الفصل 55 | من 69 فصل

رواية عقاب ابن الباديه الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
22
كلمة
2,312
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

فضّ التجمهر. نظر عقاب لرجوه شزرًا وأشار لآدم، فأخذه وابتعد. وحين أصبحا بعيدين مسافة كافية، قال له: -ياعقاب، أنا ما أعرف إيش أقول. أدري إنك انحطيت بموقف صعب، بس هي رجوه، وهي تصرفاتها. وأتمنى ما تطول مدة الأدب، ولو إني أشك إنك تقدر تسوي بأمرها شيء. رجوه وحدة، الكل غاسل يده منها وما منها نفع. -صار خير يا عمي. مو هي البدت؟

ونهت علي وحطتني بالأمر الواقع، تتحمل. هي كل ظنها إني مثل سالم، واللي كان يجري عليه يجري علي. بس وربي لأدفعها الطاق طاقين. أما عند رجوه... عوالي: -يارجوه، تعالي لخيمتي أريدك. رجوه: -أبشري يا عمه، أمشي وأنا معاك. وصلا الخيمة ودخلت رجوه وهي تشعر بالأمان. وما إن خلعت عوالي نعليها ووشاحها، حتى هجمت على رجوه وقيدتها وقالت لمايزه:

-مايزه، أمشي هاتي لي ماعون جمر وحطي به سكين. اليوم وإلا لأكويها بالفانص بلسانها وأخليها ما تعرف تحكي للعام القادم. رجوه: -ليش يا عمه؟ أنا إيش سويت؟ عوالي: -وتسالين يا عديمة الحيا، يا اللي ما مرت عليك المستحى؟ تقفين بنص القبيلة وتنهين على شب؟ ولجل مي وجه أبوك تخليني أكذب؟ أنا بهالعمر اللي أجمع به الحسنة فوق الحسنة لجل أقابل ربي بهن، تخسريني حسناتي وتحمليني ذنوب؟ أنا أقف وسط رجال بشناب يحط عليها الصقر وأكذب عليهم؟

اليوم ما تحوشني عنك ولا المعجزات يا رجوه. امشي يا مايزه، ما تتلكأي وإلا كويتك معها. مايزه: -تم، تم يا شيخة. الحين بروح. غادرت مايزه وظلت عوالي مقيدة لرجوه. ورجوه صامتة تمامًا، سارحة ومبتسمة، وكأن عوالي كانت تتحدث مع غيرها.

وسرعان ما عادت مايزه، وأجلستا رجوه. والغريب أنها لم تجد منها أية مقاومة. ثم كشفت فخذها وأمسكت السكين وقربته منها، فلم تجدها إلا مستسلمة وعلى نفس ابتسامتها وبلادتها. فألصقت عوالي السكين بفخذها، فلا صرخت ولا هللت، بل أغمضت عينيها مبتسمة. فهدرت بها عوالي: -إيش فيك تتبسمين؟ ما عدتي تشعرين بالألم؟ ما عاد عندك إحساس؟ مات كل شيء فيك مثل ما مات حياؤك؟ ردت عليها رجوه بهدوء:

-لا، ما مات. وحسيت بالكي وشاغت روحي بعد. بس قلت لحالي، هالكي ثمن زواجي من عقاب، وما أبخثه من ثمن. زيدي الكي وحمي السكين أكثر، والله لأجله الجحيم أتحمل، مو بس كي. همت عوالي أن تعيد الكرة، فأمسكت مايزه يدها وقالت: -كافي يا شيخة، البنت جسمها تشوه وما عاد فيه شوفه. غدوه وقت تكشفه لزوجها، إيش يشوف منها غير الندوب؟ عوالي: -هي اللي تجيب الوجيع لروحها. لو تقعد راحة ما يجرا عليها شيء. رجوه:

