نوف انتظري. ايش تريد؟ أنا هلال ولد الشيخ، ما عرفتيني؟ أعرفك، كيف ما أعرفك. ودريتي إني رهنتك، ولا بعده عمي قياتي ما قال لك؟ دريت. وايش رأيك؟ رأيي بيش؟ ليش أنتوا تتركون مجال للبنت تقول رأيها؟ ولا البنت لها رأي من الأساس بقوانين الغابة، تتزوجون وتعيشون بيها؟ قوانين غابة إيش؟
نوف الله يهديك، أنا ما أفهم الحكي الوعر، وأريدك تفهميني شوي شوي. أنا الحين شايفك مزعوجة مني وما طايقة تحكي معي، وأريد أعرف السبب. أنتِ ما تريديني يعني؟ تفرق؟ أكيد تفرق. تفرق بيش؟ تفرق بأني أسوي مجهود زيادة لترضي وتكوني هانية وفرحانة وترضي بي وعني. أنت تعرف إننا ما نقول حلو الكلام، بس نفعل أفعال. وأنا من اليوم أعاهدك ما تشوفين مني إلا اليسر. بس أريد أعرف أنتِ إيش تحبين وإيش تكرهين، إيش يفرحك وأيش يزعلك.
أكثر شي أكرهه بالدنيا عيشة القبايل وأعرافها وناسها وتفكيرهم، وأموت ولا أسكنها. لكن إذا تزوجنا وين تسكنين؟ ما أدري، أنا أنتظر معجزة من ربي. وإذا كان زواجنا محتوم، انسى إني أسكن خيمة وأفيق الصبح أحلب غنم وأطبخ على هالشو يسمونه وأملأ المي من البير. أسويلك بناية مثل بناية عقاب وما أنقص عليكي شي. ووين راح تبني البناية؟ أنا مو هليت كلامي بأني أكره القبايل وعيشتها؟ حيرتيني معك يانوف، يعني إيش تريدين الحين؟
أريدك تفك نهوتك عني ياهلال. أقول ليش ما تأخذ عفراء؟ هي تحب حياة القبايل وتشوف متعة في العيشة هين. خدها وتصير الشيخ وهي الشيخة. والله عفراء تفرح فرحة عمرها وتشيلك أنت والقبيلة كلها فوق راسها. بس العين وماهوت يابنت العم، وأنا عفراء ما شفتها لي حرمة. أنا من أول ما طاحت عيني عليك شفتك راعية خيمتي وأم وليداتي. أوهووو يقولي راعية خيمتي. ياااخ أكره الخيام، ما تجيب طاريها. أقولك روح ياهلال شوف وين كنت رايح وكمل طريقك.
ما كنت رايح مكان، أنا كنت أدور عليك وجاي لك مخصوص حتى أحكي معك. وخُكيت، وأنا بعد حكيت اللي عندي. طيب أقول تعي معي للوادي نقنصوا، راح أعلمك القنص واليوم تاكلي من صيد يدك لحم طازج. نظرت له نوف بإشمئزاز وردت وهي تواجه شعور شديد بالغثيان: ويزعل وقت أقول قوانين الغابة! أنت ليش ما تخاف الله؟ إيش تحس وأنت تقنص أرنب كل ذنبه إنه طلع من جحره يدور طعام فيصير هو طعام؟ ماسألت حالك الأرنب اللي قتلته مات جوعان ولا عطشان؟
كان يدور شربة مي مثلاً ونهيت عمرك قبل ما تشربها؟ ما يصعب عليك غزال صغير شرد من أمه يدور العشب وقبل لا يأكل ولا يشبع فاضت روحه بسببك؟ والعشية تلتفون حول هالمساكين تشوون وتأكلون لحمهم، إيش تفرقون عن الضباع والوحوش قول لي. عرفت أنا من إيش أكره القبايل وأسلوب حياة أهلها. صمت هلال قليلاً لا يستطيع استيعاب كل هذه التهم التي قذفته بها، فرد عليها بتيه: بس الصيد والقنص حلال يانوف، ليش أنت تشوفينها جريمة؟
بس مو كل الحلال محبوب ياهلال. ربك أحل أشياء كثيرة بس ما يسويها إلا المضطر، حللها لتكون سبب نجاة إنسان إذا ضاقت بوجهه كل السبل. أقول كلامك وعر وما أفهم عليك، تزيدين ألغاز؟ يعني تقصد تطلعني ما أفهم الحكي. وهذا ثاني أكبر شي ياهلال، أنت مو متعلم وأنا متعلمة وعقولنا ما تتواءم بعضها وما راح تفهم علي. من قال إني مو متعلم؟
أنا متعلم وأعرف أقرأ وأكتب وأحسب، بس مو هذاك العلام اللي تاخذونه بالكتب وتحفظونه. أنا أبوي قدملي بمدرسة الحضر بس ما داومت. جابلي مدرس هين بالقبيلة علمنا أنا وباقي الوليدات القراية والكتابة والحساب وبطلت أمشي للمدرسة، بس ما تحسبيني على الجاهلين. لا ياهلال هذا ما يناسبني، الدارسة ما تأخذ إلا دارس، وأنت إذا كنت مشيت المدارس كان عرفت أنا إيش أقصد. يا ابن الحلال أنا وأنت مشروع زواج فاشل.
