من السيارة وتبع قصير، فأوكل إليه مهمة جمع النقود من التجار وإحضارها له، وبهذا أبعده عن السلاح حتى لا يتعرف على موقع المخزن الجديد. فخطة الحرص بدأت منذ اليوم، وذهب هلال فقط مع السيارات وبعض الشباب الأمناء جداً والذين يكتمون الأسرار في أجواف آبار الروح للموت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!