-اتركيها يا مايزه، اتركيها تزيد وتعيد وتكوي وتشوه. إذا روحي شوهوها، ما يشوهون جسدي؟ زيدي يا عمتي وحمي سكينك زين واغرزيها بلحمي وشمي ريحة لحمي المحروق وتكيفي. لا وتقولين ما أريد ذنوب وأجمع الحسنات! بأي دين شفتي التعذيب بالنار حلال حتى تطبقيه على الناس؟ أي ملة حلت لك هاي القسوة؟ وإيش أوحالك إن ما عليها حساب من رب العالمين؟ ما مرت عليك إن ما يعذب بالنار إلا رب النار؟

رمت عوالي السكين من يدها وأمسكت رجوه من ذراعها وجذبتها نحو باب الخيمة ورمتها خارجها وهي تقول لها: -اغربي عن وجهي يا شجرة الحنظل، يا بلوة هي القبيلة وبلوة حياتي بعد. لا تخليني أشوف وجهك ولو صدفة يا رجوه، والله إني كرهتك بعد ما كنت أحبك وأشفق عليك. رجوه: -هذا الطبيعي. أنا ما حد يحبني، وهيك أحسن لي حتى ما أعمل حساب لمحبة حد، ولا أقف عنده وأقول لجل فلان ما أسوي هيك. أكرهوني لجل تقووني أكثر وما أنكسر بمحبتكم.

قالتها وانطلقت مبتعدة وهي تقاوم البكاء من ألم الكي الذي شعرت به كله الآن، وخاصة كلما تحرك ثوبها فوقه ولامسه، تشعر بألم أكبر. وصلت خيمتها وظنت بأن لحظة إطلاق الآهات والاستسلام للألم حانت، ولكنها توقفت على صوته خلفها يقول: -مبارك عليك عقاب يا رجوه، والله عشقتي ونولتي، يا بختك. استدارت ونظرت إليه وتطلعت بوجهه قليلاً، ثم قالت بصوت مختنق:

-أنت علمتني يا سالم، أنت علمتني آخذ من الدنيا اللي أريده بذراعي. مو أنت اللي كنت تقول لي، ما تنتظري من حد شيء، واللي تريديه مدي يدك وخذيه. مدي يدك على الأحلام وحققيها، مدي يدك على السعادة واقنصيها، ومدي يدك بجيبي وقت تعوزي قروش وخذي، ما تسأليني. مو أنت اللي خليت يدي طويلة تطول أي شيء؟ مو أنت اللي علمتني القنص يا سالم؟ ليش جاي اليوم تلوم علي؟ سالم:

-لا يا رجوه، ما جيتك لايم. أنا جيت أبارك لك وأبارك لروحي قبلك، لأني أشوف نتيجة علمي فيك، وكيف صرتي قناصة ما في منك. وأول التصويب صوبتي على قلبي، ومن بعدها جبتي أحلامك تحت رجليك، كل حلم بسهم واحد. رجوه: -الدنيا ما تنعاش غير هيك، ما تنعاش غير بأنانية وطمع. هذا درس أريدك تتعلميه مني، مثل ما تعلمت منك واجد دروس. سالم: -ومنك نستفيد يا بت عمي. صمتت وصمت هو، وعيونهما تتحدث. فقاطع الصمت سالم وقال لها:

-أشوف بعيونك واجد حكي، وأنا عهدي بك ما تكتمين، ومو معقول الطبع يتغير. رجوه: -لا، ما تغير. بس أدري كلامي لك ما راح تفهمه ولا تعترف به. سالم: -جربي، ما خسرانة شيء. رجوه: -أقول يا سالم... تعال وتخيل معي إذا أنت مو بحياتي من البداية، إذا ما أخذتني وعلمتني كل شيء ومادلتني ولا عشقتني ونهيت علي، إيش كان راح يصير؟ سالم: -ما أدري. رجوه: -أنا أقول لك يا سالم...