لا مو فاشل، أنا بسوي كل شي يطلع بيدي لأجل ينجح المشروع، وغدوه لتشوفين إيش راح يسوي هلال. والحين اتركينا من القنص والصيد طلعنا ما عندنا قلب ولا رحمة إذا صدنا. تعال نتمشى بالخيل للوادي وأوريك جمال الطبيعة والبراح اللي ما شفتينه بعمرك. ما أريد وما أحب البراح. يابنت إيش تقولين أنت! فيه حد ما يحب البراح؟ لتكوني طير من اللي يحبسونه بالأقفاص وصار ما يعرف الحرية!
أي أنا طير أقفاص، وأنت طير براح، وكل واحد على حسب ما تربى. يلا طير أنت وأشقي بروحك واتركني بقفصي أنا هيك مرتاحة. أنهت كلماتها ثم انطلقت مبتعدة عنه ووقف هو يراقبها ويهتف لنفسه: عنيدة يابت عمي ورأسك يابس، بس ورب الحلا اللي شايلتيه لأكون كسار هالراس وأخليك تحلفين بحياة هلال وما تطقين تتنفسين الهوا إلا لو قاسمتك فيه.
عادت نوف لغرفة آدم وهي حانقة بسبب كل ما يحدث، وخاصة بعد أن تحدثت معه ورأت أن لا لغة للحوار بينهم ولا توافق من أي نوع. فهو ربيب الخيام والصحاري ولا يفقه من كلامها شيء، وهذا في حد ذاته سبب قوي للرفض. فماذا عن باقي الأسباب؟ جلست بمفردها حتى اقتحمت عفراء خلوتها وقاطعت أفكارها قائلة: حياكم الله، ردوا التحية أو أعطوها بدالها قروش. شفتك واقفة مع هليل من شوي، هااا أشوفه سلب العقل بكلمتين والبال انشغل. بشري بشري.. كيف شفتيه؟
كيف أشوفه يعني واحد همجي تربى بالصحاري، مجرم يغدر الحيوانات الضعيفة ويأكلها بدون رحمة. إنسان مو طبيعي تربى ببيئة غير طبيعية. لا ويريد يعلمني الإجرام مثله وزهق الأرواح. وهي الحيوانات ليش انخلقت إلا للأكل؟ أقول يانوف والله يابنت أمي انت اللي مو طبيعية. طيب أنا شفته ركب فرسه وفر صوب الوادي وخذ قوسه وسهامه. يعني هو راح يقنص الحين. قصدك راح يقتل. طيب إذا مشيت له يعلمني القنص تزعلين يانوف؟
أنت بعد تريدي تصيري مجرمة ياعفراء؟ أي أنا من زمن والإجرام يجري بدمي بس ما كنت لاقية فرصة أظهره. والحين تزعلين وتغارين لو لا؟ عليش أغار؟ روحي لجهنم الحمرة أنت وهو وخليه يعلمك القتل ياحفنة أوغاد. والله هذا الهلال ما يتواءم غير معك، طنجرة وغطاها. بس ما أدري ليش هو ماشايف الطنجرة المناسبة ولاحقني.
غادرت عفراء المبنى وهي تقفز من الفرحة، فلأول مرة ستمارس هوايتها المفضلة على أرض الواقع، بعد أن كانت تمارسها في حديقة منزلهم على الزجاجات الفارغة. ذهبت لأبيها وطلبت منه أن يحضر لها قوس وسهام، فحقق لها رغبتها وهو يرى حماسها تجاه التجربة، واطمأن قلبه لوجود هلال هناك.