ما كنت عرفت التمرد، ولا اقتربت من عقاب، ولا رحت الحضر وشفت عيشة أهله، ولا كنت حبيته. كنت تكيفت مع حياتي وصار علي اللي يصير على كل بنات القبيلة. كنت عشت حياة طبيعية عادية، وما كانت روحي اتملت حروق مثل ما جسدي انملى كي. أنا كل ألم شفته يا سالم أنت سببه. ولو وازنا بين الألم اللي شفته بسببك والدلال اللي شفته منك، أشوف الألم يزيد أضعاف. سالم:

-أي يا رجوه، أنا سبب كل شيء. أصلاً ما في فايدة. أنا السيئ بكل رواياتك، وأنا الظالم وأنا الجلاد، وأنا سبب دمارك. أصلاً على من بترمي إن ما انرمى على سالم؟ بس تعرف... والله يستاهل سويلم... يستاهل، وأيش ما سويتي به قليل عليه. روحي يا رجوه وعيشي حياتك، ولآخر العمر ضلي ارمي اللوم علي. كل ما تعثرتي بحجر وطحتي، قولي سالم السبب. كل ما حدا آذاك، قولي هذا الأذى من سالم. سالم: -وليش تزعل من الحق؟ رجوه:

-لا، ما أزعل من الحق ولا من اللي تظن إنها تقول الحق. أنا زعلي من نفسي أكثر شيء. زعلانة مني لأني أعطيت وما حسبت العطا يعود علي بالوجع. سالم: -أوهووو، كل ما فتحت فمك تقول أعطيت وأعطيت. ياخ سئمت من مذلتك اللي ما تنتهي. جزعت روحي من معروفك اللي تحسب روحك لافه حول رقبتي، وكنت تريد تجرني به خلفك مثل البهيمة. أي جبت لي حلا وجبت لي ملابس وجبت لي واااجد أشياء، بس مو معناها إني أصير لك جارية يا سالم. سالم:

-أنا ما أقصد بالعطى شيء من كل اللي ذكرتيه يا رجوه. أنا أقصد شيء وأنت فهمتي شيء. وما راح أتعب روحي معك بالتفسير. إذا ما ان فهمت لحالها وانحست، ما بتوصل. كادت أن ترد عليه، ولكن قاطعه صوت آدم من خلفه يقول: -أقول إيش واقف تسوي مع شجرة الحنظل حقي يا سالم؟ آدم: -ولا شيء يا خوي. جيت أبارك لها وأتمنالها أيام حلوة تشوفها معك. آدم:

-والله ما أظن راح تشوف معي إلا أيام بلون الغرابيب السود. وأول الشوف، أنا اشتريت الحين قطيع هوايش ١٠٠ راس، وما حد راح يرعاهم غير مرتي المستقبلية. من الحين كل يوم تاخذينهم وتطلعين للوادي، ما تردي إلا وقت الغروب. وإذا شردت منك نعجة، تحسبين روحك بدالها، وأذبحك وأحطك بالسيخ وأشوّيك وآكلك. وبنهاية اليوم تحلبيهن كلهن، وألبانهم تبيعينها وتشيلي لي قروشهم معك. أريد وقت أرد من الحضر أشوف إيش سويتي بالأمانة اللي حملت لك. رجوه:

-هذا تأديب ولا تعذيب، ولا إيش يا عقاب؟ آدم: -هذا تحسبيه مثل ما تحسبيه يا بلوة. سالم: -يا عقاب، شوي شوي مو هيك. كيف ترعى ١٠٠ راس غنم وتحلبهم لحالها؟ آدم: -إيش يا سالم تقصد بقولك؟ تريد مرتي تقول عليك، بك حنّ عليها أكثر مني؟ ولا إيش؟ اسمع، أنت مالك علاقة بأي شيء، وأظن أنا نبهتك، ولا نسيت؟ وهنا أكملت رجوه: -أي يا سالم، أنت ما تتدخل، واللي يقوله زوجي سيف على هالرقبة وتنفيذه واجب علي. ومو بس لو أشقى، لو أموت أنفذه. نظر