فكت قيد أحد الأحصنة وامتطته وغادرت مسرعة نحو الوادي، وحينما اقتربت رأت هلال جالس خلف صخرة كبيرة ومصوب سهمه في اتجاه. ولما ركزت رأت تيس بري يرعى، فأوقفت الحصان ونزلت ونزعت قوسها من فوق كتفها وعمرته بسهم وسمت الله وفي ثانية أصابت التيس أوقعته. فنظر هلال مبتسماً في الاتجاه القادم منه السهم ظناً منه بأنه عقاب أو رابح وربما سالم، لأن هذه حركتهم المعتادة، ولكنه تفاجأ بها. عاد ينظر للتيس وموضع السهم فوجد الضربة في مكان قاتل،
فصاح لها: يبه عاشت يدك، حظ المبتدئين هذا. فتقدمت عفراء من هلال وقالت وهي تمسح المكان بعينيها: بس اللي أعرفه حظ المبتدئين ما يحالف غير بأول رمية. شوف الثانية واحكم إذا حظ مبتدئين أو مهارة. أنهت جملتها وعمرت قوسها بسهم آخر وابتعدت بهدوء وهي تهمس لهلال: التيس ما يمشي إلا بقطعان، وأبي علمني إن الشارد لابد وإخوانه قراب منه. رد عليها وهو يتبعها: صدق علام أبوك، وهي المنطقة بها واجد تيوس. نظرت إليه عفراء ولم تستطع
إخفاء ابتسامتها وردت عليه: أي منتبهة على هذا الشيء. أنهت جملتها وضحكت فرد عليها هلال بغضب: ضميرك مو تمام ونواياك خبيثة، تفهمين الكلام على هواك. أنا ما قصدت شي، خلي نيتك صافية وواسع البال وخذ الحياة ببساطة. أنت قلت معلومة وأنا صدقت عليها. والله تقصدين شي، وشي سيء ومو أنا النية بحاجة صفاء ياتيسة الحضر أنت. بس الحضر ما في تيوس، التيوس بس بالبوادي والوديان تعيش.
أقول يابت عمي قياتي روحي من هالصوب وأنا بروح من هالصوب وماتردي إلا بعد ما تنتهي وتخلصي سهامك. وإذا ما عرفتي تردي خذي هال مسدس، اضربي بارودة بالجو وأنا أعرف أندل عليك. يكون أفضل، حتى أنا ما أرتاح مع الأشخاص اللي يحرفون الكلام. والله تقصدين الإهانة وأنا مو غبي حتى ما أفهم. زين.. كانت مزحة.. شقة.. طُرفة.. لا تأخذها إهانة وتأسرها بنفسك وتقلبها عداوة. وأنت راح تصير زوج أختي، يعني أخي، والأخ ما يتزاعل مع أخته.
حصل خير. بالمناسبة خلصي وتعالي أريد أحكي معك بخصوص أختك. ما تريدك ولا تريد القبيلة ولا تحب هالعيشة كلها وعلى تكه تريد تحرق روحها. أعرف. ما قلتي شي جديد، بس أنا أريدك حتى تعرفيني كل شي عنها، إيش يرضيها ويفرحها ويرسم البسمة على شفافها. منك أنت ولا شي، لا تحاول، كل محاولاتك راح تفشل. أقول روحي ياعفراء ترا صراحتك تصيب أدق من السهام اللي بيدك وتستقر بمواضع الأمل تقتلها. امشي الله يهديك.
غادرت عفراء وهي تبتسم وبدأت رحلتها، أمتع شيء فعلته طوال عمرها. أما في القبيلة. حيي عليك وعلي، إيش تقول ياصياح، فضيت نهوتك على رجوة بت الشيخ؟ أي فضيتها وكنت ناوي آخذ بت قياتي بس الحظ ما حالفني، ولا طالت بلح الشام ولا زبيب اليمن. عليك من الله ما تستحق يا طماع يا غبي يا قليل العقل، ضيعت من يدك الهيبة والسند. وينها الهيبة وهي كل شوي تفتح راسي وتسيح دماي؟
أقول أنا ما أريد أتزوج، وإذا عالقروش أنا أعرف أجيبها بذراعي من بطن السبع. أنا ما قلت لجل أنتظر حرمة تفتح لي أبواب الخير، أنا بروحي أكسر الأبواب. ردت عليه خولة: بس دير بالك وقت تكسر الأبواب تسقط فوق راسك الكبير تفلجا نصفين. خولة تسكتين ولا أقوم أقطعك وأذبحك وأقطعك وأرميك للضباع تتعشى بك؟ أنا الحين ما أطيق حالي. تذبح مين أنت؟ والله ما تقدر. أنا الحين لي سبع ياكلك إذا قربت مني. سعود الخايس صار سبع؟ لا وياكلني بعد!