عقاب لسالم وقال له بحزم: -تريد بعد يا سالم، ولا اكتفيت؟ سالم: -لا يا خوي اكتفيت. سوّي بها اللي يرضيك، وأنا لو شفتك حاططها بين شقين رحى وتطحن بعظامها، والله ما أطلب لها الرحمة. من رخصتك يا خوي. آدم: -مرخص يا قلب أخوك... الله معك. غادر سالم وابتعد. فاستدار آدم ونظر لها وقد تلونت عيناه بلون الدم، وبكل غضبه رفع كف يده وهوى بها فوق وجهها، أسقطها أرضًا. ثم أمال بجذعه عليها وهمس لها وهو يصك على أسنانه:

-هي مباركتي لك بعد اللي سويتيه وتقدير قليل مني لجهودك المبذولة. أنا تنهين علي وسط القبيلة كلها وتحطيني قدام الأمر الواقع؟

وربي وما أعبد يا رجوه، من الحين لأكرهن الساعة اللي فكرتي فيها بـي زوج لك وراعي بيت. وأريد أقول لك شيء، تحطيه حلق بأذانك. أنا مو سالم. عهد سالم ولى، وبدأ عهد عقاب اللي راح يسلب راحتك يا فانص يا اللي ما تعرفي عن الحيا شيء. غدوه من غبشة الصبح تروحين لبرقي وتستلمي منه ١٠٠ راس غنم وتطلعين بهم للوادي، وما تردي بهم إلا وبطونهم معبايه.

أنهى كلماته وتحرك من أمامها مبتعدًا. فجلست معتدلة وهي لا تعلم مم تتألم أكثر، من كي النار أم من ضربته التي كادت تكسر فكها، أم من قسوته عليها، أم من قلبها المتمسك به رغم كل هذا؟ قامت ودخلت الخيمة وتسطحت فوق فراشها وأغمضت عينيها وتبسمت، فبرغم كل الألم إلا أنها سعيدة وتشعر بنشوة عارمة. أما آدم فذهب لرابح وجلس بجواره وأخذ يتأفف. فما رأى من رابح سوى الصمت. فصرخ به قائلاً: -ياخ سل، إيش بي؟

فتشني واعرف إيش حارقني ويخليني أتأفف حدك! رابح: -ليش؟ هو أنا ما أعرف إيش بك يعني؟ الله يكون بعونك والله. آدم: -بس هيك؟ رابح: -لكن إيش أسويلك أنا؟ وإيش بيدي عليك؟ آدم: -يعني هي الفانص تحكم علي وتلبسني ربطة راس مثل نساء القبيلة وتنهي علي وتريدني أسكت؟ رابح: -لا تسكت. اذبحها وما حد راح يلوم عليك، وعمك قصير مو بعيد يعطيك نصف أمواله جائزة. آدم: -تمزح أنت صح؟ وقت مزح هذا يعني يا رابح؟ رابح:

-وربي ما أمزح. بس رجوه ما عاد ينفع معها إلا الطم تحت التراب. أنت حكيت إنك تقدر تغيرها، وهي فرصتك وأخذتها، وهي بروحها عطتك إياها. الساحة قدامك والعدو فيها. هيا انزل ونازل. آدم: -أي، بس الطريقة يا رابح واجد صعبة وما متقبلها. رابح: -زيد عليها بالعقاب وكثر من التأديب، وكل شيء بحسابه. آدم: -ما أحتاج وصايا. أنا من غلبي راح أتفنن بتأديبها. رابح:

-بس شوي شوي على سالم. أنا وأنت ندري إنك وقت تعذبها، ثلثين العذاب ينزل على سالم قبلها. آدم: -لا، ما ينزل. سالم كرهها. رابح: -والله سالم ما يكره رجوه، ولو شافها تسل خنجر وتضربه بنص قلبه. آدم: -زين، يتحمل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...