والله هم يضحك وهم يبكي. تدري سبعك اللي تتحامى فيه هذا أنا ما أتعب روحي وأرفع يدي عليه، أنا بس أرشه بسطل مي يموت بأرضه. وموته وموتك على يدي من قريب، قولي أن شاء الله. سويها وأنا أشوفك الجحيم ونار الحميم كيف يكون ياصياح. ورجلي ما خايس، وإذا تجيب طاريه وتتكلم عنه تكلم بأدب وتقول الشيخ سعود. وهنا قفز صياح وأمسك خولة من رقبتها خنقها وأخذ يتحدث
من بين أسنانه المطبقة: شاخ عمرك وعمره، الحين موتك على يدي يا خايسة أنتِ وشيخ الخوايس الفرحانة به. والله يا خولة ما أتركك إلا وأنتِ راقدة ما تتحركين. أخذت خولة تعافر حتى تتخلص منه وتضرب الهواء بيديها ورجليها، ولم يخلصها منه سوى أمها التي صرخت بكامل صوتها: وااااك عليكم يا خلفة الشوم يا أشجار حنظل نبتت ببطني وسكنت خيمتي. وااااك تعالوا يا أهل القبيلة واتفرجوا علي خيبتي القوية وشوفوا ولادي يموتون بعض والأخ يخنق بأخته.
هي اللي جابتني وأنا ما احتكيت بها. قولي لها من الحين ما تفتح خشمها علي ولا تقول عندي أخو اسمه صياح. لجهنم الحمرة صياح واسمه وصورته. الله يأخذك يا عديم الرحمة. روحي على تكه وفاضت. لسانك راح ينهي عمرك يا خولة تذكري هذا الشيء. تذكر أنت أنك من الحين صرت عدو لي. وحياة تراب صالحة لأدفعك ثمن قسوة قلبك. أي تراب صالحة اللي تحلفين به!
تتفائلين علي بالموت يا داشرة. رد اخنقها ياصياح وهالمرة ما تتركها إلا جثة وأنا بيدي أدفنها وأحط فوقها التراب. والله إذا ما بعدتوا عني آخذ أغراضي وأروح عند سعود وأمه بخيمتهم بدون عرس ولا أي شي. لتفكرون إني مالي حد وطيرة مكسور جناحها. اصحوا أنا خولة مرت سعود. خ...
ه عليك وعلي سعود بساعة واحدة. أقول ياصياح أنا ماشية عند حريمات القبيلة، إذا جلست بالخيمة أكثر راح أنجلط. وأنت روح شوف لك مكان أجلس به ولا تجي الخيمة وأنا مو فيها حتى لا تغيلها. أي والله أنا ما أطيقها ولا أطيق أشوفها. أمشي أحسن لي. أي امشي. امشي يامرفوض ياللي قياتي ما رضى يزوجك بنته يا عار القبايل يا عرة الرجال. ما تصير رجال غير على خولة بس. أذبحها الحين؟
لا امشي امشي. امشي وسيبها يرزقها بذيب ينهشها على غفلة ونفتك منها ولا تلوث يدك بها. خرج صياح وابتعد عن الخيام وهو يفكر في الطريق الجديد الذي سيسلكه نحو حلمه بعد أن أغلق طريق الزواج. وهل سيكون سهلاً أم صعب؟ فهو لا يحب الطرق الوعرة ولن يصبر إن كانت الطريق طويلة. أما عقاب، فقبل قليل كان يجلس مع رابح، وانضمت إليهم معزوزة بعد أن أحضرت لهم القهوة التي طلبوها منها، وجلست بجوارهم تحتسيها معهم،
فقال لها آدم: هي القهوة مو خطر على الجنين يامعزوزة ولا إيش؟ ليرد عليه رابح منزعجاً: مع من تتكلم أنت؟ معزوزة ما يهمها خطر ولا مطر. الولد ببطنها وهي معدتها ما متحملة وأنا تعبت أحذرها من القهوة وهي ما ترد. ما تخافون أنا وليدي وارث القوة من أبوه وما راح يصيبه إلا الخير. وإذا على معدتي إذا طاوعت حرقتها ما آكل ولا أشرب شي. اتركني أشرب القهوة برواق الله يرضى عليكم واشقه باللي جايه صوبنا وخطاويها مثل اللي تلبسها جني.
وصلت رجوة ووقفت أمامهم ووضعت يديها على خصرها وهدرت بهم: والله زين تتقهوجون وتتسامرون ما أحلاكم وأنا تاركيني أذوق الحنظل من قصير ونباح. ايش فيك يارجوة ليش رياحك تلفح؟ أبوك ما يفوت فرصة إلا ويجيب فوق راس رجوة ويكيل. ماشي عرفنا إني فانص، ليش كل ما تحدث عني مع حد يقول فيها وفيها؟ يا أخ ما تارك حد إلا ويفهمه إني عار. وين وجه الاعتراض وعلى إيش الزعل؟ ما أنت عار بالفعل.
ياعقاب أنت بالذات لا تزودها لأنها منك غير وتوجع أكثر من الكل. وبالمناسبة صياح فك رهنه لي والحين أنا صرت حرة وأريدك توفي بوعدك وترهني، أو تتزوجني فوراً. أنت ما في شي يمنعك ولا أنا. متى صياح فك الرهن؟ الحين فكه وراح لحاله الله لا يرده ولا يرد اسمه يقترن باسمي. اتركنا منه ولا تجاوب سؤالي بسؤال، متى توفي ياعقاب. ما أدري مو الحين.
لا الحين، ومن هاللحظة أنا صرت لك ياعقاب. يا أهل القبيلة، يا قوم، يا رجال يا نساء يا وليدات. اليوم صياح فك نهوته علي وعقاب طلبني اليوم للزواج وبوي عطاه. كانت تصرخ بصوتها العالي فتجمع أهل القبيلة على صوتها، فوقف آدم وهو لا يعرف بماذا يبرر. فبدأ التهامس، وحضر قصير حين رأى التجمع، وبمجرد وصوله سأله أحد الرجال: إيش هذا تقول بنتك يا شيخ؟ كيف يعني عقاب خطبها وعطيتوه وهو مو من مجاويزنا؟ وين صارت هي لتصير بقبيلتنا؟
صمت قصير وهو لا يعلم ماذا يقول، فلم يكن هذا هو الاتفاق، بل كان إنه سيوهمها ويمطل حتى يعيد لها رشدها. أما الحين فإنه صار مأزق لا يستهان به. وهنا تدخلت عوالي قائلة: من اللي قال إن عقاب مو من مجاويزنا؟ عقاب له جذور بدوية وينتمي لجدنا الأكبر معاوية، وإلا ليش الشيخ منصور استقبله وسطنا وسمحله يشب ويكبر بين وليداتنا؟
أكيد كلكم تتذكرون الجد غانم أخو معاوية اللي أهله صحوا بيوم مالاقوه. غانم من سنين طلع عايش وسافر العراق وتزوج وعاش ومات بالغربة وما حد رد مصر من نسله إلا محمود أبو آدم. وإذا ما تصدقوني اسألوا وتقصوا بروحكم. صمت الجميع وأخذوا يتبادلون النظرات المبهمة فيما بينهم ورد عليها أحدهم: بس الشيخ منصور ولا مرة جاب طاري الموضوع، أشوفها غريبة واجد ياشيخة وتريد الصدق ما دخلت مخي.
تدخل ولا ما تدخل آخر همي. إحنا ما نخالف أعرافنا لأجل أي شي، والحين آدم ولدنا بالدم والعرق، وخطب بنت عمه وأبوها عطاه. اللي يريد يسأل يتفضل الطريق مفتوح. هو مثل ما قالت عمتي بالضبط، ومن الحين رجوة لعقاب.
كلمات بسيطة خرجت من جوفه ولكنها كانت كفيلة بأن تحيي قلب رجوة وتجعلها تشعر بأنها أخيراً فازت بالحرب اللي تقاتل فيها بمفردها، وأخيراً غلبت الفئة القليلة. أما آدم فكلام قصير وضع بيديه أصفاد لا يعلم من أين أتت وقيدته، وأماتت ذاك القلب الواقف بعيداً يتابع في صمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!